welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور
المقالات
المعاد
علائم القيامة
لقد ركّزت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على بيان علامات يوم القيامة فهل يمكن تسليط الضوء على تلك العلامات وبيانها؟

الجواب: لقد ورد على لسان  العلماء وتبعاً للقرآن الكريم، مسألة تحت عنوان «أشراط الساعة» و يقصدون بذلك علائم القيامة، ويمكن تقسيم تلك العلائم والأشراط إلى قسمين:
1. الحوادث التي تتحقّق قبل يوم القيامة وقبل تقويض أركان النظام السائد وفي الوقت الذي ما يزال فيه الإنسان يعيش على وجه الأرض، وغالباً ما تطلق كلمة «الأشراط» على هذا القسم من العلامات.
2. الحوادث التي تكون سبباً لتقويض النظام السائد والتي ورد التركيز عليها في السور التالية: التكوير، الانفطار، الانشقاق، والزلزلة، وهذا ما يعبر عنه بـ(مشاهد القيامة) ونحن هنا نحاول الحديث عن أشراط الساعة، ثمّ نعقبه بالحديث عن القسم الثاني إن شاء اللّه تعالى.
لقد أكّد القرآن الكريم والروايات على علائم القيامة بالمعنى الذي نقصده، ونحن هنا نتعرض لبيان علامتين من تلك العلامات التي وردت في سور مختلفة من القرآن الكريم، قال تعالى:
( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْريهُمْ )   .( [1])
توضيح ذلك: «الأشراط» جمع «شرط» على وزن صدف بمعنى العلامة، يقول ابن منظور في «لسان العرب»: شرط ـ بفتح الراء ـ بمعنى العلامة ، وجمعه: أشراط، وأشراط الساعة: علائمها.( [2])
فهذه الآية تخبر وبوضوح عن تحقّق بعض أشراط الساعة، وهنا يطرح السؤال التالي: ماهي تلك الأشراط والعلائم التي تمّ تحقّقها؟
إنّ هذه الآية وآيات أُخرى لا توضح لنا الإجابة عن هذا التساؤل، ولكنّ المفسّرين يقولون إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد فسّر هذه الآية بقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«بعثت أنا والساعة كهاتين»( [3]).( [4])
وهنا يرد سؤال آخر وهو: كيف يمكن أن تُعدّ بعثة النبي الأكرم من علائم القيامة مع أنّنا نرى أنّ الفاصل الزماني بينهما ليس بالقليل؟!
والجواب عنه: إنّنا إذا قسنا ما بقي من عمر الدنيا بالنسبة إلى ما فني منها وعرفنا أنّ العالم تجاوز مرحلة النضوج وهو في طريقه إلى الهرم، فلا ريب أنّ العمر الأكبر قد مضى ولم يبق إلاّ شيء قليل، ومع الالتفات إلى هذه النسبة يمكن القول: إنّه لم يبق إلى قيام الساعة إلاّ شيء قليل، وحينئذ يصحّ اعتبار البعثة من علائم القيامة.
ثمّ إنّ بعض المفسّرين قد فسّر أشراط الساعة بانشقاق القمر كما في قوله تعالى:
( اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) .( [5])
ومنهم من ذهب إلى تفسير ذلك بنزول القرآن الكريم الذي هو خاتم الكتب.
وعلى كلّ حال فهذه الآية تحكي وبصورة قطعية عن تحقّق بعض علائم الساعة:
( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ ) .( [6])
يقول المفسّرون: حينما نزلت آية: ( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنَّم )( [7]) ، وجد منها أهل مكة وجداً شديداً.
فقال أحد المشركين ـ ابن الزبعري ـ : خصمتك ـ واللّه ـ يا محمد، ألست تثني على عيسى خيراً، وقد عرفت أنّ النصارى يعبدون عيسى وأُمّه، أفليس هؤلاء مع الآلهة في النار؟ فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا»، فقالت قريش: خصمك ابن الزبعري، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : قلتم الباطل أما قلت: إلاّ من استثنى اللّه وهو قوله تعالى:
( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُون ) .( [8]) وقد ردّ القرآن الكريم عليهم في ضمن مجموعة من الآيات من ضمنها هذه الآية التي هي مورد بحثنا ، وهي أنّ المسيح لا يمتلك أيّ صفة من صفات الإله، بل انّ وجوده(عليه السلام) أحد أسباب وعوامل التعرّف على اقتراب الساعة.
