welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
رسايل فقهيه
الرضاع
الرضاع

الثاني من أسباب التحريم ـ بعد النسب ـ هو الرضاع، وقد ورد به النصّ في الذكر الحكيم والسنّة النبوية وأحاديث العترة الطاهرة، ولا خلاف بين الأُمّة في أنّه من أسباب التحريم، وإنّما الخلاف في شروطه وفروعه.
وقد فصّلنا الكلام في هذا المجال في محاضراتنا التي ألقيناها، ولمّا قام قرّة عيني الفاضل المحقّق الشيخ حسن مكي ـ دامت إفاضاته ـ بنشر ما ألقيناه في خصوص باب الرضاع مشفوعاً برسالة «لاضرر ولاضرار» بدا لنا أن نجمل الكلام في المقام ونحيل التفصيل إلى تأليفه ورسالته، ولأجل ذلك نقتبس ممّا كتبه من أبحاثنا في الرضاع، ما يرجع إلى دليل التحريم وشروطه ونترك الباقي إلى كتابه.
وهناك سبب آخر للإيجاز في المقام وهو قلّة الابتلاء بمسائل الرضاع بعد ظهور الحليب المجفّف في العصور المتأخّرة حيث استغنت النساء عن إرضاع أولادهنّ، ولعلّ هذه الحادثة الطارئة لاتطول وسوف يرجع الإنسان إلى التغذية بلبن الأُم الذي خلقه الله سبحانه في ثديها قبل أن يخرج الطفل إلى عالم الوجود، وربّما نسمع من بعض الأطبّاء أنّ الغذاء الكامل للطفل هو لبن الأُمّ فقط ولاينوبه شيء ولكن أين الأُذن الواعية؟!
 
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
قد نصّ الكتاب الكريم على أنّ الرضاع سبب لحرمة النكاح قال سبحانه: ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرضاعةِ ) ( [520]) . وتضافر عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» رواه المشايخ الثلاثة.( [521])
وأمّا أهل السنّة فروى البخاري ومسلم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة». وروى مسلم: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، إلى غير ذلك من الألفاظ المتقاربة، قال البيهقي بعد نقلها: وروينا هذا المذهب من التابعين عن: القاسم بن محمّد، وجابر بن زيد أبي الشعثاء، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، والزهري.( [522]) وتحقيق المقام يستدعي البحث عن أُمور:
1ـ توضيح مفاد القاعدة
المتبادر من الرواية ـ بعد ملاحظة ورود قوله: ( وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ... ) في ثنايا المحرّمات النسبية السبعة ـ هو أنّ المحرّم بالرضاع هو نفس المحرّم بالنسب، والرضاع يقوم مقام النسب.
وبعبارة أُخرى: المراد من الموصول العناوين النسبية السبعة المحرّمة الواردة في الذكر الحكيم في قوله تعالى: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَ خالاتُكُمْ وَ بَناتُ الأَخِ وَ بَناتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ وَ أُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتي في حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) ( [523]). و المعنى أنّ كلّ عنوان محرّم من جهة النسب، هو بنفسه محرّم من جهة الرضاع فالأُمومة ـ مثلاً ـ المتحققة بالنسب والمتحقّقة بالرضاع، سواء في الحكم. وعندئذ لاحاجة إلى تقدير لفظة «نظير» مع ما فيه من سقوط العبارة عن البلاغة الخاصة لكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قال الشيخ الأنصاري: وإنّما عبّر بهذا للتنبيه على اعتبار اتّحاد العنوان الحاصل بالرضاع والحاصل بالنسب في التحريم، صنفاً. مثلاً الأُمّ محرّمة من جهة النسب، فإذا حصل بالرضاع نفس هذا العنوان، حصل التحريم من جهة الرضاع. ولو حصل بالرضاع ما يلازمه (العنوان) مثل أُمومة أخيه لأبويه، لم يحرم... إلى أن قال: فحاصل معنى هذا الحديث: التسوية بين النسب والرضاع في إيجاد التحريم، وأنّ العلاقة الرضاعية تقوم مقام العلاقة النسبية وتنزل مكانها.( [524])
فلو رضع صبيّ من امرأة حرمت عليه لا على أخيه لأبويه، لأنّها أُم أخيه لأبويه بالرضاع، لا أُمّه والعنوان المحرّم في النسب هو أُمّ نفس الانسان لا «أُمّ الأخ» ولو حرّمت أُمّ الأخ في النسب، فلكونها أُمّ المحرّم عليه لا لكونها أُمّ أخيه. ولأجل ذلك لاتكون العناوين الملازمة في النسب، محرّمة في الرضاع. فأُمّ الأخ للأبوين محرّمة في النسب دون الرضاع لأنّها في الأوّل ملازمة لأُمومة نفس الإنسان المحرّم عليه، بخلاف باب الرضاع فليست ملازمة للأُمومة فيه. والأولى أن يبحث في ذلك عند البحث عن عموم المنزلة.
2ـ في عدم شمول القاعدة للمصاهرة
لاشكّ أنّ القاعدة نصّ في قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة النسبية ولكن هل يمكن أن يستفاد منها أيضاً قيام العلاقة الرضاعية مقام العلاقة المصاهرية أو لا؟
الظاهر هو العدم، لأنّ المتبادر من الحديث قيام الرضاع مقام النسب. والنسب غير المصاهرة. قال سبحانه: ( وَ هُوَ الّذي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً ) ( [525]).
وعلى هذا فلو أرضعت امرأة ولدك فلاتحرم عليك أُمّها من حيث إنّها الجدّة الرضاعية لولدك، لأنّ جدّة الولد النسبي إنّما تحرم على الرجل لكونها أُمّ زوجته والزوجية هنا منتفية، ومجرّد إرضاع ولد الرجل لايصيّر المرضعة في حكم الزوجة لأنّه لايصحح مصاهرة بلا ريب.
بخلاف ما لو ارضعت امرأة محرّمة عليك زوجتك الحقيقية ، لالقيام الرضاع مقام المصاهرة، بل لقيامه مقام النسب. وذلك لأنّ المحرّم حسب قوله سبحانه: ( وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ ) هو أُمّ الزوجة والزوجية ثابتة هنا بلا ريب. وإنّما الكلام في ثبوت الجزء الثاني، أعني: كون المرضعة للزوجة أُمّاً لها حكماً، وهو ما يثبته الحديث بنصّ دلالته ، حيث نزّل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ الحقيقية، فقام الرضاع مقام النسب لامقام المصاهرة.
والحاصل: أنّه إذا كانت المصاهرة منتفية، ـ كما إذا أرضعت ولدك ـ فلايمكن إثبات الحرمة بالرضاع، لأنّ مفاد أدلّة نشر الحرمة به، وإلحاقه بالنسب جعل كلّ عنوان حاصل به في حكم العنوان الحاصل بالنسب لا غير. ففي المثال الأوّل الذي ذكرناه، لادليل على تنزيل مرضعة الولد مقام الزوجة حتى تحرم أُمّها على الزوج ـ باعتبار أنّها أُمّ زوجته ـ لأنّ الأُمومة محقّقة بالنسب (أُم المرضعة) والزوجية منتفية، والرضاع لايصحح مصاهرة.( [526])
وهذا بخلاف ما إذا كان النسب منتفياً والمصاهرة متحقّقة، كالأُمّ الرضاعية للزوجة الحقيقية، فالزوجية حاصلة لاتحتاج إلى التنزيل، وإنّما المحتاج إليه هو الأُمومة، فتنزل الأُمّ الرضاعية منزلة الأُمّ النسبية بمقتضى الحديث. فتكون المسألة من قبيل ما إذا كان الموضوع مركّباً من جزأين، أُحرز أحدهما بالوجدان ، والآخر بالتنزيل. وتكون النتيجة حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة على الزوج كما لا يخفى.
نعم ربما يستظهر( [527]) من الحديث معنى أضيق ممّا ذكرناه وهو أنّ المراد بلفظ النسب، النسب الحاصل بين المحرّم والمحرّم عليه، فالرضاع حينئذ إنّما ينزّل منزلة النسب، إذا كان التنزيل بين المحرّم والمحرّم عليه، كتنزيل الأُم الرضاعية للرجل منزلة الأُم الحقيقية. لا ما إذا كان التنزيل بين غيرهما كتنزيل الأُمّ الرضاعية للزوجة، منزلة الأُمّ الحقيقية لها، فإنّ طرفي التنزيل فيه هما: الأُمّ الرضاعية للزوجة والأُمّ الحقيقية لها، وأمّا الزوج فهو خارج عن حدود التنزيل، كما هو واضح.
ولكن هذا تقييد من غير دليل، بل المراد من النسب في الحديث مطلق النسب الموجب للتحريم سواء أكان حاصلاً بين نفس المحرّم والمحرّم عليه كما مثّلناه، أم كان بين أحدهما ـ وهو الأُمّ الرضاعية للزوجة هنا ـ وطرف ثالث، وهو الزوج هنا. ولايكون التنزيل لغواً، بل تؤثر حرمة الأُمّ الرضاعية للزوجة ـ المنزّلة منزلة الأُمّ الحقيقية لها ـ على الزوج.
وبهذا يظهر إمكان استفادة حرمة الأُمّ الرضاعية للمزني بها، على الزاني. وحرمة أُمّ الغلام الموقب فيه وابنته وأُخته من الرضاعة ، على الموقب. لأنّ موضوع الحرمة مركّب من أمرين: الأوّل : الزنا أو الإيقاب، وهو حاصل بالوجدان. والثاني: كون المرأة أُمّاً للمزني بها أو الغلام الموقب فيه، أو بنتاً أو أُختاً له، وهذا ثابت بتنزيل الحديث الرضاعيات من الأُمّ والبنت والأُخت مكان النسبيات منهنّ فيحرمن جميعهنّ على الزاني والموقِب كحرمة النسبيات.
 
3ـ ليس للرضاع حقيقة شرعية ولا متشرعية
الظاهر أنّه ليس للرضاع إلاّ معنى واحد متبادر عند الجميع( [528]) وعلى ذلك، فلو شكّ في كون شيء شرطاً لنشر الحرمة أو مانعاً منه، فالإطلاق هو المحكّم حتّى يثبت خلافه، كما هو الحال في سائر المفاهيم العرفية. وهذا بخلاف ما إذا قلنا إنّ له حقيقة شرعية ومصطلحاً خاصّاً، فلا يمكن التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في الشرطية أو المانعية ، لعدم العلم بالموضوع له، ويعود الشكّ إلى كون المورد مصداقاً له أو لا، وهذا واضح.
وبما أنّ المختار أنّ اللفظ باق على معناه العرفي، فكلّما شكّ في كون شيء شرطاً أو مانعاً يحكم بعدمه بمقتضى الإطلاق الموجود في الأدلّة نحو قوله تعالى: ( وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ ) ( [529]) . نعم إذا كان المقيد دائراً بين الأقل والأكثر كتردّد كون المحرِّم هو عشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة، فالمرجع هو إطلاق الحلّ كما سيوافيك. هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكمية.
وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية، مع كون مفهوم الرضاع أمراً واضحاً مبيّناً فالمرجع هو الأُصول العملية الموضوعية، أو الحكمية عند عدم الأولى. فإذا شكّ في كون الرضاع متحققاً بشروطه الشرعية كيفاً وكمّاً، جرت أصالة عدم تحقّق العناوين السبعة المحرّمة، على وجه لايكون مثبتاً. كما أنّه يجوز التمسّك ـ عند عدم الأصل الموضوعي ـ بالأصل الحكمي، أعني: بقاء الحلّية وجواز التزويج، كما لايخفى. وبهذا تبيّن أنّ المرجع في الشبهات الحكمية هو الإطلاقات، وفي الشبهات الموضوعية هو الأُصول العملية. إلى هنا تمّ مايرجع إلى أصل القاعدة، وإليك الكلام في شرائطها.

