كتاب مع الشيعة الإماميّة في عقائدهم للأستاذ جعفر السبحاني من ص 1 ـ 23ص
imag_files/1.gif (18250 bytes)



( 1 )

 

 

 

 


( 2 )

 

 


( 3 )

 

 

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة

 

إنّ المناهج الكلامية التي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري ، واستمرّت في القرون التالية ، فنجمت عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، والحشوية ، والأشعرية ، والكرّامية بفرقهم المتشعّبة . وهذه الفرق بمجموعها تكون نتاجاً حقيقياً لمخاض البحث والمذاكرة ، وكنتيجة منطقية للتوسع الأُفقي في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأُمم والقوميات المختلفة ، وما يؤلّفه ذلك من احتكاك وجدل فكري وتأثّر وتأثير في تلك التيّارات الفكرية وتداخل غير محسوس في أحيان كثيرة أُوجد ودون وعي من الكثيرين ، ركائز وجود هذه التصوّرات التي تبلورت فيما بعد فيما يسمّى بالفرق الإسلامية .

ومن هنا فإنّ المرء لا يجد لها تاريخاً متّصلا بزمن النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا .

فالخوارج مثلا كانوا فرقة سياسية نشأت في عام (37هـ ) أثناء حرب صفّين ، ثمّ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني .

والمرجئة ظهرت في الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفة عثمان والإمام عليّ ، ثمّ تطورت إلى معنى آخر ، وكان من حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان وتأخير العمل .

والجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة (128هـ ) .

والمعتزلة تستمدّ أُصولها من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى


( 4 )
عام (130هـ ) ، وهكذا القدريّة والكرّاميّة والظاهريّة والأشعريّة فجميعها فرق نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون ، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلا بالنبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

وأمّا عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض من ذلك ، ولا صلة في نشأتها بينها وبين تلك الفرق ، لأنّها أُخذت أساساً من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام ، وهي : الذكر الحكيم أوّلا ، والسنّة النبويّة ثانياً ، وخطب الإمام عليّ وكلمات العترة الطاهرة الصادرة من النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ثالثاً . فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمّتهم الطاهرين .

وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها المذكورة من دون تحليل وتفكير ، بل إنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح الوجوه ، ودعموها بالبراهين الواضحة ، كما أنّهم لا يعتدّون في بناء معتقداتهم ومتبنّياتهم برواية الآحاد بل يشترطون فيها أن تكون متواترة ، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين; إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل ، بل المطلوب هو الإذعان والإيمان ، وهذا لا يحصل برواية الآحاد .

إلاّ أنّ الأمر الجدير بالذكر هو أنّ المرتكز الأساسي لبناء العقيدة الخاصّة بالشيعة الإمامية هو الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبيّ الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأنّه وعترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم . وهذا هو العنصر المقوّم للتشيّع ، وأمّا سائر الأُصول فإنّها عقائد إسلامية لا تختصّ
بالشيعة الإمامية وحدها .

وسنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضاً من جوانب عقائد الشيعة الإمامية ، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً ، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وتتوضّح له الصورة الحقيقية عن ركائز


( 5 )
هذه المعتقدات ، والتي تستمدّ كيانها من الأخبار والروايات الواردة من أئمّتهم الطاهرين والتي تكوّن كلمات الإمام عليّ ـ عليه السلام _ وخطبه البعد الأكبر فيها ، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم ، والتي تتفق كثيراً مع جمهور المسلمين في أبعادها المختلفة .

 

1 ـ ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام

 

روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب ـ عليه السلام _ له :

«إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً ، أحداً ، فرداً ، صمداً ، قيّوماً ، سميعاً ، بصيراً ، قديراً ، قديماً ، قائماً ، باقياً ، عالماً لايجهل ، قادراً لا يعجز ، غنيّاً لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وأنّه خالق كلّ شيء ، ليس كمثله شيء ، لا شبه له ، ولا ضدّ له ، ولا ندّ له ، ولا كفو له ، وأنّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة .

وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه ، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبيّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله هو الحقّ المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله ، وأنبيائه ، وحججه ، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي : (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد)(1) وأنّه المهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، ووعده ووعيده ،

____________
(1) فصّلت : 42 .


( 6 )
وناسخه ومنسوخه ، وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .

وأنّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه : أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ، ووارث علم النبيّين ، والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .

أشهد لهم بالوصية والإمامة ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان ، وأنّهم العروة الوثقى ، وأئمّة الهدى ، والحجّة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأنّ كل من خالفهم ضالّ مضلّ باطل ، تارك للحقّ والهدى ، وأنّهم المعبّرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وأنّ من دينهم الورع والفقه والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة(1) .

ثمّ ذكر الإمام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين


____________
(1) عيون أخبار الرضا 2 : 121ـ122 .


( 7 )
مذهب أهل البيت وغيرهم لا يهمّنا في المقام ذكرها ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر .

2 ـ عرض السيّد عبد العظيم الحسنى عقائده على الإمام  الهادى(عليه السلام)

روى الصدوق عن عبد العظيم الحسني(1) قال : دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ـ عليهم السلام _ فلمّا بَصُرَ بي ، قال لي : «مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا» قال : فقلت له : يابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً أثبت عليه حتّى ألقى الله عزّوجلّ . فقال : «هاتها أبا القاسم» .

فقلت : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدّين; حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض
ولا جوهر ، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، وربُّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه ، وإنّ محمّداً عبده ورسوله ، خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير


____________
(1) عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) من أصحاب الإمام الهادي ، قال النجاشي : له كتاب خطب أمير المؤمنين ، ورد الري هارباً من السلطان وسكن سُرَباً (حفيراً تحت الأرض) في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد الله في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وكان يخرج مستتراً ، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول : هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر(عليه السلام) . فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد(عليهم السلام) حتّى عرفه أكثرهم . رجال النجاشي (2 : 65ـ66) ، ومات عبد العظيم بالري وقبره مزار يزوره الناس . وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم (1و20) ، وذكره أيضاً صاحب عمدة الطالب : 94 .


( 8 )
المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ أنت يا مولاي .

فقال ـ عليه السلام _ : «ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده؟» قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي؟ قال : «لأنّه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .

قال : فقلت : أقررت وأقول : إنّ وليّهم وليّ الله ، وعدوّهم عدوّ الله ،
وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأقول : إنّ المعراج حقّ والمساءلة في القبر حقّ ، وإنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والميزان حقّ ، وإنّ الساعة آتية
لا ريب فيها وإنّ الله يبعث من في القبور ، وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد
الولاية : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فقال عليّ بن محمّد ـ عليه السلام _ : «يا أبا القاسم ، هذا واللهِ دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(1) .

وقد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين ، أحدهما قولي ، والآخر إمضائي ، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين .

 

3 ـ رسالة الصدوق فى عقائد الإمامية

 

إنّ لمشايخنا الإمامية مؤلّفات شهيرة في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم ، نختار في المقام رسائل موجزة من المتقدّمين منهم :


____________
(1) التوحيد : باب التوحيد والتشبيه : 81 / 37 .


( 9 )
صنّف الشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ ) رسالة موجزة في عقائد الإمامية ، قال : اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد : أنّ الله تعالى واحد أحد ، ليس كمثله شيء ، قديم ، لم يزل ، ولا يزال سميعاً بصيراً ، عليماً ، حكيماً ، حيّاً ، قيّوماً ، عزيزاً ، قدّوساً ، عالماً ، قادراً ، غنيّاً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ـ إلى أن قال : ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه تعالى شيء لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ندّ ولا ضدّ ، ولا شبه ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ، ولا شريك له ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ولا الأوهام ، وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهو اللطيف الخبير ، خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو ، له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين .

ومن قال بالتشبيه فهو مشرك ، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل ، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلّس . . . ثمّ إنّه قدّس الله سرّه ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّـرها ، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال ، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد ، وأنّه بين الجبر والتفويض ، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر ، والفطرة ، والاستطاعة ، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية ، إلى أن قال :

اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ سوره عند الناس (114) سورة ، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة ، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة


( 10 )
واحدة . ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب . . . إلى آخر الرسالة(1) .

ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ ) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق ، أو تصحيح الاعتقاد ، ناقش فيها أُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد(2) .

