welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
الجنة والنار
من البحوث التي دار حولها الجدل بين المذاهب الإسلامية هي مسألة خلق الجنة والنار، هل هما مخلوقتان فعلاً أم انّهما ستخلقان، نرجو تسليط الضوء على هذه المسألة وبيان حقيقة الأمر في هذه المسألة الخلافية؟

الجواب: من البحوث التي تتعلّق بالجنة والنار، بحث وجودهما الفعلي، ولقد طرحت هذه القضيّة منذ زمن طويل على بساط البحث والجدل، وهذه المسألة بالرغم من كونها مسألة كلامية واعتقادية، ولكنّها في نفس الوقت بحثت من وجهة نظر قرآنية وتفسيرية، بمعنى أنّ هذه القضية يمكن أن ينظر إليها من زاوية الأدلّة العقلية وأُخرى  من زاوية تفسيرية، ونحن إذا رجعنا إلى المصادر الكلامية الإسلامية يتّضح لنا وبجلاء أنّ أكثر العلماء والمفكّرين المسلمين يتبنّون الرأي القائل: «الجنة والنار مخلوقتان فعلاً، وانّهما موجودتان بالفعل».
يقول المحدّث والمتكلّم الكبير الشيخ الصدوق في هذا المجال: اعتقادنا في الجنة والنار أنّهما مخلوقتان، وأنّ النبي قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به.( [1])
وقد تعرّض الشيخ المفيد (رحمه الله) في كتابه «أوائل المقالات» إلى نقل الأقوال في المسألة، ثمّ قال: إنّ الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان،وبذلك جاءت الأخبار وعليه إجماع أهل الشرع والآثار، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية، فزعم أكثر من سمّيناه انّ ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب.
ووقفوا في الوارد به من الآثار، وقال من بقي منهم بإحالة خلقهما، واختلفوا في الاعتلال فقال أبو هاشم الجبائي: إنّ ذلك محال، لأنّه لابدّ من فناء العالم قبل نشره وفناء بعض الأجسام فناء لسائرها، وقد انعقد الإجماع على أنّ اللّه تعالى لا يفني الجنة والنار.( [2])
وقال العلاّمة الحلّي في «كشف المراد»: اختلف الناس في أنّ الجنة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا؟ فذهب جماعة إلى الأوّل وهو قول أبي علي، وذهب أبو هاشم والقاضي (عبد الجبار) إلى أنّهما غير مخلوقتين، ثمّ نقل احتجاج كلّ على رأيه.( [3])
والذي يظهر من الإمعان في عبارة الشيخ المفيد التي نقلها في «أوائل المقالات» أنّه توجد في هذا المجال ثلاث نظريات هي:
ألف: انّ الجنّة والنار مخلوقتان وهو قول الأكثرية من العلماء.
ب: انّ خلقهما وتحت الشرائط الفعلية أمرٌ ممكن، ولكن لا دليل عندنا على تحقّق ذلك فعلاً، وهذه نظرية المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية.
ج: النظرية الثالثة تذهب إلى استحالة خلقهما فعلاً، وقد تبنّى هذه النظرية كلّ من أبي هاشم والقاضي عبد الجبار. والجدير بالذكر انّ هذه المسألة من المسائل التي لابدّ من اعتماد المنهج والأُسلوب النقلي لإثباتها ولابدّ من الرجوع في هذا الصدد إلى الكتاب والسنّة لاستنباط الحكم الفصل في هذه المسألة ثمّ معرفة ماذا يقصد  أبو هاشم من قوله باستحالة وقوعهما، هل يريد انّ ذلك محال بالغير أو أنّه يريد الاستحالة الوقوعية؟
أدلّة القول بالخلق
إنّ مراجعة آيات الذكر الحكيم توضّح لنا وبصورة جلية انّ الجنة والنار مخلوقتان وانّهما موجودتان بالفعل، ومن هذه الآيات قوله تعالى:
1. ( وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) .( [4])
وإنّ المراد من ( جَنَّةُ الْمَأْوى )   هو الجنّة الموعودة،والتي عبّر عنها في آيات أُخرى بتعابير من قبيل «جنة عدن» وغير ذلك من التعابير والأوصاف، ومن الواضح أنّ الآية تؤكّد أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شاهد أمين الوحي عند «سدرة المنتهى» التي تقع إلى جنب جنة الخلد، ومن المعلوم إذا كانت الجنة غير مخلوقة بالفعل يُعتبر ذكر تلك العلامة بعيداً عن الفصاحة والبلاغة التي هي من سمات القرآن الكريم الأساسية.
