http://www.imamsadeq.org كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 57 - ص 84

( 57 )


4

التوحيد في الربوبيّة


يستفاد من الكتاب العزيز انّ التوحيد في الخالقية كان موضع الوفاق عند الوثنيّين قال سبحانه:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ) . (1)

ومثله في سورة الزمر الآية 38.

وقال سبحانه:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنّى يُوَْفَكُونَ) . (2)

وأمّا مسألة التوحيد في التدبير فلم تكن أمراً مسلّماً عندهم، بل الشرك في التدبير كان شائعاً بين الوثنيين، كما انّ عبدة الكواكب والنجوم في عصر بطل التوحيد «إبراهيم» كانوا من المشركين في أمر التدبير، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الاَجرام العلوية هي المتصرّفة في النظام السفلي من العالم وانّ أمر تدبير الكون ومنه الاِنسان، فوّض إليها فهي أرباب لهذا العالم ومدبّرات له لا خالقات له، ولاَجل ذلك نجد انّ إبراهيم يردّ عليهم بإبطال ربوبيتها عن طريق الاِشارة إلى أُفولها وغروبها، يقول سبحانه حاكياً عنه:


____________
(1) لقمان : 25.
(2) الزخرف :87.


( 58 )

(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَباً قالَهذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ* فَلَمّا رَءَا الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لاََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّآلّينَ* فَلَمّا رَءَا الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ) . (1)

ترى أنّه _ عليه السلام _ استعمل كلمة الربّ في إحتجاجه مع المشركين، ولم يستعمل كلمة الخالق، للفرق الواضح بين التوحيدين وعدم إنكارهم التوحيد في الاَوّل وإصرارهم على الشرك في الثاني. (2)

ما هي حقيقة الربوبية والتدبير؟

لفظة الربّ في لغة العرب بمعنى المتصرّف والمدبّر والمتحمّل أمر تربية الشيء، وحقيقة التدبير جعل شيء عقيب آخر وتنظيم الاَشياء وتنسيقها بحيث يتحقق بذلك مطلوب كلّ منهما وتحصل له غايته المطلوبة له، وعلى هذا فحقيقة تدبيره سبحانه ليست إلاّ خلق العالم وجعل الاَسباب والعلل بحيث تأتي المعاليل والمسبّبات دبر الاَسباب وعقيب العلل، فيوَثّر بعض أجزاء الكون في البعض الآخر حتّى يصل كلّ موجود إلى كماله المناسب وهدفه المطلوب، يقول سبحانه:

(رَبُّنَا الَّذي أَعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).(3)


____________
(1) الاَنعام : 76 ـ 78.
(2) والمشركون في عصر الرسالة وإن كانوا معترفين بربوبيته تعالى بالنسبة إلى التدبير الكلّي لنظام العالم، كما يستفاد من الآية 31 من سورة يونس ونحوها، لكنّهم كانوا معتقدين بربوبية ما يعبدونه من الآلهة كما يدلّ عليه بعض الآيات القرآنية، كالآية 74 من سورة يس، و الآية 81 من سورة مريم.
(3) طه : 50.


( 59 )
ما هو المراد من التوحيد في الربوبيّة؟

التوحيد في الربوبيّة هو الاعتقاد بأنّ تدبير الحياة والكون ومنه الاِنسان كلّها بيد اللّه سبحانه وانّ مصير الاِنسان في حياته كلّها إليه سبحانه، ولو كان في عالم الكون أسباب ومدبّرات له، فكلّها جنود له سبحانه يعملون بأمره ويفعلون بمشيئته.

ويقابله الشرك في الربوبية وهو تصور انّ هناك مخلوقات للّه سبحانه لكن فوّض إليها أمر تدبير الكون ومصير الاِنسان في حياته تكويناً وتشريعاً.

وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي انّ الوثنيّة لم تكن معتقدة بربوبيّة الاَصنام الحجريّة والخشبية ونحوها بل كانوا يعتقدون بكونها أصناماً للآلهة المدبِّرة لهذا الكون، ولمّا لم تكن هذه الآلهة المزعومة في متناول أيديهم وكانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحسّ صعبة التصور عمدوا إلى تجسيم تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام من الخشب والحجر وصاروا يعبدونها عوضاً عن عبادة أصحابها الحقيقية وهي الآلهة المزعومة.