 

4 ـ أمالى الصدوق(رحمه الله)

 

وهو ما أملاه الصدوق أيضاً على جماعة في المجلس الثالث والتسعين ، وجاء فيه : واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه والمشايخ ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار ، فقال : دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد الله تعالى ذكره ،
ونفي التشبيه عنه ، وتنزيهه عمّا لا يليق ، والإقرار بأنبياء الله ورسله وحججه وملائكته وكتبه ، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين ، وأنّه أفضل
منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين ، وأنّه خاتم النبيّين; فلا نبيّ بعده . . . إلى آخر
ما  ذكر(3) .


____________
(1) لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات ، وقد طبعت غير مرّة ، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلاّمة المجلسي .

(2) طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام (1371هـ ) . وطبع أخيراً في الجزء الخامس من كتب المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ـ 1413هـ .

(3) الأمالي للشيخ الصدوق ، وانظر الحديث المتقدم في آخر كتاب المقنع والهداية وممّا أملاه في يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة 368هـ لاحظ ص509 طبع بيروت ، في آخر كتاب المقنع والهداية .


( 11 )

5 ـ جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها جمل العلم والعمل . أورد فيها ـ رحمه الله ـ عقائد الشيعة على وجه الإيجاز ، نذكر منها ما يرتبط بالتوحيد ، وندعو القارئ الكريم إلى مطالعة الرسالة لما فيها من العرض الدقيق لهذه الجوانب :

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد :

الأجسام محدثَة لأنّها لم تسبق الحوادث ، فلها حكمها في الحدوث ، ولابدّ لها من محدِث; لحاجة كلّ محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة .

ولابدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً ، وتيسّره على من كان كذلك .

ولابدّ من كون محدِثها عالماً; لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم ، والمحكَم لا يقع إلاّ من عالم .

ولابدّ من كونه موجوداً; لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً ، وهذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلاّ مع الوجود .

ويجب كونه قديماً; لانتهاء الحوادث إليه .

ويجب كونه حيّاً ، وإلاّ لم يصحّ كونه قادراً ، عالماً ، فضلا عن وجوبه .

ويجب أن يكون مدركاً إذا وجدت المدركات ، لاقتضاء كونه حيّاً .

ووجب كونه سميعاً بصيراً; لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت ، وهذه فائدة قولنا : سميع بصير .

ومن صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى مريداً وكارهاً; لأنّه تعالى قد أمر وأخبر ونهى ، ولايكون الأمر والخبر أمراً ولا خبراً إلاّ بالإرادة . والنهي لا يكون


( 12 )
نهياً إلاّ بالكراهة .

ولا يجوز أن يستحقّ هاتين الصفتين لنفسه; لوجوب كونه مريداً كارهاً للشيء الواحد ، على الوجه الواحد .

ولا لعلّة قديمة ، لما سنبطل به الصفات القديمة .

لا لعلّة محدثة في غير حيّ لافتقار الإرادة إلى تنبيه . ولا لعلّة موجودة في حيّ ; لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحيّ . فلم يبق إلاّ أن توجد لا في محلّ .

ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه; لأنّه لا حكم لها معقول .

وإثبات ما لا حكم له معقول من الصفات ، يفضي إلى الجهالات .

ويجب أن يكون قادراً فيما لم يزل; لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلاّ لقدرة محدثة ، ولا يمكن إسناد إحداثها إلاّ إليه ، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً ، وكونه محدثاً بكونه قادراً . وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً .

ويجب أن يكون عالماً فيما لم يزل ; لأنّ تجدّد كونه عالماً يقتضي أن يكون بحدوث علم ، والعلم لا يقع إلاّ ممّن هو عالم .

ووجوب هذه الصفات لم تدلّ على أنّها نفسيّة ، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس ، ولأنّ الاشتراك في القدم يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاسنادها إلى النفس .

ويجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج; لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضرّ ، وتؤدّي إلى كونه جسماً .

لايجوز كونه تعالى متّصفاً بصفة الجواهر والأجسام والأعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع ، ولأنّه فاعل الأجسام ، والجسم يتعذّر عليه فعل الجسم .


( 13 )
ولا يجوز عليه تعالى الرؤية; لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع وصحّة أبصارنا أن نراه .

