3. يوسف: 4.
( 194 )

إذن: ليس معنى «العبادة» نهاية الخضوع و التذلُّل، و إن كانت في الحقيقة من أركان العبادة إلاّ أنّها ليست الركن الوحيد لها، فلابدَّ من القول بأنّ «العبادة» معناها الخضوع و التذلّل المقرون بــ «الاعتقاد الخاص» فالعبادة تتكوَّن من عنصرين:

1ـ الخضوع و التذلُّل.

2ـ الاعتقاد الخاص.

و هذا «الاعتقاد الخاص» هو الّذي يحسم الموقف و يفصل القضية... فالخضوع ـ حتى لو لم يكن كثيراً ـ إذا كان مقروناً «بالاعتقاد الخاص» فهو عبادة.

و فى الحقيقة أنّ «الاعتقاد الخاص» هو الّذي يصبغ العمل بصبغة العبادة، و بدون «الاعتقاد الخاص» لا تتحقّق العبادة حتى لو كانت بمظهرها.

و الآن... و بعد أن أثبتنا بطلان التعريفين اللّذين اعتمد عليهما الوهّابيّون، و ظهر ضعفهما ونقصهما، يأتي دور التحدّث عن التعريفات الثلاثة للعبادة.

و السؤال الآن: ماهو «الاعتقاد الخاص» الّذي يُفرز العبادة عن غيرها؟

الجواب: إن هذا ـ بالضبط ـ ما يتناوله البحث و التحقيق الآن، و سوف يظهر من خلال التعاريف الثلاثة الآتية:
التعريف الأول:

«العبادة» خضوع عملي أو لفظي ينبع من عقيدة الإنسان بــ «الوهيَّة المخضوع له».

ما معنى «الإلوهيَّة»؟ هذه نقطة حسّاسة يجب تحديدها.
( 195 )

ان الإلوهيّة مأخوذة من لفظة «إله» والمفهوم منه نفس ما هو المفهوم من لفظ الجلالة (الله)، غير انّ الثاني علم، والأوّل كلي، وقد دلّت الأدلّة على انحصاره في فرد واحد وهو الخالق المدبر الجامع لصفات الجمال والجلال.

وأمّا تفسير «الإله» في بعض التفاسير بالمعبود فإنّما هو تفسير باللازم وليس نفس الموضوع له.

ثمّ إنّ اللإلوهية درجات، ومراتب أعلاها، كونه خالقاً للكون بعامة أجزائه وهو من شؤون الله سبحانه، وأدناها كون الموجود مالكاً مقام الشفاعة والمغفرة، فالأصنام عند المشركين ألهة بالمعنى الثاني، لا بالمعنى الأوّل .

فكلّ خضوع نابع عن الاعتقاد بإلوهية المخضوع له بمراتبها فهو عبادة سواء كان الاعتقاد بالإلوهية حقاً أم باطلاً.

و الدليل الواضح على هذا التعريف، هو الآيات الّتي وردت في هذا المجال، فمن خلال التأمّل في تلك الآيات يظهر لنا أنّ «العبادة» هي الأعمال و الأقوال النابعة من الاعتقاد بالإلوهيَّة ـ بمراتبها المختلفة ـ ومع عدمه لا تتحقّق العبادة، و لهذا ترى القرآن الكريم ـ عند ما يأمر بعبادة اللّه ـ يستدلّ فوراً بأنّه لا إله غيره، فَمثلا يقول:
(... يا قَوُمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إله غَيْرُهُ...)(1).

و قد ورد مضمون هذه الآية في تسعة مواضع من القرآن أو أكثر، و يمكنك ـ أيّها القارئ ـ مراجعة هذه الآيات في سورة الأعراف آية 65 و 73 و 58، و سورة هود آية 5 و 61 و 84، و سورة الأنبياء آية 25، و سورة المؤمنون آية 23 و 32، و سورة طه آية 14.
ــــــــــــــــــــــ
1. الأعراف: 59.
( 196 )

إنّ هذه العبارات تدلّ على أنّ العبادة هي الخضوع و التذلّل النابع من الاعتقاد بالإلوهيّة، مع عدمه لا يُسمّى العمل عبادة.

و إليك المزيد من الآيات الدالَّة على هذا المقصود:

يقول تعالى:
(إنَّهُمْ كانُوا إذا قيلَ لَهُمْ لا إله إلاَّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُونَ)(1).

لماذا يستكبرون؟ ولا يعبدون الله

لأنّهم يعتقدون بإلوهية غير اللّه أيضاً، و يعبدونها فيفرون من التوحيد.

و يقول سبحانه:
(أَمْ لَهُمْ إلهٌ غَيرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ)(2).

إنّ القرآن يعتبر هؤلاء مشركين، لأنّهم يعتقدون بإلوهيَّة غير اللّه سبحانه.