2. هناك طائفة من آيات الذكر الحكيم تصف الجنة والنار بالإعداد، وانّ الجنّة أُعدّت للمتّقين، والنار أُعدّت للكافرين، وهذا شاهد على  وجودهما الفعلي حال الحكاية،ومن هذه الآيات قوله تعالى:
( ...أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ ) .( [5])
وقال تعالى:
( ...أُعِدَّتْ لِلَّذينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ... ) .( [6])
وفي آية أُخرى يقول سبحانه:
( وَاتَّقُوا النّارَ الّتي أُعِدَّتْ لِلْكافِرينَ ) .( [7])
وقال سبحانه:
( ...وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّات تَجْري تَحْتَها الأَنْهارُ... ) .( [8])
وقال عزّ من قائل:
( ...وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهيناً ) .( [9])
وكما قلنا: إنّ استعمال كلمة «الإعداد» في هذه الآيات يحكي عن وجود الجنة والنار فعلاً  في زمن نزول الوحي،ولو فرضنا انّهما غير موجودتين في زمن نزول الوحي، فحينئذ لا مناص من اللجوء إلى التأويل، ومادام لا يوجد مبرر للتأويل نحمل الآيات على الظاهر.
والحقّ أنّ هذه الآيات صالحة للاستدلال إذا لم يكن هناك دليل قاطع للتأويل.
إلى هنا اتّضح الموقف القرآني من المسألة، ولنعطف عنان القلم لبيان القضية من وجهة نظر الروايات الإسلامية، ومن هذه الروايات نشير إلى رواية الهروي عن الإمام الرضا(عليه السلام) : روى الصدوق في توحيده، عن الهروي، قال: قلت للرضا(عليه السلام) :يابن رسول اللّه أخبرني عن الجنة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: «نعم، وإنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد دخل الجنة ورأى النار لمّا عرج به إلى السماء» .
قال: فقلت له: فإنّ قوماً يقولون إنّهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين.
فقال(عليه السلام) :«ما أُولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وكذّبنا، وليس من ولايتنا على شيء، وخلد في نار جهنم».( [10])
مكان الجنة والنار
إذا ثبت انّ الجنة والنار مخلوقتان ينتقل البحث إلى نقطة أُخرى وهي البحث عن مكانهما وأين يقعان فعلاً؟ وقد يستفاد من آيات الذكر الحكيم أنّ مكانهما قريب من سدرة المنتهى حيث قال سبحانه:
( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ) .
فعلى هذا الأساس يكون مكان الجنة الموعودة إلى جنب سدرة المنتهى، فلابدّ من إثبات مكان سدرة المنتهى أوّلاً، ثمّ بعد ذلك نثبت وبالتبع مكان الجنة، وبما أنّ مكان سدرة المنتهى ـ فضلاً عن حقيقتها ـ مجهول لنا ومحفوف بهالة من الإبهام فلا يمكن أن نقطع بذلك.
يقول التفتازاني: لم يرد نصّ صريح في تعيين مكان الجنة والنار، والأكثرون على أنّ الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش، تشبثاً بقوله تعالى:  ( عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى ) وقوله: «سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت الأرضين السبع». والحقّ تفويض ذلك إلى علم العليم.( [11])
والمستفاد من ظواهر الآيات أنّ الجنة والنار خارجتان عن نطاق السماوات والأرض، والشاهد عليه أنّه سبحانه يصف سعة الجنة بسعة السماوات والأرض يقول:
( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقينَ ) .( [12])
فالآية  شاهدة على أنّها خارجة عنهما غير أنّ سعتها كسعتهما، ولا محيص عن القول بأنّ مكان الجنة والنار من الأُمور الغيبية التي نفوّض علم مكانهما إلى اللّه سبحانه.( [13])

[1] . اعتقادات الصدوق: 89.
[2] . أوائل المقالات: 102.
[3] . كشف المراد:298، ط مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
[4] . النجم:13ـ 15.
[5] . آل عمران: 133.
[6] . الحديد: 21.
[7] . آل عمران: 131.
[8] . التوبة: 100.
[9] . الأحزاب: 57.
[10] . بحار الأنوار:8/119 نقلاً عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) .
[11] . شرح المقاصد:2/ 220.
[12] . آل عمران:133، وبمضمون هذه الآية، الآية 21 من سورة الحديد حيث قال سبحانه: ( وجنّة عرضها كعرض السماء والأرض ) .
[13] . منشور جاويد:9/363ـ 375.