وبالطبع انّ القراءة المشهورة للآية (عِلْم) على وزن (حلم) يفيد انّها سبب للعلم والمعرفة، وأمّا على قراءة (عَلَمْ) على وزن (سلف) فحينئذ تفيد الآية معنى العلامة، ويكون وجود المسيح (عليه السلام) علامة على تحقّق القيامة.
ولكنّ هناك بحثاً آخر وهو: متى يكون المسيح من أعلام الساعة؟ فهل المراد حين تولّده ثمّ بعثه إلى بني إسرائيل؟ أو أنّ المراد زمان آخر غير ذلك الزمان؟
الروايات الواردة في هذا المجال تقول: إنّ السيد المسيح(عليه السلام) سوف ينزل إلى الأرض حين ظهور الإمام المهدي المنتظر ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ ويقتدي به، وبذلك يكون ظهور المسيح(عليه السلام) من أشراط الساعة، وقد روى ذلك محدّثو السنّة والشيعة، حيث جاء في الحديث:
«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم».( [9])
وفي الآية احتمال آخر وهو: انّ عيسى يعلم به الساعة في خلقه من غير أب وإحيائه الموتى، فيعلم به أنّ الساعة ممكنة فلا تشكّوا في الساعة ولا ترتابوا فيها البتة.( [10])
وحينئذ يكون معنى الآية: انّ مجموع حياة السيد المسيح يُعدّ أحد علامات إمكان القيامة فلماذا تشكّون فيها؟ وإذا من المفكّرين في السيد المسيح(عليه السلام) ، ففكّروا فيه من هذه الزاوية ومن هذه النكتة لا أن تنظروا إليه على أنّه معبود وإله لكم.
والذي يؤيّد هذا التفسير قوله سبحانه: ( فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ) حيث فرعت عدم الشك في القيامة على وجود السيد المسيح (عليه السلام) .
وهذا التفسير لا ينافي التفسير الأوّل الذي ذكرناه، إذ لا منافاة بين أن يكون المسيح بوجوده دليلاً على إمكان القيامة وفي نفس الوقت آية من آياتها، فمع مشاهدة هذه العلامة لا ينبغي الشكّ في القيامة.
علامات القيامة في الروايات والأحاديث
لقد وردت روايات كثيرة عن طريق الفريقين تتحدّث عن أشراط وعلائم القيامة،  واعتبرت سلسلة من الحوادث والتحوّلات علامة على قيام الساعة، والتي جاءت فيها عنوان «أشراط الساعة» يمكن تقسيمها إلى طائفتين:
1. الحوادث الخارقة للعادة التي تقع في النظام الكوني.
2. التحوّلات والتغيّرات التي تحدث في سلوك الناس وأفكارهم.
وبما أنّ دراسة جميع تلك الروايات( [11]) يحتاج إلى بحث مفصّل وشامل ولا ينسجم مع حجم الكتاب، لذلك نكتفي هنا بذكر رواية واحدة تشير إلى هذه العلامات بصورة مختصرة، وهي:
ما رواه حذيفة بن أسيد قال:
كان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في غرفة ونحن أسفل منه فاطّلع إلينا فقال: «ما تذكرون؟».
قلنا: الساعة. قال: «إنّ الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات:
1. خسف بالمشرق.
2. وخسف بالمغرب.
3. وخسف في جزيرة العرب.
4. والدخان.
5. والدجال.
6. ودابة الأرض.
7. ويأجوج ومأجوج.
8. وطلوع الشمس من مغربها.
9. ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس....
