2. للاطّلاع على بعض معجزات النبىّ عيسى راجع آية 49 من سورة آل عمران و آية 100 ـ 101 من سورة المائدة.
( 289 )
وكان هؤلاء يستخدمون هذه القدرة في الأوقات المناسبة، كما كان هناك أشخاص يأتون إليهم و يطلبون منهم الاستفادة من هذه القدرة.

و هكذا ظَهر لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ إنّ آيات القرآن الكريم صريحة في ردّ مذهب الوهّابيّة و إبطال آرائها الشاذَّة.

فلو قال الوهّابيّون: إنّ طلب المعجزة من أولياء اللّه شِرك.

قلنا: لماذا طلب سليمان ـ و غيره ـ ذلك؟!

فإن قالوا: إنّ طلب الحاجة من أولياء اللّه ـ بطريقة إعجازية ـ يستلزم الاعتقاد بسلطتهم الغيبية.

قلنا: إنّ الاعتقاد بالسُّلطة الغيبية على نوعين: أحدهما: توحيد بعَينه، و الثاني: يستلزم الشرك.

فإن قالوا: إنّ طلب الكرامات من أولياء اللّه في حياتهم ليس شركا، ولكن طلبها من الموتى شرك.

قلنا: إنّ الموت والحياة ليسا ملاكاً للتوحيد و الشرك، و لا يُغيِّران حقيقة أحدهما.

فإن قالوا: إنّ طلب الشفاء للمريض و تسديد الدَّين ـ بطريقة غير عادية ـ هو طلب فعل اللّه من غير اللّه.

قلنا: إنَّ شرط الشرك هو أن تعتقد إلوهيَّة مَن تَدعوه أو بكونه مصدراً لأفعال اللّه بالاستقلال، و أنّ طلب فعل غير عادي ليس معناه طلب فعل إلهي من غير اللّه، إذ ليس مقياس أفعال اللّه هو خروجه عن إطار القوانين الطبيعية، حتى يكون هذا
( 290 )
الطلب طلب فِعل الله مِن عبده، كلاّ... بل إنّ مقياس أفعال الله هو أن يكون فاعله مستقلاّ في إنجازه.

أمّا لو كان فاعله يُنجّز ذلك الفعل بالاعتماد على قدرة اللّه تعالى فإنّ الطلب منه ليس طلب فعل اللّه من غير اللّه.

و لا فرق بين أن يكون الفعل عادياً أو غيبياً.

و نفس هذا القول يأتي بالنسبة إلى الاستشفاء من أولياء اللّه، فإنّ البعض يُنكرون ذلك و يقولون: إنّ طلب الشفاء خاصّ باللّه سبحانه بدليل قوله تعالى:
(وَ اِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ)(1).

فكيف يصحُّ أن يقال: يا رسول اللّه اشفني؟! و هكذا الأمر بالنسبة إلى كلّ عمل خارق للعادة.

و الجواب: أنّ الذين يعتقدون هذا الاعتقاد لم يميّزوا ـ و مع الأسف ـ بين الأفعال الإلهيَّة والأفعال البشريّة، و لهذا يتصوَّرون بأنّ أىّ فعل يخرج عن مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال اللّه، و أىّ فعل يأخذ مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال البشر.

إنّ هؤلاء لم يفهموا ـ أو تجاهلوا ـ المقياس المُمَيِّز لأفعال اللّه عن غيرها، و لو كان كلّ فعل يخرج عن مجراه الطبيعى يعتبر من أفعال اللّه لكانت أفعال المرتاضين ـ في الهند ـ أفعالا إلهيّة، و كانوا جميعاً «آلهة».
ــــــــــــــــــــــ
1. الشعراء: 80.
( 291 )

و قد ذكرنا أكثر من مرَّة أنّ المقياس ـ في الأفعال الإلهيَّة ـ هو الاستقلال في الفعل، و عدم الاعتماد على أيَّة قدرة أُخرى، و الفعل البشري هو عكس ذلك.

إنّ الإنسان يعتمد على اللّه و يستعين بقدرته في كلّ عمل ـ سواء كان مادّياً أو خارجاً عن حدود المادَّة ـ و الكثيرون يحصلون على قدرات اكتسابية و يستغلّونها للوصول إلى أهدافهم المنشودة، فهل أنّ طلب الفعل من هؤلاء شرك باللّه؟!

إنّ نقطة الانحراف عن التوحيد تكمن في الاعتقاد المقرون بالطلب، فإذا كان طالب الحاجة ـ من أحد أولياء اللّه ـ يعتقد باستقلال ذلك الولىّ فقد اعتبره مستغنياً بالذات، و معنى ذلك أنّه اعتبره مُستغنياً عن اللّه، وهذا هو الشرك، لأنّه لا مستغنىَ بالذات سوى اللّه الواحد الأحد سبحانه، و قد كان كثير من المشركين ـ في العهد الجاهلي و عند طلوع الإسلام ـ يعتقدون هذا الاعتقاد بالنسبة إلى الملائكة و النجوم و أنّ اللّه خلقها و فوَّض إليها إدارة الكون و تدبيره، تفويضاً مستقلاّ تماماً
(1) أو ـ
على الأقل ـ أنّها تملك الشفاعة و المغفرة، و تتصرَّف كما تشاء حيث تشاء.
المعتزلة و الشِّرك

أمّا فرقة المعتزلة
(2) فهي تعتبر الإنسان ـ من حيث الوجود مخلوقاً للّه تعالى، و لكنّها ـ في
الوقت نفسه ـ تعتبره مُستقلاّ من حيث التأثير في الأشياء و إنجاز
ــــــــــــــــــــــ
1. و لذلك عند ما سَأل عمرو بن لحي أهل الشام عن علَّة عبادتهم للأصنام؟ قالوا ـ في جوابه ـ : إننا نطلب المطر من هذا الأصنام فتسقينا، و نستعين بها فتُعيننا، و بهذا الاعتقاد اصطحب عمرو معه «هُبَل» و جاء به إلى مكّة. راجع سيرة ابن هشام: 1 / 77.
2. كما أنّ مذاهب السُّنَّة تنقسم ـ في فروع الأحكام ـ إلى المذاهب الأربعة كذلك تنقسم في الأُصول و المعارف إلى قسمين: الأشاعرة و المعتزلة.
( 292 )
الأفعال، ولو أنّ المعتزلة تأمَّلوا قليلا في قولهم هذا، لأدركوا بأنّ في هذه العقيدة نوعاً من الشرك الخفي، ولكنّهم في غفلة منه.

طبعاً هذا الشرك الخفي لا يصل إلى درجة شِرك المشركين، و الفرق بين الشِركيَن هو أن المشركين يدَّعون استقلال أصنامهم في إدارة شؤون الكون و أفعال اللّه تعالى، و هؤلاء يدَّعون استقلال الإنسان في أعماله.

و من حاول التفصيل في عقيدة المعتزلة فليرجع إلى كتاب «بحوث في الملل و النحل» الجزء الثالث.