2. المائدة: 35.
( 252 )
( 253 )
الفصل الرابع عشر
طلب الشفاعة من أولياء اللّه تعالى

إنّ «الشفاعة» كلمة معروفة بيننا جميعاً، و هي تتردّد على ألسنتنا في وقتها المناسب، فمثلا: إذا دار الحديث عن انسان ارتكب جريمة و حكمت عليه المحكمة بالاعدام أو السجن أو غيرهما، ثم تدخَّل إنسان آخر و توسَّط له و أنقذه ممّا حُكم عليه عندها نقول: إن فلاناً «تشفَّع» لفلان.
معنى الشفاعة

«الشفاعة» مشتقّة من مادة «الشفْع ـ بمعنى الزوج ـ و يُقابله: الوتر ـ بمعنى الفرد ـ و السبب في إطلاق «الشفاعة» على الوساطة و «الشفيع» على الوسيط هو أنّ جهود الوسيط و مساعيه تَزْدَوِج مع عوامل الإنقاذ و الجهود و المساعي الأُخرى الموجودة في المشفوع له، فتنقذ المذنب أو المتَّهم من ورطته.

إنّ شفاعة أولياء اللّه للمذنبين تأتي بسبب قُرب هؤلاء من اللّه تعالى، و مكانتهم وجاههم عنده سبحانه، فهم يشفعون ـ بإذن اللّه و ضمن شروط خاصّة ـ للمذنبين و المجرمين كي يغفر اللّه لهم أو يقضي حوائجهم.
( 254 )

و بعبارة أُخرى: إنّ الشفاعة إعانةٌ من أولياء اللّه ـ بإذن اللّه ـ لأشخاص لم يقطعوا روابطهم المعنوية مع اللّه و أوليائه، بالرغم من أنّهم مذنبون، هذا تعريف دقيق يجب الانتباه إليه دائماً.

و بتعبير ثالث: إنّ الشفاعة هي إعانة موجود عال لموجود دان، بشرط أن تكون في الداني القابلية و الاستعداد لشمول الشفاعة له، من حيث صلاحيّته للتكامل و الرقي إلى مرتبة عالية ودرجة سامية، و تُحوّله إلى إنسان صالح نزيه.

بعد هذه التعاريف المتعدّدة نقول: إنّ التاريخ الإسلامي يُثبت أنّ المسلمين منذ عهد رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ما بعده كانوا يطلبون الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، و لم يَعتبر أحدٌ من علماء الإسلام بأن هذه الشفاعة مُعارضة للمبادئ و الأُصول الاسلامية .

حتّى جاء ابن تيميّة ـ في القرن الثامن الهجري ـ بأفكار شاذّة و آراء سقيمة، فاستنكر كثيراً من سُنن المسلمين.

و بعده بثلاثة قرون جاء محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، فرفع راية الخلاف مع المسلمين وأحدث الفتنة و الشقاق بينهم، و أحيا مبتدعات ابن تيميّة بأشدّ ممّا كان عليه.

إنّ الوهّابيّة تعتقد بالشفاعة ـ من حيث المبدأ ـ ولكن نقطة الخلاف بينها و بين المسلمين هي أنّها تُحرِّم الاستشفاع بأولياء اللّه في الدنيا، و قد عبَّر الوهّابيّون عن عقيدتهم هذه بعبارات قاسية متضمِّنة للإهانة و الاستخفاف بالأنبياء و الأولياء، و نحن نتورَّع حتى عن ذِكر تلك العبارات.

و ممّا يقولون في الشفاعة: إنّ نبىّ الاسلام
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الأنبياء و الأولياء
( 255 )
و الملائكة، لهم حقّ الشفاعة في الآخرة فقط، لكن طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا منهم، بأن يُقال:

«اللّهُمَّ شَفِّعْ نَبِيِّنا مُحَمَّداً فينا يَوْمَ الْقِيامَة. أو: اللّهُمَّ شَفِّعْ فينا عِبادَكَ الصالِحينَ. أو مَلائِكَتِكَ أو نحو ذلك ممّا يُطْلَبُ مِنَ اللّه لا مِنْهُمْ، فَلا يُقالُ: يا رَسُولَ اللّه ـ أو ـ يا وَلىَّ اللّه أسْأَلُكَ الْشفاعَةَ أو غيرها ممّا لا يَقدر عليه إلاّ اللّه، فاذا طلبتَ ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك»
(1).