ولمثل ذلك يعلم أنّه لا يُدرك بسائر الحواس .

ويجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم ; لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ، ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول ، وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية والنصارى والمجوس . . . إلى آخرها(1) .

6 ـ البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكى

كتب الإمام الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية وسمّـاها : «البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان» وممّا جاء فيها :

قال : سألت يا أخي ـ أسعدك الله بألطافه ، وأيّدك بإحسانه وإسعافه ـ أن أُثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين ، وفصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين ، لتذاكر نفسك بها ، وتجعلها عدّة لطالبها ، وأنا أختصر لك القول وأُجمله ، وأُقرّب الذكر وأُسهّله وأورده على سنن الفتيا في المقالة ، من غير حجّة ولا دلالة ، وما توفيقي إلاّ بالله :


____________
(1) جمل العلم والعمل قسم العقائد ، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفّار ، طبعة النجف طالع الرسالة بأجمعها . نعم; رأيه في إعجاز القرآن من القول بالصرف رأي شخصي له ولا يمثل رأي جمهور الإمامية .


( 14 )

في توحيده سبحانه :

اعلم أنّ الواجب على المكلّف : أن يعتقد حدوث العالم بأسره ، وأنّه لم يكن شيئاً قبل وجوده ، ويعتقد أنّ الله تعالى هو محدِث جميعه ، من أجسامه ، وأعراضه ، إلاّ أفعال العباد الواقعة منهم ; فإنّهم محدثوها دونه سبحانه .

ويعتقد أنّ الله قديم وحده ، لا قديم سواه ، وأنّه موجود لم يزل ، وباق لا يزال ، وأنّه شيء لا كالأشياء . لا شبيه الموجودات ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ، وأنّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره ، وهي كونه حيّاً ، عالماً ، قديماً ، باقياً ، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها ، يعلم الكائنات قبل كونها ، ولا يخفى عليه شيء منها .

في عدله سبحانه :

وأنّ له صفات أفعال ، لا يصحّ إضافتها إليه في الحقيقة إلاّ بعد فعله ، وهي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، ورازق، ومعط، وراحم، ومالك ، ومتكلّم ، ونحو ذلك.

وأنّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه ، من أنّه يريد ويكره ، ويرضى ويغضب .

فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه ، وإرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل ، وليس تسميتها بالإرادة حقيقة ، وإنّما هو على مجاز اللغة ، وغضبه هو وجود عقابه ، ورضاه هو وجود ثوابه ، وأنّه لا يفتقر إلى مكان ، ولا يدرك بشيء من  الحواسّ .

وأنّه منزّه من القبائح ، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم; لأنّه عالم بقبحه ، غنيّ عن فعله ، قوله صدق ، ووعده حقّ ، لا يكلّف خلقه على ما لا يستطاع ، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع ، ولا يأمر بما لا يريد ، ولا ينهى عمّا


( 15 )
يريد . وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم . وأنّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز .

وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضدّه بدلا منه . وأنّ الحق الذي تجب معرفته ، يدرك بشيئين ، وهما العقل والسمع ، وأنّ التكليف العقلي لا ينفكّ عن التكليف السمعي . وأنّ الله تعالى قد أوجد (للناس) في كلّ زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه وحججه بينه وبين الخلق ، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ، ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلاّ به من السمعيات . وأنّ جميع حجج الله تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد . وإنّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار . وأنّ الله فضّلهم على خلقه ، وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه . وأنّه أظهر على أيديهم المعجزات ، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والأخبار . وأنّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون ، بشر مكلّفون يأكلون ويشربون ، ويتناسلون ، ويحيون بإحيائه ، ويموتون بإماتته ، تجوز عليهم الآلام المعترضات ، فمنهم من قتل ، ومنهم من مات ، لا يقدرون على خلق ، ولا رزق ، ولا يعلمون الغيب إلاّ ما أعلمهم إله الخلق . وأنّ أقوالهم صدق ، وجميع ما أتوا به حق .

