http://www.imamsadeq.orgكتاب الوهابية في الميزان للأستاذ جعفر السبحاني من 263 ـ 292 ص

( 263 )

 

الفصل الخامس عشر

أدلّة الوهّابيّين على حرمة طلب الشفاعة

لقد ذكرنا في الفصل السابق أدلَّة جواز طلب الشفاعة ـ من آيات و أحاديث ـ و الآن جاء دور ذِكر أدلَّة الوهّابيّين على حرمة ذلك، و مناقشتها مناقشة موضوعية (ليُحقَّ اللّه الحقَّ بكلماته).

لقد استدلّ الوهّابيّون على حرمة طلب الشفاعة بأُمور نذكرها فيما يلي:

1ـ طلب الشفاعة شرك باللّه

إنّ ما تعنيه الوهّابيّة من الشرك هو الشرك في العبادة، حيث إنّها تزعم أنّ طلب الشفاعة من الشفيع هو عبادته.

لقد تحدّثنا ـ في فصل سابق و بالتفصيل ـ عن العبادة و معناها، و ذكرنا بأنّ أىّ طلب من الإنسان ـ حتى طلب الشفاعة ـ إنّما يكون عبادة إذا كان مقروناً بالاعتقاد بأنه: «إلهٌ و رَبُّ» أو «مصدر لأفعال اللّه و مُدبِّر مستقلّ لشؤون الكون و قائم بما يرجع إليه سبحانه».


( 264 )
إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذِن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه، مقرَّبين لديه، وُجَهاء و كُرماء عنده، و ليس هناك أىّ اعتقاد بإلوهيّتهم و رُبوبيّتهم أو كونهم مصدراً مستقلا لأفعال اللّه تعالى أو أنّ الشفاعة و المغفرة قد فُوِّضت إليهم تفويضاً مطلقاً لا يحتاج إلى إذن اللّه سبحانه.

كلاّ، إنّ الشفعاء الصالحين إنّما يشفعون في إِطار «إذن اللّه سبحانه» لمن يستحقّ الشفاعة ويليق بها، بأن تكون علاقاتهم المعنوية متّصلة باللّه، غير مقطوعة مع الشفعاء.

و من الواضح أنّ طلب الشفاعة من الميّت لو كان معناه عبادته، لكان الطلب من الشفيع الحي عبادة له أيضاً.

و قد ذكرنا ـ في فصل سابق ـ أنّ القرآن يدعو المسلمين إلى الحضور عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلب الاستغفار لهم من اللّه سبحانه، و ليس هذا الطلب سوى طلب الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته، و لا يمكن أن يكون هذا العمل شركاً في زمان، و توحيداً في زمان آخر.

كما ذكرنا أيضاً ـ في فصل الاستعانة بأولياء اللّه ـ أنّ الاستشفاع بالولىّ الصالح إذا لم يكن باعتقاد إلوهيَّته و ربوبيَّته فلا يُعتبر شركاً أبداً، فمثلا يقول تعالى:

(...وَ إِيّاكَ نَستَعينُ)(1).

فيحصر الاستعانة بذاته المقدَّسة، ثم يقول سبحانه أيضاً:

(وَ اسْتَعينُوا بالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ...)(2).

ــــــــــــــــــــــ
1. الفاتحة: 5.
2. البقرة: 45.


( 265 )
فهل يقول قائل: إنّ الاستعانة بالصبر شِركٌ باللّه؟!

طبعاً... لا، لأنّ الاستعانة المحرَّمة هي المقرونة بالإيمان بربوبيّة غير اللّه سبحانه، و هذا ما لا يؤمن به أحد من المسلمين.

2ـ المشركون و التشفّع بالأصنام

بعد إبطال الدليل الأوّل للوهّابيّة على حرمة طلب الشفاعة من الأولياء، يأتي دور إبطال الدليل الثاني و هو: أنّ اللّه تعالى إنما اعتبر عَبَدة الأصنام مشركين، لأنّهم كانوا يطلبون الشفاعة من أصنامهم، و كانوا يبكون أمامها و يطلبون الوساطة منها، كما قال تعالى:

(وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاءُونا عِنْدَ اللّهِ...)(1).

و على هذا الأساس فإنّ مطلق طلب الشفاعة من غير اللّه يُعتبر شركاً باللّه و عبادة للشفيع.

الجواب:

أوّلا: ليست في هذه الآية أيَّة دلالة على ما ترتئيه الوهّابيّة أبداً، لأنّ القرآن عند ما يَعتبر أُولئك مشركين فليس لأجل طلبهم الشفاعة من الأصنام، بل بسبب عبادتهم لها، عبادة تؤدّي بهم إلى الاستشفاع بها أيضاً.

و لو كان مُجرَّد طلب الشفاعة من الأصنام عبادة لها و موجباً للشرك، لما كانت

ــــــــــــــــــــــ
1. يونس: 18.

( 266 )
هناك حاجة إلى قوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هؤلاء شُفعَاؤُنا) بل كان قوله سبحانه: (وَ يَعْبُدُونَ)كافياً لنسبة الشرك إليهم، فعطف الجملة الثانية على الأُولى دليل على أنّهما شيئان مُستقلاّن، و أنّ موضوع عبادة الأصنام يفترق عن موضوع طلب الشفاعة منهم.

فعبادتهم الأصنام دليل على كونهم مشركين باللّه تعالى، واستشفاعهم بالحجَر و الخشَب دليل على جهلهم وحمقهم وعدم معرفتهم .

والحاصل انّ المشركين كانوا يقومون بعملين مستقلّين: 1ـ يعبدون ما لايضرهم ولا ينفعهم. 2ـ يطلبون الشفاعة منهم عند الله وليس في الآية دلالة على أنّ طلب الشفاعة من الأصنام كان عبادة لها، فكيف يمكن اعتبار الاستشفاع بأولياء اللّه دليلا على عبادتهم؟!!

فالآية لا ترتبط بالبحث إطلاقاً.

