http://www.imamsadeq.orgكتاب الوهابية في الميزان للأستاذ جعفر السبحاني من 233 ـ 262 ص

( 233 )

 

الفصل الثالث عشر

الاستعانة باولياء اللّه بعد رحيلهم

إنّ مسألة الاستعانة بأولياء اللّه ـ بعد وفاتهم و غيابهم عن هذه الحياة المادّية ـ هي أهمّ مسألة في بحث الاستعانة بأولياء اللّه، و لا فرق بين أن تكون الاستعانة بصورة الدعاء أو طلب المعجزة.

أمّا السبب في أهميّة هذه المسألة ـ عن الّتي سبقَتها ـ فهو لأنّ المسلمين اليوم ليسوا في مَحضر نبىّ أو إمام كي يستعينوا به بصورة مباشرة(1) و لهذا فهم يستعينون بأرواحهم المقدَّسة.

من هنا كان هذا البحث أكثر أهميَّة من الّذي سَبَقه.

أيّها القارئ الكريم: إنّ البحث في هذا الموضوع يتوقَّف على التحدّث عن

ــــــــــــــــــــــ
1. إنّما عبَّرنا بــ «مَحضر» و لم نعبّر بــ «عصر» نظراً لأنّ الزمان لا يخلو من حجّة للّه تعالى، و نحن الآن في عصر الامام الثاني عشر المهدي المنتظر ـ عليه السّلام ـ و لكنه غائب عن الأبصار، و لهذا فلسنا في محضره الشريف، نسأل اللّه تعالى أن يعجّل في ظهوره ليملأ الأرض قسطاً و عدلا.

( 234 )
أربعة أُمور، ومن خلال التحدّث عنها و الاطّلاع عليها تعرف جيّداً صحة الاستعانة و الاستغاثة بالأرواح المقدّسة، والأُمور الأربعة هي :

1ـ بقاء الروح بعد الموت.

2ـ حقيقة الإنسان هي روحه.

3ـ الاتّصال بعالَم الأرواح ممكن.

4ـ الأحاديث الصحيحة الّتي رواها المحدِّثُون، و هي تنادي بصحة الاستعانة بأولياء اللّه، بعد رحيلهم وأنّ سيرة المسلمين كانت جارية على ذلك.

و إليك الآن تفصيل هذه الأُمور الأربعة:

1ـ موت الإنسان لا يعني فناءه

إنّ الآيات القرآنية تدلّ ـ بوضوح ـ على أنّ الموت ليس هو النهاية للحياة، بل هو محطَّة انتقال إلى حياة جديدة، و بالموت يدخل الإنسان في عالَم جديد أسمى من عالَم المادّة و الطبيعة.

إنّ كلّ من يعتقد بأنّ الموت فناءٌ و عَدَم، و أنّ الإنسان يفقد كلّ شيء بالموت و لا يبقى منه أثر، سوى جسد لا روح فيه، ثم يتحوّل ذلك الجسد ـ بعد فترة من الزمن ـ إلى التراب و العناصر الأُخرى: إنّ كلّ من يعتقد هذا الاعتقاد فهو ـ في الحقيقة ـ يُقلّد الفلسفة المادّية ـ القائمة على إنكار ما وراء المادّة ـ تقليداً لا شعوريّاً.

إنّ أصحاب هذه النظرية لا يعتبرون الحياة إلاّ نتيجة مادّية لسلسلة تفاعلات كيميائية و عمليات فيزيائية تحصل في المخّ و الأعصاب، وعندما يفقد الجسم


( 235 )
حرارته و تتوقّف الخلايا عن الحركة و الإنتاج، تتوقّف حياة الإنسان أيضاً و يتحوَّل إلى جسد جامد هامد.

و تذهب هذه النظرية إلى أنّ الروح ليس إلاّ انعكاساً للمادّة و آثارها و خواصّها، و مع فقدان هذه الآثار و الخواص تبطل الروح و تفنى تَبعاً للمادّة.

و لهذا فهؤلاء لا يعتقدون بوجود عالَم آخر باسم عالَم الأرواح.

إنّ نظرية كهذه تستلهم أفكارها من «الفلسفة المادّية» الّتي تعتبر الإنسان كماكنة مركَّبة من قِطَع و أجزاء مختلفة، وأنّ تأثير هذهِ الأجزاء على بعضها يولّد قدرة التفكير و الإدراك في المخ، فإذا تعطلت هذه الأجزاء عن الحركة انعدمت آثار التفكير و تفنى الحياة فناءً كاملا.

إنّ كبار الفلاسفة و العلماء الإلهيّين يُفنّدون تماماً نظريات المادّيين حول الروح و يقولون بأنّ للإنسان ـ بالإضافة إلى النظام المادّي الحاكم في جسمه، و التفاعلات المتبادلة و سلسلة الأعصاب ـ جوهراً أصيلا اسمه «الروح»، و هذا الجوهر يُلازم البَدن فترة من الزمان ثم ينفصل عنه و يُحلّق في عالَم آخر اسمه «البَرزخ» ليلتحق بجسم لطيف هناك.

إنّ التحدّث عن بقاء الروح بعد الموت يستدعي كتاباً مستقلاّ حولَه، و لا يمكن البحث عنه ـ بالتفصيل ـ في هذه الصفحات المحدودة، و ذلك لأنّ الآيات القرآنية و الأدلّة الفلسفية و تجارب الروحيّين الثابتة قد برهنت اليوم على بقاء الروح الإنسانية بعد الموت.

و هنا نكتفي فقط بذكر بعض الآيات الّتي تثبت بقاء الروح بعد الموت.


( 236 )

القرآن و بقاء الأرواح

إنّ الآيات القرآنية تدلّ ـ بوضوح كامل ـ على بقاء الروح بعد الجسد، و لمراعاة الاختصار نذكرها ذكراً عابراً، على أَمل أن نُقدّم تحليلا لها في فرصة أُخرى:

أ ـ (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌوَلِكنْ لا تَشْعُرُونَ)(1).

ب ـ (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللّهِ أمْواتاً بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ...* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللّهِ وَ فَضْل...)(2).

ودلالة الآيتين على المقصود واضحة .