 
شرائط الرضاع
إذا عرفت ما قدّمناه، فاعلم أنّه يشترط في تحقّق الرضاع عرفاً أو شرعاً أُمور إليك بيانها:
الشرط الأوّل:
أن يكون اللبن عن نكاح صحيح
أقول: هكذا عنونه المحقّق (رحمه الله) في الشرائع . والمراد من النكاح هو الوطء لا العقد. وما عبّر به هو ما استحصله من الروايات ، والوارد فيها إنّما هو اشتراط كون اللبن « لبن الولادة» أو ما يقاربه.
قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: «إذا درّ لبن امرأة من غير ولادة، فأرضعت صبيّاً صغيراً، لم ينشر الحرمة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم».( [530]) وأشار بقوله: «أخبارهم» إلى الروايات التالية:
1ـ ما رواه يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت جارية وغلاماً من ذلك اللّبن، هل يحرم بذلك اللبن ما يحرم من الرضاع؟ قال: «لا».( [531])
2ـ ما رواه يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : امرأة درّ لبنها من غير ولادة فأرضعت ذكراناً وإناثاً، أيحرم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ فقال لي: «لا».( [532])
أضف إلى ذلك انصراف أدلّة الرضاع عمّا درّ من دون ولادة، لندرة وجوده، إذا قلنا إنّ ندرة الوجود كندرة الاستعمال من أسباب الانصراف. فإذا ثبت الانصراف صار المقام مجرىً للأُصول الموضوعية أو الحكمية القاضية بالحلّية.
اللبن عن الوطء بالشبهة
إذا حملت المرأة عن وطء بالشبهة ، فأرضعت حال الحمل أو بعد الولادة، على الخلاف، فهل هو ناشر للحرمة أو لا؟ الظاهر هو الأوّل لأنّه ملحق بالوطء الصحيح فتشمله الإطلاقات. وقد دلّ الاستقراء على مشاركة ولد الشبهة ، غيره في كثير من الأحكام من الإرث، ولزوم النفقة، ولزوم المهر على الموطوءة، والاعتداد.
ويمكن الاستدلال بما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنّ «لكلّ قوم نكاحاً» ( [533]) في الأنكحة الرائجة بين المجوس وغيرهم. فإذا تلقّى الشارع هذه الأنكحة الفاسدة في شرعنا، بالقبول في الظاهر، ورتّب عليها أثر النكاح الصحيح واقعاً، فيلزم تلقّي الوطء عن شبهة كالوطء عن النكاح الصحيح. والجامع بينهما هو الشبهة، غاية الأمر أنّ الشبهة في القسم الأوّل حكمية وفي الثاني موضوعية، وهو بمجرّده لايكون فارقاً بين الأمرين. فإذا كان إقدام الإنسان على عمل باعتقاد كونه عملاً صحيحاً، مرضياً عند الله، فلاريب أنّ الشارع يتلقّاه صحيحاً ويرتّب عليه الأثر.
وبذلك يظهر ضعف ما نقل عن الحلّي من التردّد، فتمسك بأصالة الحلّية تارة، وبمنع وجود العموم في الأدلّة، أُخرى، وعدم الدليل على عموم المنزلة ـ أي تنزيل المتولّد عن شبهة منزلة الولد الصحيح ـ ثالثة. و الكلّ ضعيف، لبطلان الأصل بعد وجود الدليل ، كما تقدّم. وشمول إطلاق قوله تعالى: ( وَ أُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) للموطوءة عن شبهة لكونها أُمّاً رضاعية قطعاً. وثبوت التنزيل كما قدّمنا في قوله:«فإنّ لكلّ قوم نكاحاً» وغيره من غير فرق بين كون الشبهة من الطرفين أو من طرف واحد، كالأُمّ في المقام.

الشرط الثاني:
لزوم تحقّق أحد التحديدات الثلاثة
يجب أن يكون الرضاع محدداً بأحد التحديدات الثلاثة: العدد، الأثر، والزمان، وإليك التفصيل في كلّ واحد.
الأوّل: التحديد بالعدد ( [534])
اختلفت المذاهب الإسلامية في كمّية اللبن الناشر للحرمة على أقوال، وهي بين الجمهور لاتتجاوز الثلاثة( [535]):
1ـ خمس رضعات متفرّقات.
2ـ ثلاث رضعات.
3ـ الرضعة بل المصّة الواحدة ولو كانت قطرة.
قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف : «وقال الشافعي: لا يحرم إلاّ في خمس رضعات متفرّقات، فإن كان دونها لم يحرم. وبه قال ابن الزبير وعائشة وفي التابعين سعيد بن جبير، وطاووس. وفي الفقهاء أحمد، وإسحاق.
وقال قوم: قدرها ثلاث رضعات فما فوقها ، فأمّا أقلّ منها فلا ينشر الحرمة. وذهب إليه زيد بن ثابت في الصحابة. وإليه ذهب أبو ثور، وأهل الظاهر.
وقال قوم: إنّ الرضعة الواحدة أو المصّة الواحدة، حتّى لو كان قطرة، تنشر الحرمة. ذهب إليه على ما رووه علي (عليه السلام) ، وابن عمر، وابن عبّاس. وبه قال في الفقهاء مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، وأصحابه».( [536])
وقال ابن رشد:«أمّا مقدار المحرِّم من اللبن. فإنّ قوماً قالوا فيه بعدم التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه، وروى عن علي وابن مسعود، وهو قول ابن عمر وابن عبّاس، وهؤلاء يُحرِّم عندهم أيّ قدر كان. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي.
وقالت طائفة بتحديد القدر المحرّم، وهؤلاء انقسموا ثلاث فرق. فقالت طائفة: لا تحرّم المصّة ولا المصّتان وتحرّم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيدة وأبو ثور. وقالت طائفة: المحرّم خمس رضعات، وبه قال الشافعي. وقالت طائفة: عشر رضعات».( [537])
وأمّا الخاصّة: فلهم في المسألة أقوال أشهرها ثلاثة:
1ـ عشر رضعات.
2ـ خمس عشرة رضعة.
3ـ ما أنبت اللحم وشدّ العظم.
قال الشيخ (رحمه الله) في الخلاف: «من أصحابنا من قال: إنّ الذي يحرّم من الرضاع عشر رضعات متواليات لم يفصل بينهنّ برضاع امرأة أُخرى. ومنهم من قال:خمس عشرة رضعة وهو الأقوى أو يوم وليلة أو ما أنبت اللحم وشدّ العظم إذا لم يتخلل بينهن رضاع امرأة أُخرى».( [538])
وقال العلاّمة في المختلف:«ذهب المفيد وسلاّر وابن البراج وأبو الصلاح وابن حمزة إلى أنّ المحرِّم من الرضاع باعتبار العدد عشر رضعات متواليات، وهو قول ابن أبي عقيل من قدمائنا، وقال الشيخ في النهاية والمبسوط وكتاب الأخبار:
لايحرم أقلّ من خمس عشرة رضعة، وقال ابن إدريس في أوّل كتاب النكاح: المحرِّم عشر رضعات متواليات. ـ إلى أن قال ـ : والذي أُفتي به وأعمل عليه الخمس عشرة رضعة لأنّ العموم قد خصّصه جميع أصحابنا المحصّلين والأصل الإباحة والتحريم طارئ، فبالإجماع من الكلّ يحرم الخمس عشرة رضعة فالتمسك بالإجماع أولى وأظهر، فإنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع... إلى أن قال:وقال ابن الجنيد: قد اختلفت الرواية من الوجهين جميعاً في قدر الرضاع المحرِّم إلاّ أنّ الذي أوجبه الفقه عندي والاحتياط المرّ لنفسه: أنّ كلّ ما وقع عليه اسم رضعة وهو ما ملأت بطن الصبي إمّا بالمصّ أو بالوجور يحرّم النكاح. وقال الصدوق في المقنع: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم. و روى أنّه لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهن ليس بينهنّ رضاع وبه كان يفتي شيخنا محمّد بن الحسن  (رحمه الله) ».( [539])
نقول:لاريب أنّه لايكفي مسمّى الرضاع ولا الرضعة الواحدة، إجماعاً وسنّة مستفيضة، بل كتاباً أيضاً، لعدم صدق الأُمّ، الواردة في قوله سبحانه: ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) ، على من أرضعت طفلاً مرّة أو مرّتين. ومثله قوله سبحانه: ( وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرّضاعَةِ ) بل يتوقّف صدقها على أن يرتضع الولد من لبنها مقداراً يتحقّق معه عرفاً عنوان الأُمومة وغيرها من العناوين المحرّمة، فالعرف والاعتبار متصادقان على عدم كفاية المسمّى والدفعات القليلة.
ومن هنا يظهر بطلان ما نقل عن الليث من نشر الحرمة بمثل ما يفطر به الصائم وما نقلناه عن أبي حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعي والثوري من التحريم بمطلق الرضاع وإن قلّ. ومن الغريب ذهاب صاحب الدعائم إلى هذا القول مستنداً إلى رواية رواها عن علي (عليه السلام) قال: وعن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «يحرم من الرضاع قليله وكثيره و المصّة الواحدة تحرّم». ثمّ أضاف قائلاً: «وهذا قول بيّن صوابه لمن تدبّره ووفّق لفهمه لأنّ الله عزّ وجلّ قال: ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) ، فالرضاع يقع على القليل والكثير» الخ.( [540])
ولكنّه غفل عن أنّه وإن صدق الرضاع بالقليل، لكنّه لايصدق عنوان الأُمّ الذي هو الموضوع في الآية. خصوصاً إذا قلنا بأنّ تحقّق هذه العناوين بالإرضاع لم يكن أمراً مبتدعاً في الإسلام بل كان دارجاً قبله في عصر الجاهلية، ومن المعلوم عدم تحقّق الأُمومة عندهم بمسمّى الإرضاع.
ومنه يظهر بطلان ما نقل عن ابن الجنيد من تحديده بالرضعة الكاملة وهي ملأها بطن الصبي.
نعم روى الشيخ بإسناد صحيح عن علي بن مهزيار عن أبي الحسن  (عليه السلام) أنّه كتب إليه يسأله عمّا يحرم من الرضاع؟ فكتب (عليه السلام) : «قليله وكثيره حرام».( [541])
وروي ( [542]) عن زيد بن علي عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال: «الرضعة الواحدة كالمائة رضعة لاتحل له أبداً»( [543]). ولكنّهما ـ مضافاً إلى الحزازة الموجودة في متنها، حيث إنّ ظاهر قوله:«قليله وكثيره حرام» أنّ نفس الرضاع قليله وكثيره حرام مع أنّ المراد أنّ قليله وكثيره «محرِّم» ـ محمولان على التقية، وقد أعرض الأصحاب عنهما، وانعقدت الشهرة على خلافهما.
وقد حمل الشيخ (رحمه الله) أوّلهما على ما إذا بلغ الحدّ الذي يحرم، فإنّ الزيادة قلّت أو كثرت تحرّم، وقال الشيخ الحرّ في الوسائل: ويمكن حمله على الكراهة وعلى تحديد كلّ رضعة فإنّه إن رضع قليلاً أو كثيراً فهي رضعة محسوبة من العدد إلى آخر كلامه وذكر في الخبر الثاني نحو ما ذكر في الأوّل. والأقرب الحمل على التقية.
وأمّا ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عمّا يحرم من الرضاع قال: إذا رضع حتّى يمتلئ بطنه ، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم، وذلك الذي يحرّم».( [544])
وما أرسله ابن أبي عمير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:« الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلّع، ويتملّى وينتهي نفسه».( [545])
فالظاهر أنّهما واردان في مقام تحديد كيفية الرضعة، لا تحديد الرضاع المحرِّم بها كما لايخفى.
إذا تبيّن ما ذكرنا فاعلم أنّ القول المعتمد أحد القولين:
1ـ ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة.
2ـ ما دلّ على اعتبار عشر رضعات، فإليك دراسة كلا القولين:
أ : ما دلّ على اعتبار خمس عشرة رضعة
منها: موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟فقال:«لايحرِّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات، من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها. فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو ( [546]) جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».( [547])
ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) في المقنع مرسلاً، قال: لايحرّم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم، قال: وسئل الصادق (عليه السلام) ، هل لذلك حدّ؟ فقال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ».( [548])
وهذه الرواية غير متحدة مع سابقتها، لأنّ السابقة مروية عن الباقر (عليه السلام) وهذه عن الصادق (عليه السلام) وإرادة المعنى الوصفي من الصادق الأعم من أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) خلاف الاصطلاح الجاري.
ولكن هنا رواية تعارض بمنطوقها هاتين الروايتين، وهي ما رواه الشيخ عن حمّاد بن عثمان، أو غيره عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله  (عليه السلام) يقول: «خمس عشرة رضعة لاتحرّم».( [549])
ويكفي في ردّ الرواية إرسالها بقرينة «أو غيره». وقد ذكر لها محامل منها حمل الشيخ على كون الرضعات متفرّقات من نساء شتى، واحتمل الشيخ الحرّ (رحمه الله) الحمل على الإنكار. وأمّا ما ذكره من الحمل على التقية، فهو بعيد غايته كما لايخفى.
ب : ما دلّ على كفاية عشر رضعات في التحريم
وتدلّ على هذا القول صحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروى الصبيّ، وينام». ( [550])
وهذه الرواية أوضح ما في الباب، وتدلّ بصراحتها على كفاية العشرة في التحريم بلا إشكال، ثمّ إنّ صاحب الجواهر بالغ في الإشكال عليها بوجوه متعددة: ستعرف ضعف أكثرها أو جميعها عند المناقشة.
وقد رويت هذه الرواية بصورة أُخرى عن الفضيل بن يسار، عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً»، قلت: وما المخبور؟ قال: أُمّ مربّية، أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه».( [551])
وسيأتي جواب هذا الاختلاف عند إيراد إشكالات صاحب الجواهر.
وهناك روايات أُخرى تدلّ على كفاية العشرة مفهوماً لامنطوقاً.
منها: ما رواه عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغلام يرضع الرضعة والثنتين؟ فقال: «لايحرّم». فعددت عليه حتى أكملت عشر رضعات، فقال: «إذا كانت متفرقة فلا».( [552])
ودلالة الرواية كما ترى بالمفهوم، وهو أنّ العشر إذا كانت متوالية فإنّها تحرّم مع أنّ عمر بن يزيد نفسه روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّ الخمس عشرة رضعة لاتحرّم، كما مرّ، فكيف يمكن أن نأخذ عنه التحريم بالعشر.
ومنها: ما رواه هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد العبدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرّم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان والثلاث ـ حتى بلغ العشر ـ إذا كنّ متفرقات فلابأس».( [553])وقد نقله هارون بن مسلم تارة عن مسعدة كما أوردناه، وأُخرى بلا واسطة عن أبي عبد الله (عليه السلام) .
والاستدلال به بالمفهوم كسابقه. وأورد عليه في الجواهر بأنّ الظرف فيه إذا كان متعلّقاً بالبأس المنفي، اقتضى مفهومه تحريم ما دون العشر أيضاً مع الاجتماع.( [554]) نعم، لايرد ما ذكره على رواية عمر بن يزيد، كما هو واضح لمن تدبّر. غير أنّ دلالة هذا أيضاً بالمفهوم الذي لايُعدِل دلالة ما يخالفه.
ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟ قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال ـ : أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: «لا». فلم أزل أعد عليه حتى بلغت عشر رضعات.( [555])
ولكن في دلالة هذه الرواية نظر، إن لم نقل إنّه على خلافه أدلّ. فإنّ الظاهر من ذيل الرواية «إنّي لم أزل أعدّ عليه حتّى بلغت عشر رضعات وهو يقول: لا».
ومنها: ما رواه عبيد بن زرارة أيضاً قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إنّا أهل بيت كبير، فربّما كان الفرح والحزن الذي يجتمع فيه الرجال والنساء ، فربّما استخفت المرأة أن تكشف رأسها عند الرجل الذي بينها وبينه رضاع، وربّما استخف الرجل أن ينظر إلى ذلك، فما الذي يحرم من الرضاع ؟فقال: «ما أنبت اللحم والدم» فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟ فقال: «كان يقال: عشر رضعات»، قلت: فهل تحرم عشر رضعات؟ فقال: «دع ذا ـ وقال ـ : ما يحرم من النسب فهو يحرم من الرضاع».( [556])
ولكن الرواية ظاهرة في الإعراض عن كفاية العشر فكيف تكون دليلاً عليها؟ مع أنّها لو سلّمنا دلالتها على العشر، كانت خارجة مخرج التقية وما شابهها، كما لايخفى.على أنّ عبيد هو الذي روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) :«عشر رضعات لايحرِّمن شيئاً».( [557]) فكيف، يمكن الاستناد إلى قوله هذا؟!
هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على تحريم العشر، ولكن تعارضه روايات:
منها: صحيحة علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت: ما يحرم من الرضاع؟ قال: «ما أنبت اللحم وشدّ العظم». قلت: فيحرم عشر رضعات؟ قال: «لا، لأنّه لاتنبت اللحم ولاتشدّ العظم عشر رضعات». (2)
ومنها: موثقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: عشر رضعات لا يحرّمن شيئاً».( [558])
ومنها: موثقة عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «عشر رضعات لاتحرم».( [559])
ومنها: موثقة زياد بن سوقة، عن أبي جعفر (عليه السلام) :«... فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».( [560])
 