دلائل التوحيد في الربوبيّة

1. التدبير لا ينفكّ عن الخلق

إنّ النكتة الاَساسية في خطأ المشركين تتمثّل في أنّهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو موَسَّسة وتصوّروا أنّهما من نوع واحد، مع أنّهما مختلفان في الغاية، فإنّ تدبير الكون في الحقيقة إدامة الخلق والاِيجاد.


( 60 )

توضيح ذلك: أنّ كلّ فرد من النظام الكوني بحكم كونه فقيراً ممكناً فاقد للوجود الذاتي، لكن فقره ليس منحصراً في بدء خلقته وإنّما يستمرّ هذا الفقر معه في جميع الاَزمنة والاَمكنة وعلى هذا، فتدبير الكون لا ينفكّ عن خلقته وإيجاده بل الخلق تدبير باعتبار، والتدبير خلق باعتبار آخر.

فتدبير الوردة مثلاً ليس إلاّ تكوّنها من المواد السُّكرية في الاَرض ثمّ توليدها الاوكسجين في الهواء إلى غير ذلك من عشرات الاَعمال الفيزيائية والكيميائية في ذاتها وليست كلّمنها إلاّ شعبة من الخلق، ومثلها الجنين مذ تكوّنه في رحم الاَُمّ، فلا يزال يخضع لعمليّات التفاعل والنمو حتى يخرج من بطنها، وليست هذه التفاعلات إلاّ شعبة من عمليّة الخلق وفرع منه.

ولاَجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير والخلق نرى أنّه سبحانه بعدما يذكر مسألة خلق السماوات والاَرض يطرح مسألة تسخير الشمس والقمر الذي هو نوع من التدبير، قال تعالى:

(اللّهُ الّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْرِي لاََِجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الاََمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) . (1)

ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق وقد عرفت أنّ لا خالق إلاّ اللّه تعالى.

2. إنسجام النظام واتصال التدبير

إنّ مطالعة كلّ صفحة من الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى وجود نظام
____________
(1) الرعد: 2.


( 61 )
موحَّد وارتباط وثيق بين أجزائه، ومن المعلوم انّ وحدة النظام وانسجامه وتلائمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لاِرادة مدبِّرين لما كان من اتصال التدبير وانسجام أجزاء الكون أيّ أثر، لاَنّ تعدّد المدبّر و المنظِّـم ـ بحكم اختلافهمـا في الذات أو في الصفـات والمشخِّصـات ـ يستلـزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والاِرادة، وذلك ينافي الانسجام والتلائم في أجزاء الكون.

فوحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتلائمه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر وإلى هذا يشير قوله سبحانه:

(لَوْ كانَفِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا) . (1)

وهذا الاستدلال بعينه موجود في الاَحاديث المروية عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ يقول الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :

«دلّ صحّة الاَمر والتدبير وائتلاف الاَمر على أنّ المدبّر واحد». (2)

وسأله هشام بن الحكم:

ما الدليل على أنّ اللّه واحد؟

فقال _ عليه السلام _ :

«إتّصال التدبير وتمام الصنع، كما قال اللّه عزّ وجلّ:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدتا)» . (3)

ثمّ إنّ المراد من حصر الربوبيّة والتدبير باللّه سبحانه، هي الربوبيّة على وجه
____________
(1) الاَنبياء :22.
(2) توحيد الصدوق: الباب 36، الحديث 1.
(3) المصدر السابق: الحديث 2.


( 62 )
الاستقلال وبالذات، وذلك لا ينافي وجود مدبرات في الكون مسخرات للّه تعالى، قال سبحانه:

(فَالْمُدبِّراتِ أَمْراً) . (1)

وقال سبحانه:

(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) . (2)

فالاعتراف بمثل هذه المدبّرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في اللّه سبحانه.