ج ـ (إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسمَعُونِ * قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قال يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ)(3)

إنّ المقصود من الجنّة الّتي أُمر أن يدخل فيها هي الجنة البرزخيَّة لا الجنة الأُخروية بدليل قوله تعالى : (يا لَيْتَ قَومي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لي رَبّي وَ جَعَلَني مِنَ المُكْرَمينَ). إنّ تمنّي معرفة قومه على مكانه لا يتّفق مع عالَم الآخرة الّتي «تُبلى السرائر» فيها و تُرفعُ فيها الأستار أمام الأنظار، و لا تخفى ـ يومئذ ـ أحوال بعض الناس عن بعضهم، بل إنّه ينسجم مع الحياة الدنيا الّتي يعيش الناس فيها منقطعين عن البرزخ و قضاياها و ما يجري على الناس فيها، و هذا ما يشهد به القرآن الكريم.

بالإضافة إلى ذلك... إنّ الآية الأُخرى التالية ـ بعد الآية المذكورة ـ تدلّ بأنّ

ــــــــــــــــــــــ
1. البقرة: 154.
2. آل عمران: 169 ـ171.
3. يس: 25 ـ 27.


( 237 )
قوم ذلك الرجل فارقوا الحياة ـ بعد ذلك ـ إثر صيحة سماوية عنيفة، يقول تعالى:

د ـ (وَ ما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْد مَنَ السَّماءِ وَ ما كُنّا مُنْزِلينَ * إنْ كانَتْ إلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هُمْ خامِدُونَ)(1).

يُستفاد من هاتين الآيتين بأنّ قوم الرجل ـ الّذي دخل الجنّة ـ كانوا يعيشيون في هذه الحياة، ثم فاجأهم الموت بغتة، فهذه الجنّة ليست إلاّ جنّة البرزخ.

هـ (النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوَّاً وَ عَشِيّاً وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذابِ)(2).

إن هذه الآية تظهر لنا حياة آل فرعون في عالَم البرزخ، حيث إنّهم يُعرضون على النار غدّوا وعشيّا، إلى قيام الساعة، فإذا قامت القيامة أدخَلوهم في أشدّ العذاب الّذي هو عذاب جهنم.

ولولا قوله تعالى: (وَ يَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ) لما ظهر المقصود من الآية، و هو دليل على أنّ ما قبلها يعود إلى عالَم البرزخ.

أضف إلى ذلك: أنّ موضوع الصباح و المساء يدلّ على أنّ المقصود ليس يوم القيامة، و ذلك لأنّه لا صباح و لا مساء في ذلك اليوم.

أيّها القارئ الكريم: كان هذا بحثاً موجزاً عن حياة الإنسان بعد الموت، و الآن جاء دور التحدُّث عن الأمر الثاني و هو:

ــــــــــــــــــــــ
1. يس: 28 ـ 29.
2. المؤمن: 46.


( 238 )
2ـ حقيقة الإنسان هي روحه

يبدو للإنسان ـ في الوهلة الأُولى ـ أنّه مركَّب من الروح و الجَسد معاً، ولكن حقيقة الإنسان هي روحه الّتي تلازم جسده.

نحن الآن لسنا في مقام التحدُّث عن هذا الموضوع من الوجهة الفلسفية، بل إنّ هدفنا هو دراسة الموضوع على ضوء كتاب اللّه الّذي لا ريب فيه.

إنّ التأمّل في الآيات الّتي تتحدّث عن الإنسان، يكشف لنا ـ بكلّ وضوح ـ أنّ حقيقة الإنسان هي روحه، إقرأ هذه الآية:

(قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(1).

إنّ كلمة «توفّى» لا تعني الإماتة ـ كما هو معروف ـ بل تعني الأخذ و القبض، و لهذا فإنّ قوله تعالى: «يَتَوَفّاكُمْ» معناه: يأخذكم و يقبضكم، و إنّما يكون هذا التعبير صحيحاً إذا كانت الروح هي الوجود الحقيقي للإنسان، فهي الّتي «تُقبَض» و «تُؤخَذ»(2).

أمّا لو كانت الروح تُشكّل جزءاً من شخصية الإنسان و الجزء الثاني هو جسمه، فإنّ هذه العبارة تكون مَجازاً، لأنّ المفروض أنَّ مَلَك الموت يقبض أحد الجزءين ـ و هو الروح ـ و أمّا الجزء الثاني ـ و هو الجسد المادّي ـ فهو يتركه باقياً في الدنيا، ثم يودَع في القبر و لا علاقة لَمَلكِ الموت به.

ــــــــــــــــــــــ
1. السجدة: 11.
2. لقد أجرى المرحوم العلاّمة البلاغي بحثاً قيّماً حول كلمة «توفّى» في مقدمّة تفسير آلاء الرحمن: 34.


( 239 )
ان هذه الآية الّتي تدل على ان ملك الموت يأخذ الإنسان كله وهو محفوظ عند الله إلى يوم القيامة تكشف من ان الروح هي واقع الإنسان و مصدر تكامله النفسي و المعنوي، كما أنّ الجسد بمثابة الرداء الّذي يغطّي الروح و يكسوها.

و القرآن الكريم لا يعتبر الموت فناءً للإنسان و خاتمةً لحياته، بل إنّه يؤكّد ـ و خاصّة للشهداء و الصالحين، و المجرمين أيضاً ـ أنّ لهم حياة أُخرى تسبق يوم القيامة، و أنّ تلك الحياة مصحوبة بالفرح و البشرى أو بالعذاب الأليم.

فإذا كانت حقيقة الإنسان كامنة في جسده، فلا شكّ أنّ جسده سوف يتلاشى بعد أيام من موته و دفنه، و يتحوَّل إلى عناصر أُخرى، فأين الانسان الباقي بعد موته و تلاشي جسده الذي أخبر عنه الذكر الحكيم في الآيات السابقة .

3ـ الاتصال بعالَم الأرواح

هل يمكن الاتصال بعالَم الأرواح؟

إنّ إثبات بقاء الروح مجرَّداً عن المادّة، لا يكون كافياً في صحة الاستعانة و الاستغاثة بها إلاّ إذا ثبت إمكان الاتصال بذلك الروح من عالَم الدنيا.

إنّ في القرآن الكريم آيات متعدّدة تُثبت أنّ اتصال الإنسان بعالَم الأرواح أمرٌ ممكن، بل تحقّق ذلك فعلا، فمثلا:


( 240 )
أ ـ النبىّ صالح ـ عليه السلام ـ تحدَّث إلى أرواح قومه

يقول تعالى:

(فعَقَرُوا النّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِم وَ قالُوا يا صالِحُ ائتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ)(1).

تأمَّل هذه الآيات:

الآية الأُولى: تشير إلى أنّهم ـ يوم كانوا على قيد الحياة ـ طلبوا منه العذاب الإلهي الموعود.

الآية الثانية: تُشير إلى نزول العذاب عليهم و موتهم جميعاً.