القضاء بين القولين:
إنّ عمدة ما دلّ على كفاية العشر في التحريم رواية الفضيل بن يسار، كما أنّ عمدة ما دلّ على لزوم الخمس عشرة، رواية زياد بن سوقة، فاللازم استفراغ الوسع في اختيار إحداهما وطرح الأُخرى، بعد عدم إمكان الجمع العرفي.
وقد أطنب صاحب الجواهر في الإشكال على رواية الفضيل بوجوه أخرجها بها عن حيّز الحجّية:
منها: أنّها مختلفة المتن، مع حذف العشر في بعض طرقها.
يلاحظ عليه : أنّ الاختلاف غير مضرّ إذا تعلّق القصد بالمذكور، والناظر فيها بصورها المختلفة يقضي بأنّ هناك رواية واحدة نقل كلّ راو ما يتعلّق بغرضه، كما أنّ الاختلاف في المجبور، بالحاء أو الخاء أو الجيم غير مضرّ.
ومنها: أنّها متروكة الظاهر، ضرورة عدم اعتبار نوم الصبي في التحريم.
يلاحظ عليه: أنّ ذكر النوم كناية عن الرضاع التام، فإنّ نومه قرينة على شبعه لا أنّه دخيل في التحريم تعبّداً.
ومنها: عدم انحصار المحرّم في ذلك، فإنّ رضاع المتبرعة أيضاً محرّم.
يلاحظ عليه: أنّ تعليق الحرمة بما ذكر في الرواية إنّما كان لأجل التحرز عن كفاية الرضعة والرضعتين فما فوقهما ممّا دون العشر، فهي غير محرّمة، بخلاف الظئر المستأجرة والخادم المشتراة والأُمّ المربيّة، فإنّ المتحقّق معهنّ غالباً هو الإرضاع بالعدد المحرّم فما فوقه.
ومنها : أنّ قوله: «ثم ترضع عشر رضعات»، إن كان مختصّاً بالظئر، كان مخالفاً للظاهر عند الخصم.
يلاحظ عليه: أنّه لامانع من الرجوع إلى الجميع باعتبار كلّ واحد. مع أنّ الموجود في النسخ«يرضع» بالياء لا بالتاء، فإذا قرأ بالمجهول أو بالمعلوم كان راجعاً إلى الصبي، وينتفي الإشكال من أصله.
ومنها: أنّ في طريقها محمّد بن سنان الذي ضعّفه الشيخ والنجاشي وابن الغضائري.
وفيه :، أنّ ضعفه ـ إن سلّم ـ مجبور بعمل كثير من الأصحاب، وهذه طريقة القوم وطريقة صاحب الجواهر نفسه في مسائل كثيرة، فلماذا أغمض عنها في هذا الموضع، مع أنّه كما وردت روايات في ذمّ محمّد بن سنان قد وردت أُخرى في مدحه؟ فتضعيفه محلّ نظر. وقد أوضحنا حاله في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».
والحقّ أنّ هذه الوجوه لاتصلح لإسقاطها عن الحجّية، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات التي منها الأبعدية عن قول العامة. وقد عرفت ممّا نقلناه سابقاً من كلام الشيخ في «الخلاف» وابن رشد في «بداية المجتهد»، أنّ العامة يميلون إلى جانب القلّة، فيكون الخمس عشرة أبعد عن قولهم، فالعمل به متعيّن.
ثمّ على فرض عدم الترجيح بين الروايات، فهل المرجع في مورد الشكّ هو آية الحلّ، أعني: قوله سبحانه: ( و لَكُمْ ما وراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ) ( [561]) أو أنّ المرجع قوله سبحانه: ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَةِ ) ( [562]) لصدق قوله: ( أَرْضَعْنَكُمْ ) على الأقلّ من خمس عشرة رضعة. الظاهر هو الأوّل لوجهين:
1ـ ما ربما يقال من عدم وجود الإطلاق في المخصص لكونه بصدد بيان أصل التشريع، ولذلك اكتفى بذكر الأُمّهات والأخوات من الرضاعة دون غيرهما. ولكنه موضع تأمّل.
2ـ على فرض التسليم، فقد قام الإجماع وتضافرت السنّة على أنّ الرضاع محرّم إذا بلغ عدد الرضعات حدّاً خاصّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر، فهو حجّة قطعاً في الأكثر و مشكوك الحجّية في الأقلّ ، أعني: العشر رضعات، فلايؤخذ إلاّ بما هو حجّة قطعاً، ويرجع في المشكوك إلى العمومات التي هي حجّة مطلقاً، خرج ما خرج قطعاً.( [563])
 
