2. الإسلام في القرن العشرين حاضره ومستقبله: 72 ـ 73، ط نهضة مصر .
( 23 )
الردود على قائد الوهابيين

و نظراً لمّا كان لابن تيمّية ـ باذر بذور النفاق ـ من آراء سقيمة وأفكار باطلة فقد تصدى علماء عصره. لنقد آرائه و الحكم بانحرافه و خاصّة بعد ما كتب عقائده الباطلة و نشَرها بين الناس.

و قد تلخّصت الحرب الدينية ضدّ ابن تيميّة في نقطتين:

الأُولى: تأليف الكتب و كتابة الردود على أفكاره الباطلة، و تزييفها على ضوء القرآن و السنَّة الشريفة.

و كنموذج من ذلك نُشير إلى بعض ما صدر ضدّه من الكتب:

1ـ شفاء السقام في زيارة قبر الإمام: بقلم تقىّ الدين السبكي.

2ـ الدرّة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة: بقلم المؤلّف السابق.

3ـ المقالة المرضيّة: تأليف قاضي قضاة المالكيّة تقىّ الدين أبي عبدالله الأخنائي.

4ـ نجم المهتدي و رجم المقتدي: بقلم فخر بن محمّد القرشي.

5ـ دفع الشبهة: بقلم تقىّ الدين الحصني.

6ـ التحفة المختارة في الردّ على منكر الزيارة: بقلم تاج الدين.

هذه بعض الردود التي كُتبت ضدّ عقائد ابن تيميّة و آرائه السقيمة، و كشفتْ عن سفاهتها وقشريَّتها.

الثانية: هجوم العلماء و الفقهاء عليه، و إصدار الحكم و الفتوى بفسقه تارةً
( 24 )
و بكفره تارةً أُخرى، و التحذير من البدَع التي أحدثها في الدين الحنيف.

و منهم قاضي القضاة في مصر «البدر بن جماعة» فقد كتبوا إليه رأي ابن تيميّة في زيارة النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فكتب قاضي القضاة:

«إنّ زيارة النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سُنَّة مستحبة، و قد اتّفق العلماء على ذلك، و كلّ من يرى حرمة زيارته فيجب على العلماء زجره و نهيه عن مثل هذه الآراء، فإن لم يردعه ذلك لزم حبسُه و فضحه بين الناس حتى لا يقتدوا به».

و ليس هذا القاضي الشافعي في مصر وحيداً في فتواه هذه، بل أصدر قضاة المالكية والحنبلية فتاوى مماثلة في تفسيق ابن تيميّة والحكم بضلاله وانحرافه.
(1)

وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقد كتب الذهبي الَّذي يُعتبر من علماء القرن الثامن الهجري، و له تأليفات قيّمة في الحديث و الرجال ـ و كان مُعاصراً لابن تيميّة ـ كتب رسالة ودّية إليه ينهاه فيها عن منكراته، و شبَّهه فيها بالحجّاج الثقفي في ضلاله و فساده.
(2)

إلى أن أهْلك الله ابنَ تيميّة في عام 728 هـ في سجن الشام، فحاول تلميذه ابن القيّم أن يواصل نهج أُستاذه، لكنّه لم يفلح في ذلك، فماتت أفكار ابن تيميّة بموته، و فنيتْ بفنائه، و زالت بزواله، واستراح المؤمنون من بدعه و ضلالاته.

إلى أن ألقى الشيطان حبائله من جديد، فجاء محمّد بن عبدالوهّاب حاملا
ــــــــــــــــــــــ
1. للتفصيل راجع كتاب «دفع الشبهة» تأليف تقي الدين الحصني.
2. و قد نُشرت هذه الرسالة في كتاب تكملة السيف الصقيل ص 190، كما نَشر نَصّها الشيخ الأميني في كتاب الغدير: 5/87 ـ 89 فراجع.
( 25 )
أفكار ابن تيميّة البائدة و اتفق مع آل سعود ليقوم كلّ منهما بتأييد الآخر، هذا في الحكم و ذاك في التشريع، فعاد الضلال يَنشر خيوطه في «نجد» و انتشرت الوهّابيّة في بلاد نجد انتشار السرطان الأثيم في الجسم، فانخدع جمعٌ من الناس، و تحزَّبوا ـ و مع كلّ أسف ـ باسم التوحيد للقضاء على أهل التوحيد، و أراقوا دماء المسلمين باسم الجهاد مع المشركين، و راح الأُلوف من الناس ـ رجالا ونساءً و صغاراً و كباراً ـ ضحيَّة لهذه البِدَع و الأباطيل، و توسَّعت شُقّة الخلاف بين المسلمين، و أُضيف على مذاهبهم المتعدّدة، مذهب جديد.

و قد بلغت المصيبةُ ذروتَها عند ما سقط الحَرَمان الشريفان ـ مكّة و المدينة ـ في قبضة هذه الزمرة المنحرفة، و عَمد النجديّون الوهّابيّون ـ و بالتعاون مع بريطانيا الحاقدة التي كانت تهدف تقسيم الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة تحدُّها الحدود الجغرافية ـ عمدوا إلى محو الآثار الإسلامية في مكّة و المدينة، و هدْم قبور أولياء الله و هتك حرمة آل رسول الله، و غير ذلك من الجرائم و المنكرات التي يهتزّ لها ضمير المسلم.