10. و نزول عيسى بن مريم، وريح تلقي الناس في البحر».( [12])
وأمّا الروايات الحاكية عن طروء التغيّر و التبدّل على حياة الناس وأخلاقهم وسلوكهم وابتعاد الناس عن القيم الدينية وشيوع الفساد والعصيان، فهي روايات كثيرة، أشمل تلك الروايات وأجمعها ما رواه ابن عباس عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .( [13])
بعد أن تعرّفنا على النوع الأوّل من العلامات التي عبّر عنها بـ«أشراط الساعة» حان الوقت للحديث عن طائفة من الروايات التي تعتبر من العلامات الحتمية للقيامة والتي تحدث تحوّلاً في نظام الكون، وهي ما عبر عنها بـ«مشاهد القيامة».
الحوادث الكونية وقيام الساعة
تحدّث القرآن الكريم عن وقوع مجموعة من الحوادث الكونية التي تخبر عن انتهاء عمر الدنيا وقيام الساعة.
وهذه الحوادث العظيمة والرهيبة سوف تشمل السماء والأرض، والبحار، والجبال، والإنسان، والشمس، والنجوم و....
وبكلمة واحدة :انّ  النظام السائد في العالم سينهار بأسره، وستقوم الساعة حينئذ، وسنشير إلى هذه الحوادث المهيبة بصورة مفصّلة:
حالة السماء أوان قيام الساعة
لقد استعمل القرآن الكريم في هذا المجال المصطلحات التالية: الانشقاق، الانفطار، الانفتاح، الانفراج، الانطواء، التبدّل، المور، المهل، الدخان، وردة كالدهان، الكشط، وقد وردت هذه المصطلحات في الآيات التالية:
1. ( إذا السَّماءُ انْشَقَّت ) .( [14])
2. ( إِذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) .( [15])
3. ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبواباً ) .( [16])
4. ( وَإِذا السَّماءُ فُرِجَتْ ) .( [17])
5. ( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجلّ لِلْكُتُبِ ) .( [18])
6. ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ ) .( [19])
7. ( يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ) .( [20])
8. ( يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمِهْلِ ) .( [21])
9. ( يَومَ تأْتِي السَّماءُ بِدُخان ) .( [22])
10. ( فَكانَتْ وَرْدَةً كالدِّهانِ ) .( [23])
11. ( وَإِذا السَّماءُ كُشِطَتْ ) .( [24])
إلى غير ذلك من الآيات التي ترسم  لنا صورة مرعبة ومذهلة عن الحوادث التي ترافق قيام الساعة والتحوّلات العجيبة التي تحدث في  الكون، فالسماء التي كانت تتراءى وكأنّها سقف محفوظ تبتلي بالاضطراب و الاهتزاز العظيم الذي يحدث وتمزّق إلى قطع متناثرة، وتنشق السماء وتتموج وتأتي كالصفر المذاب، وتأتي بصورة الدخان،وغير ذلك من الصور المرعبة والمذهلة.
والنكتة الجديرة بالالتفات والإشارة هي انّنا نرى أنّ القرآن ينص على أنّ السماء في بدء الخلقة كانت من دخان، وسيؤول أمرها إليه أيضاً عند الانقضاء حيث يقول سبحانه:
( ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ... ) .( [25])
ثمّ قال سبحانه:
( ...يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخان مُبين ) .( [26])
فما هو المقصود والمراد من هذه الآيات؟ هذا ما يحتاج إلى بحث مستقل خارج عن إطار بحثنا هنا، فمن أراد الاطّلاع على ذلك عليه بمراجعة الكتب التفسيرية.
حالة الأرض أوان قيام الساعة
بعد أن تعرّفنا على حالة السماء أوان قيام الساعة حان الوقت للتعرف على حالة الأرض في ذلك الوقت من زاوية الرؤية القرآنية، وكيف بيّن القرآن تلك الحقيقة؟
في البدء نشير إلى المصطلحات التي استعملها القرآن الكريم في هذا المجال، وهي: الزلزلة، البروز، التبدّل، الانشقاق، الاندكاك، الرّج، المدّ، وقد وردت تلك المصطلحات في الآيات التالية:
1. ( إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها ) .( [27])
2. ( يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وَتَرى الأَرْضَ بارِزَةً ) .( [28])
3. ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْض ) .( [29])
4. ( يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ) .( [30])
5. ( إِذا  دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّا ) .( [31])
6. ( إِذا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجّاً ) .( [32])
7.  ( وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ ) .( [33])
إلى غير ذلك من الآيات التي تبيّـن وضع الأرض عند قيام الساعة، وكيف تتعرض الأرض لهزّة عنيفة ينهار على أثرها كلّ ما عليها من الظواهر الطبيعية وغيرها، وينكشف سطحها  ويظهر ما فيه للعيان، وتنشق الأرض ويظهر من كان كامناً في أعماقها من الموتى ليحشروا في عرصات القيامة.