 

في النبوّة العامّة والخاصّة :

وأنّ أفضل الأنبياء أُولو العزم ، وهم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعليهم ، وأنّ محمّد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل الأنبياء أجمعين ، وخير الأوّلين والآخرين . وأنّه خاتم النبيين ، وأنّ آباءه من آدم ـ عليه السلام _ إلى عبد الله بن عبد المطّلب ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين ، وموحّدين لله تعالى عارفين ، وكذلك أبوطالب ـ رضوان الله عليه ـ .


( 16 )
ويعتقد أنّ الله سبحانه شرّف نبيّنا ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ بباهر الآيات ، وقاهر المعجزات ، فسبّح في كفّه الحصى ، ونبع من بين أصابعه الماء ، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء ، وأجمع على صحّته العلماء ، وأتي بالقرآن المبين ، الذي بهر به السامعين! وعجز من الإتيان بمثله سائر الملحدين .

وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وأنّه محدَث ليس بقديم . ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه ، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها ، وأنّ له تأويلا يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات الله تعالى ، وصفات أنبيائه .

فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن ، وإلاّ أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات ، وأنّ لها تأويلا ملائماً ، يشهد بما تشهد به العقول والآيات المحكمات ، وفي القرآن المحكم والمتشابه ، والحقيقة والمجاز ، والناسخ والمنسوخ ، والخاص والعامّ .

ويجب عليه أن يقرّ بملائكة الله أجمعين ، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل ، وأنّهما من الملائكة الكرام ، كالأنبياء بين الأنام ، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيّين ، وهو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين .

ويجب الإقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين .

وإنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمّنته من فرائضها ، وأنّ ذلك دين الله الثابت الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لا حلال إلاّ ما أحلّت ولا حرام إلاّ ما حرّمت ، ولا فرض إلاّ ما فرضت ، ولا عبادة إلاّ ما أوجبت .


( 17 )
وإنّ من انصرف عن الإسلام ، وتمسّك بغيره ، كافر ضالّ ، مخلّد في النار ، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع .

وإنّ من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلماً ، ومن صدّق بقلبه ولم يشكّ في فرض أتى به محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان مؤمناً .

ومن الشرائط الواجبة للإيمان ، العمل بالفرائض اللازمة ، فكلّ مؤمن مسلم ، وليس كلّ مسلم مؤمناً .

وقوله تعالى : (إنّ الدّينَ عِنْدَ الله الإسْلام)(1) إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام ، الذي يكون المسلم فيه عارفاً ، مؤمناً ، عالماً بالواجبات ، طائعاً .

في الإمامة والخلافة :

ويجب أن يعتقد أنّ حجج الله تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه ، وحفظة شرعه، وأئمّة أُمّته، اثناعشر أهل بيته ، أوّلهم أخوه وابن عمّه ، وصهره ، بعل فاطمة الزهراء ابنته ، ووصيّه على أُمّته ، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، ثمّ الحسن بن عليّ الزكي ، ثمّ الحسين بن عليّ الشهيد ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر العلوم ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ التقي ، ثمّ عليّ بن محمّد المنتجب ، ثمّ الحسن بن عليّ الهادى ، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .

لا إمامة بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ لهم ـ عليهم السلام _ ولا يجوز الاقتداء في الدين إلاّ بهم ، ولا أخذ معالم الدين إلاّ عنهم .

وأنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء  ـ عليهم السلام _ .

وأنّهم أفضل الخلق بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .


____________
(1) آل عمران : 19 .


( 18 )
وأنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل الله على اليقين والبيان .

وأنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات ، وأعلمهم كثيراً من الغائبات ، والأُمور المستقبلات ، ولم يعطهم من ذلك إلاّ ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف والصلاح .

وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام ، ولا يحيطون بالعلم بكلّ ما علمه الله تعالى .

والآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل الله دونهم ، أكرمهم بها ، ولا صنع لهم فيها .

وأنّهم بشر محدَثون ، وعباد مصنوعون ، لا يخلُقون ، ولا يرزُقون ، ويأكلون ويشربون ، وتكون لهم الأزواج ، وتنالهم الآلام والأعلال ، ويستضامون ، ويَخافون فيتّقون ، وأنّ منهم من قتل ، ومنهم من قبض .

وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي ، وأنّه الحجّة على العالمين ، وخاتم الأئمّة الطاهرين ، لا إمامة لأحد بعد إمامته ، ولا دولة بعد دولته ، وأنّه غائب عن رعيته ، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال ، وللمعلوم عند الله تعالى في ذلك الصلاح .

ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس ، وأنّ الله عزّ وجلّ سيظهره وقت مشيئته ، ويجعل له الأعوان والأصحاب ، فيمهّد الدين به ، ويطهّر الأرض على يديه ، ويهلك أهل الضلال ، ويقيم عمود الإسلام ، ويصير الدين كلّه لله .

وأنّ الله عزّ وجلّ يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام ، وتأتيه المعجزات بخرق العادات ، ويحيي له بعض الأموات ، فإذا قام في الناس المدّة المعلومة عند الله سبحانه قبضه إليه ، ثمّ لا يمتدّ بعده الزمان ، ولا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط


( 19 )
الساعة ، وإماتة من بقي من الناس ، ثمّ يكون المعاد بعد ذلك .

ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة  ـ عليهم السلام _ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأمير المؤمنين أحد سواه .

وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يقال لهم : الأئمّة ، والخلفـاء ، والأوصياء ، والحجج ، وإن كانوا في الحقيقة أُمراء المؤمنين; فإنّهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه ، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق ، وإنّما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين ـ عليه السلام _ .

وأنّ أفضل الأئمّة بعد أمير المؤمنين ، ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، وأفضل الباقين بعد الحسين ، إمام الزمان المهدي ـ صلوات الله عليه ـ ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام _ هو الذي قال فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي ، يملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(1) .

فاسمه يواطئ اسم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكنيته تواطئ كنيته ، غير أنّ النهي قد ورد عن اللفظ ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي ، والمنتظر ، والقائم بالحق ، والخلف الصالح ، وإمام الزمان ، وحجّة الله على الخلق .


____________
(1) روي هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه ، وروى نحو اثنين وثلاثين حديثاً ، وقال في ص 311 من المقدّمة :

«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي ، منهم : الترمذي ، وأبو داود ، والبزّار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي ، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، وأُمّ حبيبة ، وأُمّ سلمة ، وثوبان ، وقرّة بن إياس ، وعليّ الهلالي» .


( 20 )
ويجب أن يعتقد أنّ الله فرض معرفة الأئمّة  ـ عليهم السلام _ بأجمعهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم ، والاقتداء بهم ، والبراءة من أعدائهم وظالميهم . . . وأنّه لا يتم الإيمان إلاّ بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه .

في التوبة والحشر والنشر :

ويعتقد أنّ الله يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال .

وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً .

ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها ، وهي الندم على ما مضى من المعصية ، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها .

وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها .

وتجوز التوبة من زلّة إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها ، ويكون له الأجر على التوبة ، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة .

وأنّ الله يقبل التوبة بفضله وكرمه ، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد ، وإنّما علم بالسمع دون غيره .

ويجب أن يعتقد أنّ الله سبحانه ، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد .

وأنّ المحاسبة حقّ والقصاص ، وكذلك الجنّة والنار والعقاب .

وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين بالله ورسوله ، والأئمّة الطاهرين ، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها ، المسوّفين التوبة منها ، عصاة فسّاق ، وأنّ ذلك لا يسلبهم
اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام(1) .


____________
(1) صرّح بهذا الشيخ المفيد ـ أُستاذ الشيخ الكراجكي ـ في كتابه أوائل المقالات (ص 48) ونسبه إلى اتّفاق الإمامية ، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً ، والحسن البصري ـ أُستاذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ـ سمّـاهم منافقين ، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين ، وقال : إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين ، ولا كفّار ، ولا منافقين .


( 21 )
وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم ، والثواب على معرفتهم بالله تعالى ، ورسوله ، والأئمّة من بعده ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وما بعد ذلك من طاعتهم ، وأمرهم مردود إلى خالقهم ، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ، قال الله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ الله إمّا يُعَذِّبَـهُمْ وَإمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ(1) وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها الله تعالى لا تكون مؤبّدة ، ولها آخر ، يكون بعده دخولهم الجنّة ، وليس من جملة من توجّه إليهم الوعيد بالتخليد ، والعفو من الله تعالى يرجى للعصاة المؤمنين .

وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً ، وانّما يجب أن يسمّى راجياً ، ولا طريق إلى القطع على العفو ، وإنّما هو الرجاء فقط .

ويعتقد أنّ لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأئمّة من بعده  ـ عليهم السلام _ شفاعة مقبولة يوم القيامة ، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام .

ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كلّ حال ، ولا سبيل له
إلى العلم بحقيقة هذه الحال ، وإنّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف
والرجاء .

ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين ، يؤمر بهم يوم
القيامة إلى الجنّة بغير حساب .

وأنّ جميع الكفّار والمشركين ، ومن لم تصحّ له الأُصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب ، وإنّما يحاسب من خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً ، وهم العارفون العصاة .

وأنّ أنبياء الله تعالى وحججه  ـ عليهم السلام _ هم في القيامة المسؤولون للحساب بإذن الله


____________
(1) التوبة : 106 .


( 22 )
تعالى ، وأنّ حجّة أهل كلّ زمان يتولّى أمر رعيّته الذين كانوا في وقته .

وأنّ سيّدنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ والأئمّة الاثني عشر من بعده ـ عليهم السلام _ هم أصحاب الأعراف الذين هم لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه .

وأنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ يحاسب أهل وقته وعصره ، وكذلك كل إمام بعده .

وأنّ المهدي ـ عليه السلام _ هو المواقِف لأهل زمانه ، والمسائل للذين في وقته .

وأنّ الموازين (التي) توضع في القيامة ، هي إقامة العدل في الحساب ، والإنصاف في الحكم والمجازاة ، وليست في الحقيقة موازين بكفّات وخيوط كما يظنّ العوامّ .

وأنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد وآل محمّد ـ عليه وعليهم السّلام ـ وهو في الآخرة طريق الجنان .

وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس ، يتفضّل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم ، ويدخلون الجنان .

وأنّ نعيم أهل الجنّة متّصل أبداً بغير نفاد ، وأنّ عذاب المشركين والكفّار متّصل في النار بغير نفاد .

ويجب أن تؤخذ معالم الدين في الغَيبة من أدلّة العقل ، وكتاب الله عزّ وجلّ ، والأخبار المتواترة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعن الأئمّة  ـ عليهم السلام ـ (1) وما أجمعت عليه الطائفة


____________
(1) ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية ، كالشريف المرتضى ، وابن زهرة ، وابن البرّاج ، والطبرسي ، وابن إدريس وغيرهم ، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم ، وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور ، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية أُخرى ، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم ، ولو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي ، بل صرّح المفيد في أوائل المقالات بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد .

أمّا المشهور بين الإمامية بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته ، ولكلّ من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الأُصول .


( 23 )
الإمامية ، وإجماعها حجّة .

فأمّا عند ظهور الإمام ـ عليه السلام _ فإنّه المفزع عند المشكلات ، وهو المنبّه على العقليات ، والمعرّف بالسمعيات ، كما كان النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

ولا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد(1) .

أمّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد ، ويجب على العاقل مع هذا كلّه
ألاّ يقنع بالتقليد في الاعتقاد ، وأن يسلك طريق التأمّل والاعتبار ، ولا يكون نظره لنفسه في دينه أقلّ من نظره لنفسه في دنياه; فإنّه في أُمور الدنيا يحتاط
ويحترز ، ويفكّر ويتأمّل ، ويعتبر بذهنه ، ويستدلّ بعقله ، فيجب أن يكون في
أمر دينه على أضعاف هذه الحال ، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر
الدنيا .

فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلاّ ما صحّ عنده حقّه ، ولا يسلّم في السمعيات إلاّ لمن ثبت له صدقه .

نسأل الله حسن التوفيق برحمته ، وألاّ يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته .

قد أثبتُّ لك يا أخي ـ أيّدك الله ـ ما سألت ، اقتصرت وما أطلت .

والذي ذكرت أصل لما تركت ، والحمد لله وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم(2) .


____________
(1) المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، وإنّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس ، من دون الرجوع إلى القواعد والأُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً .

(2) أدرج المصنف الرسالة في كتابه القيّم : كنز الفوائد فلاحظ ص240 ـ 252 .