الثاني: التحديد بالأثر
وقد تضافرت عليه الروايات ، نذكر منها ما يلي:
1ـ صحيحة حمّاد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم والدم».( [564])
2ـ ما رواه عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:«لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم».( [565])
3ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى وكان ذلك عِدَّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم عليه بناتهنّ كلهنّ».( [566])
4ـ وصحيحته عن أبي جعفر أو أبي عبد الله (عليهما السلام) قال: «إذا رضع الغلام من نساء شتّى فكان ذلك عدّة، أو نبت لحمه ودمه عليه، حرم بناتهنّ كلّهن».( [567])
ويظهر من كثير من الروايات أنّه الأصل وأنّ التحديد بالعدد والزمان طريقان إليه، ودونك بعضها:
5ـ ما رواه علي بن رئاب في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت ما يحرم من الرضاع؟قال: «ما أنبت اللحم وشدّ العظم». قلت: فيحرم عشر رضعات؟قال: «لا ، لأنّه لاتنبت اللحم ولا تشدّ العظم عشر رضعات».( [568])
6ـ ما رواه مسعدة بن زياد العبدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما شدّ العظم وأنبت اللحم، فأمّا الرضعة والثنتان و الثلاث حتّى بلغ العشر إذا كنّ متفرّقات فلابأس».( [569])
7ـ ما عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : إنّا أهل بيت كبير... ـ إلى أن قال:ـ فمـا الذي يحرم من الرضاع ؟قال: «ما أنبت اللحم والدم»، فقلت: وما الذي ينبت اللحم والدم؟فقال: «كان يقال عشر رضعات» الحديث.( [570])
8 ـ وما رواه أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع ما أدنى ما يحرم منه؟قال: «ما ينبت اللحم والدم ـ ثمّ قال : ـ أترى واحدة تنبته؟» فقلت: اثنتان أصلحك الله؟ فقال: «لا»، فلم أزل أعد عليه حتّى بلغت عشر رضعات.( [571])
9ـ ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: يحرم من الرضاع الرضعة والرضعتان والثلاثة؟قال: «لا، إلاّ ما اشتدّ عليه العظم ونبت اللحم».( [572])
وقد علّل في بعض الروايات شرطية امتلاء بطن الرضيع بأنّه الذي ينبت اللحم والدم.
10ـ عن ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع؟ قال: «إذا رضع حتى يمتلئ بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يحرم».( [573])
11ـ وروى محمّد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم هو الذي يرضع، حتّى يتضلع، ويتملى ، وينتهي نفسه».( [574])
ويلوح من جميع ما أوردناه أنّ الأثر هو الأصل في التحريم، وقد جعل الشارع العدد والزمان طريقين إلى حصوله وتحقّقه.
ثمّ إنّه جعل الأثر في سبعة منها ـ أعني: الرواية الأُولى والثالثة والرابعة والسابعة والثامنة والعاشرة والحادية عشرة ـ إنبات اللحم والدم. وفي أربعة منها ـ أعني: الثانية والخامسة والسادسة والتاسعة ـ إنبات اللحم والعظم. ولايخفى أنّ الدم أسرع نباتاً من اللحم، وهو أسرع من العظم. فلو كان الميزان هو الدم، لحصل التحريم قبل أن يتحقّق الثاني والثالث. وسيأتي التوفيق بين الطائفتين.
الثالث: التحديد بالمدّة
تضاربت الروايات أيضاً في تحديد مدّة الرضاع المحرّم، وهي على طوائف:
الأُولى: ما دلّ على أنّ المحرِّم الارتضاع حولين كاملين وهو:
1ـ ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».( [575])
2ـ ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين».( [576])
وظاهرهما متروك لم يذهب إليه أحد، وقد حمل الشيخ الحولين على كونهما ظرفاً للرضاع بتقدير «في» فكأنّه قال: لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد في حولين كاملين.
الطائفة الثانية: ما دلّ على أنّ المحرّم الارتضاع سنة، وهو:
1ـ ما رواه العلاء بن رزين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة».( [577])
قال الشيخ: «هذا نادر مخالف للأحاديث كلّها».وقد حاولوا التخلّص عن ظاهره بتوجيهات عديدة، منها التصرف في العبارة أي «من ثدي واحد سُنّة» بضم السين وتشديد النون ، وهو خلاف الظاهر. وربّما حمله البعض على التقية، وهذا غير تامّ، لأنّ العامة يميلون إلى القلّة لا إلى الكثرة.
قال صاحب الوسائل في ذيل الحديث: «يمكن حمله على التقية والحصر الإضافي بالنسبة إلى ما دون الخمس عشرة، أو بالنسبة إلى ما ارتضع من لبن فحلين وأن يكون «سنة» ظرفاً للرضاع كما يأتي في مثله ومفهومه غير مقصود».
وكيف كان لابدّ من رفع اليد عن ظاهرها لما يأتي من الأخبار ولمخالفتها إجماع الطائفة.
2ـ ما رواه الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد سنة». ( [578])
وفيه ما في سابقه مع أنّه مرسل.

 
الطائفة الثالثة:
ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع مدّة مديدة
يمكن استفادة هذا المعنى من رواية الفضيل بن يسار التي تقدّمت مناقشتها متناً وسنداً، فإنّ فيها عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان مخبوراً» قلت: وما المخبور؟ قال: «أُمّ مربية أو أُمّ تربى، أو ظئر تستأجر، أو خادم تشترى، أو ما كان مثل ذلك، موقوفاً عليه».( [579]) فانّ إرضاع كلّ من المربّية والمستأجرة والخادم لايكون مدّة قصيرة، بل المتبادر منه إرضاعه فترة طويلة من الزمن. ويؤيّده قوله في ذيل الرواية: «أو ما كان مثل ذلك موقوفاً عليه»، فبيّن أنّه لا خصوصية فيما ذكره إلاّ من جهة كونه موقوفاً على الولد لإرضاعه.
وحيث إنّ هذه الرواية بنظرنا متّحدة مع الرواية الأُخرى التي رواها فضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) ويذيّلها: «ثمّ يرضع عشر رضعات»( [580]) فلا يمكن التمسك بها من دون الذيل، ولا الأخذ بما تفيده حينئذ من اعتبار المدّة الطويلة.

 
الطائفة الرابعة:
ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع
خمسة عشر يوماً ولياليهنّ
وهو ما نقله الصدوق في الهداية قال: و روي لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ، ليس بينهنّ رضاع.( [581])
ولا يخفى عدم حجّيته لكونه مرسلاً.

 
الطائفة الخامسة:
ما دلّ على أنّ المحرّم هو الرضاع ثلاثة أيّام
وهو ما روي في الفقه الرضوي قال: «والحدّ الذي يحرم به الرضاع ـ ممّا عليه العصابة دون كلّ ما روي فإنّه مختلف ـ ما أنبت اللحم وقوي العظم، وهو رضاع ثلاثة أيّام متواليات، أو عشر رضعات متواليات (محرزات مرويات بلبن الفحل)، وقد روي مصّة ومصّتين وثلاث».( [582])
ولايخفى عدم حجّية الرواية، فلا اعتماد عليها. مضافاً إلى البون الشاسع بين العلامتين ـ الثلاثة أيّام متواليات والعشر رضعات متواليات ـ كما هو واضح.
فكلّ ما تقدّم من الروايات متروك أو مؤوّل كما عرفت، مع انعقاد الإجماع على خلافه. والمعوّل عليه في تحديد المدّة ما يلي:
الطائفة السادسة: ما دلّ على اليوم والليلة، وهو:
1ـ موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات». الحديث.( [583])
2ـ يؤيّده ما رواه الصدوق في المقنع قال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما أنبت اللحم وشدّ العظم» قال: وسئل الصادق (أبو جعفر خ ل ) (عليه السلام) : هل لذلك حدّ ؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة أو خمس عشرة رضعةً متواليات لايفصل بينهن».( [584])
وقد ادّعى صاحب الجواهر وغيره فتوى الطائفة عليه من دون مخالف. وعليه العمل.
***
مشكلة عدم الانعكاس بين المدّة وكلّ من العدد والأثر
إنّ ظاهر الموثقة هو الاكتفاء بالمدّة في نشر الحرمة وإن لم يبلغ العدد، وهو مشكل، ضرورة لغوية التحديد بالعدد حينئذ. فالظاهر تحقّق المدّة غالباً قبل تحقّق العدد، فإنّ الطفل ـ حسب العادة ـ لايرضع في اليوم و الليلة أزيد من عشر رضعات أو اثنتي عشرة كما هو ظاهر لمن لاحظ ولده الرضيع أو استفسر عمّن له ولد رضيع. فما ذكره صاحب الجواهر معلّلاً الاكتفاء بالمدّة وإن لم يبلغ العدد بقوله:«يمكن أن يكون تحديد الشارع ملاحظاً فيه الوسط من الناس، فانّه كما اعترف به في المسالك يأتي على العدد تقريباً» لايخلو من نظر.
ولأجل هذا الإشكال التجأ الشيخ، والعلاّمة في التذكرة إلى أنّهما (أي اليوم والليلة أو الأثر ) لمن لم يضبط العدد، ومقتضاه عدم اعتبارهما مع العلم بالنقص عن العدد.
والحقّ أنّ عدم انعكاس العلامتين (المدّة والعدد) معضلة تحتاج إلى تدبير تام للدفاع عنها.
وأمّا عدم الانعكاس من جانب الأثر فغير مضرّ، ضرورة ندرة اتفاق حصول الأثر المحسوس قبل المدّة و العدد، فالقول بكون الأثر علامة مستقلّة، لايضرّ بكون العدد والمدّة علامتين.
على أنّ للأثر مادّة افتراق لايزاحم فيها العلامتين، وهي ما إذا تحقّق الأثر نتيجة رضاع لفترة طويلة تخلّلها رضاع من امرأة أُخرى، فإنّ الحقّ أنّه يحرم ، وإن كان بالنظر إلى العدد والمدّة غير واجد لشرائطهما.
هاهنا فروع:
الأوّل : إنّ اليوم والليلة عنوانان مشيران إلى الظرف الخاص الذي يرضع فيه الصبيّ، فلا يعتبر خصوص اليوم والليلة الحقيقيين، بل يكفي الملفّق منهما. وخاصة مع ملاحظة ما نبّه عليه الشيخ الأعظم في رسالته في المقام بما مغزاه أنّ قوله (عليه السلام) : «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» ، أظهر في صدقه على الملفّق من صدق: يحرم رضاع يوم وليلة.( [585])
الثاني: إذا أطعم الرضيع في أثناء اليوم والليلة طعاماً آخر، فالظاهر كونه مضرّاً بصدق رضاع يوم وليلة، لأنّ المتبادر كون غذاؤه في ذاك الظرف هو اللبن الذي يرضعه. نعم، لايضرّ الغذاء القليل، غير المؤثر في جوعه وعطشه.
الثالث: هل المعتبر في الرضاع يوماً وليلة، رضاع نوع الأطفال الرضّع، أو المناط فيه حال شخص الطفل الراضع. الظاهر هو الثاني، سواء كان شربه اللبن أكثر من المتعارف أو أقلّ منه، لأنّ الحكم هنا تابع لموضوع نفسه.
الرابع: يشترط في نشر الحرمة بالإرضاع يوماً وليلة احتمال تأثير اللبن في شدّ العظم وإنبات اللحم. فلو فرض حصول العلم بعدم التأثير فلا نشر. لأنّ المتبادر أنّ ملاك نشر التحريم، تأثير اللبن في شدّ العظم ونبات اللحم، غاية الأمر أنّ الزمان أو العدد طريقان إليهما، فإذا علم التخلف فلا تحريم. نعم احتمال التأثير كاف ،لأنّ العلم بالأثر أمر مشكل.