ومن الجدير هنا أن نشير  إلى نكتتين:
النكتة الأُولى: انّ من بين  المصطلحات التي ذكرت في مجال بيان وضع السماوات والأرض أوان القيامة، يوجد مصطلحان قد تكرر ذكرهما في الحالتين، وهذان المصطلحان هما: «التبدّل» و «الانشقاق» بمعنى أنّ هذين الوجودين سيصطدمان وينشقان ويتمزّقان إلى قطع متناثرة.
النكتة الثانية: كما أنّه  قد ورد في بدء خلق السماوات وخاتمتها  مصطلح «الدخان» كذلك ورد في بدء خلق الأرض وخاتمتها مصطلح «المدّ» حيث قال سبحانه:
( هُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ ) .( [34])
وقال تعالى:
( وَإِذا الأَرْضُ مُدَّتْ ) .( [35])
الظواهر الأرضية أوان قيام الساعة
من الظواهر الأرضية التي عدّت من علائم القيامة وقيام الساعة: الأُولى الجبال، والثانية البحار; والنكتة في ذلك هي عظمة وأهمية هذين الموجودين، وذلك لأنّ القسم الأعظم من سطح الأرض تغطّيه المياه والبحار، وأمّا الجبال فلما تتميّز به من العظمة والهيبة والتي تقوم الآن بدور أوتاد الأرض، ولذلك فإنّه وبلا شك انّ التحوّل والتغيّر والتبدّل الذي يحدث فيهما يحكي ويخبر عن وقوع حادثة غريبة جداً وأمر عظيم وهو قيام الساعة. ولعلّه لهذه الأسباب ركّزت الكثير من الآيات على قيامة الجبال والبحار، وها نحن نشير إلى الآيات التي وردت في خصوص هاتين الظاهرتين:
البحار
لقد أخبر القرآن الكريم عن حالة البحار في اللحظات الأخيرة من عمر الدنيا في ثلاث آيات استعمل فيها مصطلحين، هما: «سجّرت»، و«فجّرت» حيث قال سبحانه:
( إِذَا البِحارُ سُجِّرَتْ ) .( [36])
وقال تعالى:
( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) .( [37])
وقال تعالى في الآية الثالثة:
( وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) .( [38]) قال العلاّمة الطبرسي في تفسير مصطلحي «فجّرت» و «سجّرت»: أي «أُرسل عذبها على مالحها ومالحها على عذبها حتى امتلأت»....
( وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ) :أي «فتح ببعضها في بعض، عذبها في ملحها وملحها في عذبها فصارت بحراً واحداً».( [39]) فيصير الجميع بحراً واحداً على خلاف ما في هذه الدنيا.
وهذا التفسير  هو الأصحّ بالنسبة إلى باقي التفاسير التي ذكرها المفسّرون للمصطلحين، والشاهد على أصحّية هذا التفسير انّ القرآن الكريم عندما يتحدّث عن خصائص البحار في هذه الدنيا يؤكّد على حقيقة انفصال الماء العذب عن الماء الأُجاج(المالح)، وانّه يوجد برزخ وفاصل بين البحرين حيث قال سبحانه:
( ...هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ) .( [40])
وبقرينة  ما جاء في ذيل الآية من قوله سبحانه: ( وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً )    يتّضح أنّ المراد من قوله: ( مرج ) ليس هو المزج والخلط، بل التقارن المكاني والتلاقي.