ثانياً: لنفرض ـ جَدَلا ـ أنّ علَّة الشرك في أُولئك هو استشفاعهم بالأصنام، ولكن بين استشفاع المشركين بالأصنام و استشفاع المسلمين بأولياء اللّه فرقٌ كبير و بُعدٌ واسع كما بين السماء و الأرض، لأنّ المشركين كانوا يعتبرون الأصنام مالكة للشفاعة و المغفرة، و مشيئتهم نافذة بلا ريب، فمن الواضح أنّ هذا النوع من الاستشفاع يعدّ عبادة للأصنام، لأنّه مقرون مع الاعتقاد بربُوبيّتها و إلوهيَّتها و مَصْدَريَّتها لأفعال اللّه و شؤون الكون.

هذا... في حين أنّ الإنسان المسلم يطلب الشفاعة و الدعاء من الشفيع باعتباره عبداً مقرَّباً إلى اللّه، و عبداً وجيهاً، مأذوناً من عند اللّه في الشفاعة إذا رضي وإذن.


( 267 )
باللّه عليك أيّها القارئ: أَلا يكون القول بعدم الفرق بين هذين مُخالفاً للعقل و مُنافياً للمنطق وبعيداً عن الإنصاف؟!!

أَلا تُدرك الفرق جيّداً بينهما كما تدرك الفرق بين ظلام الليل و نور النهار؟!!

3ـ دعاء غير الله عبادة له

بعد إبطال الدليل الثاني للوهّابيّة على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه تعالى، يأتي الدليل الثالث و هو انّ دعوة الغير و طلب الحاجة منه، عبادة له بنَصّ القرآن الكريم، قال تعالى:

(...فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أحَدَاً)(1). وليس للنهي وجه سوى كون دعاء الغير عبادة له.

و الدليل على أنّ دعاء غير اللّه عبادة للمدعوّ، هو قوله تعالى:

(...ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ)(2).

فلو تأمَّلنا في الآية لرأينا أنّها بُدئتْ بلفظ «الدعوة» و خُتمتْ بلفظ «العبادة» و هذا دليل على أنّ مفهوم الكلمتين واحد، و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«الدُّعاء مُخُّ العِبادَة»(3).

ــــــــــــــــــــــ
1. الجن: 18.
2. غافر: 60.
3. سفينة البحار: مادة «الدعاء».


( 268 )
الجواب:

أوّلا: ليس المقصود من النهي عن دعوة غير اللّه ـ في قوله سبحانه: (فلا تدعوا)الدعوة المطلقة، بل المقصود هو الدعاء الخاص الذي يعادل العبادة، إذ من المعلوم أنّ مطلق دعاء الغير ليس عبادة له، فقولك: يا زيد اسقني، ليس عبادة للساقي، و الدليل على هذا هو بداية الآية حيث قال تعالى:

(وَ أَنَّ الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعوا...).

فالآية ـ بمجموعها ـ تدلّ على أنّ الدعوة المحرَّمة هي الدعوة النابعة عن الاعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعوّ و ربوبيّته و تَصرُّفه في شؤون الخلق و الكون(1) و أين هذا من طلب الشفاعة من النبي النابع من الاعتقاد بأنّه عبد صالح عزيز عندالله؟!

ثانياً: إنّ ما تُحرّمه الآية و تنهى عنه أن ندعو مع اللّه أحداً، و نجعله مساوياً في الدعاء كما تدلّ على هذا جملة «مع اللّه» فإذا طلب إنسان من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يبتهل إلى اللّه بالدعاء و التوسّل لقضاء حاجته و غفران ذنوبه، فليس معناه أنّه دعا مع اللّه أحداً، بل إنّ هذا الدعاء ـ في الحقيقة ـ ليس إلاّ دعاء اللّه سبحانه.

و إذا كانت بعض الآيات تَعتبر طلب الحاجة من الأصنام شركاً فإنّما هو بسبب أنّهم كانوا يعتبرون الأصنام آلهة صغاراً تملك الاختيار الكامل لأفعال اللّه تعالى، كلّها أو بعضها، و لهذا ترى القرآن الكريم ينتقد هذه الأفكار الباطلة فيقول:

(وَ الَّذينَ تَدعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)(2).

ــــــــــــــــــــــ
1. فقوله تعالى: (فَلا تدعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) معناه فلا تعبدوا مع اللّه أحداً، كما يقول سبحانه في آية أُخرى: (وَ الَّذينَ لا يَدْعونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخر )سورة الفرقان: آية 68 : أي لا يعبدون مع اللّه إلهاً آخر.
2. الأعراف: 197.


( 269 )
و يقول أيضاً:

(إنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ...)(1).

و خلاصة القول: إنّ المشركين كانوا يعتبرون أصنامهم آلهة صغاراً، و أنّ أفعال اللّه تعالى مفوَّضة إليها بشكل مطلق، لكنّ طلب الشفاعة و الدعاء من إنسان منَحه اللّه الكرامة و المنزلة فاقد لهذه الخصائص و الشروط. فأين اعتقاد المشركين في حق أصنامهم من اعتقاد المسلمين في حق أوليائهم؟!!

قليلا من الإنصاف و الموضوعيّة!

«أفلا تعقلون»؟!

ثالثاً: إنّ كلمة «الدعوة» لها معنىً واسع، حتى أنّها تُستعمل ـ أحياناً و من باب المجاز ـ في العبادة أيضاً، كما استدلّوا به في الآية (2) و الحديث (3) مع العلم أنّ هذه الاستعمالات الجزئية المجازية لا تكفي، دليلا على أن نُفسّر «الدعوة» في جميع الموارد بمعنى العبادة دائماً، و أن نَعتبر طلب الحاجة والدعاء من أحد شركاً.

4ـ الشفاعة حقٌّ خاصٌّ باللّه سبحانه فقط

أيّها القارئ الكريم: بعد إبطال الدليل الثالث للوهّابيّة نذكر الدليل الرابع و هو قوله تعالى:

ــــــــــــــــــــــ
1. الاعراف: 194.
2. و هي (ادعوني أستجب لكم).
3. و هو: الدعاء مُخّ العبادة.


( 270 )

(أم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَ لا يَعقِلُونَ * قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَميعاً...)(1).

و وجه الاستدلال بهذه الآية هو تصريحها باختصاص الشفاعة باللّه سبحانه.