الآية الثالثة: تُشير إلى مقالة النبىّ صالح ـ عليه السلام ـ بعد موتهم و فنائهم، حيث تأسَّف على المصير الأسود الّذي اختاروه لأنفسهم و قال ـ مخاطباً لهم ـ : (يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحينَ). و الدليل على أنّ هذا الخطاب من النبىّ صالح كان بعد موتهم هو كالتالي:

1ـ تنظيم و تنسيق الآيات بالشكل الّذي سبقت الإشارة إليه.

2ـ حرف «الفاء» في كلمة «فَتَوَلّى» الّذي يدلّ على الترتيب، و قد جاءت بعد

ــــــــــــــــــــــ

1. الأعراف: 77 ـ 79. لقد ذُكر في بعض الآيات أن العذاب الّذي نزل عليهم كان صيحة سماوية ـ كما في سورة هود: آية 6، و في بعضها أنّ العذاب كان صاعقة ناريَّة ـ كما في سورة فُصّلتْ: آية 17 ـ و في بعضها أنه كان زلزلة و رجفة، و وجه الجمع بين هذه الآيات هو أنّ الصيحة السماوية و الصاعقة كانت مصحوبة بالزلزلة.


( 241 )
قوله تعالى: (فَأَصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثمين) ممّا يدلّ على أنّ خطاب النبىّ صالح لقومه كان بعد نزول العذاب عليهم.

و يُفهم من قوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ الناصِحين) أنّ أُولئك كانوا على حدٍّ من العناد و الشقاء بحيث إنّ أرواحهم ـ حتى بعد مماتهم ـ كانت رافضة للموعظة والنصيحة.

ب ـ النبىّ شعيب ـ عليه السلام ـ تحدَّث إلى أرواح قومه أيضاً

إقرأ هذه الآيات:

(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبِحُوا في دارِهِمْ جاثمينَ * الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فيها الَّذينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الخاسِرينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْم كافِرينَ)(1).

إنّ الاستدلال بهذه الآيات هو كالاستدلال السابق بالآيات المرتبطة بالنبىّ صالح و قومه.

ج ـ النبيّ محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتّصل بالأنبياء

يقول تعالى:

(وَسْئَلْ مَنْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)(2).

ــــــــــــــــــــــ
1. الأعراف: 91 ـ 93.
2. الزخرف: 45.


( 242 )
إنّ ظاهر هذه الآية يدلّ على أنّ بإمكان النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الّذي يعيش في هذه النشأة الطبيعية أن يتّصل بالأنبياء الذين يعيشون في النشأة الأُخرى، كي يثبت للمشركين أنّ جميع الأنبياء ـ و في كلّ العصور ـ كانوا يدعون إلى توحيد اللّه و عبادته.

د ـ سلام القرآن على الأنبياء

إنّ القرآن الكريم يُسلّم على الأنبياء، في مواضع متعدّدة، و لا شكّ أنّ هذا السلام ليس سلاماً سطحياً أجوف، بل هو سلام حقيقىّ و تحية جِدّية يوجّهها القرآن إلى أنبياء اللّه و رسُله.

و من غير الإنصاف أن يحاول أحدٌ تفسير آيات القرآن الكريم تفسيراً سطحياً سَخيفاً، يتحوَّل إلى مجموعة ألفاظ فارغة جوفاء.

نعم إنّ المادّيين ـ الذين لا يعتقدون بالروح و المعنويّات ـ يبعثون السلام و التحية إلى قادتهم وشخصيّاتهم، في عبارات جوفاء.

لكن لا يصحّ لنا أن نفسِّر المفاهيم القرآنية ـ النابعة من الحقيقة و الواقع ـ تفسيراً مادّياً، بأن نقول: إنّ كافّة التحيّات في القرآن ـ والتي نتلوها في آناء الليل و أطراف النهار ـ ليست إلاّ مُجاملات جوفاء و في مستوى تحيّات المادّيين.

انظر إلى القرآن كيف يُسلّم على الأنبياء:

(سَلامٌ عَلى نُوح في العالَمينَ).

(سَلامٌ عَلى إِبْراهيمَ).


( 243 )
(سَلامٌ عَلى مُوسى وَ هارُونَ).

(سَلامٌ عَلى آلِ ياسينَ).

(سَلامٌ عَلىَ الْمرْسَلينَ)(1).

إنها تحيات واقعية تصل إلى اصحابها باذن من الله سبحانه.

هـ ـ السلام على النبىّ عند ختام الصلاة

إنّ جميع المسلمين في العالم ـ بالرغم من الخلافات المذهبية بينهم في فروع الدين ـ يُسلِّمون على رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الصلاة عند ختامها فيقولون:

(السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها النَّبىُّ وَ رَحْمَةُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ).

و قد أفتى الشافعي و آخرون ـ بوجوب هذا السلام بعد التشهّد في التشهد الأخير خاصة و به قال أحمد في إحدى و الروايتين و إسحاق وأبومسعود الأنصاري وأفتى الآخرون باستحبابه، لكن الجميع متّفقون على أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّمهم السّلام(2) و أنّ سُنَّة النبي ثابتة في حياته و بعد وفاته.

و السؤال الآن: إذا كانت صِلَتُنا و علاقتُنا بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد انقطعت بوفاته، فما معنى مخاطبته و السّلام عليه يوميّاً؟!

و قد روي عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«مَنْ صَلّى عَلَىَّ عِنْدَ قَبْري سَمِعْتُهُ، وَ مَنْ صَلّى عَلَىَّ مِنْ بُعْد أُبْلِغتُهُ»(3).

ــــــــــــــــــــــ
1. الصافات: آية 79، 109، 120، 130، 181.
2. راجع كتاب تذكرة الفقهاء: 3 / 232 وكتاب الخلاف للشيخ الطوسي: 1 / 47 لمعرفة أقوال المذاهب و الفقهاء في هذا المجال.
3. كتاب حقّ اليقين للسيد عبدالله شُبَّر: 2 / 73.


( 244 )
هذا و قد تحدَّثنا بالتفصيل عن موضوع الاتصال بالأرواح في العالم الآخر في كتاب مستقل، و ذكرنا هناك آيات متعدّدة حوله، و نكتفي هنا بهذه الآيات مراعاة للاختصار.

و ختاماً تجدر الإشارة إلى أنّنا أوردنا الاستدلال بالسلام عند التشهد في خلال البحث عن الآيات المذكورة، بسبب قطعيَّته و ثبوته الأكيد.

و إليك الآن نموذجين ـ من التاريخ ـ حول التحدّث مع الأرواح.