و هكذا ترى الوهّابيّين يرمون المسلمين بالشرك، لأنّهم يسألون الشفاعة من النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأولياء اللّه الصالحين في الدنيا و الآخرة.

نحن قبل أن نتطرَّق إلى مناقشة أدلّة الوهّابيّين نبدأ أوّلا بدارسة المسألة على ضوء القرآن الكريم و السُّنَّة الشريفة و سيرة المسلمين، ثم نتناول أدلّة الوهّابيّين بالبحث و المناقشة.
الأدلَّة على جواز طلب الشفاعة في الدنيا

إنّ دليلنا على جواز طلب الشفاعة في الدنيا يتركَّب من أمرين، و مع ثبوتهما يتَّضح الموضوع بالكامل، أمّا الأمران فهما:

1ـ إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط.

2ـ إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمرٌ مستحبٌّ في الاسلام.

و إليك البحث عن هذين الأمرين:
ــــــــــــــــــــــ
1. الهديّة السنيّة ـ الرسالة الثانية ـ : 42.
( 256 )
1ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط

إنّ شفاعة النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الشفعاء الصالحين ليست سوى الدعاء إلى اللّه تعالى، إذ أنّهم ـ لمنزلتهم الوجيهة عند اللّه و كرامتهم عليه ـ يبتهلون إليه سبحانه بالدعاء و طلب المغفرة للمذنبين، و اللّه تعالى يستجيب دعاءهم فيشمل عباده العاصين برحمته و مغفرته و يغسل ذنوبهم و يكفّر سيّئاتهم.

إنّ طلب الدعاء من الأخ المؤمن هو أمرٌ مُسْتَحسن و لم يتردَّد في حُسنه أحدٌ من علماء الإسلام و المذاهب المتعدّدة ـ حتّى الوهّابيّة ـ فكيف بدعاء النبىّ و الأولياء الصالحين؟!

طبعاً...لا يمكن القول بأن حقيقة الشفاعة لاتتجاوز الدعاء في مواقف يوم القيامة، و لكن يمكن القول بأنّ من المعاني الواضحة للشفاعة هو الدعاء، و أنّ مَن يُخاطب أحد أولياء اللّه و يقول: «يا وَجيهَاً عِنْدَ اللّه إشْفَع لَنا عِنْدَ اللّه» لا يقصُد إلاّ هذا المعنى.

يروي نظام الدين النيشابوري في تفسير قوله تعالى:
(...مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)(1).

يروي عن مقاتل أنّه قال: «الشَّفاعَةُ إلَى اللّهِ إنَّما هىَ الدَّعْوَةُ لِمُسْلِم».

و قد روي عن النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به آمين ولك بمثل.(2)

إنّ ابن تيميّة هومن الذين يعتبرون طلب الدعاء من الإنسان الحىّ صحيحاً، و على هذا الأساس فانّ طلب الشفاعة لا يختصّ بالنبىّ و أولياء اللّه، بل يجوز ذلك من كلّ مؤمن يحظى بالوجاهة و المنزلة عنده سبحانه.

و الفخر الرازي هو أحد الذين يُفسّرون «الشفاعة» بالدعاء و التوسُّل إلى اللّه تعالى، فقد قال ـ في تفسير قوله سبحانه:
ــــــــــــــــــــــ
1. النساء: 85.
2. صحيح مسلم : 8 / 86 دار الفكر بيروت ؛ سنن ابن ماجه 2 / 967 .
( 257 )
(وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً...)(1).

قال: هذه الآية تدلّ على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين
(2)...

و إذا ثبتت هذه في حقّ الملائكة فكذلك في حقّ الأنبياء، لانعقاد الإجماع على أنّه لا فرقَ.