 
الشرط الثالث:
كيفية الرضاع
يشترط في الرضاع الناشر للحرمة ، من حيث الكيفية، ثلاثة شروط:
الأوّل: أن تكون الرضعة كاملة.
الثاني: أن تكون الرضعات متوالية.
الثالث: أن يرضع من الثدي، فلايكفي الوجور.
1ـ اشتراط كمال الرضعة
أمّا اشتراط كمالية الرضعة، فيدلّ عليه مرسل ابن أبي عمير: عن بعض أصحابنا رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع الذي ينبت اللحم والدم، هو الذي يرضع حتّى يتضلع ويتملى وينتهي نفسه».( [586])
وخبر ابن أبي يعفور قال: سألته عمّا يحرم من الرضاع، قال: «إذا رضع حتّى يمتلي بطنه، فانّ ذلك ينبت اللحم والدم وذلك الذي يُحَرِّم».( [587])
ورواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ المخبورة أو خادم أو ظئر، ثمّ يرضع عشر رضعات، يروي الصبي وينام».( [588]) فإنّ ذيلها دالّ على كون الرضعة كاملة تروي الصبي فينام. والتقليد بالنوم لمجرّد الإشارة إلى شبع الولد من اللبن.
وهل كمالية الرضعة شرط في كلّ من الأثر والعدد والمدّة أو تختص ببعضها؟
أمّا شرطيته في العدد فممّا لاريب فيه. وذلك، (مضافاً إلى انصراف دليله إلى الرضعات الكاملة)، أنّه لو كفت الناقصة للزم هدم الحدّ الذي اعتنى به الشارع وجعله حداً، فانّ لازم ذلك، الاكتفاء بخمس عشرة مصّة أو أكثر منها بقليل، وهو بمجموعه ربّما لايكاد يعادل الرضعة الواحدة ، وهذا ـ مضافاً إلى أنّه لاينبت ولايشدّ ـ رجوع إلى القول بالاكتفاء بالرضعة الواحدة، لبّاً، مع أنّ الناظر في أخبار الباب يحدس بأنّ الشارع اعتبر في نشر الحرمة بالرضاع مرتبة خاصة يتكوّن معها لحم الصبي وعظمه من لبن المرضعة، ولم يكتفِ بالإنبات والشدّ العقليين اللّذين يحصلان بالرضعة الواحدة فما فوقها.
وهذا مضافاً إلى المرسل والخبر الماضيين، فانّ القدر المتيقّن منهما هوالعدد دون الأثر، فانّه يحصل بالرضعات الناقصة إذا استمرّ الرضاع مدّة طويلة، كما لايخفى. ولايشترط فيه التضلّع و التملّي.
ومنه يظهر عدم اشتراط كمالية الرضعة في النشر بالأثر، فإنّ الملاك فيه هو شدّ العظم ونبات اللحم، وهو كما يحصل بالرضعات الكاملة، يحصل بالناقصة أيضاً على الوجه الذي ذكرناه. وأمّا الروايتان (المرسل والخبر) فقد عرفت حالهما ولو أخذ بظاهرهما المتوهم للزم خلاف الواقع، فإنّ النبات لايتوقّف على الكمال.
وأمّا شرطيته في التحريم بالمدّة، فربّما يقال بالشرطيّة لأجل عدم صدق رضاع يوم وليلة بالرضعات الناقصة. ولكنّه ضعيف جداً، فإنّ الملاك في التحريم بالتقدير الزماني هو أن يعيش الطفل على لبن المرضعة ويتغذّى به. وهذا كما يحصل بالرضعات الكاملة يحصل بالناقصة أيضاً، غاية الأمر أنّ عدد الرضعات في اليوم والليلة يزيد إذا كانت الرضعات ناقصة ، وينقص إذا كانت كاملة.
وإن شئت قلت: إن كان التقدير بالزمان أمارة على حصول الغاية، أعني: الإنبات والشدّ، فلافرق بين رضاعه الرضاع الناقص أو الكامل، بعد فرض أنّ الطفل لايبقى جائعاً طوال الزمان المفروض، ولو فرض ارتضاع الصبي بعض الرضعة ثمّ اشتغل بلعب ونحوه ، ثمّ بعد فصل طويل رضع رضعة كاملة، وهكذا في جميع المدّة يصدق عليه رضاع يوم وليلة.
الميزان في كمال الرضعة
قد ذكر لحدّكمال الرضعة في كلامهم أمران: الأوّل: أن يرجع في تقدير الرضعة إلى العرف. والثاني: أن يروّى الصبي ويصدر من قبل نفسه.والحدّالثاني مأخوذ من الرواية التي تقدّمت عند البحث عن شرطية كيفية الرضعة.
والظاهر رجوع الأمرين إلى شيء واحد، وأنّ الملاك شبعه من اللبن بحيث لا يحتاج إلى الرضاع. وأمّا قوله (عليه السلام) :«حتّى يتضلّع (أي تمتلئ أضلاعه) ويتملى وينتهي نفسه»، فمحمول على الغالب ، فإنّ هذا هو الغالب على الأطفال إذا شبعوا.
2ـ اشتراط توالي الرضعات
والأصل في اشتراط توالي الرضعات، موثقة زياد بن سوقة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّيؤخذ به؟فقال: «لا يحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينهما رضعة امرأة غيرها...».( [589])
وهل القيد «متواليات لم يفصل بينها» راجع إلى الأخير، أو إليه وإلى الأوّل؟ وجهان.( [590])
ثمّ إنّ ظاهره كون التوالي بمعنى عدم الفصل برضاع من امرأة أُخرى، وأمّا شموله الفصل بالإطعام أو إيجار اللبن فالظاهر كونه مخلاً، وإنّ قوله :«لم يفصل...» من باب المثال.
وعلى أيّ تقدير يكفي في شرطية التوالي وروده في هذه الموثقة عند التقدير بالعدد، والزمان معاً، هذا مضافاً إلى أنّ ظاهر قوله:«لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة» كون الرضاع في ذلك الظرف من لبنها خاصة دون غيره، فلو ارتضع في أثنائه من غيرها لم يصدق أنّه رضع منها يوماً وليلة، بل بعض يوم أو بعض ليلة. والقول بكفاية التلفيق في المقام بأن يرضع من لبنها في اليوم اللاحق مثل المقدار الذي رضعه من غيرها في اليوم الأوّل، يحتاج إلى دليل.
وأمّا التقدير بالأثر، فالظاهر عدم اشتراطه بالتوالي، لحصول الملاك المنصوص في الحديث، حصل التوالي أم لم يحصل، كما لايخفى.
3ـ اشتراط كون الرضاع من الثدي
أمّا اشتراط كون الرضاع من الثدي، فالعامة فيه على قولين. قال ابن رشد: «وأمّا هل يُحرِّم الوجور واللدود، وبالجملة ما يصل إلى الحلق من غير رضاع؟ فإنّ مالكاً قال: «يحرم الوجور واللدود»، قال عطاء وداود: «ولايحرم». وسبب اختلافهم هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة، وهو الذي يطلق عليه اسم الرضاع، قال: لايحرم الوجور و لا اللدود، ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل، قال: يحرم».( [591])
وأمّا عندنا، فمن ذهب إلى الاشتراط تمسك بعدم تحقّق الرضاع بدونه، وبصحيحة العلاء بن رزين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد، سنة».( [592])
وخبر زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لايحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد، حولين كاملين».( [593])
وفيه، منع عدم صدقه خصوصاً في بعض الصور، كالوجور من الثدي من دون امتصاص أو وجور الحليب إذ شرطية التقام الثدي أو امتصاصه غير واضحة.
والروايتان، مضافاً إلى الشذوذ في متنهما، ناظرتان إلى لزوم وحدة المرضعة أثناء الارتضاع سنة أو سنتين من دون نظر إلى شرطية كون ذاك الرضاع من الثدي، هذا مع ما عرفت من اشتمالهما على ما لانقول به من السنة والسنتين.
فالأحوط، إن لم يكن أقوى، نشر الحرمة في بعض الصور التي ليست بعيدة عن المتعارف، كالإيجار مباشرة من الثدي في حلق الصبي عند رفضه التقامه.
وأمّا لو أفرغ اللبن في وعاء ثمّ جعله جبناًوأُطعم للصبي فلا يحرم قطعاً.( [594])
وهل يلزم الامتصاص من الثدي من الحَلَمة، أو يكفي الامتصاص من ثقب في الثدي، ناشر للحرمة أيضاً؟ الثاني أقرب إلى الاحتياط، بل لا يخلو من قوّة.
ثمّ، لو رضع من ثدي المرأة الحية بعض الرضعات ثمّ أكملها منها وهي ميتة، لم ينشر الحرمة للشك في صدق إطلاقات الرضاع على هذا المورد، مضافاً إلى أنّها خرجت بالموت عن التحاق الأحكام بها، كما ذكر المحقّق في شرائعه، ولايصلح قياس الميتة بالنائمة والغافلة بل المغشي عليها.