و يقول عزَّوجل:
(الَّذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)(3).
(وَ الَّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ اِلهاً آخَرَ...)(4).

و ممّا يدلّ على أنّ دعوة المشركين كانت مقرونة بالاعتقاد بإلوهيّة أصنامهم هي هذه الآيات:
(...وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً)(5).
ــــــــــــــــــــــ
1. الصافّات: 35.
2. الطور: 43.
3. الحجر: 96.
4. الفرقان: 68.
5. مريم: 81.
( 197 )
(... أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرى...)(1).
(وَ إذْ قالَ إبْراهيمُ لأَبيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أصْناماً آلِهَةً...)(2).

إنّ التأمّل في الآيات الّتي تتحدّث عن شرك عَبدة الأصنام يكشف لنا عن هذه الحقيقة و هي أنّ شِرك هؤلاء إنّما كان بسبب اعتقادهم بإلوهيّة أصنامهم المعبودة، و أنّ تلك الأصنام هي آلهة صغيرة قد خَوَّل الإله الأكبر بعض صلاحياته إليهم، وإن كانت مخلوقة و معبودة في وقت واحد، و لهذا كانوا يرفضون دعوة التوحيد.

يقول القرآن الكريم:
(ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِىَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكمُ لِلّهِ الْعَلىِّ الْكَبيرِ)(3).

هذا و للمفسّر القدير المرحوم آية اللّه الشيخ محمد جواد البلاغي تعريفاً رائعاً للعبادة ـ في تفسيره القيّم «آلاء الرحمن» ـ يقول:
العبادة: ما يرونه مستشعراً بالخضوع لمن يتَّخذه الخاضع إلهاً، ليوفّيه بذلك ما يراه له من حقّ الامتياز بالإلهيّة(4).

إنّ المرحوم البلاغي قد صبَّ نظريته العلميّة ـ بإيحاء من الفطرة ـ لكلمة «العبادة» في قالب اللفظ فجاء هذا التعريف الرائع الّذي ينسجم ـ بالكامل ـ مع الآيات القرآنية.
ــــــــــــــــــــــ
1. الأنعام: 19.
2. الأنعام: 74.
3. المؤمن: 12.
4. تفسير آلاء الرحمن: 1 / 57.
( 198 )
التعريف الثاني للعبادة

إنّ العبادة هي الخضوع بين يَدي مَن يعتبره «رَبّاً».

و يمكننا أنّ نُعرّفها كالتالي: العبادة هي الخضوع العملي أو القولي لمن يُعتقد بربوبيَّته، فالعبوديّة تلازم الربوبيَّة، فإذا اعتبر إنسان نفسه عبداً، لمن يعتقده ربّاً تكوينياً ـ سواء كان ذلك ربّاً واقعاً أو لا ـ و خضَع له مع هذا الاعتقاد فقد عَبَده.

و في القرآن الكريم آيات يُستفاد منها أنّ العبادة هي من شؤون الربوبيّة، و إليك بعضها:
(...وَ قالَ الْمَسيحُ يا بَني إسْرائيلَ اعبُدُوا اللّهَ رَبّي وَ رَبَّكُمْ...)(1).
(إنَّ اللّه رَبّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ)(2).

و غيرها من الآيات.

و هناك آيات تَعتبر العبادة من شؤون الخالق، كما في قوله تعالى:
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إله إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ...)(3).
ما معنى كلمة «الربّ»؟

تُطلق كلمة «ربّ» ـ في اللغة العربية ـ على من أُسند إليه تدبير شيء ما، و ترك مصير ذلك الشيء بيده، فإذا أُطلقت هذه الكلمة على مالك الدار و مالك الإبل و مرضعة الطفل و الفلاّح ـ و غيرهم ـ فإنّما هو بسبب امتلاكهم لإدارة ذلك الشيء و تكفّلهم لمسؤوليته.
ــــــــــــــــــــــ
1. المائدة: 72.
2. آل عمران: 51.
3. الأنعام: 102.
( 199 )

و نحن إذ نعتبر اللّه تعالى «ربّاً» فإنّما هو بسبب أنّ شؤوننا و أُمورنا و مصيرنا ـ كالموت والحياة و الرزق و الصحة و التقنين و التشريع و المغفرة و العفو و غير ذلك ـ بيد اللّه تعالى.

و الآن... لو اعتقد إنسان أنّ أحد هذه الشؤون ـ أو كلّها ـ قد خوَّلها اللّه تعالى إلى شخص ما، فإنّ هذا الاعتقاد يعني اعتبار ذلك الشخص «ربّاً» و الإيمان بهذا الربّ و الخضوع له عبادة له.

