http://www.imamsadeq.orgكتاب الوهابية في الميزان للأستاذ جعفر السبحاني من 98 ـ 126 ص

( 98 )

 


( 99 )

 

الفصل الرابع

زيارة القبور

على ضوء الكتاب و السُّنَّة

لقد أفتى علماء الإسلام و فقهاء الشريعة بجواز زيارة القبور ـ و خاصّة قبور الأنبياء والصالحين ـ استناداً إلى مجموعة من الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة، و بالإضافة إلى الجواز فإنّهم أفتوا باستحبابها و فضيلتها.

أمّا الوهّابيّون فإنهم ـ كما يبدو ـ لا يحرّمون أصل الزيارة، بل يحرّمون السفر و شدَّ الرحال إلى زيارة قبور الصالحين. فالبحث هنا في مرحلتين:

1ـ الزيارة.

2ـ السفر للزيارة.

زيارة القبور

ممّا لا شكّ فيه أنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية و تربوية هامَّة، نشير إليها ـ مختصراً ـ فيمايلي:

إنّ مشاهدة هذا الوادي الهادئ الّذي يضمّ في أعماقه مجموعة كبيرة من


( 100 )
الذين عاشوا في هذه الحياة الدنياثم انتقلوا إلى الآخرة، و هم سواء... الغني و الفقير، القوي و الضعيف، و لم يصحبوا معهم سوى ثلاث قِطَع من القماش فقط.

إنّ مشاهدة هذا المنظر يهزّ الإنسان قلباً و روحاً، و يخفّف فيه روح الطمع و الحرص على الدنيا و زخارفها و شهواتها، و لو نظر الإنسان إليها بعين الاعتبار لغيَّر سلوكه في هذه الحياة، و اعتبر لآخرته، و راح يخاطب نفسه: إنّ هذه الحياة المؤقتة لابدّ أن تزول، و إنّ الفترة الّتي أعيشها لابدّ أن تنتهي و يكون مصيري إلى حفرة عميقة، تتراكم عليّ تلال من التراب و هناك الحساب، إمّا ثواب و إمّا عذاب، فلا تستحقّ هذه الحياة المؤقّتة أن يجهد الإنسان نفسه من أجل المال و الجاه و المنصب، فيظلم هذا و يؤذي ذاك، و يرتكب الجرائم و المنكرات.

إنّ نظرة تأمّل إلى هذا الوادي الساكن تُرقّق القلب مهما كان قاسياً، و تُسمع الإنسان مهما كان صُماً، و تُفتح العيون مهما كانت حالكة، و كثيراً ما تدفع بالإنسان إلى إعادة النظر في سلوكه وحياته، و الشعور بالمسؤوليات الكبيرة أمام اللّه تعالى و امام الناس.

يقول الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

1ـ «زُورُوا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّركُمُ الآخِرَة».(1)

بالرغم من أنّ مسألة زيارة القبور ليست بحاجة إلى إقامة الدليل و البرهان على صحتها وضرورتها، و لكننا نضطر إلى التحدّث عنها لأُولئك الذين يتوقّفون فيها.

ــــــــــــــــــــــ
1. سنن ابن ماجة: 1/113، باب ما جاء في زيارة القبور.

( 101 )
القرآن و زيارة القبور

إنّ اللّه تعالى ينهى حبيبه محمّداً ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الصلاة على جنازة المنافق و القيام على قبره، فيقول سبحانه:

(وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى قَبْرِه إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ).(1)

فالآية تسعى لهدم شخصية المنافق، و هزّ العصا في وجوه حزبه و نظائره، و النهي عن هذين الأمرين بالنسبة للمنافق معناه و مفهومه: فضيلة هذين بالنسبة لغير المنافق.

و الآن يجب أن ننظر في قوله تعالى: (و لا تَقُمْ على قَبرِهِ) ما معناه؟

هل المعنى هو القيام وقت الدفن فقط حيث لا يجوز ذلك للمنافق و يستحبّ للمؤمن؟ أم المعنى أعمّ من وقت الدفن و غيره؟

الجواب: بعض المفسّرين نظروا إلى الآية نظرة ضيّقة فقالوا بالقول الأوّل، و لكنّ بعضاً آخرين ـ كالبيضاوي و غيره ـ نظروا إليها نظرة واسعة فقالوا: إنّ النهي في (لا تَقُمْ على قَبرِه) هو عن الدفن و الزيارة. و التدقيق و إمعان النظر في الآية الكريمة يسوقنا إلى هذا المعنى الأعم، و ذلك لأنّ الآية تتشكّل من جُملتين:

الأُولى: (لا تُصَلِّ عَلى أَحَد مِنْهُمْ ماتَ أبَداً).

إنّ لفظة «أَحَد» بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم و الاستغراق

ــــــــــــــــــــــ
1. التوبة: 84.

( 102 )
لجميع الأفراد، و لفظة «أبَداً» تفيد الاستغراق الزمني، فيكون معناها: لا تُصلّ على أحد من المنافقين في أىّ وقت كان.

فمع الانتباه إلى هذين اللفظين نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة على الميّت المنافق ليس خصوص الصلاة على الميّت عند الدفن فقط لأنها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة «أبَداً» بل المراد من الصلاة في الآية مطلق الدعاء و الترحّم سواء أكان عند الدفن أم بعده.

فإن قال قائل: إنّ لفظة «أبَداً» تأكيد للاستغراق الأفرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهين :

1ـ إنّ لفظة «أحد» أفادت الاستغراق و الشمول لجميع المنافقين.