1ـ روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه وقف على قليب(1) «بَدْر» و خاطب المشركين ـ الذين قُتلوا و أُلقيت أجسادهم في القليب ـ :

«لَقَدْ كُنْتُم جيرانَ سُوء لِرَسُولِ اللّهِ، أخْرَجْتُمُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ طَرَدْتُمُوه، ثُمَّ اجْتَمَعْتُمْ عَليهِ فَحارَبْتُمُوهُ، فَقَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً».

فقال له رجُل: يا رَسُولَ اللّه ما خِطابُكَ لِهام قَدْ صُدِيَتْ؟(2)

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«وَ اللّهِ ما أنْتَ بِأَسْمعَ مِنْهُمْ، وَ ما بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَنْ تَأَخُذَهُم الْمَلائِكَةُ بِمَقامِعَ مِنْ حَديد إلاّ أنْ أُعْرِضَ بِوَجهي ـ هكذا ـ عَنْهُمْ»(3).

2ـ و روي أنّ الإمام أميرالمؤمنين علىّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ركب دابَّته ـ بعد

ــــــــــــــــــــــ
1. القليب: البئر.
2. الهام ـ جمع هامة ـ : الرأس. صُديت: تفسَّخت، و المعنى: كيف تخاطب رؤوساً قد تفسَّخت.
3. صحيح البخاري: 5/ 76 ـ 77 باب قتل أبي جهل ; سيرة ابن هشام: 2 / 292; حقّ اليقين للسيّد عبداللّه شُبَّر: 2/73 .


( 245 )
انتهاء حرب الجَمل في البصرة ـ و صار يتخلّل القتلى، حتى مرَّ على كعب بن سور ـ و كان قاضي البصرة منذ أيام عمر و في أيام عثمان، و لمّا وقعت الفتنة بالبصرة خرج لحرب خليفة رسول اللّه و إمام زمانه، مع أهله و ولده فقُتلوا جميعاً ـ فوقف عليه أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ و هو صريع بين القتلى:

فقال ـ لمن حوله ـ :

«أَجْلِسُوا كَعْبَ بن سُور».

فأجلسوه بين شخصين يمسكانه، فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا كَعْبَ بن سُور! قَدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتَ ما وَعَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً»؟!

ثم قال: «أَضْجِعُوهُ».

و سار قليلا حتى مرَّ بطلحة بن عبداللّه صريعاً فقال:

«أَجلِسُوا طلحة».

فأَجلسوه، فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا طَلْحَةَ! قَدْ وَ جَدْتُ ما وَعَدَني رَبّي حَقّاً، فَهَلْ وَجَدْتَ ما وَ عَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً»؟!

ثم قال:

«أَضْجِعُوا طَلْحَةَ».

فقال له رجل:

يا أميرالمؤمنين ما كلامُك لقتيلين لا يسمعان منك؟!

فقال ـ عليه السلام ـ :

«يا رَجُل وَ اللّه لَقَدْ سَمِعا كَلامي، كَما سَمِعَ أهْلُ الْقَليبِ كَلامَ رَسُول اللّه»(1).

ــــــــــــــــــــــ
1. الشيخ المفيد: حرب الجمل: 195.

( 246 )
نتيجة البحث

بصورة خاطفة نستنتح ممّا سبق من البحث مايلي :

1ـ لقد أثبتنا ـ في الموضوع الأوّل ـ أنّ الموت ليس هو النهاية للحياة، و لا يعني فناء الإنسان، إنما هو معْبَر ينتقل الإنسان به إلى عالم آخر.

2ـ كما أثبتنا ـ في الموضوع الثاني أنّ حقيقة الإنسان هي روحه، و أنّ الجسد ليس إلاّ رداء يُغطّي الروح، و بقاء الروح يعني بقاء المعنويّات و الكمالات و الشخصية الإنسانية ـ باستثناء القدرات المادّية الّتي تزول بزوال الجسد ـ .

و على هذا الأساس... لو كانت لنفس الإنسان و روحه القدرة على الدعاء أو إنجاز أعمال إعجازية ـ عند ما كان على قيد الحياة ـ فلروحه أيضاً القدرة على إنجاز كلّ تلك الأعمال بعد موته بإذن اللّه تعالى.

3ـ و في الموضوع الثالث أثبتنا إمكان الاتّصال بالعالم الآخر، بل وقوعه و حدوثه و أنّ الأرواح قادرة على سماع كلامنا و خطابنا لها، و لا فرق بين أرواح الصالحين أو المجرمين، كما مرعليك ذلك في القصص القرآنية و التاريخية.

بعد الانتباه إلى هذه الأُمور الثلاثة، ثبت أنّ أولياء اللّه تعالى يسمعون كلامنا و خطابنا، و إذا أَذِنَ اللّه لهم فإنّهم يردّون علينا الجواب.

و السؤال الآن: هل يجوز لنا ـ شرعاً ـ مخاطبة أرواح أولياء اللّه و الاستعانة بها؟

الجواب يأتيك في الأمر الرابع إن شاء اللّه تعالى.

4ـ المسلمون و طلب الحاجة من الأرواح المقدّسة

لقد تسرَّع ابن تيميّة ـ و أتباعه ـ في الحكم، فأنكروا أن يكون الصحابة و التابعون قد طلبوا حاجة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهم يقولون:

«و لم يكن أحد من سَلف الأُمّة ـ في عصر الصحابة و لا التابعين و لا تابعي التابعين ـ يتخيَّرون


( 247 )
الصلاة و الدعاء عند قبور الأنبياء و يسألونهم، و لا يستغيثون بهم لا في مغيبهم و لا عند قبورهم»(1).

لعلّ الإنسان الجاهل بتاريخ الصحابة و التابعين ينخدع بهذا الكلام و يتصوَّر صدقَه وصحته، و لكن سرعان ما يَثبت له كذب هذا الادّعاء و بطلانه إذ نظر إلى التاريخ بنظرة خاطفة، و قرأ بعينه توسُّل الصحابة و غيرهم بالنبي، والاستغاثة به ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و إليك بعض النماذج من ذلك:

1ـ أصاب الناس قحطٌ في عهد عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [ و آله ]و سلّم ـ فقال: يا رسول اللّه استسق اللّه لأُمَّتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ في المنام فقال: ائتِ عمر، فاقرأُه السلام و أخبرِه إنهم مُسْقَوْن»(2).