والشاهد على هذا المطلب أيضاً قوله تعالى في آية أُخرى:
( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ) .( [41])
ومن أنسب التفاسير التي ذكرت لتفسير الآية هو: انّ هذه الآية تشير إلى بيان عظمة الحكمة والتدبير الإلهي في خلق البحار بالنحو الذي يوفّر الأرضية المناسبة والشروط الصحيحة بنحو كامل لحياة المخلوقات الحيّة وخاصة الإنسان منها، وذلك لأنّه وفقاً لنظرية علماء الطبيعة والبيئة أنّ ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية تغمره المياه المالحة، وانّ لهذه النسبة من المياه دوراً بارزاً في تلطيف ونقاء الهواء، والأُمور الأُخرى التي تحتاج إليها حياة الموجودات الحيّة، هذا من جهة ومن جهة أُخرى انّ المياه العذبة تخزّن في أعماق الأرض وتظهر إلى السطح من خلال العيون والآبار وغير ذلك، لتوفّر الشرط المهم والعنصر الأساسي للحياة.
وهذان النوعان من المياه لا يمتزجان أبداً بنحو يتحوّل  الماء المالح بأكمله إلى ماء عذب، أو يتحوّل الماء العذب بأكمله إلى ماء مالح، وذلك لأنّه على هذا الفرض تنعدم إمكانية استمرار الحياة بالنسبة للموجودات الحيّة.
أمّا إذا انتهى عمر الدنيا وانهار النظام الكوني، فحينئذ يرتفع الفاصل والحاجز بين المياه المالحة والعذبة، والذي يبيّن ويؤكد تلك الحقيقة قوله تعالى: ( سُجّرت )   أو ( فُجّرت ) .( [42])
حالة الجب الأوان قيام الساعة
وأمّا الجبال فقد وصف القرآن الكريم حالها في أكثر الآيات التي تحدّثت عن حالة الأرض يوم القيامة، وهذه الآيات جميعها تشير إلى صورة مرعبة عن وضع العالم في تلك اللحظات العسيرة، ومن هذه الآيات قوله تعالى:
( وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) .( [43]) ومن الواضح انّ معنى السراب هو توهّم وتخيّل الماء، ولكنّه في الحقيقة أُطلق هنا في الآية بنحو من التوسّع على كلّ شيء لا حقيقة له، ولكن قد يتوهّم انّ له حقيقة، والظاهر أن ّمعنى الآية هنا انّها تريد أنّ الجبال بالرغم من عظمتها سوف تتلاشى وتندك بنحو لا يبقى من تلك الهيبة والعظمة أثر يذكر، وتنعدم تلك الموجودات وكأنّها لا حقيقة لها ولا أثر في الخارج إلاّ صورة وهمية.
ومن الآيات الأُخرى التي أشارت إلى وضع الجبال في ذلك اليوم:
( وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ ) .( [44])
( وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ) .( [45])
( وتَسيرُ الجِبالُ سَيْراً ) .( [46])
ومن الأوصاف التي وصف القرآن  الكريم بها الجبال في ذلك اليوم بعد وصفي السراب والسير:
1. العهن المنفوش:
( تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ) .( [47])
( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) .( [48])
2. النسف:
( وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ) .( [49])
3. الرجف: الحركة الشديدة:
( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالجِبالُ... ) .( [50])
4. الكثيب المهيل:
( وَكانَتِ الْجِبالُ كَثيباً مَهيلاً ) .( [51])
5. البسّ.
6. الهباء المنبث.