2ـ إنّ لفظة «أبَداً» تُستعمل في اللغة العربية للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالى:

(... وَ لا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً...).(1)

فالنتيجة: أنّ المقصود هو النهي عن الترحُّم على المنافق و عن الاستغفار له، سواء كان بالصلاة عليه أو بغيرها سواء كان حين الدفن أم بعده .

الثانية: «لا تقُم على قَبرِه».

إنّ مفهوم هذه الجملة ـ مع الانتباه إلى أنّها معطوفة على الجملة السابقة ـ هو: لا تقم على قبر أحد منهم أبداً، لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من القيد ـ أعني: «أبداً» ـ يثبت للمعطوف أيضاً، ففي هذه الحالة لا يمكن القول بأنّ المقصود من

ــــــــــــــــــــــ
1. الأحزاب: 53.

( 103 )
القيام على القبر هو وقت الدفن، فقط، لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدفن، و لفظة «أبَداً» المقدَّرة في هذه الجملة الثانية تفيد إمكانية تكرار هذا العمل، فهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لا يختصّ بوقت الدفن. بل يعمّه وغيره فهو حرام في حق المنافق و جائز في حق المؤمن .

فيكون معنى الآية الكريمة: إنّ اللّه تعالى ينهى نبيَّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن مطلق الاستغفار و الترحُّم على المنافق، سواء كان بالصلاة أو مطلق الدعاء، و ينهى عن مطلق القيام على القبر، سواء كان عند الدفن أو بعده.

و مفهوم ذلك هو أنّ هذين الأمرين يجوزان للمؤمن.

و بهذا ثبت جواز زيارة قبر المؤمن و جواز الصلاة والدعاء على روحه، حتّى بعد مئات السنين.

هذا بالنسبة إلى المرحلة الأُولى و هي أصل الزيارة من وجهة نظر القرآن، و أمّا بالنسبة إليها من ناحية الأحاديث فإليك بيانها:

الأحاديث الشريفة و زيارة القبور

يستفاد من الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها أصحاب الصحاح و السُّنن ـ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة القبور نهياً مؤقَّتاً لأسباب خاصّة، ثم رَفع النهي و حبَّبَ إلى الزيارة.

و لعلَ علّة النهي المؤقّت هي أنّ الأموات كانوا مشركين و عَبَدة للأصنام، وقد قطع الإسلام كلّ العلاقات مع الشرك و أهله، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن زيارة الأموات.(1)

ــــــــــــــــــــــ
1. و يؤيّد هذا الاحتمال ما كان يقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عند زيارته لأهل القبور: «دار قوم مؤمنين» كما سيأتي تفصيله.

( 104 )
و يحتمل أن تكون العلّة شيئاً آخر، و هو أنّ المسلمين كانوا حديثي العهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تُخرجهم عن نطاق الشريعة، و لمّا تمركز الإسلام في قلوبهم و أنِسُوا بالشريعة و الأحكام، ألغى النبي
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأمر اللّه تعالى النهي عن زيارة القبور، لما فيها من الآثار الحسنة و النتائج الطيّبة، و لهذا روى أصحاب الصحاح و السُّنن أنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

1 ـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زيارَة الْقُبُور، فَزُورُوها فَإنَّها تُزَهِّدُ في الدُّنْيا وَ تُذَكِّرُ الآخِرة».(1)

و على هذا الأساس كان ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يزور قبر أُمّه السيّدة آمنة بنت وهب ـ رضوان اللّه عليها ـ و كان يأمر الناس بزيارة القبور، لأنّ زيارتها تُذكّر الآخرة.

و قد روى مسلم في صحيحه:

2 ـ «زارَ النَّبِىُّ قَبْرَ أُمَّةِ، فَبَكى وَ أَبْكى مَنْ حَوْلَهُ... وَ قالَ: اسْتَأذنْتُ رَبِّي في أنْ أزُورَ قَبْرَها، فأَذِنَ لي، فَزُوروا الْقُبُورَ فَإنَّها تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ».(2)

ــــــــــــــــــــــ
1. السُّنن لابن ماجة: 1/114، طبعة الهند باب ما جاء في زيارة القُبور ; سنن، الترمذي: 3 / 274، أبواب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي.
يقول الترمذي ـ بعد نقل هذا الحديث عن بريدة ـ: «حديث بريدة صحيح و العمل على هذا عند أهل العلم، و لا يرون بزيارة القبور بأساً، و هو قول ابن المبارك و الشافعي و إسحاق».
و في هذا المجال يحسن مراجعة المصادر الآتية:
1ـ صحيح مسلم: 3/65 باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه .
2ـ سنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3ـ صحيح مسلم: 4/73 كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
2. سُنن أبي داود: 2/195 كتاب الجنائز طبعة مصر; صحيح مسلم: 3 / 65، باب استئذان النبي ربَّه عزّوجل في زيارة قبر أُمّه; سنن ابن ماجة: 1 / 114.
أقول: إنّ السبب الّذي يذكرونه لاستئذان النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ـ زيارة قبر أُمّه هو ـ كما يزعمون ـ لأنّ أُمّه كانت مشركة، ولكن الثابت الذي لا ريب فيه هو أنّ أُمّ النبىّ ـ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ـ كانت كآبائه و أجداده من أهل الإيمان و التوحيد، من هنا فانّ هذا التوجيه و التفسير مخالف لأُصول العقيدة الإسلامية و يمكن أن يكون له تفسير آخر.