شوَون التوحيد في الربوبية

إنّ للتوحيد في الربوبية نطاقاً واسعاً شاملاً لجميع المظاهر الكونية والحقائق الوجودية فلا مدبِّر في صفحة الوجود، بالذات وعلى وجه الاستقلال، سوى اللّه تعالى فهو ربّ العالمين لا ربّ سواه. فهذا إبراهيم بطل التوحيد يصف التوحيد في الربوبية بقوله:

(فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*وَالّذي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ* رَبِّ هَبْلِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحينَ) . (3)
____________
(1)النازعات :5.
(2) الاَنعام :61.
(3) الشعراء : 77ـ83.


( 63 )

وينبغي في ختام هذا البحث أن نشير إلى ثلاثة أقسام لها أهميّة خاصّة في حياة الاِنسان الاِجتماعية وهي تتفرّع على التوحيد في الخالقية والربوبيّة وهي:

1. التوحيد في الحاكمية

الحاكم هو الذي له تسلّط على النفوس والاَموال، والتصرّف في شوَون المجتمع بالاَمر والنهي، والعزل والنصب، والتحديد والتوسيع ونحو ذلك، ومن المعلوم انّ هذا يحتاج إلى ولاية له بالنسبة إلى المسلّط عليه، ولولا ذلك لعدّ التصرّف عدوانياً، هذا من جانب.

ومن جانب آخر الولاية على الغير متفرّع على كون الوالي مالكاً للمولّـى عليه أو مدبّر أُموره في الحياة، وبما انّ لا مالكية لاَحد على غيره إلاّ للّه تعالى ولا مدبِّر سواه، فانّه الخالق الموجد للجميع والمدبِّر للكون بأجمعه، فلا ولاية لاَحد على أحد بالذات سوى اللّه تعالى، فحقّ الولاية منحصر للّه تعالى.

قال سبحانه:

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) . (1)

وقال سبحانه:

(إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلينَ). (2)

و من جانب ثالث: انّ وجود الحكومة والحاكم البشري في المجتمع أمر ضروري كما أشار إليه الاِمام علي _ عليه السلام _ بقوله:


____________
(1) الشورى: 9.
(2) الاَنعام :57.


( 64 )

«لابدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر». (1)

ومن المعلوم انّ ممارسة الاِمرة وتجسيد الحكومة في الخارج ليس من شأنه سبحانه، بل هو شأن من يماثل المحكوم عليه في النوع ويشافهه ويقابله مقابلة الاِنسان للاِنسان، وعلى ذلك، فوجه الجمع بين حصر الحاكمية في اللّه سبحانه ولزوم كون الحاكم والاَمير بشراً كالمحكوم عليه، هو لزوم كون من يمثّل مقام الاِمرة مأذوناً من جانبه سبحانه لاِدارة الاَُمور والتصرّف في النفوس والاَموال، وأن تكون ولايته مستمدّة من ولايته سبحانه ومنبعثة منها.

وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أن تكون مشروعيّتها مستمدّة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه، وإذا كانت علاقتها منقطعة غير موصولة به سبحانه فهي حكومات طاغوتية لا مشروعيّة لها.

2. التوحيد في الطّاعة

لا شكّ انّ من شوَون الحاكم والولي، لزوم إطاعته على المحكوم والمولّى عليه، فإنّ الحكومة من غير لزوم إطاعة الحاكم تصبح لغواً، وقد تقدّم انّ الحاكم بالذات ليس إلاّ اللّه تعالى.

وعلى هذا، فليس هناك مطاع بالذّات إلاّ هو تعالى وأمّا غيره تعالى، فبما انّه ليس له ولاية ولا حكومة على أحد إلاّ بإذنه تعالى وباستناد حكومته إلى حكومته سبحانه، فليس له حقّ الطّاعة على أحد إلاّ كذلك.


____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 40.


( 65 )

قال تعالى:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَبِإِذْنِ اللّهِ) . (1)

وقال سبحانه:

(وَمَنْ أَطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّه) . (2)

3. التوحيد في التشريع

إنّ الربوبيّة على قسمين: تكوينيّة وتشريعيّة ودلائل التوحيد في الربوبيّة التكوينية يثبت التوحيد في الربوبيّة التشريعية أيضاً، فإنّ التقنين والتشريع نوع من التدبير، يدبّر به أمر الاِنسان والمجتمع البشري، كما انّه نوع من الحكومة والولاية على الاَموال والنفوس، فبما انّالتدبير والحكومة منحصرتان في اللّه تعالى، فكذلك ليس لاَحد حقّ التقنين والتشريع إلاّ له تعالى.

وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرّعين، بل هم متخصّصون في معرفة تشريعه سبحانه، ووظيفتهم الكشف عن الاَحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.

وأمّا ما تعورف في القرون الاَخيرة من إقامة مجالس النوّاب أو الشورى في البلاد الاِسلامية، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لاِعطاء البرنامج للمسوَولين في الحكومات في ضوء القوانين الاِلهيّة لتنفيذها، والتخطيط غير التشريع كما هو واضح.

وهناك آيات من الذكر الحكيم تدلّ بوضوح على اختصاص التشريع باللّه
____________
(1) النساء :64.
(2) النساء :80.


( 66 )
سبحانه نشير إلى بعضها:

قال سبحانه:

1.(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) . (1)

2. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) . (2)

3. (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الاِِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ). (3)


____________
(1) المائدة :44.
(2) المائدة :45.
(3) المائدة :47.


( 67 )


5

التوحيد في العبادة


التوحيد في العبادة ممّا اتّفق على اختصاصه باللّه سبحانه جميع المسلمين بل الاِلهيين، وهو الهدف والغاية الاَسنى من بعث الاَنبياء والمرسلين، قال سبحانه:

(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت). (1)

وناهيك في أهميّة ذلك انّ الاِسلام قرّره شعاراً للمسلمين يوَكّدون عليه في صلواتهم الواجبة والمندوبة بقولهم:

(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعين) . (2)

كما أنّ مكافحة النبي _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ بل وسائر الاَنبياء للوثنيين تتركّز على هذه النقطة غالباً كما هو ظاهر لمن راجع القرآن الكريم.

وبالجملة لا تجد مسلماً ينكر هذا الاَصل أو يشكّ فيه وإنّما الكلام في تشخيص مصاديق العبادة وجزئياتها عن غيرها، فترى انّ أتباع الوهّابيّة يرمون غيرهم بالشرك في العبادة بالتبرّك بآثار الاَنبياء والتوسّل بهم إلى اللّه سبحانه ونحو ذلك، فتمييز العبادة عن غيرها هي المشكلة الوحيدة في هذا المجال، فيجب قبل كلّ شيء دراسة واقعية عن حقيقة العبادة على ضوء العقل والكتاب والسنّة فنقول:


____________
(1) النحل :36.
(2) الفاتحة :5.


( 68 )
ما هي حقيقة العبادة؟

قد تعرّف العبادة بـ«الخضوع والتذلّل» أو «نهاية الخضوع» ولكنّهما تعريفان ناقصان لا يساعدهما القرآن الكريم.

توضيح ذلك: انّ القرآن الكريم أمر الاِنسان بالتذلّل لوالديه فيقول:

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغيراً) . (1)

فلو كان الخضوع والتذلّل عبادة لمن يتذلّل له لكان أمره تعالى بذلك أمراً باتّخاذ الشريك له تعالى في العبادة !

كما أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول:

(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ) . (2)

مع أنّ السجود نهاية التذلّل و الخضوع للمسجود له، فهل ترى أنّ اللّه سبحانه يأمر الملائكة بالشّرك في العبادة؟!

إنّ إخوة يوسف ووالديه سجدوا جميعاً ليوسف بعد استوائه على عرش الملك والسلطنة، كما يقول سبحانه:

(وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) . (3)

إذن ليس معنى العبادة التي تختصّ باللّه سبحانه ولا تجوز لغيره تعالى هو الخضوع والتذلّل، أو نهاية الخضوع، فما هي حقيقة العبادة؟


____________
(1) الاِسراء : 24.
(2) البقرة :34.
(3) يوسف: 100.


( 69 )

حقيقة العبادة ـ على ما يستفاد من القرآن الكريم ـ هي «الخضوع والتذلّل، لفظاً أو عملاً مع الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له» فما لم ينشأ الخضوع من هذا الاعتقاد، لا يكون عبادة، ويدلّ على ذلك الآيات الّتي تأمر بعبادة اللّه وتنهى عن عبادة غيره، معلّلة ذلك بأنّه لا إله إلاّ اللّه، كقوله سبحانه:

(وَيا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) . (1)

وقد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الكريم. (2)

ومعنى هذا التعليل انّ الذي يستحقّ العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلاّ اللّه، فإذا تحقّق وصف الاَُلوهية في شيء جازت ـ بل وجبت ـ عبادته واتّخاذه معبوداً، وحيث إنّ الوصف لا يوجد إلاّ في اللّه سبحانه وجب عبادته دون سواه.

والمراد من الاَُلوهيّة هو ما يعدّ من شوَون الاِله، أعني: الاستقلال في الذات والصفات والاَفعال، فمن اعتقد لشيء نحواً من الاستقلال إمّا في وجوده، أو في صفاته، أو في أفعاله وآثاره فقد اتّخذه إلهاً، والاَبحاث المتقدّمة حول التوحيد الذاتي والصفاتي والاَفعالي كانت هادفة لحصر الاَُلوهية المطلقة للّه سبحانه وإبطال أُلوهيّة غيره تعالى.

ثمّ إنّ المستفاد من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل ـ ويوَيده القرآن الكريم أيضاً ـ انّ معظم الاِنحرافات في مسألة التوحيد كان في مجال الربوبيّة والتدبير، فالمشركون مع اعترافهم بحصر الخالقية باللّه تعالى وانّ جميع من سواه مخلوق للّه سبحانه، كانوا معتقدين بوجود أرباب من دون اللّه وانّ لهم
____________
(1) الاَعراف :59.
(2) يمكن للقارىَ أن يراجع لذلك الآيات التالية: الاَعراف|65، 73، 85؛ هود|50، 61، 84؛ طه|14؛ الاَنبياء|25؛ الموَمنون|22ـ23.


( 70 )
الاَُلوهيّة في مجال الربوبيّة والتدبير، وكان الغرض من عبادتهم الاستنصار على الاَعداء والعزّة و الغلبة، يقول سبحانه:

(واتّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصُرون) (1)

ويقول سبحانه:

(واتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهةً ليَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) . (2)

و من هنا نرى أنّ قسماً من الآيات تعلّل الاَمر بحصر العبادة في اللّه وحده، بأنّه الرَّبّ ، فمن ذلك قوله سبحانه:

(وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَربَّكُمْ) . (3)

وقوله سبحانه:

(إِنَّ هذهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) . (4)

وقوله سبحانه:

(إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم). (5)

وغير ذلك من الآيات الّتي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبية. (6)ومن المعلوم انّالربوبيّة بالذات والاستقلال من شوَون الاَلوهيّة.


____________
(1) يس :74.
(2) مريم : 81.
(3) المائدة :72.
(4) الاَنبياء :92.
(5) آل عمران : 51.
(6) لاحظ الآيات الكريمات التاليات: يونس|3؛ الحجر|9؛ مريم|36، 65؛ الزخرف|64.


( 71 )
زبدة المقال

خلاصة القول في المقام، انّ أيَّ خضوع ينبع من الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالم أو ربّه أو فُوِّض إليه تدبير العالم كلّه أو بعضه، يكون الخضوع بأدنى مراتبه عبادة ويكون صاحبه مشركاً في العبادة إذا أتى به لغير اللّه، ويقابل ذلك الخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد، فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ من دون أن ينبع من الاعتقاد بأُلوهيّته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً، مثل سجود العاشق للمعشوقة، أو المرأة لزوجها، فإنّه وإن كان حراماً في الشريعة الاِسلامية لكنّه ليس عبادة بل حرام لوجه آخر، ولعلَّ الوجه في حرمته هو انّ السجود حيث إنّه وسيلة عامّة للعبادة عند جميع الاَقوام والملل، صار بحيث لا يراد منه إلاّ العبادة، لذلك لم يسمح الاِسلام بأن يستفاد منها حتّى في الموارد الّتي لا تكون عبادة، والتحريم إنّما هو من خصائص الشريعة الاِسلامية، إذ لم يكن حراماً قبله، وإلاّ لما سجد يعقوب وأبناوَه ليوسف _ عليه السلام _ إذ يقول عزّ وجلّ:

(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) . (1)

ومن هذا القبيل سجود الملائكة لآدم _ عليه السلام _ .