و قال أيضاً:

و أيضاً قال تعالى لمحمّد
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ)فأمَر محمّداً أن يذكر ـ أوّلا ـ الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح ـ عليه السلام ـ أنّه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَ لِوالِدَىَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤمِناً وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤمِناتِ)(3).

إنّ هذا التوضيح من الفخر الرازي شاهدٌ على أنّه يرى معنى الشفاعة هو دعاء الشفيع للمذنب، و طلب الشفاعة هو طلب الدعاء منه.

و قد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم هو شفاعة له، فعن ابن عبّاس عن رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:
ــــــــــــــــــــــ
1. غافر: 7.
2. لأنّ في نهاية الآية قوله تعالى: (وَقِهِمْ عَذابَ الجَحيم).
3. تفسير الفخر الرازي: 7/33 ـ 34. أقول: لقد ثبت بالأدلَّة القطعية أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غيره من الأنبياء معصومون عن كلّ خطأ و ذنب، مُطهَّرون من كلّ معصية، و لهذا فالمقصود من قوله تعالى: (لذنبك)ليس هو المعصية و المصطلحة، والتفصيل يطلب من مَحلِّه.
( 258 )

«ما مِنْ رَجُل مُسْلِم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلى جَنازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ»
(1).

لقد جاء في هذا الحديث ـ تعبير «شفَّعهم اللّه فيه» للذين يدعون لأخيهم المسلم.

و انطلاقاً من هذا الحديث فلو أنّ رجلا أوصى في حياته ـ إلى أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء بأن يقوموا على جنازته بعد وفاته و يدعوا له، فهو بذلك قد طلب الشفاعة منهم، و هيّأ أسباب شفاعة عباد اللّه لنفسه.

و قد أفرد البخاري ـ في صحيحه ـ باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم، لم يردَّهم» و أفرد أيضاً باباً آخر بعنوان «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»
(2).

و تدلّ الأحاديث الّتي ذكرها في هذين البابين أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بذاته، و لا يجوز تفسير ذلك بمعنى آخر.

إلى هنا ننتهي من الاستدلال الأوّل، و قد ثبت أنّ طلب الشفاعة ليس إلاّ طلب الدعاء لا غير.
ــــــــــــــــــــــ
1. صحيح مسلم: 3 / 54.
2. صحيح البخاري: 2 / 37 ، باب الاستسقاء.
( 259 )

و الآن نبدأ البحث عن الموضوع الثاني و هو أنّ طلب الدعاء من المؤمن مستحب، فكيف من الأنبياء و أولياء اللّه تعالى؟!
2ـ القرآن و طلب الدعاء من الصالحين

إنّ الآيات القرآنية تشهد بأنّ طلب النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المغفرة من اللّه لبعض عباده مُفيدٌ و نافعٌ جدّاً... يقول تعالى:

1ـ
(...وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ...)(1).

2ـ
(...وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).(2)

فما دام دعاء النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يترك هذا الأثر الكبير و النتيجة الحسَنة لمن دعا له، فما المانع من أنّ يطلب الإنسان من أن يدعو له، مع العلم أنّ طلب الدعاء ليس إلاّ طلب الشفاعة منه، قال تعالى:

3ـ
(... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(3).

إنّ معنى قوله تعالى: «جاءُوكَ» أي: جاءُوا إلى النبي و طلبوا منه الدعاء و الاستغفار لهم، ولولا هذا لكان مجيئهم لغواً و باطلا.

إنّ تشرُّفهم بالحضور عند النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلبهم الدعاء و الاستغفار منه دليلٌ على حدوث ردِّ فعل في نفوسهم، و حصول تغيير يُمهِّدْ الأرضية المناسبة لاستجابة الدعاء.
ــــــــــــــــــــــ
1. محمّد: 19.
2. التوبة: 103.
3. النساء: 64.
( 260 )

4ـ يروي القرآن الكريم عن أولاد يعقوب
ـ عليه السلام ـ أنّهم طلبوا من أبيهم أن يستغفر اللّه لهم، فلبّى النبىّ يعقوب طلبهم، و وفى بوعده، قال تعالى:
(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ * قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي...)(1).