( 105 )
و قالت عائشة:

3 ـ «إنَّ رسول اللّه رَخَّصَ في زِيارَةِ الْقُبُورِ».(1)

و قالت: إنّ النبي قال:

4 ـ «فأَمَرَني رَبِّي أنْ آتي الْبَقيعَ فَأسْتَغْفِرْ لَهُمْ

قلت: كيْفَ أقُولُ يا رَسُولَ اللّه؟

قالَ: قُولي: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، يَرْحَمُ اللّه الْمُسْتَقْدِمينَ مِنّا وَالْمُسْتأخِرينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)

و جاء في أحاديث أُخرى نصّ الكلمات الّتي كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقولها عند زيارة القبور، وهي:

5 ـ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤْمِنينَ، وَ إنّا وَ إيّاكُمْ مُتَواعِدُونَ غَداً وَ مُواكِلُونَ، وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ اللّهُمَّ اغْفِر لأَهْلِ بَقيعِ الْغَرقَد».(3)

و جاء في حديث آخر نَصّ الكلمات بمايلي:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلِ الدِّيارِ مِنَ الْمُؤمِنينَ وَ الْمُسْلِمينَ وَ إنّا إن شاء اللّه بِكُمْ

ــــــــــــــــــــــ
1. سنن ابن ماجة: 1/114.
2. صحيح مسلم: 3/64، باب ما يقال عند دخول القبور; السنن للنسائي: 3/76.
3. السنن للنسائي: 4/76ـ77.


( 106 )
لاحِقُونَ، أنْتُمْ لَنا فَرطٌ وَ نَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أسْأَلُ اللّه الْعافِيَةَ لَنا وَ لَكُمْ».(1)

و في حديث ثالث:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ».(2)

و يستفاد من حديث عائشة أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يخرج إلى البقيع في آخر الليل من كلّ ليلة، ويقول:

«السَّلامُ عَلَيْكُمْ دارَ قَوْم مُؤمِنينَ، وَ أتاكُمْ ما تُوعَدونَ غَداً مؤجَّلُونَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه بِكُمْ لاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِر لأهلِ بَقيع الْغَرْقَدِ».(3)

و يستفاد من حديث آخر أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كان يزور المقابر مع جماعة من أصحابه، و يُعلّمهم كيفية الزيارة:

«كانَ رَسُولُ اللّه يُعَلِّمُهُم ـ إذا خَرَجُوا إلى الْمَقابِرِ ـ فَكان قائِلُهُمْ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى أهْلِ الدِّيارِ ـ أو ـ السَّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الدَّيارِ مِنَ المؤمنينَ وَ الْمُسْلِمينَ، وَ إنّا إنْ شاء اللّه للاحِقُونَ، أسْألُ اللّه لَنا وَ لَكُمُ الْعافيَة».(4)

النساء و زيارة القبور

المسألة الأخيرة الّتي ينبغي التحدّث عنها هي: زيارة النساء للقبور، و قد روي في بعض الأحاديث أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نهى عن زيارة النساء للقبور:

ــــــــــــــــــــــ
1. نفس المصدر السابق.
2. السنن لأبي داود:2/196.
3. صحيح مسلم: 3/63، باب ما يقال عند دخول القبر.
4. صحيح مسلم: 3/65، باب ما يقال عند دخول القبر.


( 107 )
«لَعَنَ رَسُولُ اللّه زَوّارت الْقُبُور».(1)

ولكن يجب الانتباه إلى أنّ تحريم النساء من زيارة القبور ـ استدلالا بهذا الحديث ـ غير صحيح، و ذلك لعدّة أُمور:

أوّل: إنّ كثيراً من العلماء يعتبرون هذا النهي نهي تنزيه و كراهة، و قد جاءت الكراهة لأسباب خاصّة بذلك الزمان، يشير إليها صاحب كتاب «مفتاح الحاجة في شرح صحيح ابن ماجة» فيقول:

«اختلفوا في الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ ذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمِنَت الفتنة».(2)

ثانياً: لقد مرَّ عليك ـ في حديث عائشة ـ أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رخصَّ في زيارة القبور.(3)

فلو كان الترخيص خاصّاً بالرجال لكان اللازم أن تذكر عائشة ذلك، خاصّة وأنّها من النساء، و من الطبيعي أنّ النساء كنَّ يتواجدن في مسجد رسول اللّه
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وكان كلّ مخاطَب يعتبر نفسه مشمولا للحكم إلاّ إذا صرَّح بالاستثناء.

ثالثاً: و قد مرَّ عليك أيضاً أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ علَّم عائشة ما ينبغي قوله عند زيارة القبور فلو كانت الزيارة محرمة عليها فما معنى هذا التعليم؟!(4) كانت عائشة تزور القبور بعد رسول اللّه. يروي الترمذي أنه لمّا مات عبدالرحمان بن أبي بكر ـ شقيق عائشة ـ في «الجُنْتى» حملوا جثمانه إلى مكّة و دفنوه فيها، و لمّا جاءت عائشة إلى

ــــــــــــــــــــــ
1. سنن ابن ماجة: 1/478، كتاب الجنائز الطبعة الأُولى بمصر.
2. حواشي سنن ابن ماجة: 1/114، طبعة الهند.
3. راجع الحديث رقم 3.
4. راجع الحديث رقم 4.


( 108 )
مكّة ـ من المدينة ـ خرجت لزيارة قبر أخيها و أنشدت بيتين من الشعرِ في رثائه.(1)

يقول شارح صحيح الترمذي ـ الحافظ ابن العربي المولود سنة 435 هـ و المتوفّى سنة 543 هـ ـ :

«الصحيح أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سمح للرجال و النساء بزيارة القبور، و الّذي يقول بالكراهة فإنّما هو بسبب جزعهنّ عند القبر و قلَّة صَبْرهنّ، أو لعدم رعايتهنّ للحجاب».

رابعاً: يروي البخاري عن أنس أنّه قال:

«مرَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: إتّقي اللّه و اصبري.