قال الجصّاص: قد كان السجود جائزاً في شريعة آدم _ عليه السلام _ للمخلوقين، ويشبه أن يكون قد كان باقياً إلى زمان يوسف _ عليه السلام _ ...إلاّ انّ السجود لغير اللّه على وجه التكرمة والتحيّة منسوخ بما روت عائشة وجابر وأنس انّ النبي _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ قال:

«ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقِّه عليها». (2)
____________
(1) يوسف :100.
(2) أحكام القرآن :1|32.


( 72 )
نتائج البحث

وعلى ما ذكرنا لا يكون تقبيل يد النبيّ أو الاِمام، أو المعلّم أو الوالدين، أو تقبيل القرآن أو الكتب الدينية، أو أضرحة الاَولياء، وما يتعلّق بهم من آثارٍ، إلاّتعظيماً وتكريماً، لا عبادة، وبذلك يتّضح انّكثيراً من الموضوعات الّتي تعرّفها فرقة الوهّابيّة عبادة لغير اللّه وشركاً به، ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنّما هو شرك وعبادة إذا كان المخضوع له معنوناً بالاَُلوهيّة وانّه فوّض إليه الخلق والتدبير والاِحياء والاِماتة والرزق وغير ذلك من شوَون الاِلهيّة المطلقة، أو الاعتقاد بأنّ في أيديهم مصير العباد في حياتهم الدنيوية والاَُخروية. وأمّا إذا كان بداعي تكريم أولياء اللّه تعالى كان مستحسناً عقلاً وشرعاً، لاَنّه وسيلة لاِبراز المحبّة والمودّة للصالحين من عباد اللّه تعالى الذي فيه رضاه سبحانه بالضّرورة.



( 73 )



الباب الثاني

في

أسمائه وصفاته تعالى


وفيه ستّة فصول:

1. كيف نتعرّف على صفاته تعالى؟

2. التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه.

3. الصفات الثبوتية الذاتية.

4. الصفات الثبوتية الفعلية.

5. الصفات الخبريّة.

6. الصفات السلبية.



( 74 )


( 75 )


الفصل الاَوّل

كيف نتعرّف على صفاته تعالى؟


اعتاد الاِنسان الساكن بين جدران الزمان والمكان أن يتعرّف على الاَشياء مقيّدة بالزمان والمكان موصوفة بالتحيّز والتجسيم، متَّسمة بالكيف والكم، إلى ذلك من لوازم المادَّة ومواصفات الجسمانية، فقد قضت العادة الملازمة للاِنسان، أعني: أُنسه بالمادّة واعتياده على معرفة كلّ شيء في الاِطار المادّي، أن يُصوِّر لربِّه صوراً خيالية على حسب ما يألفه من الاَُمور المادّية الحسيّـة، وقلَّ ما أن يتّفـق لاِنسان أن يتوجّه إلى ساحة العزّة والكبرياء ونفسه خالية عن المحاكاة.

بين التشبيه والتعطيل

على ذلك الاَساس افترق جماعة من الاِلهيين إلى مشبِّه ومعطِّل، فالاَوّلون تورّطوا في مهلكة التشبيه وشبّهوا بارئهم بإنسان له لحم، ودم، وشعر، وعظم، وله جوارح وأعضاء حقيقية من يد، ورجل، ورأس ويجوز عليه المصافحة والانتقال. (1)وإنكار بارىَ بهذه الاَوصاف المادّية المنكرة أولى من إثباته ربّاً
____________
(1) الملل والنحل :1|104.


( 76 )
للعالم، لاَنّ الاعتقاد بالبارىَ بهذه الصفات يجعل الاَُلوهية والدعوة إليها منكراً تتنفّر منه العقول والاَفكار المنيرة.

