و تواترها، و قد سجّلها الحفّاظ ـ من جميع المذاهب الإسلامية ـ في كتبهم وصحاحهم، و هي بمجموعها تدلّ على أنّ زيارة قبر رسول اللّه
«مَنْ زارَ قَبْري وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي».
جاء هذا الحديث في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 590، و قد أفتى علماء المذاهب الأربعة وفقاً لهذا الحديث، وللاطّلاع على مصادره راجع كتاب وفاء الوفا ج 4 ص 1336.
و ممّا لا شكّ فيه أنّ حديثاً يرويه الحفّاظ و العلماء منذ منتصف القرن الثاني الهجري حتّى هذا اليوم لا يمكن أن يكون مُزوَّراً لا أساس له.
و قد تناول الشيخ تقيّ الدين السبكي البحث عن هذا الحديث و أسناده و رواته في كتابه القيّم: شفاء السقام
و أثبت صحة هذا الحديث و صوابه.
«مَنْ جاءني زائِراً (لا تَحْمِلُهُ) إلاّ زيارَتي، كانَ حَقاً عَلَىَّ أنْ أكُونَ شَفيعاً لَهُ يَوْمَ الْقِيامَة».
1. ص 3ـ11، و هذا الكتاب هو خير ما كُتب مِن أهل السُّنة ضدّ ابن تيميّة حول تحريمه السفر لزيارة قبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله.
( 120 )
الدين السبكي ـ في كتابه المشار إليه ـ حول أسناده و رواته، و كذلك ذكره السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1340.

3ـ قال رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَ لَمْ يَزرْني فَقَدْ جَفاني».

و قد روى هذا الحديث تسعة من كبار الشيوخ و حفّاظ الحديث، و ذكرهم بالتفصيل السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1342.

4ـ قال رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَن حَجَ فَزارَ قَبْري بَعْدَ وفاتي كانَ كَمَنْ زارَني في حَياتي».

و قد روى هذا الحديث خمسة وعشرون شخصاً من أشهر المحدّثين و الحفّاظ في كُتبهم ومؤلّفاتهم، و قد تحدّث تقىّ الدين السبكي في كتابه المذكور حول سَند هذا الحديث، كما ذكره السمهودي في كتابه ج 4 ص 1340.

5ـ قال رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«من زار قبري (أو: من زارني) كُنتُ له شفيعاً»

و قد روى هذا الحديث ثلاثة عشر من المحدثين و الحفّاظ، و ذكرهم السمهودي في كتابه ج 4 ص 1347 .

6- قال رسول الله
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ زارَني بَعْدَ مَوْتي فَكَأَنَّما زارَني في حَياتي».

كانت هذه نماذج من الأحاديث الكثيرة الّتي رويت عن رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دعوة الناس إلى زيارة قبره الشريف و التحريض عليها، و قد أحصى المرحوم الشيخ
( 121 )
الأميني ـ في كتاب الغدير ـ اثنين و عشرين حديثاً حول هذا الموضوع، و ذكر السمهودي ـ في كتابه ج 4 ص 1336 ـ سبعة عشر حديثاً و تحدَّث عن أسنادها و رواتها بما لا مزيد عليه.

فإذا كان النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دعا الناس إلى زيارة قبره الشريف، فإنّما هو لما فيها من النتائج والآثار و الفوائد المادّية و المعنويّة المقرونة بزيارته و زيارة سائر الشخصيات الدينية.

إنّالمسلمين بسبب زيارة قبر النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتعرِّفون على مركز الإسلام و على الحوادث الّتي حدثت و تحدث فيه، و من هناك يكتسبون العلوم و المعارف الإسلامية و يحملونها معهم إلى أطراف الكرة الأرضية.
أدلَّة الوهّابيّين على حرمة السفر لزيارة القبور

إنّ الوهّابيّين ـ على ما يبدو ـ يُجوّزون أصل الزيارة، ولكنّهم يحرّمون السَّفر بهدف الزيارة.

يقول محمّد بن عبدالوهّاب ـ في الرسالة الثانية من رسائل الهديَّة السنيّة ـ :

«تُسنُّ زيارة النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد و الصلاة فيه».

و الدليل الّذي يتمسّكون به في تحريم الزيارة هو الحديث المروىّ عن أبي هريرة!! أنّه قال: قال رسول اللّه:

«لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدي هذا وَ مَسْجِدِ الْحَرامِ وَمَسْجِد الأقصى».

و روي هذا الحديث بصورة أُخرى، و هي:
( 122 )

«إنَّما يُسافَرُ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَ مَسْجدي وَ مَسْجِدِ إيلِيا».

و روي أيضاً بصورة ثالثة، و هي:

«تُشَدُّ الرِّحالُ إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ...».
(1)

لا شك في وجود هذا الحديث في الصحاح، و لسنا الآن في مقام مناقشة الحديث، لكون أبي هريرة في طريقه، بل مقصودنا هو مفاد الحديث.

و لنفرض أنّ نصّ الحديث هو: «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ...» فمن الثابت أنّ «إلاّ» هي أداة استثناء و لابدّ من وجود المستثنى منه، و يجب تحديده، و بما أنه مففقود في النصّ فلابدّ من تقديره في الكلام، و قبل الأشارة إلى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:

1ـ لا تُشَدُّ إلى مَسْجِد مِنَ الْمَساجِد إلاّ ثَلاثة مَساجِد...

2ـ لا تُشَدُّ إلى مَكان مِنَ الأمْكِنَة إلاّ ثَلاثَة مَساجد...