قالت: إليك عنّي فإنّك لم تُصبْ بمصيبتي، و لم تعرفه.

فقيل لها: إنّه النبي! فأتت باب النبي... فقالت: لم أعرفك!

فقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : إنّما الصبر عند الصدمة الأُولى».(2)

فإذا كانت زيارة القبور محرَّمة لنهاها النبىّ
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الزيارة، و لكنّك ترى أنّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أوصاها بالتقوى و الصبر عند المصيبة، و لم ينهاها عن زيارة المقابر.

خامساً: إنّ السيّدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت تخرج إلى زيارة قبر عمّها حمزة ـ في كلّ جمعة أو أقلّ من ذلك ـ و كانت تصلّي عند قبره وتبكي.(3)

ــــــــــــــــــــــ
1. سنن الترمذي: 4/275 كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور
2. صحيح البخاري: 2/79، كتاب الجنائز باب زيارة القبور.
3. مستدرك الصحيحين: 1/377، وفاء الوفا: 2/112.


( 109 )
سادساً: يقول القرطبي:

«لم يلعن النبىّ ـ صلّى اللّه عليه (و آله) و سلّم ـ كلّ امرأة تزور القبور، بل لَعن المرأة الّتي تزور القبور دوماً و الدليل على ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «زوّارت القبور» و كلمة «زوّار» هي صيغة المبالغة، و تدلّ على الكرَّة و التكرار».(1)

و لعلّ العلَّة في لعن «زوّارات القبور» هي أنّ الإكثار منها يؤدّي إلى ضياع حقّ الزوج و يجرُّها إلى التبرّج المنهيِّ عنه، و يكون مصحوباً بالبكاء بصوت عال، ولكن لوكانت الزيارة خالية عن كلّ محذور فلا إشكال فيها أبداً، لأنّ تذكّر الموت و الآخرة ممّا يحتاج إليه الرجل و المرأة على السواء.

سابعاً: إنّ زيارة القبور ـ في الوقت الّذي تؤدّي إلى الزهد في الدنيا و زخارفها ـ تعود بالنفع على الميّت الراقد تحت أكوام التراب، إذ أنّ الزيارة ـ عادة ـ تكون مقرونة بتلاوة سورة الفاتحة و إهدائها إلى روح ذلك الميّت، و هذه الهديّة هي أفضل ما يقدّمه الإنسان الحىّ إلى روح فقيده الغالي.

يروي ابن ماجة عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه قال:

«إقْرأوا «يس» عَلى مَوْتاكُمْ».(2)

فما هو الفرق بين الرجل و المرأة ـ من هذه الجهة ـ حتّى تكون زيارة أحدهما جائزة و الأُخرى محرَّمة، لو لا المحذورات الخاصّة المذكورة؟!

و الآن... و بعد أن ثبت جواز زيارة القبور، جاء دور التحدّث عن الآثار الحسنة و النتائج الإيجابية لزيارة مراقد أولياء اللّه الصالحين، و ذلك في الفصل القادم.

ــــــــــــــــــــــ
1. جاء في سنن أبي داود: «زائرات» بَدل «زوّارات».
2. سنن ابن ماجة: حديث 1448.


( 110 )

 


( 111 )

 

الفصل الخامس

النتائج البنّاءة

لزيارة قبور الشخصيّات الدينيّة

إنّ القبور الّتي تحظى باهتمام و احترام المؤمنين باللّه في العالم ـ و خاصّة المسلمين ـ هي في الغالب قبور حَمَلة الرسالات الإصلاحية الذين أدّوا مهمَّتهم على الوجه المطلوب.

و هؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1ـ الأنبياء و القادة الدينيّون الذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء و ضحّوا ـ من أجلها ـ بالنفس و المال و الأحباب، و تحمّلوا أنواع المتاعب و المصاعب من أجل هداية الناس.

2ـ العلماء و المفكّرون الذين كانوا كالشمعة تُحرق نفسها لتُضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياةَ الزهد و الحرمان، و قدَّموا للعالم البحوث القيّمة و التحقيقات الرائعة في مجالات العلم و الفكر والطبيعة و علوم الكون والمخلوقات و غير ذلك.

3ـ المجاهدون الثائرون الذين ضاقوا ذرعاً ممّا يعيشه المجتمع من الظلم


( 112 )
وسحْق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضدّ الظلم و الطغيان و طالبوا بحفظ كرامة الإنسان و أداء حقوقه، و أقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إنّ أيَّة ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدَّر له النجاح إلاّ بدفع الثمن، و إنّ ثمن الثورة الّتي تستهدف تدمير قصور الظالمين و خنْق أنفاسهم هو الدماء الزكيّة الّتي يُضحّي بها المقاتلون الأبطال لإعادة الحقّ و الحرية إلى الوطن الإسلامي.

إنّ الناس يزورون قبور هؤلاء و يذرفون عندها الدموع، و يتذكّرون بطولاتهم وتضحياتهم، و يُسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هدية إليهم، و يُنشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرِّفة.

إنّ زيارة مراقد هذه الشخصيّات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، و إعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ و الهدى و الفضيلة و الدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إنّ جزاءهم هو خلود الذكر، الذكر الحسن و الثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على رحيلهم.

من هنا نعرف ضرورة إحياء ذكريات الشخصيّات الدينية، و على هذا الأساس ينبغي العمل على إبقاء ذكرياتهم حيَّة ساخنة، و المحافظة على آثارهم، و إقامة المهرجانات في ذكرى مواليدهم و الحداد و الحفلات التأبينية في ذكرى وفاتهم، و عقد المجالس و الاجتماعات الكبرى، و إلقاء الخطب المفيدة، و تعريف الناس على تلك الشخصيات الراقية و على معتقداتهم الّتي ضحّوا من أجلها، و احترام مراقدهم و تجنُّب كلَّ ما يمسّ بكرامتها، لأنّ احترام قبورهم احترامٌ لرسالاتهم وعقائدهم، كما أنّ أىّ نوع من الإهانة و التحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيَّتهم.