و بعبارة أُخرى: إنّ العبادة تنبع من شعور الإنسان بكونه عبداً، مملوكاً و الأعلى منه مالكاً للوجود و الموت و الحياة و الرزق... أو ـ على الأقل ـ مالكاً لصلاحية المغفرة
(1) و الشفاعة
(2) فيكون
بذلك قد جعل المالك «ربّاً» له، و كلُّ من يُجسّد هذا الشعور في نفسه و يترجمه إلى قول أو فعل، فلا شك أنّه يَعْبُد المالك الّذي اعتبره ربّاً.
التعريف الثالث للعبادة

هنا يمكن أن نقدّم للعبادة تعريفاً ثالثاً مستخلَصاً من الوجدان و الفطرة فنقول:

«العبادة: خضوع أمام من نعتبره إلهاً أو مَصدراً للأعمال الإلهيّة».

لا شكّ أنّ الأعمال المتعلّقة بالكون و الوجود ـ كتدبير شؤون العالَم و الإحياء و الإماتة و بسط الرزق بين الموجودات و غفران الذنوب ـ هي خاصّة باللّه تعالى.
ــــــــــــــــــــــ
1. يقول تعالى: (و من يغفر الذنوب إلاّ اللّه) آل عمران: 135.
2. يقول تعالى: (قل للّهِ الشفاعة جميعاً) الزمر: 44.
( 200 )

و أنت لو تأمَّلتَ الآيات القرآنية ـ الّتي تتحدّث عمّا سَبق ذِكره
(1) لرأيتَ أنّ القرآن يؤكّد تأكيداً
شديداً على أنّ هذه الأعمال خاصّة باللّه تعالى و لا ترتبط بغيره سبحانه.

هذا من جهة، و من جهة أُخرى: نحن نعلم أنّ عالَم الخلق و الإيجاد هو عالَم منظَّم و لايحدث أىّ شيء في هذا العالم إلاّ بأسباب تعود إلى اللّه تعالى، و القرآن الكريم يشير إلى هذا الموضوع فيقول سبحانه:
(وَ هُوَ الَّذي يُحْيي وَ يُميتُ وَ لَهُ اختِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ...)(2).

و يقول سبحانه ـ في موضع آخر ـ إنّ من الملائكة مَن تتولّى قبْض الأرواح، و هو قوله:
(... حَتّى اِذا جاءَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا...)(3).

بناءً على هذا... يمكن الجمع بين هاتين الآيتين فنقول: إنّ الفاعليَّة و السببيَّة لهذه العلل والعوامل الطبيعية ـ مادّية كانت أم معنوية كالملائكة ـ إنما تتحقّق بإذن اللّه سبحانه، و الفاعل هو اللّه تعالى.

و بعبارة أُخرى: إنّ فعل كلّ من هذين الفاعلَين يقع في طول الآخر لا في مقابله وعَرضه، فالفاعل الأوّل مستقلّ و الثاني تابع للأوّل، و هذا من المعارف العالية في القرآن والّتي تُستفاد من مراجعة الآيات الكريمة الّتي تتحدّث عن أفعال اللّه تعالى.
ــــــــــــــــــــــ
1. كالآية 72ـ 73 من سورة القصص، و الآية 60 ـ 64 من سورة النمل، و الآية 5 ـ 6 من سورة الزمر.
2. المؤمنون: 80.
3. الأنعام: 61.
( 201 )

و الآن... لو أنّ إنساناً اعتقد بأنّ اللّه سبحانه قد فوَّض أفعاله ـ من الإرزاق و الإحياء و غيرهما ـ إلى بعض مخلوقاته ـ كالملائكة و الأولياء ـ و أنّهم الذين يُديرون شؤون الكون و يدبّرون أُموره، و لا علاقة للّه سبحانه بذلك، و دَفَعه هذا الاعتقاد إلى الخضوع لهم، فلا شكٍّ أنّ خضوعه هذا عبادة، و أنّ عمله هذا شِرك باللّه سبحانه.

و بتعبير آخر: لو اعتقد بأنّ اللّه قد فوَّض صلاحيَّة تنفيذ هذه الأفعال إلى الملائكة و الأولياء وبقي سبحانه مجرَّداً من كلّ صلاحية، و الملائكة و الأولياء ينفّذون تلك الأفعال بالاستقلال و من دون إذنه سبحانه، فيكون هذا الإنسان ـ المعتقد هذا الاعتقاد ـ قد جعل للّه مِثلا و ندّاً، و لا شكّ أنّ هذا الاعتقاد هو الشِّرك بذاته، و أنّ التوسّل و الخضوع ـ النابعين من هذا الاعتقاد ـ هو عبادة، كما جاء في القرآن الكريم:
(وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ...)(1).