إذن: ماذا يعني طلب الشفاعة من غير اللّه؟

الجواب:

ليس معنى قوله تعالى: (للّه الشفاعة جميعاً) أنّ الشفاعة خاصّة باللّه و لا يحقّ لغيره أن يشفع، لأنّه لا شكّ أنّ اللّه لا يشفع لأحد عند آخر، بل يعني أنّه تعالى مالكُ أصل الشفاعة لا الأصنام، و ذلك لأنّ الشفيع يجب أن يكون ذا عقل و شعور أوّلا و مالكاً للشفاعة ثانياً، في حين أنّ الأصنام تفقد هذين الوصفين، و لهذا قال سبحانه:

«قُلْ:   1 أوَلَو كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيئاً.

      2ـ وَ لا يَعْقِلُونَ».

إذن: تركيز الآية إنّما هو على أنّ الله تعالى هو مالك الشفاعة لا الأصنام، و أنّ اللّه يمنح هذه الصلاحية لمن تتوفَّر فيه اللياقة و الأهليَّة ليستشفع لعباده، لالمثل الاصنام والاوثان فلا علاقة لهذه الآية مع الموضوع الّذي نتحدّث عنه، لأنّ المسلمين يعتبرون اللّه وحده «مالك الشفاعة» و لا أولياؤه، و يعتقدون أنّ مَن أذِن اللّه له في الشفاعة قادرٌ على الاستشفاع دون غيره.

ــــــــــــــــــــــ
1. الزُمر: 43 ـ 44.

( 271 )
كما أنّ المسلمين يعتقدون ـ بالاستناد الى الآيات و الأحاديث ـ بأنّ اللّه تعالى قد أذِن للنبي و آله الأطهار ـ عليهم السلام ـ بالشفاعة، و لذلك فنحن نستشفع بهم.

و هكذا ظهر لك ـ أيّها القارئ ـ عدم العلاقة بين تلك الآية و هذا البحث، و عدم العلاقة أيضاً بين الحديث الذي ذكروه و هذا البحث.

5ـ لَغْويَّة الاستشفاع بالميّت

إنّ آخر دليل ذكره الوهّابيّون ـ على حرمة الاستشفاع بالأولياء ـ هو أنّ طلب الشفاعة من أولياء اللّه في هذه الحياة هو طلب الحاجة من الميّت الفاقد للسمع، و قد استدلّوا على ذلك بآيتين :

1 (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْموْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرينَ)(1).

و وجه الاستدلال بها: أنّ القرآن الكريم شبَّه المشركين بالأموات، و هي تُخاطب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأنّك لا تستطيع أن تُفهم هؤلاء، لأنّهم كالموتى لا يسمعون، فلو كان الموتى قادرين على التكلّم والسماع لما صحَّ تشبيه المشركين بالموتى.

(...إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَ ما أنْتَ بِمُسْمِع مَنْ في القُبُور)(2).

و الاستدلال بهذه الآية كالاستدلال بالآية السابقة، في عدم قدرة الموتى على السماع و التكلّم، و على هذا فطلب الشفاعة منهم كطلب الشفاعة من الجمادات.

ــــــــــــــــــــــ
1. الروم: 52.
2. فاطر: 22.


( 272 )
الجواب:

إنّ الشرذمة الوهّابيّة تلجأ دوماً إلى مسألة الشرك في ردّ الفِرق و المذاهب الإسلامية، و تتّهم المسلمين بالكفر تحت ستار الدفاع عن التوحيد و اختصاص العبادة به.

و لكنّها ـ في هذا الاستدلال ـ غيَّرتْ اسلوبها و تشبَّثتْ بالقول: إنّ الاستشفاع بالأولياء لغوٌ و لا فائدة فيه، لكونهم موتى.

ولكن هذه الشرذمة ـ الغريبة عن القرآن ـ تجاهلت و تغافلت عن الأدلّة العقلية و الشرعية الّتي تُثبت حياة الأولياء بعد الموت.

لقد أثبت فلاسفة الإسلام أنّ الروح ـ بعد ما تتجرَّد عن هذا الجسم المادّي و تستغني عنه ـ تَظلّ باقية إلى ما لا نهاية، و تتمتع بحياة و إدراك خاصّ، و قد ذكر الفلاسفة الإلهيّون عشرة أدلَّة عقلية على هذا الموضوع، ممّا لم يترك مجالا للشكّ و التردّد فيه، لأهل الإنصاف والوجدان.

و بالإضافة إلى الأدلّة العقلية... فهذا كتاب اللّه يُنادي ـ بأعلى صوته ـ بالحياة بعد الموت(1)وكذلك عشرات الأحاديث الشريفة المرويَّة في هذا المجال.

فما هذا الدليل العليل أيّها الوهّابيّون؟!

و تسأل: فما معنى تلك الآيتين؟

ــــــــــــــــــــــ
1. راجع آية 169 ـ 170 من سورة آل عمران، و آية 41 من سورة النساء، و آية 45 من سورة الأحزاب، و آية 100 من سورة المؤمنون، و آية 46 من سورة غافر، كلّها تدلّ على الحياة بعد الموت، و قد تحدَّثنا عن هذا الموضوع في فصل سابق.

( 273 )
الجواب:

أوّلاً: المراد ـ بملاحظة الآيات السابقة الدالّة على سماع الموتى بعد رحيلهم ـ هو نفي الاسماع المفيد، فإنّ سماع الموتى أو من في القبور لا يجدي نفعاً بعدما ماتوا كافرين، هكذا المشركون لا يفيد إسماعهم، فوجه الشبه في تشبيه أسماع المشكرين بأسماع الموتى هو عدم فائدة الإسماع لا عدم تحقّقه وإلاّ فهذا هو النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ، يقول: «الميت يسمع قرع النعال» في حديث أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتى أنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فيُقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد«صلى الله عليه وآله وسلم» فيقول: أشهد انّه عبد اللّه ورسوله إلى آخر ما نقل.(1)

وقد مرّ انّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور القبور، و يخرج آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد.(2)

اتّفق المسلمون على تعذيب الميت في القبر، أخرج البخاري عن ابنة خالد بن سعيد بن العاص انّها سمعت النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وهو يتعوّذ من عذاب القبر، وأخرج عن أبي هريرة كان رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» يدعو: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر و من عذاب النار.(3)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ المراد من نفي الإسماع هو الإسماع المفيد تحقيقاً

ــــــــــــــــــــــ
1. البخاري:الصحيح: 2/90، باب الميت يسمع خفق النعال.
2. صحيح مسلم:3/63، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
3. البخاري:الصحيح: 2/99، باب التعوذ من عذاب القبر من كتاب الصلاة.