( 113 )
في هذه الأيام عندما يدخل الإنسان مقبرة البقيع لزيارة قبور آل رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقبور قادة الإسلام و حماة الدين و الصحابة، يرى تلك القبور في حالة يُرثى لها من الإهانة و التصغير، ممّا يهتزّ له الضمير و تأخذه الدهشة من قساوة قلوب الزمرة الوهّابيّة الّتي تدَّعي حماية الإسلام وصيانته، حيث إنّهم ـ من جانب ـ يذكرون الصحابة بالخير و التمجيد و يثنون عليهم على المنابر، ومن جانب آخر يتركون قبورهم عارية عن كلّ احترام و تكريم. و في حالة فظيعة من الإهانة والإهمال، و لا يُبالون حتّى لو أفسدت الحيوانات أطراف قبورهم!!!

أمّا لفظة «الشِّرك» و «المشرك» فهي الهديَّة الوحيدة الّتي يُقدّمها الوهّابيّون إلى الحجاج والزائرين، يرمونهم بهذه الكلمات، لأنّ المسلمين يُعظّمون قادة الدين و يُمجدّون أولياء اللّه الصالحين، فكأنّ الوهّابيّين يُضمِرون الحقد و البغضاء لأولياء اللّه و قادة دينه.

و الآن جاء دور التحدّث عن زيارة مرقد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على ضوء الأدلَّة الإسلامية:

زيارة قبر الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

فيما يلي نستعرض بعض الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة الّتي تدعو إلى زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و نرجو من القارئ المزيد من التوجّه و الانتباه.


( 114 )
شهادة من القرآن

إنّ القرآن الكريم يأمر المذنبين بأن يحضروا عند رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يسألوه أن يستغفر اللّه لهم، لأنّ دعاء النبي يُستجاب فيهم، فيقول عزَّوجلَّ:

(... وَ لَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَحيماً )(1)

لو كانت هذه الآية هي الوحيدة في هذا المجال، لذهبنا إلى القول بأنّها خاصَّة بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و فترة تواجده بين الناس، و لكننا نستخلص حكماً عامّاً شاملا لا يحدّه بالحياة الدنيوية وذلك من خلال ما يلي:

أوّلا: إنّ القرآن الكريم يُصرّح بحياة الأنبياء و الأولياء ـ و جماعات أُخرى ـ في البرزخ(2)ويعتبرهم مُبصرين و سامعين في ذلك العالم، و سوف نشير إلى تلك الآيات عند التحدُّث عن التوسّل بالأرواح المقدَّسة.

ثانياً: إنَّ الأحاديث الشريفة تُصرّح بأنّ الملائكة تُبلّغ خاتم الأنبياء ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سلامَ مَن يُسلِّم عليه، فقد جاء في الصحاح:

«إنَّ رَسُولَ اللّه قالَ: ما مِنْ أحَد يُسَلِّمُ عَلىَّ إلاّ رَدَّ اللّهُ عَلىَّ رُوحي حتى أرُدَّ  ـ عليه السلام ـ  ».(3)

و قال
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«صَلُّوا عَلَىَّ فَإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغني حَيْثُ كُنْتُمْ».(4)

ــــــــــــــــــــــ
1. النساء: 64.
2. البرزخ: الحياة بعد الموت إلى يوم القيامة.
3. سنن أبي داود: 1/470ـ471، كتاب الحج، باب زيارة القبور .
4. التاج الجامع للأُصول في أحاديث الرسول بقلم الشيخ منصور علي ناصف 2/189.


( 115 )
ثالثاً: إنّ المسلمين ـ منذ ذلك اليوم ـ فهموا من هذه الآية معنى مطلقاً لا ينتهي بموت رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتّى أنّ بعض الأعراب ـ بوحي من أذهانهم الخالصة من كلّ شائبة ـ كانوا يقصدون قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يزورونه و يتلون آية:(ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءُوك....)عند قبره المقدَّس و يطلبون منه الاستغفار لهم.

و قد ذكر تقىّ الدين السبكي في كتاب «شفاء السقام» و السمهودي في كتاب «وفاء الوفا» نماذج من زيارة المسلمين لقبر رسول اللّه و تلاوة هذه الآية عند قبره الشريف، و فيما يلي نذكر بعض تلك النماذج:

روى سفيان بن عنبر عن العتبي ـ و كلاهما من مشايخ الشافعي و أساتذته ـ أنّه قال: كنتُ جالساً عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فجاء أعرابي فقال:

«السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسولَ اللّه، سَمِعْتُ اللّه يَقُولُ: (وَ لَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاستَغْفَرُوا اللّهَ و اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) وَ قَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِراً مِنْ ذَنْبي، مُسْتَشْفِعاً بِكَ إلى رَبّي».

ثم بكى و أنشأ يقول:

يا خيرَ من دُفنت في القاع أعظمُهُ * فطاب مِن طيبهنّ القاع و الأكُمُ

نفسي الفداء لقبر أنتَ ساكنُه * فيه العفافُ و فيه الجودُ و الكَرمُ

ثم استغفر و انصرف. (1)

ــــــــــــــــــــــ
1. وفاء الوفا: 4/1361; الدرر السّنيّة; لأحمد دحلان ; 21.