إنّ أىَّ كائن و موجود لا يستطيع أن يكون مِثلا للّه و ندّاً، إلاّ إذا صار يتصرَّف في الكون بإرادته الشخصية و من دون إرادة اللّه تعالى، و ليس أحدٌ كذلك، بل إنّ كلّ كائن خاضعٌ لإرادة اللّه سبحانه ـ شاء أو أبى ـ و عليه فلا يكون ندّاً للّه فحسب بل يكون مطيعاً له يَتصرّف وفق إرادته سبحانه.

و الجدير بالذكر أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة مستقلَّة في التصرُّف في هذا الكون و الشؤون الإلهية، و قد كان أضعف درجات الشرك ـ في
ــــــــــــــــــــــ
1. البقرة: 165.
( 202 )
العهد الجاهلي ـ هو الاعتقاد بتفويض التقنين و التشريع إلى الأحبار و الرهبان، كما قال تعالى:
(اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ...)(1).

و كذلك كانوا يعتقدون بأنّ صلاحية الشفاعة و المغفرة ـ الّتي هي خاصّة باللّه وحده ـ قد فُوِّضتْ إلى أصنامهم المعبودة، فهي تتصرَّف بالاستقلال الكامل في تلك الصلاحيّات، ولهذا ترى الآيات القرآنية ـ الّتي تتحدّث عن الشفاعة ـ تؤكّد بأنّ الشفاعة لاتتحقّق إلاّ بإذن اللّه تعالى، كما في قوله سبحانه:
(...مَنْ ذَا الَّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ...)(2).

و لو كان المشركون يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة تملك الشفاعة بإذن اللّه سبحانه، لما كنت ترى هذا النفي القرآني القاطع للشفاعة بدون إذن اللّه تعالى.

إنّ بعض حكماء اليونان كانوا قد نحتوا ـ في أفكارهم ـ آلهة متعدّدة لكلّ شأن من شؤون العالَم، فالمطر له إله و الزرع له إله والإنسان له إله و هكذا، و كانوا يزعمون أنّ التصرّف في شؤون الكون ـ الّذي هو خاصّ باللّه سبحانه ـ قد فُوِّض إلى هذه الآلهة.

و في العهد الجاهلي كان بعض العرب يعبدون الملائكة و النجوم الثابتة والمتحرّكة، ظنّاً منهم أنّ تدبير شؤون الكون و الإنسان قد فُوّض إليها، فهي تتصرّف بالاستقلال و الاختيار الكامل، و أنّ اللّه تعالى يعيش معزولا
ــــــــــــــــــــــ
1. التوبة: 31. لاحظ في تفسير الآية مجمع البيان : 5 _ 6 / 37 ، دار المعرفة ، بيروت .
2. البقرة: 255.
( 203 )
مجرَّداً عن كلّ هذه الصلاحيّات بصورة كاملة، تَعالى اللّه عَنْ هذا عُلُوّاً كَبيراً
(1).

و لهذا فإنّ كل نوع من الخضوع للملائكة و النجوم يُعتبر عبادة، لكونه نابعاً من هذا الاعتقاد الخاطئ.

و البعض الآخر من عرب الجاهلية لم يعتبروا الأصنام الخشبية و المعدنية آلهة و خالقة لهم و لا مدبّرة لشؤون الكون و الإنسان، بل كانوا يعتبرونها أو ما يحكي صور هذه الأصنام عنه مالكة للشفاعة، و كانوا يقولون: هؤلاء ـ أي الأصنام ـ شفعاؤنا عند اللّه
(2).

و على أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدون هذه الأصنام، تقرُّباً إلى اللّه تعالى و كانوا يقولون:
(... ما نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونا إلَى اللّهِ زُلْفى...)(3).
و خلاصة القول: إنّ أىَّ عمل ينبثق من هذا الاعتقاد و يدلّ على الانقياد و الخشوع، فهو عبادة، و في المقابل: إنّ أىَّ تصرُّف لا يستند إلى اعتقاد كهذا، لا يُعتبر عبادة و لا شركاً، فلو خضع إنسان أمام موجود و كرَّمه و عظَّمه، دون أن يعتقد بهذا الاعتقاد، فلا يُعتبر عمله شركاً و لا عبادة، حتى لو فُرض عمله ذلك حراماً.

مثلا: لا يُعتبر سجود العاشق لمعشوقه، و المأمور لآمره، و المرأة لزوجها... عبادة، بالرغم من أنّه حرام شرعاً، لأنّ السجود خاصّ باللّه تعالى، و لا يجوز لأحد أن يأتي به ـ حتى بصورته الظاهرية المجرَّدة عن العقيدة ـ إلاّ بأمره سبحانه.
ــــــــــــــــــــــ
1. راجع المِلل و النِحل للشهرستاني: 2/244 ـ 247، طبعة مصر.
2. قال تعالى: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه ما لا يضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هؤلاء شُفَعاؤنا عِنْدَ اللّه) يونس ـ 18.
3. الزمر: 3.