ثم يقول السمهودي ـ بعد ذِكر هذه القضية ـ :

«وَ محلُّ الاستشهاد طلب الاستسقاء منه ـ عليه السلام ـ و هو في البرزخ، و دعاؤه

ــــــــــــــــــــــ
1. رسالة الهدية السَّنيّة: 162 طبعة المنار في مصر.
2 . وفاء الوفا: 4 / 1371.


( 248 )
لربّه في هذه الحالة غير ممتنع، و عِلمه بسؤال مَن يسأله ، فلا مانع من سؤال الاستسقاء و غيره منه، كما كان في الدنيا»(1).

2ـ و يروي السمهودي أيضاً عن الحافظ أبي عبداللّه محمّد بن موسى بن النعمان، بِسَنَد ينتهي إلى الإمام علىّ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ :

«أنّ أعرابياً جاء إلى المدينة بعد ثلاثة أيام من دفن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [و آله ]و سلّم ـ فرمى بنفسه على قبر النبي وحثا من ترابه على رأسه و قال: «يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، ووعيتَ عن اللّه سبحانه ما وَعينا عنك، و كان فيما أُنزل عليك: (...وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكُ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(2) و قد ظلمتُ نفسي وجئتك تستغفرلي»(3).

أيّها القارئ الكريم: إنّ السمهودي يذكر ـ في كتابه وفاء الوفا، الباب الثامن ـ قضايا و وقائع كثيرة و كلّها تدلّ على أنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سيرة مستمرّة للمسلمين، حتى أنه يقول: إنّ الإمام محمّد بن نعمان كتب كتاباً حول هذا الموضوع بعنوان: مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام.

3ـ يقول محمّد بن المنكدر:

«أَودَع رجلٌ أبي ثمانين ديناراً، و خرج للجهاد و قال لأبي: إن احتجتَ أنفِقها إلى أن أعود، وأصاب الناس جُهدٌ من الغلاء، فأنفق أبي الدنانيرَ، فقدِم الرجل و طلب مالَه، فقال له أبي: عُد إلىَّ غداً. و بات في المسجد يلوذ بقبر النبىّ ـ صلّى اللّه عليه

ــــــــــــــــــــــ
1 . وفاء الوفا: 4 / 1371.
2. النساء: 64.
3. وفاء الوفا: 4 / 1361 و قد سَبق ذِكر هذا الحديث في فصل سابق.


( 249 )

[و آله ] و سلّم ـ مرَّة و بمنبره مرَّة، حتى كاد أن يُصبح، يستغيث بقبر النبي، فبينما هو كذلك و إذا بشخص ـ في الظلام ـ يقول: دونكها يا أبا محمّد، فمدَّ أبي يده فإذا هو بصُرَّة فيها ثمانون ديناراً، فلما أصبح جاء الرجل فدفعها إليه»(1).

4ـ يقول أبوبكر المقري:

«كنت أنا و الطبراني و أبو الشيخ في حرم رسول اللّه ـ ص ـ و كنّا على حالة و أثَّر فينا الجوع، و واصلنا ذلك اليوم، فلمّا كان وقت العشاء حضرتُ قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقلت: يا رسول اللّه: الجوع...

فحضَر بالباب عَلويٌّ فدقَّ ففتحنا له، فإذا معه غلامان مع كلّ واحد زنبيل فيه شيء كثير، فجلسنا، و أكلنا، و ظننّا أنّ الباقي يأخذه الغلام، فولّى و ترك عندنا الباقي، فلمّا فرغنا من الطعام قال العَلوي: يا قوم أشكوتم إلى رسول اللّه؟ فإني رأيت رسول اللّه في المنام فأمرني أن أحمل بشيء إليكم»(2).

5ـ يقول ابن الجلاّد:

«دخلتُ مدينة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و بي فاقة، فتقدَّمتُ إلى القبر و قلت: ضيفُك. فغَفَوْتُ فرأيت النبي فأعطاني رغيفاً، فأكلتُ نصفه، فانتبهتُ و بيدي النصف الآخر»(3).

نحن الآن لسنا في مقام مناقشة هذه القضايا المذكورة، و بيان صحيحها من

ــــــــــــــــــــــ
1. و فاء الوفا: 4 / 1380.
2. المصدر السابق.
3. وفاء الوفا: 4 / 1381.


( 250 )
سقيمها، و إنّما الكلام هو أنّ هذه الوقائع ـ بمجموعها ـ تشهد بأنّ الاستغاثة برسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت سُنَّة جارية بين المسلمين، و لو كانت بدعة و محرَّمة، أو شركاً و كفراً، لما ذكرها حتى وُضّاع الحديث، خوفاً من تشويه سمعتهم بين الناس.

و الجدير بالذكر، أنّنا قد أفردنا كتاباً مستقلاّ بعنوان «أصالة الروح» و تحدَّثنا فيه ـ بالتفصيل ـ عن كلّ ما يرتبط بهذا الموضوع، و أوردنا أحاديث و روايات كثيرة فيه، و كلّها تدلّ على صحة طلب الدعاء و الحاجة من الأرواح المقدّسة و صحة طلب إنجاز عمل إعجازي خارق للطبيعة منهم.

و في ختام هذا الفصل نجلب الانتباه إلى الأُمور التالية:

1ـ إنّ طلب الحوائج من أولياء اللّه ليس عبادة لهم أبداً، و خاصّة بعد أن تحدّثنا ـ بالتفصيل ـ عن معنى العبادة و مواردها، و أنّ الاعتقاد بالإلوهيَّة و الربوبيَّة هو الّذي يصبغ العمل بصبغة العبادة، و من الواضح أنّ المتوسّل بأولياء اللّه لا يعتقد بإلوهيَّتهم و لا بربوبيَّتهم، و لا بتدبيرهم لشؤون الكون و لا بقيامهم بأفعال اللّه ـ بالاستقلال و الاختيار ـ بل يعتبرهم عباداً مكرمين، أطهاراً طيّبين، وُجَهاء عند اللّه، مطيعين له، غير مرتكبين لأدنى ذنب و معصية.

2ـ إنّ الأُمور الأربعة المذكورة أثبتت ـ بالدليل و البرهان ـ أنّ أولياء اللّه يملكون القدرة على قضاء حاجة المتوسّل، نظراً لحياتهم عند اللّه، و أنّ كلّ ما يصدر منهم إنّما هو بإذن اللّه تعالى، فهم من مصاديق قوله تعالى:

(و ما تشاءُون إلاّ أن يشاءَ اللّه).