( 116 )
و يروي أبو سعيد السمعاني عن الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ أنّ أعرابياً جاء بعد ثلاثة أيام من دفن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرمى بنفسه على القبر الشريف و حثا من ترابه على رأسه و قال:«يا رسولَ اللّه قلتَ فسمعنا قولك، و وَعيتَ عن اللّه ما و عَينا عنك، و كان فيما أنزله عليك: (وَ لَو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم...) و قد ظلمتُ نفسي و جئتك تستغفرلي إلى ربي».(1)

إنّ كلَّ هذا يدلّ على أنّ المنزلة الرفيعة الّتي مَنحها اللّه تعالى لحبيبه المصطفى
ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما صرَّحت بها هذه الآية ليست خاصّة بحياته، بل تؤكّد على أنّها ثابتة له بعد وفاته أيضاً.

و بصورة عامّة... يَعتبر المسلمون كلّ الآيات النازلة في تعظيم رسول اللّه و احترامه، عامّة لحياته و بعد مماته، و ليس هناك مَن يُخصِّصها بحياته ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

و قد جاء في التاريخ: لمّا استُشهد الإمام الحسن بن علي ـ عليه السلام ـ وجيء بجثمانه الطاهر إلى مسجد رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ظنّ بنو أُميَّة أنّ بني هاشم يريدون دفن الإمام بجوار قبر جدّه المصطفى، فأثاروا الفتنة و الضجَّة للحيلولة دون ذلك، فتلا الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ قوله تعالى:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبي...)(2).

و لم يردَّ عليه أحد ـ حتى من الأُموييّن ـ بأنّ هذهِ الآية خاصةً بحياة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

ــــــــــــــــــــــ
1. الجوهر المنظَّم: لابن حجر، و ذكره السمهودي في وفاء الوفا: 2/612، و دحلان في الدرر السّنيّة: 21.
2. الحجرات: 2.


( 117 )
و اليوم ترى الوهّابيّين قد نَصبوها على الجدار المقابل لقبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، و هم يقصدون بذلك المنع من رفع الأصوات هناك.

من هذا المنطلق يمكننا أن نستنتج من هذه الآية معنى واسعاً عامّاً، و هو أنّ للمسلمين اليوم أن يَقِفوا أمام قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و يسألوه أن يستغفر اللّه لهم.

و ليس لزيارة رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ معنىً سوى ما تضمّنته هذه الآية و أمثالها. إنّ هذه الآية تدلّ على موضوعين هما:

1ـ إنّ للإنسان أن يقف عند قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعد وفاته و يسأله أن يستغفر اللّه له. وسندرس هذا الموضوع مفصّلا في فصل قادم حول «التوسّل بأولياء اللّه» إن شاء اللّه تعالى.

2ـ إنّ هذه الآية تشهد على جواز زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، لأنّ حقيقة الزيارة لا تعني سوى «حضور الزائر عند المزور» فإذا كان الوقوف عند قبر النبي وسؤاله أن يستغفر اللّه لنا جائزاً فقد تحقَّق أمران:

1ـ سألناه أن يستغفر اللّه لنا.

2ـ حضرنا عنده و تحدَّثنا إليه، و الزيارة ليست إلاّ هذا.

استدلالٌ آخر

إنّ إجماع المسلمين على حُكم من الأحكام الشرعية في العصور المختلفة يُعتبر أوضح دليل على صحة ذلك الحكم و ثباته، و زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ هي من مصاديق هذه القاعدة، و تظهر لنا حقيقة الأمر لو راجعنا كتب الحديث و الفقه والأخلاق و التاريخ، و خاصّة «مناسك الحج» فيها.


( 118 )
و قد ذكر المرحوم العلاّمة الأميني استحباب زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ من اثنين و أربعين مصدراً من المصادر العلمية الإسلامية، و قد أورد في كتابه الغدير ـ ج 5 ص 106 إلى 129 ـ النصوص و العبارات الخاصّة بهذا الموضوع بدقَّة متناهية، و من الكتب الّتي اعتمدنا عليها في هذا المجال هي كالآتي:

1ـ «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» بقلم تقىّ الدين السبكي الشافعي المتوفّى سنة 706 هـ ، و قد ذكر في كتابه هذا جملة من كلمات العلماء في استحباب الزيارة استحباباً مؤكّداً.

2ـ «وفاء الوفا» بقلم السمهودي ـ المتوفّى 911 هـ ، و قد ذكر فيه أيضاً كلمات العلماء في استحباب الزيارة.

3ـ «الفقه على المذاهب الأربعة» تأليف أربعة من علماء المذاهب الأربعة، و قد جمعوا فيه فتاوى أئمة المذاهب الأربعة المشهورة عند السنَّة يقول هؤلاء:

«زيارة قبر النبىّ أفضل المندوبات، و رَدَ فيها أحاديث».(1)

و الآن... حان الوقت لذكر بعض الأحاديث الّتي رواها المحدّثون حول زيارة قبر النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

الأحاديث الشريفة حول زيارة قبر الرسول

إنّ الأحاديث الشريفة ـ الّتي رواها المحدّثون من أهل السنّة ـ حول زيارة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على حدٍّ تُغنيناً عن التحقيق في سَندها و رُواتها، بسبب كثرتها

ــــــــــــــــــــــ
1. الفقه على المذاهب الأربعة: 1/590.

( 119 )
و تواترها، و قد سجّلها الحفّاظ ـ من جميع المذاهب الإسلامية ـ في كتبهم وصحاحهم، و هي بمجموعها تدلّ على أنّ زيارة قبر رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كانت من المستحبّات الثابتة لديهم، و لو أردنا أن نذكر كلّ تلك الأحاديث لطال بنا المقام، و نكتفي بذكر بعضها فيما يلي:

1ـ عن عبداللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال:

«مَنْ زارَ قَبْري وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتي».