والطائفة الثانية أرادت التحرّز عن وصمة التشبيه وعار التجسيم فوقعت في إسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله، قائلة بأنّه ليس لاَحد الحكم على المبدأ الاَعلى بشيء من الاَحكام وليس إلى معرفته من سبيل إلاّبقراءة ما ورد في الكتاب والسنّة، فقالت: إنّالنجاة كلّ النجاة في الاعتراف بكلّ ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث ونقاش، فقد نقل عن سفيان بن عيينة انّه قال:

«كلّما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه».(1)

ما هو المسلك الصحيح؟

ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أنّ من الممكن التعرّف على صفاته سبحانه من طريق التدبّر وعلى ضوء ما أفاض اللّه سبحانه على عباده من نعمة العقل والفكر.

وحجّتهم في ذلك انّ اللّه سبحانه ما نصّعلى أسمائه وصفاته في كتابه وسنّة نبيّه إلاّلكي يتدبّر فيها الاِنسان بعقله وفكره في حدود الممكن، فهذا أمر يدعو إليه العقل والكتاب العزيز والسنّة الصحيحة.

ويكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أوائـل سـورة الحديد من قوله سبحانه:

(سَبَّحَ للّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ) .


____________
(1) الملل والنحل :1|93.


( 77 )

إلى قوله:

(وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور ) .

وما ورد في آخر سورة الحشر من قوله سبحانه:

(هُوَ اللّهُ الّذي لا إله إِلاّهُوَ المَلِكُ) .

إلى قوله:

(وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكيم) .

وغير ذلك من الآيات المتضافرة في بيان صفات ذاته وأفعاله تعالى.

فهل يظنّ عاقل انّ تلك الآيات المتكثّرة إنّما أنزلها اللّه تعالى لمجرّد القراءة والتلاوة، ولو كان كذلك فما معنى التدبّر في الآيات القرآنية الّذي دعا القرآن نفسه إليه بوجه أكيد؟

كلمة قيِّمة من الاِمام علي _ عليه السلام _

وهناك كلمة قيِّمة للاِمام علي _ عليه السلام _ تدعو إلى ذلك الطريق الوسط، قال _ عليهم السلام _ :

«لَمْ يُطْلِع العقول على تَحديد صِفته، وَلَم يَحجُبْها عن واجب مَعرفته». (1)

والعبارة تهدف إلى أنّ العقول وإن كانت غير مأذونة في تحديد الصفات الاِلهية، لكنّها غير محجوبة عن التعرّف حسب ما يمكن.

وأوضح دليل على قدرة العقل على البحث ودراسة الحقائق السفلية والعلوية حَثُّ الوحي على التعقّل سبع وأربعين مرَّة، وعلى التفكّر ثماني عشرة مرّة، وعلى التدبّر أربع مرّات في الكتاب العزيز.


____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 291.


( 78 )

وتخصيص هذه الآيات بما وقع في أُفق الحسّ تخصيص بلا دليل، ولو كان عمل السلف في هذا المجال حجّة فهذا الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ قد خاض في الاِلهيات في خطبه ورسائله وكلماته القصار، فلا ندري لماذا تحتج سلفيّة العصر الحاضر والماضي بعمل أهل الحديث من الحنابلة والاَشاعرة، ولا تحتجّ بفعل الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ ربيب أحضان النبيّ ص، وتلميذه الاَوّل وخليفة المسلمين أجمعين؟!

عودة نظريّة التعطيل في ثوب جديد

لقد عادت نظريّة التعطيل في العصر الحاضر بشكل جديد، وهو انّ التحقيق في المسائل الاِلهية لا يمكن إلاّمن خلال مطالعة الطبيعة، قال محمّد فريد وجدي:

«بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسيّة، والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لاَنّهما اللّذان أوصلا الاِنسان إلى هذه المنصَّة من العهد الروحاني». (1)

أقول: لا شكّ انّ القرآن يدعو إلى مطالعة الطبيعة كما مرَّ، إلاّ أنّ الكلام في مدى كفاية النظر في الطبيعة ودراستها في البرهنة على المسائل التي طرحها القرآن الكريم مثل قوله سبحانه:

(لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيءٌ) . (2)

(وَللّهِ الْمَثَلُ الاََعْلى) . (3)


____________
(1) على أطلال المذهب المادي:1|16.
(2) الشورى :11.
(3) النحل :60.


( 79 )

(لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى) . (1)

(هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . (2)

(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ) . (3)

إلى غير ذلك من المباحث والمعارف التي لا تنفع دراسة الطبيعة ومطالعة العالم المادّي في فكِّ رموزها والوقوف على حقيقتها، بل تحتاج إلى مبادىَ ومقدّمات عقلية وأُسس منطقية.