( 274 )
لقوله سبحانه:(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعُونِ * لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبْعَثُون)(1) حيث إنّ الآية صريحة في ردّ دعوة الكفّار حيث طلبوا من اللّه سبحانه أن يُرجعهم إلى الدنيا حتى يعملوا صالحاً، فيأتيهم النداء«بكلا» فيكون تمنّيهم بلا جدوى ولا فائدة كما أنّ سماع الموتى كذلك، لا انّهم لا يسمعون أبداً، إذ هو مخالف لما مرّ من صريح الآيات والروايات.

إنّ الأجساد الراقدة تحت التراب غير قادرة على الفهم و الإدراك، و هذا طبيعي، إذ أنّ الجسد عند ما يتجرَّد عن الروح يبقى جماداً لا فهم له و لا إدراك.

ولكن النقطة المهمّة ـ هنا ـ هو أنّ الذين نُخاطبهم و نستشفع منهم ـ و كما يؤكّد القرآن الكريم ـ ليس هو الجسد المدفون تحت التراب، و إنّما هي الروح الطاهرة و الحيَّة التي تعيش في الجسد البرزخي في عالَم البرزخ.

فلو لم تتمكّن الأجساد المدفونة في الأرض من الإدراك و الفهم، فهذا لا يدلّ على أنّ أرواحها الطاهرة و نفوسها الطيّبة ـ التي هي حيَّة تُرزَق في العالَم الآخر ـ غير قادرة على الإدراك و الفهم.

و أنّ السلام و التحيّة و الزيارة هي لتلك الأرواح النورانيَّة الخالدة، و طلب الشفاعة منها أيضاً.

ــــــــــــــــــــــ
1. المؤمنون/99ـ 100.

( 275 )
و هكذا ظَهَرَ لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ أنَّ الأدلَّة الّتي يستدلّ بها الوهّابيّون على حرمة الاستشفاع من أولياء اللّه أدلّة واهية ضعيفة، و أنّ الحقّ هو ما يقوم به المسلمون تَبعاً للقرآن و الأحاديث الشريفة.


( 276 )

 


( 277 )
الفصل السادس عشر

الاعتقاد بالقدرة الغيبيّة لأولياء اللّه تعالى

هل الاعتقاد بالقدرة الغيبية لأولياء اللّه شِركٌ باللّه؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان لا يطلب حاجته من أحد إلاّ إذا تأكَّد من قدرته على قضاء حاجته و تلبية طَلبه.

و هذه القدرة على قسمين:

1 القدرة المادّية الظاهرية، بأن تطلب الماء من إنسان، فيملأ لك الإناء ماءً ويُناولك.

2ـ القدرة الغيبية المستقلَّة عن المادّة، و الخارجة عن المجاري الطبيعية، كأن يعتقد الإنسان ـ مثلا ـ بأنّ الإمام علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ قادر على قلع باب خيبر ـ الّذي يعجز الإنسان عن قلعه عادة ـ بقوّة غيبية تفوق قدرة البشر.

أو يعتقد بأنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ قادر على شفاء المريض الذي يصعب علاجه، باذن الله سبحانه من دون استعمال دواء أو إجراء عملية جراحية.

إذا عرفت هذا... فاعلم أنّ الاعتقاد بهذه القدرة الغيبية ـ إذا كان مُستنداً إلى


( 278 )
قدرة اللّه و إذنه و إرادته ـ هو كالاعتقاد بالقدرة المادّية الطبيعية، و ليس شركاً باللّه سبحانه، لأنّ اللّه الّذي وهَب القدرة المادّية لشخص قادر على أن يهب القدرة الغيبية لشخص آخر، دون الاعتقاد بكون المخلوق خالقاً أو مُستغنياً عن اللّه تعالى.

الرأي الوهّابي

يعتقد الوهّابيّون بأنّه لو طلب إنسان حاجة من أحد أولياء اللّه ـ حيّاً كان أم ميّتاً ـ كأن يشفي مريضه أو يُعيد عليه مفقوده أو يقضي ديونه أو غير ذلك، فقد آمن بوجود قدرة غيبية عند مَن دعاه و سأله، بحيث يستطيع أن يخرق بها القوانين الطبيعية الحاكمة في هذا الكون، والاعتقاد بهذه القدرة لغير اللّه اعتقاد بإلوهيَّة ذلك الغير، و طلب الحاجة منه مع هذا الاعتقاد شركٌ باللّه سبحانه.

مثال ذلك: لو طلب الإنسان ـ العطشان في الصحراء ـ ماءً من خادمه، فإنّ طلبه هذا ليس طَلباً لخرق القوانين الطبيعية، فهو جائز و ليس شركاً.

أمّا لو طلب نفس هذا الطلب من نبىٍّ أو إمام يرقد تحت التراب، أو يعيش في بلدة أُخرى و مكان آخر، أو كان غائباً عن الأبصار، فقد أشرك باللّه تعالى، لأنّه يعتقد بأنّ ذلك النبىّ أو الإمام يستطيع أن يُهيّئ الماء، خارج نطاق القوانين و الأسباب الطبيعية، أي: بالقدرة الغيبية، و هذا اعتقاد بإلوهيّة ذلك المدعو: النبىّ أو الإمام.

و قد صرِّح بهذا الرأي الكاتب الوهابي «أبو الأعلى المودودي» حيث قال:

«إنّ التصوّر الّذي لأجله يدعو الإنسانُ الإله و يستغيثه و يتضرَّع إليه هو ـ لا جَرَم ـ تصوُّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة»(1).

ــــــــــــــــــــــ
1. المصطلحات الأربعة: 18.

( 279 )
رأينا حول هذا الكلام

إنّ الخطأ الّذي ارتكبه المودودي ـ و نظراؤه ـ تصوَّر، بأنّ الاعتقاد بالسلطة الغيبيّة لغير اللّه شرك به سبحانه مطلقاً، و لم يُفرِّق ـ أو لم يرد أن يُفرِّق ـ بين الاعتقاد بالقدرةِ الغيبية المستمدّة من اللّه و المعتَمد عليه، و بين القدرة المستقلَّة عنه سبحانه، حيث إنّ الشرك هو الاعتقاد الثاني لا الأوّل.