جاء هذا الحديث في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 590، و قد أفتى علماء المذاهب الأربعة وفقاً لهذا الحديث، وللاطّلاع على مصادره راجع كتاب وفاء الوفا ج 4 ص 1336.

و ممّا لا شكّ فيه أنّ حديثاً يرويه الحفّاظ و العلماء منذ منتصف القرن الثاني الهجري حتّى هذا اليوم لا يمكن أن يكون مُزوَّراً لا أساس له.

و قد تناول الشيخ تقيّ الدين السبكي البحث عن هذا الحديث و أسناده و رواته في كتابه القيّم: شفاء السقام(1) و أثبت صحة هذا الحديث و صوابه.

2ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ جاءني زائِراً (لا تَحْمِلُهُ) إلاّ زيارَتي، كانَ حَقاً عَلَىَّ أنْ أكُونَ شَفيعاً لَهُ يَوْمَ الْقِيامَة».

و قد ذكر هذا الحديث ستة عشر حافظاً و مُحدِّثاً في كتبهم، و قد تحدَّث تقي

ــــــــــــــــــــــ
1. ص 3ـ11، و هذا الكتاب هو خير ما كُتب مِن أهل السُّنة ضدّ ابن تيميّة حول تحريمه السفر لزيارة قبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله.

( 120 )
الدين السبكي ـ في كتابه المشار إليه ـ حول أسناده و رواته، و كذلك ذكره السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1340.

3ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَ لَمْ يَزرْني فَقَدْ جَفاني».

و قد روى هذا الحديث تسعة من كبار الشيوخ و حفّاظ الحديث، و ذكرهم بالتفصيل السمهودي في كتابه وفاء الوفا ج 4 ص 1342.

4ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَن حَجَ فَزارَ قَبْري بَعْدَ وفاتي كانَ كَمَنْ زارَني في حَياتي».

و قد روى هذا الحديث خمسة وعشرون شخصاً من أشهر المحدّثين و الحفّاظ في كُتبهم ومؤلّفاتهم، و قد تحدّث تقىّ الدين السبكي في كتابه المذكور حول سَند هذا الحديث، كما ذكره السمهودي في كتابه ج 4 ص 1340.

5ـ قال رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«من زار قبري (أو: من زارني) كُنتُ له شفيعاً»

و قد روى هذا الحديث ثلاثة عشر من المحدثين و الحفّاظ، و ذكرهم السمهودي في كتابه ج 4 ص 1347 .

6- قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

«مَنْ زارَني بَعْدَ مَوْتي فَكَأَنَّما زارَني في حَياتي».

كانت هذه نماذج من الأحاديث الكثيرة الّتي رويت عن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في دعوة الناس إلى زيارة قبره الشريف و التحريض عليها، و قد أحصى المرحوم الشيخ


( 121 )
الأميني ـ في كتاب الغدير ـ اثنين و عشرين حديثاً حول هذا الموضوع، و ذكر السمهودي ـ في كتابه ج 4 ص 1336 ـ سبعة عشر حديثاً و تحدَّث عن أسنادها و رواتها بما لا مزيد عليه.

فإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد دعا الناس إلى زيارة قبره الشريف، فإنّما هو لما فيها من النتائج والآثار و الفوائد المادّية و المعنويّة المقرونة بزيارته و زيارة سائر الشخصيات الدينية.

إنّالمسلمين بسبب زيارة قبر النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يتعرِّفون على مركز الإسلام و على الحوادث الّتي حدثت و تحدث فيه، و من هناك يكتسبون العلوم و المعارف الإسلامية و يحملونها معهم إلى أطراف الكرة الأرضية.

أدلَّة الوهّابيّين على حرمة السفر لزيارة القبور

إنّ الوهّابيّين ـ على ما يبدو ـ يُجوّزون أصل الزيارة، ولكنّهم يحرّمون السَّفر بهدف الزيارة.

يقول محمّد بن عبدالوهّاب ـ في الرسالة الثانية من رسائل الهديَّة السنيّة ـ :

«تُسنُّ زيارة النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلاّ أنّه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد و الصلاة فيه».

و الدليل الّذي يتمسّكون به في تحريم الزيارة هو الحديث المروىّ عن أبي هريرة!! أنّه قال: قال رسول اللّه:

«لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدي هذا وَ مَسْجِدِ الْحَرامِ وَمَسْجِد الأقصى».

و روي هذا الحديث بصورة أُخرى، و هي:


( 122 )
«إنَّما يُسافَرُ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مسْجِدِ الْكَعْبَةِ وَ مَسْجدي وَ مَسْجِدِ إيلِيا».

و روي أيضاً بصورة ثالثة، و هي:

«تُشَدُّ الرِّحالُ إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ...».(1)

لا شك في وجود هذا الحديث في الصحاح، و لسنا الآن في مقام مناقشة الحديث، لكون أبي هريرة في طريقه، بل مقصودنا هو مفاد الحديث.

و لنفرض أنّ نصّ الحديث هو: «لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ...» فمن الثابت أنّ «إلاّ» هي أداة استثناء و لابدّ من وجود المستثنى منه، و يجب تحديده، و بما أنه مففقود في النصّ فلابدّ من تقديره في الكلام، و قبل الأشارة إلى القرائن الموجودة يمكن تقدير المستثنى منه في صورتين:

1ـ لا تُشَدُّ إلى مَسْجِد مِنَ الْمَساجِد إلاّ ثَلاثة مَساجِد...

2ـ لا تُشَدُّ إلى مَكان مِنَ الأمْكِنَة إلاّ ثَلاثَة مَساجد...