فمثلا: كما أنّ النبىّ عيسى ـ عليه السلام ـ كان في حياته المادّية في الدنيا يسأل اللّه


( 251 )
تعالى الخير لمن يريد، أو يُبرئ الأكمه و الأبرص(1) بإذن اللّه كذلك يملك هذه القدرة بعد الانتقال إلى عالم الأرواح «البرزخ» لأنّ روحه ـ الّتي هي حقيقته ـ باقية.

3ـ إنّ التواضع و الخضوع أمام قبور أولياء اللّه هو ـ في الحقيقة - تواضعٌ للّه و خضوعٌ له، و إن كان في ظاهره تواضعاً لذلك الولىّ الصالح، إلاّ أنّه لو كشفنا الستار عن قلب ذلك المتواضع لرأينا أنّه يتواضع للّه من خلال تواضعه لوليّه الصالح، و أنّه يطلب حاجته من اللّه بواسطة هذا الولىّ الصالح و بسببه، فالتوسُّل بالأسباب هو عين التوسُّل بمسبِّب الأسباب ـ و هو اللّه سبحانه ـ و هذا واضح لأهل البصيرة و المعرفة.

و أنتَ لو سألتَ المتوسِّل بأولياء اللّه عن الّذي دعاه إلى التوسُّل به، لأجابك ـ فوراً ـ بأنّه «وسيلة» إلى اللّه سبحانه، كما قال تعالى:

(يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَ جاهِدُوا في سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(2).

فكما أنّ الإنسان يتوسَّل إلى اللّه بالصلاة و الصوم و العبادات و الطاعات، كذلك يتوسَّل إليه سبحانه بأوليائه الصالحين المكرَّمين لديه.

و الخلاصة: أنّ المؤمن يعتقد ـ في قرارة نفسه ـ بأنّ توسُّله بالنبيّ و غيره من المعصومين والصالحين يدفع المتوسَّل به إلى السؤال من اللّه تعالى لقضاء حاجة من توسَّل به، سواء كانت الحاجة غفران ذنب، أو أداء دَين، أو شفاء مريض، أو رفاهيَّة عيش، أو غير ذلك.

ــــــــــــــــــــــ
1. الأكمه: الّذي وُلد أعمى. البرص ـ : مَرض جلدي يكون بظهور بُقَع بيضاء في الجسم.
2. المائدة: 35.


( 252 )

 


( 253 )

 

الفصل الرابع عشر

طلب الشفاعة من أولياء اللّه تعالى

إنّ «الشفاعة» كلمة معروفة بيننا جميعاً، و هي تتردّد على ألسنتنا في وقتها المناسب، فمثلا: إذا دار الحديث عن انسان ارتكب جريمة و حكمت عليه المحكمة بالاعدام أو السجن أو غيرهما، ثم تدخَّل إنسان آخر و توسَّط له و أنقذه ممّا حُكم عليه عندها نقول: إن فلاناً «تشفَّع» لفلان.

معنى الشفاعة

«الشفاعة» مشتقّة من مادة «الشفْع ـ بمعنى الزوج ـ و يُقابله: الوتر ـ بمعنى الفرد ـ و السبب في إطلاق «الشفاعة» على الوساطة و «الشفيع» على الوسيط هو أنّ جهود الوسيط و مساعيه تَزْدَوِج مع عوامل الإنقاذ و الجهود و المساعي الأُخرى الموجودة في المشفوع له، فتنقذ المذنب أو المتَّهم من ورطته.

إنّ شفاعة أولياء اللّه للمذنبين تأتي بسبب قُرب هؤلاء من اللّه تعالى، و مكانتهم وجاههم عنده سبحانه، فهم يشفعون ـ بإذن اللّه و ضمن شروط خاصّة ـ للمذنبين و المجرمين كي يغفر اللّه لهم أو يقضي حوائجهم.


( 254 )
و بعبارة أُخرى: إنّ الشفاعة إعانةٌ من أولياء اللّه ـ بإذن اللّه ـ لأشخاص لم يقطعوا روابطهم المعنوية مع اللّه و أوليائه، بالرغم من أنّهم مذنبون، هذا تعريف دقيق يجب الانتباه إليه دائماً.

و بتعبير ثالث: إنّ الشفاعة هي إعانة موجود عال لموجود دان، بشرط أن تكون في الداني القابلية و الاستعداد لشمول الشفاعة له، من حيث صلاحيّته للتكامل و الرقي إلى مرتبة عالية ودرجة سامية، و تُحوّله إلى إنسان صالح نزيه.

بعد هذه التعاريف المتعدّدة نقول: إنّ التاريخ الإسلامي يُثبت أنّ المسلمين منذ عهد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ما بعده كانوا يطلبون الشفاعة من أولياء اللّه الصالحين، سواء في حياتهم أو بعد وفاتهم، و لم يَعتبر أحدٌ من علماء الإسلام بأن هذه الشفاعة مُعارضة للمبادئ و الأُصول الاسلامية .

حتّى جاء ابن تيميّة ـ في القرن الثامن الهجري ـ بأفكار شاذّة و آراء سقيمة، فاستنكر كثيراً من سُنن المسلمين.

و بعده بثلاثة قرون جاء محمّد بن عبدالوهّاب النجدي، فرفع راية الخلاف مع المسلمين وأحدث الفتنة و الشقاق بينهم، و أحيا مبتدعات ابن تيميّة بأشدّ ممّا كان عليه.

إنّ الوهّابيّة تعتقد بالشفاعة ـ من حيث المبدأ ـ ولكن نقطة الخلاف بينها و بين المسلمين هي أنّها تُحرِّم الاستشفاع بأولياء اللّه في الدنيا، و قد عبَّر الوهّابيّون عن عقيدتهم هذه بعبارات قاسية متضمِّنة للإهانة و الاستخفاف بالأنبياء و الأولياء، و نحن نتورَّع حتى عن ذِكر تلك العبارات.

و ممّا يقولون في الشفاعة: إنّ نبىّ الاسلام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الأنبياء و الأولياء


( 255 )
و الملائكة، لهم حقّ الشفاعة في الآخرة فقط، لكن طلب الشفاعة يجب أن يكون من اللّه لا منهم، بأن يُقال:

«اللّهُمَّ شَفِّعْ نَبِيِّنا مُحَمَّداً فينا يَوْمَ الْقِيامَة. أو: اللّهُمَّ شَفِّعْ فينا عِبادَكَ الصالِحينَ. أو مَلائِكَتِكَ أو نحو ذلك ممّا يُطْلَبُ مِنَ اللّه لا مِنْهُمْ، فَلا يُقالُ: يا رَسُولَ اللّه ـ أو ـ يا وَلىَّ اللّه أسْأَلُكَ الْشفاعَةَ أو غيرها ممّا لا يَقدر عليه إلاّ اللّه، فاذا طلبتَ ذلك في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك»(1).