إنّ فهم الحديث و الوقوف على معناه يتوقّف على ثبوت أحد هذين التقديرين، فإن اخترنا التقدير الأول كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أىّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، و لا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أىّ مكان حتّى لو لم يكن مسجداً.

فلا يشمل النهي مَن يشدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء و الأئمة الطاهرين و الصالحين، لأنّ موضوع البحث هو شدّ الرحال إلى المساجد ـ باستثناء المساجد
ــــــــــــــــــــــ
1. أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4/126، كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال ; و ذكره أبو داود في سننه 1/469، كتاب الحج ; و كذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي: 2/37 ـ 38.
( 123 )
الثلاثة المذكورة ـ و أمّا شدّ الرحال إلى زيارة المشاهد المشرّفة فليس مشمولا للنهي و لا داخلا في موضوعه.

هذا على التقدير الأوّل.

و أمّا على التقدير الثاني فلازمُه أن تكون كافّة السفرات المعنويّة ـ ما عدا السفر إلى المناطق الثلاث المذكورة ـ محرَّمة، سواء أكان السفر من أجل زيارة المسجد أو زيارة مناطق أُخرى.

ولكن القرائن و الدلائل تُشير إلى أنّ التقدير الأوّل هو الصحيح، بناءً على صحة سَند الحديث و اعتباره.

أما القرائن على صحة التقدير الأوّل فهي كالآتي:

أوّلا: لأنّ المساجد الثلاثة هي المستثناة، و الاستثناء هنا متّصل ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يكون المستثنى منه هو: المساجد لا المكان.
(1)

ثانياً: لو كان الهدف هو منع كافَّة السفرات المعنويَّة لما صحَّ الحصر في هذا المقام، لأنّ الإنسان يشدّ الرحال في موسم الحجّ للسفر إلى «عرفات» و «المشعر» و «منى» فلو كانت السفرات الدينية ـ لغير المساجد الثلاثة ـ محرَّمة، فلماذا يُشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟!

ثالثاً: لقد أشار القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة إلى بعض الأسفار الدينية، و جاء التحريض عليها و الترغيب فيها، كالسفر من أجل الجهاد في سبيل اللّه و طلب
ــــــــــــــــــــــ
1. لو قال قائل: ما جاء إلاّ زيد، فالمستثنى منه ـ في هذا الجملة ـ هو: الانسان أو القوم أو ما شابه ذلك، و ليس المستثنى منه كلمةُ عامّة كالشيء و الموجود، سواء كان إنساناً أو غيره.
( 124 )
العلم وصلة الرحم و زيارة الوالدين و ما شابه ذلك. فمن ذلك قوله تعالى:
(...فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ اِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(1)

و لهذا فقد فسَّر كبار الباحثين و المحقّقين الحديث المذكور بما أشرنا إليه، فمثلا يقول الغزالي ـ في كتاب إحياء العلوم ـ :

«القسم الثاني و هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد... و يدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء
ـ عليهم السلام ـ و زيارة قبور الصحابة و التابعين و سائر العلماء و الأولياء، و كلّ من يُتبرَّك بمشاهدته في حياته يُتبرّك بزيارته بعد وفاته، و يجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، و لا يَمنع من هذا قولهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، و المسجد الحرام و المسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، و إلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء و الأولياء و العلماء في أصل الفضل، و إن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه».(2)
وعلى ضوء هذا فالمنهىَّ عنه ـ في هذا الحديث ـ هو شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، من المساجد الأُخرى، و لا علاقة له بالسفر للزيارة أو لأهداف معنويَّة أُخرى.

و في الختام لابدّ من الأشارة إلى أنّ النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما قال: «لا تُشدّ الرحال
ــــــــــــــــــــــ
1. التوبة: 122.
2. كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: 2 / 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت; الفتاوى الكبرى: 2/24.
( 125 )
إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإنّه لا يعني أنّ شدَّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام، بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إليها، و تحمّل مشاق السفر من أجل زيارتها، لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف ـ من حيث الفضيلة ـ مع الآخر اختلافاً كبيراً.
(1) فالمسجد ـ سواء كان في المدينة
أو في القرية أو في المنطقة ـ لا يختلف مع الآخر فثواب اقامة الصلاة في المسجد الجامع في أي بلد من البلاد واحد، فلا ملزم للسفر عندئذ لاقامة الصلاة في جامع مثله ، وعليه فلا داعي إلى أن يشدّ الإنسان الرحال إليه، أمّا إذا شدّ الرحال إليه فليس عمله هذا حراماً و لا مخالفاً للسُّنَّة الشريفة.

و يدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح و السُّنن:

«كان رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأتي مسجد قُبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين».(2)
ولنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال و قطع المسافات من أجل إقامة الصلاة ـ مخلصاً للّه ـ في بيت من بيوته سبحانه حراماً و منهياً عنه؟!!
ــــــــــــــــــــــ
1. إلاّ مسجد الكوفة فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة و لا يخفى أن المساجد الأُخرى تختلف في الفضيلة ـ كمسجد السوق و القبيلة لكن النهي انما هو السفر من مسجد الى مسجد مثله دون السفر من مسجد القبيلة الى جامع البلد.
2. صحيح مسلم: 4 / 127. و راجع في هذا المعنى صحيح البخاري: 2 / 76، السُّنن للنسائي المطبوع مع شرح السيوطي: 2 / 37.
( 126 )