إنّ القرآن الكريم يذكر ـ بصراحة تامّة ـ أسماء أشخاص كانت لهم القدرة الغيبية، و كانت إرادتهم تتحكّم على قوانين الطبيعة و تُغيِّر مجراها.

و إليك أسماء بعض من أشار إليهم القرآن:

1ـ القدرة الغيبية للنبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ

قال يوسف ـ عليه السلام ـ لإخوته :

(إذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجهِ أَبي يَأْتِ بَصيراً...).

(...فَلَمّا أنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً).(1)

إنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ النبىّ يعقوب ـ عليه السلام ـ استعاد بَصَره الكامل بالقدرة الغيبية الّتي استخدمها يوسف ـ عليه السلام ـ من أجل ذلك، و من الواضح أنّ استعادة يعقوب بَصَره لم يكن من اللّه بصورة مباشرة، بل تحقّقت بإذنه سبحانه، بواسطة النبىّ يوسف ـ عليه السلام ـ .

إنّ النبىّ يوسف كان السبب في عودة بَصَر أبيه كاملة، ولولا ذلك لما أَمر

ــــــــــــــــــــــ
1. يوسف: 93 و 96.

( 280 )
إخوانه بأن يذهبوا بقميصه و يلقوه على وجه أبيه، بل كان يكفي أن يدعو اللّه تعالى لذلك فقط.

إنّ هذا تصرُّفٌ غيبىّ صدَر من أحد أولياء اللّه ـ يوسف ـ و غيَّر المجرى الطبيعي بإذنه سبحانه، و لا يقدر على هذا التصرُّف إلاّ مَن مَنحَه اللّه السلطة الغيبية.

2ـ السلطة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ

لقد منح اللّه سبحانه القدرة الغيبية للنبىّ موسى ـ عليه السلام ـ فضَرب بعصاه الحجَر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، بعدد قبائل بني إسرائيل، كما قال سبحانه:

(...قُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً)(1).

و استخدم موسى ـ عليه السلام ـ قدرته الغيبية مرَّة أُخرى عندما ضرَب بعصاه البحر ليفتح ـ في عُمق البحر و على أرضه ـ اثني عشر طريقاً يابساً لبني إسرائيل، كي يمرّوا فيه و يعبروا البحر، فتراكمت المياه كالجبال على أطراف هذه الطُرق من دون أن تتدحْرج أوتسيل قطرةٌ منها في الطريق!

قال تعالى:

(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْق كالطَّوْدِ الْعَظيمِ)(2).

في هذين الموقفين لا يمكن أن نتجاهل دور النبىّ موسى ـ عليه السلام ـ في تفجير العيون وفتح الطرق على أرض البحر، و أنه استفاد من قدرته الغيبية، فتحقّق كلّ ذلك بإذن اللّه و إرادته سبحانه.

ــــــــــــــــــــــ
1. البقرة: 60.
2. الشعراء: 63.


( 281 )
3ـ السلطة الغيبية للنبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ

لقد كان النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ يتمتع بقدرات غيبية متعدّدة، و قد عبَّر عن تلك المواهب و المنح الإلهية العظيمة بقوله ـ كما في القرآن الكريم ـ :

(...وَ أُوتينا مِنْ كُلِّ شيء...)(1).

و قد جاء تفصيل الحديث عن تلك المواهب و القدرات الإلهية الممنوحة له، في كلٍّ من سورة النمل من آية 16 إلى 44، و سورة سبأ آية 12، و سورة الأنبياء آية 81، و سورة ص من آية 36 إلى 40.

إنّ التأمّل في هذه الآيات يكشف لنا عن جانب من المواهب العظيمة و القدرات الغيبية الّتي مَنَحها اللّه لعبده و نبيّه سليمان ـ عليه السلام ـ وها نحن نذكر لك الآن بعض تلك الآيات، كي تتجلّى لك عظمة تلك السُّلطة الغيبية و ترى بعينك أنّ القرآن الكريم يُثبت القدرة الغيبية لبعض عباد اللّه تعالى.

لقد كانت للنبي سليمان السُّلطة على الجنّ و الطيور، و كان يعرف منطق الطير و لغات الحشرات، يقول اللّه تعالى:

(وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتينا مِنْ كُلِّ شَيء إنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِين * وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إذا أَتَوْا عَلى وادِ الَّنمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا الَّنمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ

ــــــــــــــــــــــ
1. النمل: 16.

( 282 )

أوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي أنْعَمْتَ عَلَىَّ وَ عَلى والِدَيَّ) إلى آخر الآيات(1).

أيّها القارئ الكريم: ولو قرأت ـ في القرآن الحكيم ـ قصّة «الهُدهُد» الذي أرسله سليمان ـ عليه السلام ـ مبعوثاً إلى ملكة سَبأ، حاملا رسالة منه إليها، لا ستولتْ عليك الدهشةُ و الحيرة من القدرة الغيبية التي كانت له، لهذا نرجو منك التأمّل في الآيات 20 إلى 44 من سورة النمل، كي تتأكّد أكثر من بُطلان مذهب الوهّابيّة و تناقضه مع القرآن.

هذا و قد كان للنبي سليمان ـ بتصريح القرآن الكريم ـ السلطة على الريح، تجري بأمره حيث يشاء قال تعالى :

(وَ لِسُلَيمانَ الرّيحَ عاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إلى الأَرْضِ الَّتي بارَكْنا فيها وَ كُنّا بِكُلِّ شَيء عالِمينَ)(2).

إنّ ما يُلفت الانتباه ـ في هذه الآية ـ هو قوله سبحانه: (تَجْري بِأَمْرِهِ) حيث يدلّ على سلطة سليمان الغيبية على الريح، و تحكُّمه في مسيرها و مجراها.

4ـ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ و القدرة الغيبية

يمكننا أن نتعرّف على جانب من القدرة الغيبية التي كانت للنبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ من خلال التأمّل في الآيات القرآنية التي تتحدّث عنه و عنها، و منها قوله تعالى ـ عن لسان عيسى ـ :

(...أَنّي أخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإذْنِ اللّهِ

ــــــــــــــــــــــ
1. النمل: 16 ـ 19 و ما بعدها.
2. الأنبياء: 81.