و هكذا ترى الوهّابيّين يرمون المسلمين بالشرك، لأنّهم يسألون الشفاعة من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأولياء اللّه الصالحين في الدنيا و الآخرة.

نحن قبل أن نتطرَّق إلى مناقشة أدلّة الوهّابيّين نبدأ أوّلا بدارسة المسألة على ضوء القرآن الكريم و السُّنَّة الشريفة و سيرة المسلمين، ثم نتناول أدلّة الوهّابيّين بالبحث و المناقشة.

الأدلَّة على جواز طلب الشفاعة في الدنيا

إنّ دليلنا على جواز طلب الشفاعة في الدنيا يتركَّب من أمرين، و مع ثبوتهما يتَّضح الموضوع بالكامل، أمّا الأمران فهما:

1ـ إنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط.

2ـ إنّ طلب الدعاء من الصالحين أمرٌ مستحبٌّ في الاسلام.

و إليك البحث عن هذين الأمرين:

ــــــــــــــــــــــ
1. الهديّة السنيّة ـ الرسالة الثانية ـ : 42.

( 256 )
1ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط

إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الشفعاء الصالحين ليست سوى الدعاء إلى اللّه تعالى، إذ أنّهم ـ لمنزلتهم الوجيهة عند اللّه و كرامتهم عليه ـ يبتهلون إليه سبحانه بالدعاء و طلب المغفرة للمذنبين، و اللّه تعالى يستجيب دعاءهم فيشمل عباده العاصين برحمته و مغفرته و يغسل ذنوبهم و يكفّر سيّئاتهم.

إنّ طلب الدعاء من الأخ المؤمن هو أمرٌ مُسْتَحسن و لم يتردَّد في حُسنه أحدٌ من علماء الإسلام و المذاهب المتعدّدة ـ حتّى الوهّابيّة ـ فكيف بدعاء النبىّ و الأولياء الصالحين؟!

طبعاً...لا يمكن القول بأن حقيقة الشفاعة لاتتجاوز الدعاء في مواقف يوم القيامة، و لكن يمكن القول بأنّ من المعاني الواضحة للشفاعة هو الدعاء، و أنّ مَن يُخاطب أحد أولياء اللّه و يقول: «يا وَجيهَاً عِنْدَ اللّه إشْفَع لَنا عِنْدَ اللّه» لا يقصُد إلاّ هذا المعنى.

يروي نظام الدين النيشابوري في تفسير قوله تعالى:

(...مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)(1).

يروي عن مقاتل أنّه قال: «الشَّفاعَةُ إلَى اللّهِ إنَّما هىَ الدَّعْوَةُ لِمُسْلِم».

و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به آمين ولك بمثل.(2)

إنّ ابن تيميّة هومن الذين يعتبرون طلب الدعاء من الإنسان الحىّ صحيحاً، و على هذا الأساس فانّ طلب الشفاعة لا يختصّ بالنبىّ و أولياء اللّه، بل يجوز ذلك من كلّ مؤمن يحظى بالوجاهة و المنزلة عنده سبحانه.

و الفخر الرازي هو أحد الذين يُفسّرون «الشفاعة» بالدعاء و التوسُّل إلى اللّه تعالى، فقد قال ـ في تفسير قوله سبحانه:

ــــــــــــــــــــــ
1. النساء: 85.
2. صحيح مسلم : 8 / 86 دار الفكر بيروت ؛ سنن ابن ماجه 2 / 967 .


( 257 )

(وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً...)(1).

قال: هذه الآية تدلّ على حصول الشفاعة من الملائكة للمذنبين(2)...

و إذا ثبتت هذه في حقّ الملائكة فكذلك في حقّ الأنبياء، لانعقاد الإجماع على أنّه لا فرقَ.

و قال أيضاً:

و أيضاً قال تعالى لمحمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤْمِناتِ)فأمَر محمّداً أن يذكر ـ أوّلا ـ الاستغفار لنفسه، ثم بعده يذكر الاستغفار لغيره، و حكى عن نوح ـ عليه السلام ـ أنّه قال: (رَبِّ اغْفِرْلي وَ لِوالِدَىَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤمِناً وَ لِلْمُؤمِنينَ وَ الْمُؤمِناتِ)(3).

إنّ هذا التوضيح من الفخر الرازي شاهدٌ على أنّه يرى معنى الشفاعة هو دعاء الشفيع للمذنب، و طلب الشفاعة هو طلب الدعاء منه.

و قد ورد في الأحاديث الشريفة أنّ دعاء المسلم لأخيه المسلم هو شفاعة له، فعن ابن عبّاس عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

ــــــــــــــــــــــ
1. غافر: 7.
2. لأنّ في نهاية الآية قوله تعالى: (وَقِهِمْ عَذابَ الجَحيم).
3. تفسير الفخر الرازي: 7/33 ـ 34. أقول: لقد ثبت بالأدلَّة القطعية أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و غيره من الأنبياء معصومون عن كلّ خطأ و ذنب، مُطهَّرون من كلّ معصية، و لهذا فالمقصود من قوله تعالى: (لذنبك)ليس هو المعصية و المصطلحة، والتفصيل يطلب من مَحلِّه.


( 258 )
«ما مِنْ رَجُل مُسْلِم يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلى جَنازَتِهِ أرْبَعُونَ رَجُلا لا يُشْرِكُونَ بِاللّهِ شَيْئاً إلاّ شَفَّعَهُمُ اللّهُ فيهِ»(1).

لقد جاء في هذا الحديث ـ تعبير «شفَّعهم اللّه فيه» للذين يدعون لأخيهم المسلم.

و انطلاقاً من هذا الحديث فلو أنّ رجلا أوصى في حياته ـ إلى أربعين رجلا من أصدقائه الأوفياء بأن يقوموا على جنازته بعد وفاته و يدعوا له، فهو بذلك قد طلب الشفاعة منهم، و هيّأ أسباب شفاعة عباد اللّه لنفسه.

و قد أفرد البخاري ـ في صحيحه ـ باباً بعنوان «إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم، لم يردَّهم» و أفرد أيضاً باباً آخر بعنوان «إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط»(2).

و تدلّ الأحاديث الّتي ذكرها في هذين البابين أنّ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بذاته، و لا يجوز تفسير ذلك بمعنى آخر.

إلى هنا ننتهي من الاستدلال الأوّل، و قد ثبت أنّ طلب الشفاعة ليس إلاّ طلب الدعاء لا غير.