 
الشرط الرابع:
وقوع الرضاع فيما دون الحولين
يشترط وقوع الرضاع جميعه فيما دون الحولين من عمر الراضع، فإذا وقع بعضه أو جميعه فيما زاد عن الحولين لم ينشر الحرمة. ولكن في المسألة أقوال مختلفة عند العامة والخاصة.
قال ابن رشد:«اتّفقوا على أنّ الرضاع يحرم في الحولين، واختلفوا في رضاع الكبير. فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وكافّة الفقهاء :لا يحرم رضاع الكبير، وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنّه يحرم، وهو مذهب عائشة ومذهب الجمهور: وهو مذهب ابن مسعود وعمر وأبي هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ . ( [595]) ثمّ أورد أدلّة الفريقين.
وقال شيخ الطائفة في «الخلاف»: الرضاع إنّما ينشر الحرمة إذا كان المولود صغيراً ، فأمّا إن كان كبيراً، فلو ارتضع المدّة الطويلة لم ينشر الحرمة، وبه قال عمر بن الخطّاب (عمرو بن العاص خ ل)، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وهو قول جميع الفقهاء: أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومالك وغيرهم. وقالت عائشة: رضاع الكبير يحرم كما يحرم رضاع الصغير. وبه قال أهل الظاهر. ثمّ أورد أدلّة ما اختاره. (2)
وقال (رحمه الله) في مسألة أُخرى: القدر المعتبر في الرضاع المحرِّم ينبغي أن يكون كلّه واقعاً في مدّة الحولين. فإن وقع بعضه في مدّة الحولين، وبعضه خارجاً لم يحرم، مثاله: أنّ من راعى عشر رضعات من أصحابنا أو خمس عشرة رضعة على ما اعتبرناه ، فإن وقع خمس رضعات في مدّة الحولين وباقيها بعد تمام الحولين، فإنّه لا يحرم. قال الشافعي: إن وقع أربع رضعات في الحولين وخامسها بعدهما، ينشر الحرمة.وبه قال أبو يوسف ومحمّد. وعن مالك روايات، المشهور منها حولان وشهر، فهو يقول: المدّة خمسة وعشرون شهراً، فخالفنا في شهر.وقال أبو حنيفة: المدّة حولان ونصف، ثلاثون شهراً. وقال زفر: ثلاثة أحوال، ستة وثلاثون شهراً. ثمّ ذكر أدلّة ما اختاره.( [596])
وكيف كان فالأقوال عند الخاصة ثلاثة مع احتمال رابع:
1ـ كون الراضع في الحولين سواء فطم أو لا، وهذا هو المشهور.
2ـ كون الراضع في الحولين مع عدم فطامه. وهذا هو المحكي عن ابن أبي عقيل.
3ـ يكفي عدم الفطام وإن كان بعد الحولين، وهو قول الإسكافي.
وأمّا كفاية مطلق الرضاع في نشر الحرمة ولو بعد الحولين مع الفطام أيضاً فلم يقل به أحد.
ويدلّ على قول المشهور ما يحدّد الرضاع بعدم الفطام، وتفسيره بالحولين:
روى حمّاد بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:«لارضاع بعد فطام». قلت: وما الفطام؟ قال: «الحولين الذي قال الله عزّ وجلّ».( [597])
وعليه يحمل ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا رضاع بعد فطام».( [598])
وكذلك ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا رضاع بعد فطام».( [599])
وكذلك ما رواه زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرضاع؟ فقال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضعا من ثدي واحد حولين كاملين».( [600])
وكذلك ما رواه الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يحرم من الرضاع إلاّ ما كان حولين كاملين» (5)
وأمّا ما ذهب إليه الحسن ابن أبي عقيل فيدلّ عليه صحيح الفضل بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع قبل الحولين قبل أن يفطم»( [601])وبه يقيّد إطلاق ما يدلّ على كفاية الرضاع في الحولين مطلقاً، فطم أم لا، وجعل قوله «قبل أن يفطم» تفسيراً لما قبله، خلاف الظاهر.
ويؤيّده ما في الكافي في ذيل رواية منصور بن حازم أنّ معنى قوله  (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا رضاع بعد فطام» ، أنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه، لايحرم ذلك الرضاع التناكح. نعم سبق في التعليق أنّ التفسير من الكليني.
ولولا الخوف من الشهرة والاتّفاق المحكي لكان الأخذ به متعيّناً. ومع الشكّ في الشرطية فالمرجع هو أصالة الحلّ فيما إذا رضع بعد الفطام ، لا أصالة البراءة من الشرطية، لعدم جريان أدلّتها في المقام، إذ لا كلفة في شرطيته حتّى يرتفع بها، بل الكلفة ـ أعني: الحرمة ـ حاصلة من رفع الشرطية ، كما لايخفى.
وأمّا القول بالنشر بالرضاع بعد الحولين إذا لم يفطم، فتردّه النصوص والإجماع المحقّق. ولايتمّ الاستدلال عليه بخبر داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الرضاع بعد الحولين قبل أن يفطم محرّم (يحرّم)».( [602]) فإنّه معرض عنه، مع أنّه موافق لمذهب بعض العامة فيحمل على التقية.
هل يشترط ذلك في ولد المرضعة؟
ربما يقال بأنّه يشترط كون ولد المرضعة في الحولين و نقل ذلك عن أبي الصلاح وابني حمزة وزهرة، وعن الغنية الإجماع عليه لأصالة الحلّية، وإطلاق «لا رضاع بعد فطام»، وإطلاق الحولين . وقد فهم ابن بكير ذلك حيث سأله ابن فضال في المسجد فقال: «ما تقولون في امرأة أرضعت غلاماً سنتين، ثمّ أرضعت صبيّة، لها أقلّ من سنتين حتّى تمّت السنتان، أيفسد ذلك بينهما؟ قال: «لايفسد ذلك بينهما، لأنّه رضاع بعد فطام، وإنّما قال رسول الله:«لا رضاع بعد فطام» ، أي أنّه إذا تمّ للغلام سنتان أو الجارية، فقد خرج من حدّ اللبن ولا يفسد بينه وبين من شرب(يشرب منه خ ل) لبنه »قال: «وأصحابنا يقولون إنّه لايفسد إلاّ أن يكون الصبيّ والصبيّة يشربان شربة شربة».( [603])
ولكن الإنصاف أنّ الأصل لا مجال له بعد إطلاق الأدلّة، لو قلنا به وانصراف قوله: «لا رضاع بعد فطام» والحولين إلى المرتضع، تحقيقاً لمعنى التنزيل، أي فكما أنّ مدّة ارتضاع الولد الحقيقي لاتتجاوز السنتين، فهكذا الولد التنزيلي لايتجاوز ذلك الحدّ. فلايتحقّق التنزيل إلاّ إذا رضع في ضمن هذا الحدّ، ولايصير ولداً إلاّ بهذا الشرط ولاربط له بولد المرضعة.
ويؤيّده ما رواه الترمذي: «لا رضاع إلاّ ما فتق الأمعاء من الثدي وكان قبل الفطام».( [604]) فإنّه ناظر إلى الراضع ولا ارتباط له بولد المرضعة أصلاً. وأمّا فهم ابن بكير فليس حجّة علينا.
نعم، نقل في الجواهر عبارات المقنعة والنهاية والمبسوط والخلاف والمراسم وادّعى إجمالها وعدم ظهورها في عدم اشتراطه. ولكن الإنصاف عدم الإجمال فيها، بل هي بإطلاقها تنفي اشتراط شيء آخر في الرضاع.
وقد أيّد صاحب الجواهر فهم ابن بكير بأنّه لو نزّل كلام الأصحاب على إرادة حولي المرتضع خاصة، فعندئذ يكون لا حدّ عندهم لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة فإنّه يبقى رضاعها مؤثراً ولو سنين متعددة، وهو مع إشكاله في نفسه لكونه حينئذ كالدّرّ ، مناف لعادتهم من عدم إهمال مثل ذلك، خصوصاً بعد أن تعرض له العامة.( [605])
يلاحظ عليه: أنّه لامانع من أن لايكون لمدّة الرضاع بالنسبة إلى المرضعة حدّ، مادام يصدق على عملها الرضاع، وعلى ما يتغذى به المرتضع اللبن. مع أنّ الخاصة إذا أهملته، فقد أهمله العامة أيضاً فلم يتعرّضوا لحدّ الرضاع بالنسبة إلى المرتضع كما لايخفى على من أمعن النظر فيها.
على أنّه، يمكن إثبات نشر الحرمة عن طريق الاستصحاب، فيقال بأنّ إرضاع هذه المرأة عندما كان ولدها دون الحولين كان سبباً لنشر الحرمة، والأصل بقاؤه على ما كان.
هاهنا فروع تترتّب على ما مضى:
1ـ لو مضى من عمر ولدها أكثر من حولين، ثمّ أرضعت من هو دون الحولين، نشر الحرمة على المختار، دون القول الآخر.
2ـ لو مضى لولدها أكثر من حولين، ثمّ أرضعت من هو دونهما، العدد إلاّ رضعة واحدة، فتمّ حولاه، ثمّ رضع الباقي بعدهما، لم ينشر على القولين، لوقوع بعض الرضعات خارج الحولين.
وهنا بحث لايختص بالمقام وهو أنّ التحديدات الواردة في الشرع من الأوزان والمثاقيل، والشهور والسنوات، والتقدير بالأشبار والمساحات، هل تجب فيها الدقة العقلية، فلو وقعت الرضعة أو بعضها في الدقائق المتعلّقة بالسنة الثالثة، لما نشرت الحرمة ،لأنّه لايصدق عليه أنّه رضع في الحولين، أو نُقِص الماء المقدّر بالأرطال والأشبار مقداراً طفيفاً، أو كانت الغلّة قريبة من النصاب ولم ينقص منها إلاّ مثقالاً أو مثقالين، لما كان الماء عاصماً ولاتعلّقت الزكاة بالغلّة، لعدم صدق الحدّ بالدقة العقلية.
أو يكفي فيه الصدق العرفي، إذا كان العرف منعزلاً عن الدقة العقلية. فإذا كانت الحنطة الموجودة مائة منّ إلاّ مثقالاً، أو كان الماء مائة رطل إلاّ مثقالين، فلايتوقّف العرف في إطلاق المائة عليهما، مع علمه بالنقصان.
فإذا كانت التحديدات الشرعية واردة على مستوى الأفهام العرفية من دون مراعاة تلك الدقة العقلية، فيدور الحكم مدار صدقها العرفي، وإن كان الموضوع منتفياً في نظر العرف. وعلى ما ذكرنا تبتني أحكام متعددة في مختلف الأبواب ومنها نشر الحرمة في الفرع المزبور.
3ـ الصورة السابقة مع وقوع الرضعة الأخيرة في الحولين، لكنّه لم يرتوِ منها فيهما. والكلام فيها عين ما تقدّم في سابقتها.
4ـ الصورة السابقة، ولكن تمّت الرضعة الأخيرة مع تمام الحولين، ينشر على المختار دون القول الآخر.
 
في كون الشهور هلالية أو عددية
مبدأ الحولين من حين انفصال الولد، فإن كان أوّل شهر فواضح، وإلاّ فيكمل المنكسر من الشهر الخامس والعشرين على وجه يكون شهراً هلالياً أو عددياً. والفرق بينهما واضح، فلو كان الشهر الذي ولد فيه، غير كامل، حسب مثله في الخامس والعشرين إذا قلنا بتكميله هلالياً، دون ما إذا قلنا بتكميله عددياً. فلو ولد في أوّل نهار الحادي والعشرين من رجب، وكان الشهر غير كامل، يكمل ذلك الشهر بعشرين يوماً من الشهر الخامس والعشرين بحساب كون الشهر هلالياً، أعني: تسعة وعشرين يوماً بخلاف ما إذا قلنا بتكميله شهراً عددياً فإنّه يُحسب من الشهر الخامس والعشرين، واحد وعشرون يوماً حتّى يكون مع التسعة أيّام شهراً عددياً، أعني: ثلاثين يوماً.
ويحتمل إكماله ممّا يليه من الشهر وهكذا، فيجري الانكسار في الجميع حينئذ، والتكملة عند ذاك إمّا هلالية أو عددية. والفرق بينهما كالفرق بين السابقين فلو قلنا بالتكملة الهلالية حسب نقصان الشهر الأوّل بمقدار نقصانه. فلو رُئي الهلال في ليلة الثلاثين وتولّد الرضيع في أوّل نهار اليوم الحادي والعشرين ، كفى ضمّ عشرين يوماً من الشهر الثاني لا أكثر، فيصير شهراً هلالياً، تسعة وعشرين يوماً.ومثله الشهر التالي بالنسبة إلى الثالث وهكذا، بخلاف ما إذا قلنا بتكميله عددياً، وذلك أنّه لو كان الشهر الذي تولّد فيه تسعة وعشرين يوماً، لزم ضمّ واحدوعشرين يوماً إلى هذه التسعة حتّى يصير شهراً كاملاً عددياً، وهكذا الشهر التالي بالنسبة إلى الثالث.
فإن قلت: ما الفرق بين إكمال الشهر الأوّل من الشهر الخامس والعشرين وبين إكماله من الشهر الذي يليه.
قلت: الفرق بين الهلالي الأوّل والثاني واضح، فإنّه في الفرض يحسب الشهر الأوّل هلالياً فقط، وأمّا الشهور الأُخر فالحاسب بالخيار بين حسابها عددية أو هلالية. وهذا بخلاف ما إذا ضرب الكسر على الشهور، فإنّ الشهور عامة تحسب هلالية.ومثله الفرق بين العدديين ، فإنّه في الفرض الأوّل يحسب الشهر الأوّل عددياً، وأمّا الشهور الأُخر فيمكن أن تحسب هلالية أو عددية.وأمّا إذا ضرب الكسر على الجميع، فالشهور كلّها عددية، وعند ذاك تزيد عدد الأيّام على الهلالي في ظرف السنتين كثيراً.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر احتمل وجهاً آخر، فقال: المراد من تحقّق الحولين هو أربعة وعشرون شهراً هلالياً على وجه يخرج المنكسر عنهما وإن لحقه الحكم.( [606])
والظاهر أنّ مراده أنّه تحسب السنتان من أوّل الشهر الهلالي إلى أربعة وعشرين شهراً، فلو تولّد في الحادي والعشرين من رجب، تحسب السنتان من أوّل شعبان، وأمّا المنكسر فلايحسب من السنتين وإن نشر الحرمة إذا رضع فيه على الشرائط المعلومة.
 