يقول بعض المؤرّخين:

«بادر الوهّابيّون ـ لمّا استولوا على مكّة ـ بالمساحي فهدموا ـ أوّلا ـ ما في «المعلّى» مقابر قريش ـ من الِقباب، و هي كثيرة، منها قُبَّة سيّدنا عبدالمطّلب جدّ النّبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و قُبَّة سيّدنا أبي طالب ـ رضوان الله عليه ـ و قبَّة السيدة خديجة ـ رضوان الله عليها ـ كما هدموا قبَّة مولد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و مولد أبي بكر، و مولد الإمام علي ـ عليه السلام ـ و هدموا قبَّة زمزم و القباب التي حول الكعبة، و تتبّعوا جميع المواضع التي فيها آثار الصالحين فهدموها، و كانوا ـ عند الهدم ـ يرتجزون و يضربون بالطبول ويُغنُّون
( 26 )
ويُبالغُون في شتم القبور... حتى قيل إنّ بعضهم بال على قبر السيّد المحجوب!!...»
(1)

قال العلاّمة السيد صدر الدين الصدر ـ المغفور له ـ :
لعمري إنّ فاجِعةَ البقيع * يُشيبُ لهولها فؤود الرضيع
و سوف تكون فاتحة الرزايا * إذا لم يُصحَ من هذا الهجوع
أما مِن مسلم للّه يرعي * حقوق نبيِّه الهادي الشفيع

و قال آخر:
تبّاً لأحفاد اليهود بما جَنَوا * لم يكسبوا من ذاك إلاّ العارا
هتكوا حريم محمّد في آلِه * ياويلهم قد خالفوا الجبّارا
هَدموا قبور الصالحين بحقدهم * بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا

و انطلاقاً من قول النّبي
ـ صلّى الله عليه وآله ـ :

«إذا ظهرت البِدَع فعلى العالِم أن يُظهر عِلمه، و إلاّ فعليه لعنة الله».

فقد تصدّى علماء الشيعة ـ و علماء السنّة أيضاً كما ذكرنا ـ لهذا الغزو الوهّابي الحاقد، وكتبوا الكتب و نشروا المنشورات، في فضح هذا الرجل ـ الَّذي جاء يُحقق أهداف بريطانيا في ثوب جديد ـ و كشف القناع عن حقيقته و الردّ على آرائه الشاذّة.

و أوّل كتاب صدر في الردّ على ابن عبدالوهّاب هو كتاب «الصواعق الإلهية في الردّ على الوهّابيّة» بقلم أخيه الشيخ سليمان.
ــــــــــــــــــــــ
1. كشف الارتياب: 22 نقلا عن تاريخ الجبرتي.
( 27 )

كما أنّ أوّل كتاب صدر ضدَّه من علماء الشيعة هو كتاب «منهج الرشاد» للشيخ الكبير المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1228 هـ ) و قد كتب كتابه هذا جواباً على رسالة بعثها إليه الأمير عبدالعزيز بن سعود ـ أحد الأُمراء السعوديّين في وقته ـ و قد زيَّف في كتابه أفكار محمّد بن عبدالوهّاب و أثبت بطلانها على ضوء القرآن و السنّة. و قد طبع الكتاب في عام 1343 هـ في النجف الأشرف في العراق.

ثم تتابَع الردّ و النقد في ظروف مختلفة، و صدرت الكُتب تترى واحدة تلو الأُخرى، حتى زماننا هذا.

و في عصرنا الحاضر صعَّد الوهّابيّون حَملاتهم المسعورة ضدّ مخالفيهم من المسلمين، بفضل الثروة الطائلة التي يجنيها آل سعود من أرباح البترول العائدة إليهم فقط.

لقد خصّصت السلطة السعودية جزءاً كبيراً من أرباح البترول لترويج هذا المذهب المفرِّق و نشره بين المسلمين، ولولا هذه الأموال الطائلة لما عاش هذا المذهب الواهي إلى هذا الوقت.

لقد وَجد الاستعمار ضالَّته في هذا المذهب، و اتّخذه خير وسيلة لإلقاء التفرقة بين المسلمين وتشتيت صفوفهم، و ضرْب بعضهم البعض.

و قد حقّق هذا المذهب أهداف الاستعمار الغاشم الأثيم، فتراه قد أوجد الفتنة بين المسلمين، هذا يُفسّق ذاك و ذاك يُكفّر هذا... و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العلىّ العظيم.

أيّها القارئ الكريم: لقد قرَّرنا ـ فى هذا الكتاب ـ أن نطرح عقائد الوهّابيّين
( 28 )
على بساط البحث والتحقيق، و نرفع الستار عن حقيقتها، حتى يثبت لك أنّ عقائد المسلمين مستندة إلى القرآن و السُّنّة المطهّرة، و أنّ عقائد الوهّابيّين مخالفة للقرآن و سُنَّة رسول الله
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و قد انتهجنا اُسلوب الإيجاز و الاختصار.