ــــــــــــــــــــــ
1. صحيح مسلم: 3 / 54.
2. صحيح البخاري: 2 / 37 ، باب الاستسقاء.


( 259 )
و الآن نبدأ البحث عن الموضوع الثاني و هو أنّ طلب الدعاء من المؤمن مستحب، فكيف من الأنبياء و أولياء اللّه تعالى؟!

2ـ القرآن و طلب الدعاء من الصالحين

إنّ الآيات القرآنية تشهد بأنّ طلب النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ المغفرة من اللّه لبعض عباده مُفيدٌ و نافعٌ جدّاً... يقول تعالى:

(...وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤمِنينَ...)(1).

(...وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).(2)

فما دام دعاء النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يترك هذا الأثر الكبير و النتيجة الحسَنة لمن دعا له، فما المانع من أنّ يطلب الإنسان من أن يدعو له، مع العلم أنّ طلب الدعاء ليس إلاّ طلب الشفاعة منه، قال تعالى:

(... وَ لَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً)(3).

إنّ معنى قوله تعالى: «جاءُوكَ» أي: جاءُوا إلى النبي و طلبوا منه الدعاء و الاستغفار لهم، ولولا هذا لكان مجيئهم لغواً و باطلا.

إنّ تشرُّفهم بالحضور عند النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و طلبهم الدعاء و الاستغفار منه دليلٌ على حدوث ردِّ فعل في نفوسهم، و حصول تغيير يُمهِّدْ الأرضية المناسبة لاستجابة الدعاء.

ــــــــــــــــــــــ
1. محمّد: 19.
2. التوبة: 103.
3. النساء: 64.


( 260 )
4ـ يروي القرآن الكريم عن أولاد يعقوب ـ عليه السلام ـ أنّهم طلبوا من أبيهم أن يستغفر اللّه لهم، فلبّى النبىّ يعقوب طلبهم، و وفى بوعده، قال تعالى:

(قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْلَنا ذُنوبَنا إنّا كُنّا خاطِئينَ * قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي...)(1).

إنّ كلّ هذه الآيات تدلّ على أنّ طلب الدعاء من الأنبياء و الصالحين ـ الّذي هو طلب الشفاعة أيضاً ـ لا يتنافى مع الأحكام الشرعية و القواعد و الموازين الإسلامية.

أيّها القارئ الكريم: هناك أحاديث كثيرة بشأن طلب الدعاء من الأولياء الصالحين، و قد صَرفنا النظر عن ذكرها مراعاةً للاختصار.

3ـ الأحاديث النبوية و سيرة الصحابة

روى الترمذي ـ في صحيحه ـ عن أَنس أنه قال:

«سَأَلْتُ النَّبيَّ أنْ يَشْفَعَ لي يَوْمَ الْقيامَةَ فَقالَ: أَنا فاعِلٌ، قُلْتُ: فَأَينَ أطْلُبُكَ؟ قالَ: عَلى الصِّراط»(2).

و يأتي سواد بن قارب إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يطلب منه الشفاعة في أبيات أنشَدَهن... و منها:

فكن لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعة بمُغن فتيلا عن سواد بن قارِبِ(3)

ــــــــــــــــــــــ
1. يوسف: 97 ـ 98.
2. سنن الترمذي: 4 / 42، باب ما جاء في شأن الصراط.
3. الدرر السَّنيّة لزيني دحلان: 29.


( 261 )
و جاء في التاريخ: أنّ رجلا اسمه «تُبَّع» كان قبل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأكثر من ألف سنة، و كان قد بلغه أنّ نبىّ آخر الزمان سوف يظهر من مكّة، فكَتب كتاباً و دفعه إلى بعض أقربائه، كي يُسلّموه إلى رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و ذكر فيه إسلامه و إيمانه و أنّه من أُمّة رسول اللّه، و جاء فيه:

«فَاِنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فَاشْفَعْ لي يَوْمَ القِيامَة وَ لا تَنْسني».

و مات الرجل و كان الكتاب ينتقل من واحد لآخر حتى بُعث النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فلما وصَل الكتاب بيده قال ـ ثلاث مرّات ـ :

«مَرْحَباً بِالأَخِ الصّالِحِ»(1).

فإذا كان طلب الشفاعة شركاً باللّه، لما عبَّر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن تُبَّع بــ «الأخ الصالح» و لما قال ثلاثاً: «مرحباً».

هذه بعض الأحاديث الّتي تثبت جواز طلب الدعاء و الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حياته الكريمة.

4ـ طلب الشفاعة بعد الموت

و يُستفاد من مجموعة من الروايات أنّ الصحابة كانوا يطلبون الشفاعة من رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، و إليك بعض النماذج:

1ـ قال ابن عبّاس: لمّا فرغ أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ من تغسيل النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

ــــــــــــــــــــــ
1. المناقب لابن شهرآشوب: 1 / 16; بحارالأنوار: 15 / 224.

( 262 )
«بأبي أنْتَ وَ أُمّي... طِبْتَ حَيّاً وَ طِبْتَ مَيّتاً... وَ اذْكُرْنا عِنْدَ رَبِّك»(1).

2ـ و يُروى أنّه لمّا توفّي رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كشَفَ أبوبكر عن وجهه ثم أقبل عليه فقبَّلَه ثم قال:

«بِأبي أنْتَ وَ أُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد دُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً»(2).

إنّ هاتين الروايتين ـ و أمثالهما ـ تدلّ على أنّه لا فرق بين طلب الشفاعة من الشفيع في حياته و بعد وفاته، و قد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته، فلو كان طلب الدعاء منه صحيحاً بعد وفاته فأنّ طلب الشفاعة ـ الّذي هو نوع من طلب الدعاء ـ سيكون صحيحاً أيضاً.(3)

و الخلاصة: بالاستناد إلى ما سبق من الآيات و الروايات و سيرة المسلمين ـ على مرِّ العصور و القرون ـ يُعتبر جواز طلب الشفاعة أمراً بديهيّاً لا يترك أىَّ مجال للشكّ فيه أبداً.

ــــــــــــــــــــــ
1. نهج البلاغة: رقم الخطبة 230.
2. السيرة النبوية: 2/655 ـ 656 .
3. لقد أفردنا كتاباً حول الشفاعة و ذكرنا فيه مائة حديث، أربعة و أربعين منها مِن كُتب أهل السنّة و الباقي منها مِن كُتب الشيعة، فراجِع لمزيد الاطّلاع.