الشرط الخامس:
اتّحاد الفحل
وقبل إيراد الروايات الواردة في الباب وتوضيح مفادها نذكر أُموراً:
الأمر الأوّل: ممّا انفردت به الإمامية شرطية كون اللبن لفحل واحد، وليس من هذا الشرط أثر في كلمات سائر الفقهاء، فالإخوة للأُمّ عندهم كالإخوة للأب، بلا فرق بينهما. بل يظهر من بعضهم إرجاع الأُولى إلى الثانية. روى الترمذي قال: «سئل ابن عباس عن امرأتين في عصمة رجل، أرضعت إحداهما جارية، والأُخرى غلاماً، أتحلّ الجارية للغلام؟ فقال: لا، إنّ  اللقاح واحد».وأوضحه الترمذي قائلاً: أي لقاحهما من رجل واحد، فكأنّ الجارية والغلام رضعا من امرأة واحدة، وعليه أحمد وإسحاق.( [607])
وكيف كان فالمسألة قد عنونت عند العامة بصورة تختلف عمّا عند الإمامية. فلاخلاف عند العامة في كفاية الاتّحاد في الأُمّ وإن اختلف الفحل، وإنّما اختلفوا في كفاية الاتّحاد في الفحل مع اختلاف الأُمّ، والمشهور عندهم كما سيأتي كفايته أيضاً، وروي عن طائفة منهم عدم الإجزاء.
فالأساس الذي تبنى عليه هذه المسألة هو أنّ الإخوة من جانب الأب ـ وإن اختلفا من جهة الأُمّ ـ ناشرة للحرمة أو لا؟ ذهبت الإمامية إلى الأوّل وجماعة من الفقهاء إلى الثاني، فلايكون من الرضاع أب ولا عمّ ولاعمّة....
قال الشيخ في الخلاف: «وذهبت طائفة إلى أنّ لبن الفحل لاينشر الحرمة، ولا يكون من الرضاع أب ولا عمّ، ولا عمَّة، ولاجدّ أبو أب، ولا أخ لأب ولهذا الفحل أن يتزوّجها، أعني: التي أرضعتها زوجته. ذهب إليه (ابن خ ل) الزبير، وابن عمر، وفي التابعين: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وفي الفقهاء: ربيعة بن أبي عبد الرحمان أُستاذ مالك، وحمّاد بن أبي سليمان أُستاذ أبي حنيفة، والأصم، وابن علّية وهو أُستاذ الأصم، وبه قال أهل الظاهر داود وشيعته».ثمّ ردّ هذا القول بإجماع الفرقة وأخبارهم ، وبما رواه القوم عن عائشة، قالت: «دخل عليَّ أفلح بن تعيس فاستترت منه، فقال: أين تستترين منّي وأنا عمّك؟ قالت: قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إنّما أرضعتني امرأة ولم يرضعني الرجل. فدخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فحدثته فقال: إنّه عمّك فليلج عليك! قال الشيخ : وهذا نصّ في المسألة فإنّه أثبت الاسم والحكم معاً، وقد نقل هذا بألفاظ أُخر». ( [608])
وقال ابن رشد: «وأمّا هل يصير الرجل الذي له اللبن ـ أعني: زوج المرأة ـ أباً للمرتضع حتّى يحرم بينهما ومن قبلهما ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب، وهي التي يسمّونها لبن الفحل؟ فإنّهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري: لبن الفحل يحرم، وقالت طائفة: لا يحرم لبن الفحل. وبالأوّل قال علي وابن عباس، وبالقول الثاني قالت عائشة وابن الزبير وابن عمر. وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور، أعني: آية الرضاع، وحديث عائشة ( [609]) هو ... أخرجه البخاري ومسلم ومالك، فمن رأى أنّ ما في الحديث شرع زائد على ما في الكتاب، وهو قوله تعالى: ( وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرِّضاعَةِ ) ، وعلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) :«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة» قال: لبن الفحل محرّم ومن رأى أنّ آية الرضاع وقوله:«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة»، إنّما ورد على جهة التأصيل لحكم الرضاع، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، قال:ذلك الحديث إن عمل بمقتضاه أوجب أن يكون ناسخاً لهذه الأُصول، لأنّ الزيادة المغيّرة للحكم ناسخة، مع أنّ عائشة لم يكن مذهبها التحريم بلبن الفحل وهي الراوية للحديث، ويصعب ردّ الأُصول المنتشرة التي يقصد بها التأصيل والبيان عند وقت الحاجة، بالأحاديث النادرة وبخاصة التي تكون في عين. ولذلك قال عمر في حديث فاطمة بنت قيس:لاتترك كتاب الله لحديث امرأة».( [610])
وقد نقلنا كلام ابن رشد بطوله ليعلم ما هو محطّ البحث بين الأُمة في عصور الأئمّة وبعدها، وأنّ طائفة من العامة يشترطون اتّحاد الأُمّ تمسّكاً بنصّ الكتاب، ويجعلون كلّ الاعتبار للإخوة للأُمّ فقط ولايكتفون بها للأب، ومنهم من يرى كفاية كلّ واحد منهما، الوحدة في الأُمّ المرضعة أو في الفحل صاحب اللبن.
وأمّا الخاصّة، فالملاك عندهم بلا خلاف إلاّ من الطبرسي، الاتّحاد في الفحل، ولولاه لما كفى الاتّحاد في المرضعة.
الأمر الثاني: ليعلم أنّ الاتّحاد في الأُم مع اختلاف الفحل إنّما لايكفي إذا كان الرضيعان أجنبيين بالنسبة إلى الأُمّ المرضعة، وأمّا إذا كان أحدهما نسبياً لها والآخر المرتضع أجنبياً، فإنّه ينشر الحرمة بينهما وإن اختلف الفحلان.
كما أنّ إتّحاد الفحل شرط لنشر الحرمة بين الرضيعين، وليس شرطاً لأصل الرضاع. فعلى هذا فالرضاع ناشر للحرمة بين المرضعة والمرتضع مطلقاً، وكذا بين كلّ من الفحلين والمرتضع، كلّ بالنسبة إلى لبنه، فإذا رضعت امرأة غلاماً وجارية، بلبن فحلين فلا ينشر الحرمة بالنسبة إلى الغلام والجارية، نعم ينشر الحرمة بالنسبة إلى فحل كل واحد منهما. كما سيوافيك في رواية «بريد العجلي».
الأمر الثالث: قال المحقّق (رحمه الله) في الشرائع:
1ـ لو أرضعت بلبن فحل واحد مائة، حرم بعضهم على بعض.
2ـ لو نكح الفحل عشراً وأرضعت كلّ واحدة واحداً أو أكثر، حرم التناكح بينهم جميعاً.
3ـ لو أرضعت اثنين بلبن فحلين، لم يحرم أحدهما على الآخر.
وادّعى عليه في الجواهر الإجماع بقسميه، وقال عند البحث عن الفرع الثالث: «على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً، بل عن السرائر والمبسوط والتذكرة وغيرها الإجماع عليه».( [611])
وحدة الفحل في الروايات
وأمّا روايات الباب الدالة على ما تقدّم فهي على قسمين:
الأوّل: الروايات التي تصرّح بعدم كفاية الوحدة في الأُم.
الثاني: الروايات التي تعتبر الوحدة في الفحل.
أمّا ما يدلّ على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، فمنها رواية بريد العجلي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فسِّر لي ذلك؟ فقال: «كلّ امرأة أرضعت من لبن فحلها ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام، فذلك الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكل امرأة أرضعت من لبن فحلين كانا لها واحداً بعد واحد من جارية أو غلام فإنّ ذلك رضاع ليس بالرضاع الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإنّما هو من نسب ناحية الصهر رضاع، ولايحرم شيئاً، وليس هو سبب رضاع من ناحية لبن الفحولة فيحرم».( [612])
وقوله: «واحداً بعد واحد» مفعول لقوله: «أرضعت»، وقوله: «من جارية أو غلام» بيان «واحداً بعد واحد». وعند ذاك فلابدّ أن يفرض الرضيعان أجنبيين كما هو ظاهر صدره، أعني: قوله (عليه السلام) : «أرضعت ولد امرأة أُخرى من جارية أو غلام» فلاينشر الحرمة بالنسبة إليهما، وإن اتحدت الأُم، لاختلافهما في الفحل. نعم لو كان واحد منهما نسبياً بالنسبة إلى الأُمّ لايشترط فيه حسب مختار المشهور، كما مرّ. وعلى أيّ تقدير يكون دليلاً على ما ذهب إليه المشهور في المقام.
وأمّا القسم الثاني وهي الروايات التي تعتبر الوحدة في الفحل:
فمنها: موثقة زياد بن سوقة: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : هل للرضاع حدّ يؤخذ به؟ فقال: «لايحرم الرضاع أقلّ من يوم وليلة أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد لم يفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد، وأرضعتهما امرأة أُخرى من فحل آخر عشر رضعات لم يحرم نكاحهما».( [613])
فإنّ قوله (عليه السلام) : «من لبن فحل واحد» ، دليل على المدّعى. لكن الحديث يشتمل على شرط آخر وهو لزوم الاتّحاد في الأُمّ الذي لانقول به كما تقدّم في بعض الفروع.
ومنها: رواية عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لبن الفحل؟ قال: «هو ما أرضعت امرأتك من لبنك ولبن ولدك، ولد امرأة أُخرى، فهو حرام».( [614]) ولكن الرواية ليست صريحة فيما نريد لاحتمال انطباقها على القول المشهور بين العامة وهو كفاية الاتّحاد في واحد من الفحل أو المرضعة.
ومنها: رواية سماعة قال: سألته عن رجل كان له امرأتان، فولدت كلّ واحدة منهما غلاماً، فانطلقت إحدى امرأتيه فأرضعت جارية من عرض الناس، أينبغي لابنه أن يتزوج بهذه الجارية؟قال: «لا، لأنّها أرضعت بلبن الشيخ».( [615]) والرواية دالّة على المطلوب لأنّه (عليه السلام) علّل الحرمة بوحدة الفحل ولم يعلّل بوحدة أُمّهما.
ومنها: رواية مالك بن عطيّة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فتلد منه ثمّ ترضع من لبنه جارية، يصلح لولده من غيرها أن يتزوّج تلك الجارية التي أرضعتها؟ قال:«لا، هي بمنزلة الأُخت من الرضاعة، لأنّ اللبن لفحل واحد».( [616])
ودلالة الرواية كسابقتها.
ومنها: رواية صفوان عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له. أرضعت أُمّي جارية بلبني، فقال: «هي أُختك من الرضاعة»، قلت: فتحلّ لأخ لي من أُمّي لم ترضعها أُمّي بلبنه يعني ليس بهذا البطن ولكن ببطن آخر، قال: «والفحل واحد؟» قلت: نعم، هو أخي (هي أُختي خ ل) لأبي وأُمّي، قال: «اللبن للفحل، صار أبوك أباها وأُمّك أُمّها».( [617])
والرواية دالّة على المطلوب، بدليل سؤاله (عليه السلام) عن وحدة الفحل دون الأُمّ، فيعلم اشتراطه .نعم الرواية كسابقتها من الروايات لا تدلّ على اشتراط وحدة الفحل إلاّ بضميمة الروايات التي قدّمناها الدالة على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ.
وظاهر هذه الرواية اشتراط وحدة الفحل بين الابن النسبي للمرضعة والأجنبي المرتضع منها، مع أنّ المشهور عندهم عدم شرطيته إلاّ في المتراضعين الأجنبيين، فتكون الرواية ظاهرة في خلاف مختار المشهور .
وهنا روايات أُخرى تختلف دلالتها في اعتبار وحدة الفحل. وكيف كان فالظاهر من مجموع الروايات الدال بعضها على عدم كفاية الوحدة في الأُمّ، وبعضها الآخر على اعتبار الوحدة في الفحل، كون اتّحاد الفحل شرطاً في نشر الحرمة، فيكفي فيها ولو وقع الاختلاف في الأُمّ المرضعة، ويظهر بذلك دليل الفروع التي تقدّمت.
وما ذكرناه من اشتراط وحدة الفحل بين الرضيعين الأجنبيين دون النسبي والأجنبي هو المشهور، وهناك مذهبان آخران يقعان بين الإفراط والتفريط، فراجع رسالة قاعدة الرضاع تقريراً لأبحاثنا في هذا المقام، بقلم المحقّق: الشيخ حسن مكي العاملي ـ حفظه الله ـ.