( 283 )

وَأُبْرِئُ الاَْكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَ أُحيي الْموْتى بِإذْنِ اللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأَكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ إنَّ في ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)(1).

لقد تكرّر قولُه «بإذن اللّه» مرَّتين في هذه الآية، تأكيداً على أنّ التصرُّفات الغيبيَّة التي يقوم بها أولياء اللّه إنّما هي بالاستمداد من قدرة اللّه تعالى و إرادته، و لهذا ترى عيسى ـ عليه السلام ـ يعتبر تصرُّفاته كلّها رهينة بإذن اللّه تعالى، و هكذا غيره من الأنبياء و الأولياء قال تعالى:

(...وَ ما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتي بِآيَة إلاّ بِإذْنِ اللّهِ...)(2).

و لكنّك ترى في الوقت نفسه أنّ النبىّ عيسى ينسب كلّ أعماله الغيبية إلى نفسه الشريفة فيقول: «أخلق» «أنفخ» «أُبرئ» «اُحيىِ» «أُنبِّئُكم» بصيغة المتكلّم وحده.

هذا و ليس النبىّ يوسف و موسى و عيسى و سليمان هم فقط الذين كانت لهم القدرات الغيبية، بل هناك مجموعة من الأنبياء الذين كانوا يملكون تلك القدرة، و هذا البحث يتطلب كتاباً مُستقلاّ، و قد تحدَّثنا حوله بالتفصيل في كتاب «القدرة المعنوية للأنبياء» و قد طُبع عدَّة مرات.

5ـ الملائكة و القدرة الغيبية

إنّ الملائكة يتمتَّعون بالسلطة الغيبية أيضاً، فهذا القرآن الكريم يَصِف جبرئيل بقوله:

ــــــــــــــــــــــ
1. آل عمران: 49.
2. الرعد: 38.


( 284 )

(...شَديدُ الْقُوى)(1).

وَ يصف بعضَ الملائكة بقوله:

(فَالْمُدبِّراتِ أَمْراً)(2).

و غيرهما من الآيات الّتي تُصرِّح ـ أو تُشير ـ بأنّ الملائكة تتولّى إدارة شؤون العالَم، مِن قبْض الأرواح و حراسة الناس و المحافظة عليهم و كتابة الأعمال «كراماً كاتبين» و مُبيدات الأُمم الطاغية، و غير ذلك من مسؤوليات هذا الكون.

إنّ كلّ مَن له إلمام بالقرآن الكريم ـ حتى لو كان قليلا ـ يعلم بأنَّ للملائكة قدرات غيبيَّة، و أنّها تقوم بتصرُّفات إعجازية بإذن اللّه و قوّته.

فلو كان الاعتقاد بالسلطة الغيبية يستلزم الاعتقاد بالإلوهية، لكان كلّ واحد من الأنبياء والملائكة إلهاً مستقلاّ من دون اللّه سبحانه، و هذا واضح البُطلان.

فما هو الحَلّ؟

ما هو الحلّ و القولُ الفصل؟

الجواب: لقد ذكرنا أنّ الحلّ و القول الفصل هو الفرق و التمييز بين القدرة المستقلَّة و القدرة المكتسَبة، فالاعتقاد بالقدرة المستقلَّة ـ لغير اللّه ـ يستلزم الشرك به سبحانه، بينما الاعتقاد بالقدرة المكتسَبة ـ في أىّ مجال ـ هو التوحيد بذاته.

إلى هنا تبيَّن لك ـ أيّها القارئ ـ أنّ الاعتقاد بالقدرة الغيبية لدى أولياء اللّه

ــــــــــــــــــــــ
1. النجم: 5.
2. النازعات: 5.


( 285 )
تعالى لن يُرافقه الشرك بل هو التوحيد بعينه، بشرط أن تَعتبر تلك القدرة مُسْنَدة إلى القدرة الأزلية للّه تعالى.

كما تبيَّن لك بأنّه ليس معنى التوحيد أن تُسنِد الأفعال الطبيعية إلى الإنسان، و تُسنِد الأفعال الغيبية إلى اللّه تعالى، بل إنّ حقيقة التوحيد هي أن تُسند كلّ الأفعال إليه تعالى، و تعتبر القوى والطاقات و القدرات نابعة منه و تابعة إليه جلَّ جلالُه.

و الآن... آن الأوان كي نتحدّث عن الركن الثاني في هذا الفصل ـ و هو جواز طلب الأعمال الإعجازية الغيبية من أولياء اللّه تعالى.

طَلب الأعمال الغيبية من الأولياء

هل يجوز أن تطلب مِن أحد أولياء اللّه عملا إعجازياً؟

و هل يُعتبر هذا الطلب شِركاً؟

في البداية نقول: ممّا لا يختلف فيه اثنان هو أنّ «لكلّ معلول علّة و لكل مُسبَّب سَبب» فكلّ شيء لا يمكن أن يكون له وجود إلاّ بسبب، فالحياة حياة الأسباب و المسبّبات، و بالتالي: لا توجد في العالَم ظاهرة دون أن يكون لها سبب.

كذلك معجزات الأنبياء و كرامات الأولياء لا تحدث بدون سبب، بَيدَ أنَّ السبب ليس سبباً مادّياً طبيعياً، بل هو غيبىّ ما ورائىّ فوق التصوّر.

فمثلا: إذا تحوَّلتْ عصا موسى إلى ثعبان، و أحيا عيسى الموتى، و انشقّ القمر لرسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سبَّحتْ حبّات الرمال في يده، و غير ذلك من معجزات الأنبياء... فإنّ كلّ هذه لم تحدث بلا سبب، و لكن السبب ـ كما قلنا ـ ليس مادّياً ملموساً نراه بأعيننا، لا أنّها حدثت بلا سبب أبداً.


( 286 )
بعد هذه الكلمة الخاطفة نتحدّث الآن عن الموضوع المطروح على بساط التحقيق و هو: طلب الأعمال الاستثنائية و الإعجازية من أولياء اللّه تعالى.