إنّ كلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ طلب الدعاء من الأنبياء و الصالحين ـ الّذي هو طلب الشفاعة أيضاً ـ لا يتنافى مع الأحكام الشرعية و القواعد و الموازين الإسلامية.

أيّها القارئ الكريم: هناك أحاديث كثيرة بشأن طلب الدعاء من الأولياء الصالحين، و قد صَرفنا النظر عن ذكرها مراعاةً للاختصار.
3ـ الأحاديث النبوية و سيرة الصحابة

روى الترمذي ـ في صحيحه ـ عن أَنس أنه قال:

«سَأَلْتُ النَّبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يَوْمَ الْقيامَةَ فَقالَ: أَنا فاعِلٌ، قُلْتُ: فَأَينَ أطْلُبُكَ؟ قالَ: عَلى الصِّراط»
(2).

و يأتي سواد بن قارب إلى رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يطلب منه الشفاعة في أبيات أنشَدَهن... و منها:

فكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعة بمُغن فتيلا عن سواد بن قارِبِ
(3)
ــــــــــــــــــــــ
1. يوسف: 97 ـ 98.
2. سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
3. الدرر السَّنيّة لزيني دحلان: 29.
( 261 )

و جاء في التاريخ: أنّ رجلا اسمه «تُبَّع» كان قبل النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأكثر من ألف سنة، و كان قد بلغه أنّ نبىّ آخر الزمان سوف يظهر من مكّة، فكَتب كتاباً و دفعه إلى بعض أقربائه، كي يُسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذكر فيه إسلامه و إيمانه و أنّه من أُمّة رسول اللّه، و جاء فيه:

«فَاِنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فَاشْفَعْ لي يَوْمَ القِيامَة وَ لا تَنْسني».

و مات الرجل و كان الكتاب ينتقل من واحد لآخر حتى بُعث النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما وصَل الكتاب بيده قال ـ ثلاث مرّات ـ :

«مَرْحَباً بِالأَخِ الصّالِحِ»
(1).

فإذا كان طلب الشفاعة شركاً باللّه، لما عبَّر النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تُبَّع بــ «الأخ الصالح» و لما قال ثلاثاً: «مرحباً».

هذه بعض الأحاديث الّتي تثبت جواز طلب الدعاء و الشفاعة من رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته الكريمة.
4ـ طلب الشفاعة بعد الموت

و يُستفاد من مجموعة من الروايات أنّ الصحابة كانوا يطلبون الشفاعة من رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، و إليك بعض النماذج:

1ـ قال ابن عبّاس: لمّا فرغ أميرالمؤمنين
ـ عليه السلام ـ من تغسيل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:
ــــــــــــــــــــــ
1. المناقب لابن شهرآشوب: 1 / 16; بحارالأنوار: 15 / 224.
( 262 )

«بأبي أنْتَ وَ أُمّي... طِبْتَ حَيّاً وَ طِبْتَ مَيّتاً... وَ اذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّك»
(1).

2ـ و يُروى أنّه لمّا توفّي رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كشَفَ أبوبكر عن وجهه ثم أقبل عليه فقبَّلَه ثم قال:

«بِأبي أنْتَ وَ أُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد دُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً»
(2).

إنّ هاتين الروايتين ـ و أمثالهما ـ تدلّ على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته و بعد وفاته، و قد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته فأنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صحيحاً أيضاً.(3)

و الخلاصة: بالاستناد إلى ما سبق من الآيات و الروايات و سيرة المسلمين ـ على مرِّ العصور و القرون ـ يُعتبر جواز طلب الشفاعة أمراً بديهيّاً لا يترك أىَّ مجال للشكّ فيه أبداً.
ــــــــــــــــــــــ
1. نهج البلاغة: رقم الخطبة 230.
2. السيرة النبوية: 2/655 ـ 656 .
3. لقد أفردنا كتاباً حول الشفاعة و ذكرنا فيه مائة حديث، أربعة و أربعين منها مِن كُتب أهل السنّة و الباقي منها مِن كُتب الشيعة، فراجِع لمزيد الاطّلاع.