كما جاء في قوله تعالى: ( وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسّاً * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثّاً ) .( [52])
7. الدك:
( وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ) .( [53])
نعم هذا هو مصير الجبال في نهاية عمر الدنيا، وهذه هي خاتمتها بالصورة التي بيّنتها الآيات الكريمة بعد أن كانت تلك الجبال مضرب الأمثال للثبات والصلابة والاستقامة، والتي كانت تمثل أوتاد الأرض التي تحفظها من أن تميد، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) :
«ووطّد بالصخور ميدان أرضه».( [54])
كما أنّ القرآن قد وصفها في الدنيا بقوله: ( وَالْجِبالَ أَوتاداً ) .( [55])
( وَالجِبالَ أَرْساها ) .( [56])
( أَفلا يَنْظُرُونَ إِلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَت ) .( [57])
فهذه الجبال بعظمتها وهيبتها تقلع من وجه الأرض وتسير وتكون كالسراب وتتحوّل إلى تل من التراب، أو تصبح كالعهن المنفوش، أي كالصوف المنفوش،وفي النهاية تتحوّل إلى ذرات متناثرة، في هذا الكون. أيّ صورة مهيبة ومرعبة ترسمها لنا ريشة الجلال الإلهي، بنحو يختل كلّ النظام الكوني ويعيش العالم في ظلام دامس وموحش وجمود وذبول باعث على الغم.
وبهذا يُطوى ملف الحياة الدنيا، ولكن ذلك لا يعني بوجه من الوجوه نهاية الحياة الحقيقية، بل هو في الواقع يمثّل البشارة والأمل في بداية حياة جديدة وخالدة، الحياة التي عبّر عنها القرآن الكريم بالقيامة، واعتبر تلك الحوادث العجيبة والغريبة في العالم علامات وأشراط لقرب تلك الحياة الجديدة والأبدية.( [58])

[1] . محمد: 18.
[2] . لسان العرب:7/329، مادة « شرط » .
[3] . بحار الأنوار:2/263، الحديث12، و ج16/256، الحديث 36.
[4] . مجمع البيان:5/ 102.
[5] . القمر: 1.
[6] . الزخرف: 61.
[7] . الأنبياء: 98.
[8] . تفسير نور الثقلين:3/ 459. و الآية 101 من سورة الأنبياء.
[9] . جامع الأُصول:11/47، باب أشراط القيامة، الحديث 7808.
[10] . تفسير الميزان:18/ 118.
[11] . من أراد التفصيل فعليه بمراجعة: بحار الأنوار:6/206ـ209، باب أشراط الساعة، وجامع الأُصول لابن الأثير:11/47ـ 94.
[12] . صحيح مسلم:8/179، باب في الآيات التي قبل الساعة من كتاب الفتن. وقد روى تلك الرواية المرحوم الصدوق في كتاب الخصال، ولكنّه لم يذكر العلامة العاشرة فيها. ونقل الرواية أيضاً في البحار:6/303 نقلاً عن الخصال.
[13] . بحار الأنوار:6/206ـ 209.
[14] . الانشقاق:1 ، لاحظ: الحاقة:16، الفرقان: 25.
[15] . الانفطار:1، ولاحظ: المزمل: 18.
[16] . النبأ: 19.
[17] . المرسلات: 9.
[18] . الأنبياء: 104.
[19] . إبراهيم: 48.
[20] . الطور: 9.
[21] . المعارج: 8.
[22] . الدخان: 10.
[23] . الرحمن: 37.
[24] . التكوير: 11.
[25] . فصلت: 11.
[26] . الدخان: 10.
[27] . الزلزلة: 1.
[28] . الكهف: 47.
[29] . إبراهيم: 48.
[30] . ق: 44.
[31] . الفجر: 21.
[32] . الواقعة: 4.
[33] . الانشقاق: 3.
[34] . الرعد:3، الحجر:19، ق: 7.
[35] . الانشقاق: 3.
[36] . الانفطار: 3.
[37] . الطور: 6.
[38] . التكوير: 6.
[39] . مجمع البيان:5/443و 449.
[40] . الفرقان: 53.
[41] . الرحمن:19ـ 20.
[42] . انظر الميزان:20/ 112.
[43] . النبأ: 20.
[44] . التكوير: 3.
[45] . الكهف: 47.
[46] . الطور: 10.
[47] . المعارج: 9.
[48] . القارعة: 5.
[49] . المرسلات: 11.
[50] . المزمل: 15.
[51] . المزمل: 15.
[52] . الواقعة:5و 6.
[53] . الحاقة: 14.
[54] . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.
[55] . النبأ: 7.
[56] . النازعات: 32.
[57] . الغاشية: 19.
[58] . منشور جاويد:9/242ـ 268.