إنّ الوهّابيّة تدَّعي أنَّ طلب الأعمال الخارقة للطبيعية شِرك باللّه سبحانه، ولكنَّ طلب الأعمال المادّية الطبيعية ليس كذلك، فما هو رأي الإسلام حول هذا الادّعاء؟

الجواب: هذا القرآن الكريم خير دستور نتحاكم إليه، تَرى في مواضع متعدّدة منه التصريح بأنه قد طلب من الأنبياء ـ و غيرهم القيام بأعمال إعجازية خارجة عن إطار للقوانين الطبيعة المادّية.

فمثلا: طلب قوم موسى ـ عليه السلام ـ منه أن يوفّر لهم الماء و المطر و يُنقذهم من الجفاف الذي كانوا يُعانون منه، و صدر الأمر من اللّه تعالى بتلبية طلبهم، قال سبحانه:

(...وَ أَوْحَيْنا اِلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِب بِعَصاكَ الْحَجَرَ)(1).

فإن قال قائل: لا مانع من طلب المعجزة من الإنسان الحي، و البحث إنّما هو حول الطلب من الميّت.

فالجواب: أنّ الحياة بعد الموت لا يُغيّران حقيقة التوحيد و الشرك، بأن يكون الشيء توحيداً في حال الحياة و شِركاً في حال الممات، أو بالعكس، بل تبقى الحقيقة ثابتة على كلّ حال.

نعم... يمكن أن يكون للحياة و الموت أثر في فائدة الطلب أو عدمها، أمّا حقيقة التوحيد والشرك فلا تؤثّران فيهما.

ــــــــــــــــــــــ
1. الأعراف: 160.

( 287 )
النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ يطلب عَرش بلقيس

يُحدّثنا القرآن الكريم أنّ النبىّ سليمان ـ عليه السلام ـ طلب من الحاضرين عنده أن يُحضر أحدهم عرش بلقيس، بقدرة ماورائية غيبية و خارقة للطبيعة، فقال لهم ـ كما في القرآن الكريم ـ :

(...أَيُّكُمْ يَأتيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمينْ * قالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أنا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوىٌّ أمينٌ * قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي...)(1).

فإذا صحَّ مذهب الوهّابيّين ـ في حرمة طلب الأعمال الخارقة من أحد إلاّ اللّه ـ لكان طلب النبىّ سليمان من الحاضرين ـ إحضارَ عرش بلقيس بقوَّة ماورائية ـ كفراً و شركاً!!.

و كان طلب المعجزة ممّن يدَّعي النبوَّة ـ في أىّ عصر و مصر ـ كفراً و شركاً، و قد كان الناس يُطالبون كلَّ من يدَّعي النبوّة ـ صادقاً كان أم كاذباً ـ بالمعجزة الخارقة للطبيعة، دليلا على صِدق دعواه و اتصاله بالعالم الأعلى، و لم يطلبوا ذلك من اللّه الّذي بَعَثه، بل كانوا يقولون:

(...إنْ كُنْتَ جِئتَ بِآيَة فَأْتِ بها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقينَ)(2).

و هذه عادة كلّ الشعوب و الأُمم في العالَم، حيث تريد التمييز بين النبىّ

ــــــــــــــــــــــ
1. سورة النمل: آية 38 ـ 40.
2. الأعراف: 106.


( 288 )
الصادق و المتنبّئ الكاذب، فتُطالبه بالمعجزة الدالّة على قدرته الغيبية، و كان الأنبياء ـ بدَورهم ـ يدعون الناس لمشاهدة معجزاتهم الدالَّة على صدقهم.

و قد سجَّل القرآن الكريم بعض ما دار بينهم و بين الأُمم من حوار حول هذا الموضوع، دون أن ينتقدهم على طلبهم المعجزة من الأنبياء، ممّا يدلّ على موافقته لهذا الطلب.

و لنذكر مثالا: لو أنَّ أُمَّة ـ تبحث عن الحق ـ جاءت إلى النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ و قالت له: «إن كنتَ صادقاً في دعوى النبوّة فأَبرئ هذا الأعمى و رُدَّ إليه بَصَره، و اشفِ هذا الأبرص» فإنّ هذه الأُمَّة لا تُعتبر مُشركة، بل تُعَدُّ من الأُمم الراقية التي تبحث عن الحقيقة، و تُمدَح على ذلك.

و الآن، لو فرضنا وفاة النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ (1) و طلبت أُمّتُه من روحه الطاهرة أن يُبرئ الأكمه و الأبرص، فلماذا تُعتبر مشركة، مع العلم أنّ موت النبىّ و حياته لا يؤثّران في التوحيد والشرك؟!(2).

خلاصة القول

و خلاصة القول: إنّ القرآن الكريم يُصرِّح بأسماء بعض الأولياء الذين اصطفاهم اللّه ووَهَبهم القدرة الغيبية لتنفيذ الأعمال الماورائية الخارقة للطبيعة،

ــــــــــــــــــــــ
1. بالرغم من أنه حىٌّ كما قال تعالى: (و ما قتلوه و ما صلبوه و لكنْ شُبِّه لهم... بل رَفَعه اللّه إليه...)و تقول الأحاديث الصحيحة إنّ النبىّ عيسى سوف يعود إلى الأرض عصر ظهور الإمام المهدىّ المنتظر ـ عجّل اللّه ظهورَه ـ ليكون ردءاً له و ظهيراً.
2. للاطّلاع على بعض معجزات النبىّ عيسى راجع آية 49 من سورة آل عمران و آية 100 ـ 101 من سورة المائدة.


( 289 )
وكان هؤلاء يستخدمون هذه القدرة في الأوقات المناسبة، كما كان هناك أشخاص يأتون إليهم و يطلبون منهم الاستفادة من هذه القدرة.

و هكذا ظَهر لك ـ أيّها القارئ الكريم ـ إنّ آيات القرآن الكريم صريحة في ردّ مذهب الوهّابيّة و إبطال آرائها الشاذَّة.

فلو قال الوهّابيّون: إنّ طلب المعجزة من أولياء اللّه شِرك.

قلنا: لماذا طلب سليمان ـ و غيره ـ ذلك؟!