إنّ فهم الحديث و الوقوف على معناه يتوقّف على ثبوت أحد هذين التقديرين، فإن اخترنا التقدير الأول كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أىّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، و لا يعني عدم جواز شدّ الرحال إلى أىّ مكان حتّى لو لم يكن مسجداً.

فلا يشمل النهي مَن يشدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء و الأئمة الطاهرين و الصالحين، لأنّ موضوع البحث هو شدّ الرحال إلى المساجد ـ باستثناء المساجد

ــــــــــــــــــــــ
1. أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4/126، كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال ; و ذكره أبو داود في سننه 1/469، كتاب الحج ; و كذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي: 2/37 ـ 38.

( 123 )
الثلاثة المذكورة ـ و أمّا شدّ الرحال إلى زيارة المشاهد المشرّفة فليس مشمولا للنهي و لا داخلا في موضوعه.

هذا على التقدير الأوّل.

و أمّا على التقدير الثاني فلازمُه أن تكون كافّة السفرات المعنويّة ـ ما عدا السفر إلى المناطق الثلاث المذكورة ـ محرَّمة، سواء أكان السفر من أجل زيارة المسجد أو زيارة مناطق أُخرى.

ولكن القرائن و الدلائل تُشير إلى أنّ التقدير الأوّل هو الصحيح، بناءً على صحة سَند الحديث و اعتباره.

أما القرائن على صحة التقدير الأوّل فهي كالآتي:

أوّلا: لأنّ المساجد الثلاثة هي المستثناة، و الاستثناء هنا متّصل ـ كما هو واضح ـ فلابدّ أن يكون المستثنى منه هو: المساجد لا المكان.(1)

ثانياً: لو كان الهدف هو منع كافَّة السفرات المعنويَّة لما صحَّ الحصر في هذا المقام، لأنّ الإنسان يشدّ الرحال في موسم الحجّ للسفر إلى «عرفات» و «المشعر» و «منى» فلو كانت السفرات الدينية ـ لغير المساجد الثلاثة ـ محرَّمة، فلماذا يُشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟!

ثالثاً: لقد أشار القرآن الكريم و الأحاديث الشريفة إلى بعض الأسفار الدينية، و جاء التحريض عليها و الترغيب فيها، كالسفر من أجل الجهاد في سبيل اللّه و طلب

ــــــــــــــــــــــ
1. لو قال قائل: ما جاء إلاّ زيد، فالمستثنى منه ـ في هذا الجملة ـ هو: الانسان أو القوم أو ما شابه ذلك، و ليس المستثنى منه كلمةُ عامّة كالشيء و الموجود، سواء كان إنساناً أو غيره.

( 124 )
العلم وصلة الرحم و زيارة الوالدين و ما شابه ذلك. فمن ذلك قوله تعالى:

(...فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ اِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(1)

و لهذا فقد فسَّر كبار الباحثين و المحقّقين الحديث المذكور بما أشرنا إليه، فمثلا يقول الغزالي ـ في كتاب إحياء العلوم ـ :

«القسم الثاني و هو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجٍّ أو جهاد... و يدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء ـ عليهم السلام ـ و زيارة قبور الصحابة و التابعين و سائر العلماء و الأولياء، و كلّ من يُتبرَّك بمشاهدته في حياته يُتبرّك بزيارته بعد وفاته، و يجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، و لا يَمنع من هذا قولهُ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، و المسجد الحرام و المسجد الأقصى» لأنّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، و إلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء و الأولياء و العلماء في أصل الفضل، و إن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه».(2)

وعلى ضوء هذا فالمنهىَّ عنه ـ في هذا الحديث ـ هو شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، من المساجد الأُخرى، و لا علاقة له بالسفر للزيارة أو لأهداف معنويَّة أُخرى.

و في الختام لابدّ من الأشارة إلى أنّ النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما قال: «لا تُشدّ الرحال

ــــــــــــــــــــــ
1. التوبة: 122.
2. كتاب إحياء علوم الدين للغزالي: 2 / 247، كتاب آداب السفر، طبعة دار المعرفة بيروت; الفتاوى الكبرى: 2/24.


( 125 )
إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» فإنّه لا يعني أنّ شدَّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام، بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إليها، و تحمّل مشاق السفر من أجل زيارتها، لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف ـ من حيث الفضيلة ـ مع الآخر اختلافاً كبيراً.(1) فالمسجد ـ سواء كان في المدينة أو في القرية أو في المنطقة ـ لا يختلف مع الآخر فثواب اقامة الصلاة في المسجد الجامع في أي بلد من البلاد واحد، فلا ملزم للسفر عندئذ لاقامة الصلاة في جامع مثله ، وعليه فلا داعي إلى أن يشدّ الإنسان الرحال إليه، أمّا إذا شدّ الرحال إليه فليس عمله هذا حراماً و لا مخالفاً للسُّنَّة الشريفة.

و يدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح و السُّنن:

«كان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يأتي مسجد قُبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين».(2)

ولنا أن نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال و قطع المسافات من أجل إقامة الصلاة ـ مخلصاً للّه ـ في بيت من بيوته سبحانه حراماً و منهياً عنه؟!!

ــــــــــــــــــــــ
1. إلاّ مسجد الكوفة فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة و لا يخفى أن المساجد الأُخرى تختلف في الفضيلة ـ كمسجد السوق و القبيلة لكن النهي انما هو السفر من مسجد الى مسجد مثله دون السفر من مسجد القبيلة الى جامع البلد.
2. صحيح مسلم: 4 / 127. و راجع في هذا المعنى صحيح البخاري: 2 / 76، السُّنن للنسائي المطبوع مع شرح السيوطي: 2 / 37.


( 126 )