[520] . النساء: 23.
[521] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 1 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1، 3، 4، 5و8 ; والباب8 ، الحديث 7; والباب 17، الحديث 1. إلى غير ذلك ممّا يدلّ على كونه حديثاً مستفيضاً، وهو مروي في كتبنا عن 26 طريقاً.
[522] . السنن الكبرى للبيهقي:7/451.
[523] . النساء: 23.
[524] . رسالة الشيخ الأعظم في الرضاع:1.
[525] . الفرقان: 54.
[526] . أي أنّ  إرضاع امرأة ولد رجل لايجعلها زوجة له، ولو حكماً حتّى تتحقّق بذلك علاقات مصاهرية فيما بين الرجل وأنساب المرأة، ولم يدّع ذلك أحد.
[527] . نقله الشيخ الأعظم في أوّل رسالة الرضاع المطبوعة في ملحقات المكاسب.
[528] . الحاصل من كلمات أهل اللغة أنّ الرضاع مطلق مصّ اللبن من الثدي بالفم فليس له معنى سوى المعنى اللغويّ.
[529] . النساء: 23.
[530] . الخلاف:3/73، المسألة 22.
[531] . الوسائل: ج 14، الباب 9 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.
[532] . المصدر نفسه: الحديث 2.
[533] . الوسائل: ج 14، الباب 83 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 2.
[534] . سوف يأتي التحديد الثاني : التحديد بالأثر في الصفحة 406.
[535] . سيأتي ذكر قول رابع لهم وهو عشر رضعات عند نقل كلام ابن رشد.
[536] . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.
[537] . بداية المجتهد:2/35.
[538] . الخلاف:3/68، كتاب الرضاع، المسألة 3.
[539] . المختلف:3/70، كتاب النكاح.
[540] . دعائم الإسلام: 2 / 240، الرقم 920.
[541] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 10.
[542] . في السند الحسين بن علوان و هو عامي لم يوثق، وعمرو بن خالد وهو إمامي مجهول.
[543] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم من الرضاع ، الحديث 12.
[544] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب ما يحرم من الرضاع، الحديث 1.
[545] . المصدر نفسه، الحديث2.
[546] . قال في الوافي:«هكذا في النسخ التي رأيناها، والصواب وجارية، بواو الجمع».
[547] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1. وهي موثقة بعمّار بن موسى الساباطي فإنّه فطحي لكنّه ثقة في الرواية ، قاله النجاشي والعلاّمة والشيخ في موضع من التهذيب.
[548] . المصدر نفسه، الحديث 14.
[549] . المصدر نفسه، الحديث6.
[550] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 11. رواه الشيخ في الاستبصار: 3 / 196، الحديث 709 عن محمّد بن علي بن محبوب، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن حريز، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) . ولكن الموجود فيه«المجبورة» بالجيم. واحتمل في ذيله أن يكون المراد من الحديث نفي التحريم عمّن أرضعه رضعة أو رضعتين، ثمّ استشهد بالروايات الواردة بهذا المعنى. وأورده في التهذيب بالسند نفسه، ج7، الحديث 1305 ولكن بدل قوله«ثمّ يرضع»، قوله«قد رضع» وما في الاستبصار أصحّ. كما أنّ الموجود فيه«المجبورة» بالجيم.
[551] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 7 وقد سقط من نسخة الوسائل المطبوعة «عن أبي عبد الله (عليه السلام) ». رواه الشيخ في التهذيب: 7/ 324، الحديث 1334، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أيوب بن نوح، عن حريز، عن الفضيل بن يسار عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) .وقوله في الرواية: (أو أُمّ تربى) يحتمل قوياً أن يكون ترديداً من الراوي أو اختلافاً في النسخ أدرج في المتن، ويؤيّده ما نقله الصدوق كما سنذكره، وقال الشيخ في ذيل الرواية بعد إيرادها: إنّ القصد بهذه الرواية نفي التحريم عمّن يرضع رضعة أو رضعتين أو ما أشبه ذلك.
[552] . الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5. وقد وقع في سند الشيخ الوارد في الوسائل المطبوعة في بيروت سقط، فالراوي عن عبد الله بن سنان هو الحسن بن علي ابن بنت الياس وهو الحسن بن علي بن زياد، ثقة من وجوه الطائفة. فالرواية صحيحة. أمّا في الوسائل المطبوعة في إيران، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) فالسند كامل بدون سقط. راجع الوسائل: ج 20، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 5 .
[553] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 9 ، وكذلك الحديث 19.
[554] . الجواهر:29/284.
[555] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح ، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 21.
[556] . المصدر نفسه، الحديث 18.
[557] . المصدر نفسه، الحديث 3.               2 . المصدر نفسه، الحديث 2.
[558] . المصدر نفسه: الحديث 3.
[559] . المصدر نفسه، الحديث 4.
[560] . المصدر نفسه، الحديث 1.
[561] . النساء: 24.
[562] . النساء: 23.
[563] . فيرجع هنا إلى عمومات الحلّ لأنّها محكمة في عمومها، وأمّا عموم ( وأُمّهاتُكُمُ اللاّتي أَرْضَعْنَكُمْ ) لو سلّم، وكذا عموم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فإنّ موضوعه هو الرضاع الخاص وصدقه مشكوك، فلاندري هل هو العشر رضعات أو الخمس عشرة رضعة ؟ الثاني متيقّن التحريم بالإجماع من الجميع والأوّل مشكوك المصداقية فلايتمسّك فيه بالعام، بل نلجأ إلى عمومات أُخرى وهي عمومات الحلّ السالمة عن أيّة شبهة.
[564] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.
[565] . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، الباب 3 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
[566] . المصدر نفسه، الحديث 3.
[567] . الوسائل: ج 14، الباب 15 من أبواب ما يحرم بالنكاح، الحديث 2. والظاهر اتّحادها مع الرواية السابقة إلاّ أنّ الكليني أوردهما في موضعين من كتابه مع اختلاف طفيف في المتن.
[568] . الوسائل: ج 14، الباب 2، من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
[569] . المصدر نفسه، الحديث 9.
[570] . المصدر السابق: الحديث 18.
[571] . المصدر نفسه، الحديث21.
[572] . المصدر نفسه، الحديث23.
[573] . المصدر نفسه، الباب 4، الحديث1.
[574] . المصدر نفسه، الحديث2.
[575] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 8 . وأراد (عليه السلام) من التقييد بثدي واحد الإشارة إلى لزوم وقوع الكمّية المحرّمة من امرأة واحدة.
[576] . المصدر نفسه، الحديث10.
[577] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13.
[578] . المقنع: 330، باب ما يحرم من الرضاع ; الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 17.
[579] .  الوسائل: ج 14، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع ، الحديث 7.
[580] . المصدر نفسه: الحديث 11.
[581] . المصدر نفسه، الحديث 15. كذا في الوسائل وحمله على ما لو رضع كلّ يوم رضعة. وفي المقنع: «لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات لايفصل بينهنّ» كما سيأتي، وفيه أيضاً: «ولايحرم الرضاع ثلاثين رضعة متفرقة». وفي الهداية: وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، إلاّ رضاع خمس عشرة يوماً ولياليهنّ وليس بينهنّ رضاع». ولكن قال العلاّمة في المختلف نقلاً عن الصدوق في المقنع قال: «وروي أنّه لايحرم من الرضاع إلاّ رضاع خمسة عشر يوماً ولياليهنّ ليس بينهنّ رضاع». وبه كان يُفتي شيخنا محمّد بن الحسن (رحمه الله) ، وأراد به شيخه ابن الوليد. ونقل عنه أيضاً الرضاع سنة.
[582] . الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) : 234.
[583] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.
[584] . المصدر نفسه، الحديث 14. والظاهر أنّهما رواية واحدة، خاصة مع نقلها في المقنع في نسخة عن أبي جعفر (عليه السلام) .
[585] . قال  ;  في رسالته في الرضاع الملحقة بالمكاسب، ص4: «وهل يعتبر ابتداء الرضاع في ابتداء اليوم وانتهائه في آخر الليلة أو العكس، أو يكفي الملفق لو ابتدأ في أثناء أحدهما؟ وجهان: أقواهما الثاني، إمّا لصدق رضاع يوم وليلة عرفاً على رضاع الملفّق، وإمّا لأنّ الرضاع في الملفّق لايكون أقلّ من رضاع يوم وليلة بل يكون مساوياً له، فلاتدلّ الرواية على انتفاء النشر به، فيبقى داخلاً تحت الإطلاقات الدالّة على النشر، والتعويل على الوجه الأوّل».
[586] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 4 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
[587] . المصدر نفسه، الحديث 1.
[588] . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 11.
[589] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1.
[590] . هو وإن كان راجعاً لفظاً إلى الأخير دون الأوّل وهو الرضاع في اليوم والليلة و إلاّ ناسبه أن يقول: «متوالياً» إلاّ أنّه لايمتنع رجوعه روحاً ومعنىً إليهما.
[591] . بداية المجتهد:2/37.
[592] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 2 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 13.
[593] . المصدر نفسه، الباب 5، الحديث 8 .
[594] . لعدم تبادره من روايات الباب بلاشبهة.
[595] . بداية المجتهد:2/26.           2 . الخلاف: 3 / 98، كتاب الرضاع، المسألة 4.
[596] . الخلاف: 3 / 99، كتاب الرضاع، المسألة 5.
[597] . الوسائل: ج14، كتاب النكاح، الباب 5 من ما يحرم بالرضاع، الحديث 5.
[598] . المصدر نفسه، الحديث 1. أقول: وقوله في ذيل الرواية «فمعنى قوله: «لارضاع بعد فطام» أنّ الولد إذا شرب لبن المرأة بعد ما تفطمه، لايحرم ذلك الرضاع التناكح، فهو من تفسير الكليني. بقرينة تفرّده في نقله، فإنّ الصدوق نقل الرواية في المجلس الستين من أماليه من دون هذا الذيل.
[599] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 2.
[600] . المصدر نفسه، الحديث 8.     5 . المصدر نفسه، الحديث10.
[601] . المصدر نفسه، الحديث 4.
[602] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 5 من أبواب ما يحرم من الرضاع ، الحديث 7.
[603] . المصدر نفسه، الحديث 6.
[604] . حاشية التاج:2/266.
[605] . الجواهر:29/299.
[606] . الجواهر: 29 / 296 .
[607] . التاج:2/266.
[608] . الخلاف3/67ـ 68، كتاب الرضاع، المسألة 2.
[609] . جاء حديث عائشة في ضمن كلام «الخلاف» فراجع.
[610] . بداية المجتهد2/38ـ39.
[611] . الجواهر:29/303.
[612] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 1، والرواية صحيحة.
[613] . المصدر نفسه، الباب 2، الحديث 1.
[614] . الوسائل: ج 14، كتاب النكاح، الباب 6 من أبواب ما يحرم بالرضاع، الحديث 4، والرواية صحيحة.
[615] . المصدر نفسه، الحديث 6، والرواية موثقة مضمرة.
[616] . المصدر نفسه ، الحديث 13.
[617] . المصدر نفسه، الباب 8، الحديث 3، والرواية صحيحة.