فإن قالوا: إنّ طلب الحاجة من أولياء اللّه ـ بطريقة إعجازية ـ يستلزم الاعتقاد بسلطتهم الغيبية.

قلنا: إنّ الاعتقاد بالسُّلطة الغيبية على نوعين: أحدهما: توحيد بعَينه، و الثاني: يستلزم الشرك.

فإن قالوا: إنّ طلب الكرامات من أولياء اللّه في حياتهم ليس شركا، ولكن طلبها من الموتى شرك.

قلنا: إنّ الموت والحياة ليسا ملاكاً للتوحيد و الشرك، و لا يُغيِّران حقيقة أحدهما.

فإن قالوا: إنّ طلب الشفاء للمريض و تسديد الدَّين ـ بطريقة غير عادية ـ هو طلب فعل اللّه من غير اللّه.

قلنا: إنَّ شرط الشرك هو أن تعتقد إلوهيَّة مَن تَدعوه أو بكونه مصدراً لأفعال اللّه بالاستقلال، و أنّ طلب فعل غير عادي ليس معناه طلب فعل إلهي من غير اللّه، إذ ليس مقياس أفعال اللّه هو خروجه عن إطار القوانين الطبيعية، حتى يكون هذا


( 290 )
الطلب طلب فِعل الله مِن عبده، كلاّ... بل إنّ مقياس أفعال الله هو أن يكون فاعله مستقلاّ في إنجازه.

أمّا لو كان فاعله يُنجّز ذلك الفعل بالاعتماد على قدرة اللّه تعالى فإنّ الطلب منه ليس طلب فعل اللّه من غير اللّه.

و لا فرق بين أن يكون الفعل عادياً أو غيبياً.

و نفس هذا القول يأتي بالنسبة إلى الاستشفاء من أولياء اللّه، فإنّ البعض يُنكرون ذلك و يقولون: إنّ طلب الشفاء خاصّ باللّه سبحانه بدليل قوله تعالى:

(وَ اِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ)(1).

فكيف يصحُّ أن يقال: يا رسول اللّه اشفني؟! و هكذا الأمر بالنسبة إلى كلّ عمل خارق للعادة.

و الجواب: أنّ الذين يعتقدون هذا الاعتقاد لم يميّزوا ـ و مع الأسف ـ بين الأفعال الإلهيَّة والأفعال البشريّة، و لهذا يتصوَّرون بأنّ أىّ فعل يخرج عن مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال اللّه، و أىّ فعل يأخذ مجراه المادّي الطبيعي فهو من أفعال البشر.

إنّ هؤلاء لم يفهموا ـ أو تجاهلوا ـ المقياس المُمَيِّز لأفعال اللّه عن غيرها، و لو كان كلّ فعل يخرج عن مجراه الطبيعى يعتبر من أفعال اللّه لكانت أفعال المرتاضين ـ في الهند ـ أفعالا إلهيّة، و كانوا جميعاً «آلهة».

ــــــــــــــــــــــ
1. الشعراء: 80.

( 291 )
و قد ذكرنا أكثر من مرَّة أنّ المقياس ـ في الأفعال الإلهيَّة ـ هو الاستقلال في الفعل، و عدم الاعتماد على أيَّة قدرة أُخرى، و الفعل البشري هو عكس ذلك.

إنّ الإنسان يعتمد على اللّه و يستعين بقدرته في كلّ عمل ـ سواء كان مادّياً أو خارجاً عن حدود المادَّة ـ و الكثيرون يحصلون على قدرات اكتسابية و يستغلّونها للوصول إلى أهدافهم المنشودة، فهل أنّ طلب الفعل من هؤلاء شرك باللّه؟!

إنّ نقطة الانحراف عن التوحيد تكمن في الاعتقاد المقرون بالطلب، فإذا كان طالب الحاجة ـ من أحد أولياء اللّه ـ يعتقد باستقلال ذلك الولىّ فقد اعتبره مستغنياً بالذات، و معنى ذلك أنّه اعتبره مُستغنياً عن اللّه، وهذا هو الشرك، لأنّه لا مستغنىَ بالذات سوى اللّه الواحد الأحد سبحانه، و قد كان كثير من المشركين ـ في العهد الجاهلي و عند طلوع الإسلام ـ يعتقدون هذا الاعتقاد بالنسبة إلى الملائكة و النجوم و أنّ اللّه خلقها و فوَّض إليها إدارة الكون و تدبيره، تفويضاً مستقلاّ تماماً(1) أو ـ على الأقل ـ أنّها تملك الشفاعة و المغفرة، و تتصرَّف كما تشاء حيث تشاء.

المعتزلة و الشِّرك

أمّا فرقة المعتزلة(2) فهي تعتبر الإنسان ـ من حيث الوجود مخلوقاً للّه تعالى، و لكنّها ـ في الوقت نفسه ـ تعتبره مُستقلاّ من حيث التأثير في الأشياء و إنجاز

ــــــــــــــــــــــ
1. و لذلك عند ما سَأل عمرو بن لحي أهل الشام عن علَّة عبادتهم للأصنام؟ قالوا ـ في جوابه ـ : إننا نطلب المطر من هذا الأصنام فتسقينا، و نستعين بها فتُعيننا، و بهذا الاعتقاد اصطحب عمرو معه «هُبَل» و جاء به إلى مكّة. راجع سيرة ابن هشام: 1 / 77.
2. كما أنّ مذاهب السُّنَّة تنقسم ـ في فروع الأحكام ـ إلى المذاهب الأربعة كذلك تنقسم في الأُصول و المعارف إلى قسمين: الأشاعرة و المعتزلة.


( 292 )
الأفعال، ولو أنّ المعتزلة تأمَّلوا قليلا في قولهم هذا، لأدركوا بأنّ في هذه العقيدة نوعاً من الشرك الخفي، ولكنّهم في غفلة منه.

طبعاً هذا الشرك الخفي لا يصل إلى درجة شِرك المشركين، و الفرق بين الشِركيَن هو أن المشركين يدَّعون استقلال أصنامهم في إدارة شؤون الكون و أفعال اللّه تعالى، و هؤلاء يدَّعون استقلال الإنسان في أعماله.

و من حاول التفصيل في عقيدة المعتزلة فليرجع إلى كتاب «بحوث في الملل و النحل» الجزء الثالث.