إنّ مطالعة الطبيعة تهدينا إلى أنّ للكون صانعاً عالماً قادراً، ولكن لا تهدينا إلى أجوبة عن سوَالات عديدة في هذا المجال، مثلاً: هل الصانع أزليّ أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركب، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا ؟

هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا ؟

هل لقدرته نهاية تقف عندها أو لا ؟

هل هو أوّل الاَشياء وآخرها ؟

هل هو ظاهر الاَشياء وباطنها ؟

فالاِمعان في عالم الطبيعة لا يفيد في الاِجابة عن هذه التساوَلات وغيرها من المعارف المطروحة في القرآن.

وعندئذٍ لا مناص عن سلوك أحد الطريقين: إمّا أن يصار إلى التعطيل وتحريم البحث حول هذه المعارف، وإمّا الاِذعان بوجود طريق عقلي يوصلنا إلى تحليل هذه المعارف، وبما انّ التعطيل مخالف لصريح العقل والنقل، فالمتعيّن هو الطريق الثاني وهو المطلوب.


____________
(1) طه : 8.
(2) الحديد :3.
(3) الحديد :4.


( 80 )


الطرق الصحيحة إلى معرفة صفاته تعالى


قدعرفت أنّ ذاته سبحانه وأسماءه وصفاته، وإن كانت غير مسانخة لمدركات العالم المحسوس، لكنّها ليست على نحو يستحيل التعرّف عليها بوجه من الوجوه، ومن هنا نجد أنّ الحكماء و المتكلّمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرّف على ملامح العالم الربوبي، وها نحن نشير إلى هذه الطرق:

الاَوّل: الطريق العقلي

إذا ثبت كونه سبحانه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، فإنّ هذا الاَمر يمكن أن يكون مبدأً لاِثبات كثير من الصفات الجلالية، فانّ كلّ وصف استلزم خللاً في غناه و نقصاً له، انتفى عنه ولزم سلبه عن ذاته.

وقد سلك الفيلسوف الاِسلامي نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية حيث قال:

«وجوب الوجود يدلُّ على سرمديته، ونفي الزائد، والشريك، والمثل، والتركيب بمعانيه، والضد، و التحيّز، و الحلول، والاتحاد، والجهة، وحلول الحوادث فيه، و الحاجة، والاَلم مطلقاً، واللذة المزاجية، والمعاني، والاَحوال، والصفات الزائدة والروَية».

بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لاِثبات سلسلة من الصفات الثبوتية حيث قال:


( 81 )

«وجوب الوجود يدل على ثبوت الجود، والملك، والتمام، والحقيّة، والخيرية، والحكمة، والتّجبُّر، والقهر، والقيُّومية». (1)

وقد سبقه إلى ذلك موَلّف الياقوت إذ قال:

«وهو(وجوب الوجود) ينفي جملة من الصفات عن الذات الاِلهية وانّه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا حالاّ ً في شيء، ولا تقوم الحوادث به وإلاّ لكان حادثاً».(2)

وعلى ذلك يمكن الاِذعان بما في العالم الربوبي من الكمال والجمال بثبوت أصل واحد وهو كونه سبحانه موجوداً غنياً و اجب الوجود، لاَجل بطلان التسلسل الذي عرفته، وليس إثبات غناه ووجوب وجوده أمراً مشكلاً على النفوس.

ومن هذا تنفتح نوافذ على الغيب والتعرّف على صفاته الثبوتية والسلبية، وستعرف البرهنة على هذه الصفات من هذا الطريق.

الثاني: المطالعة في الآفاق والاَنفس

من الطرق والاَُصول التي يمكن التعرّف بها على صفات اللّه، مطالعة الكون المحيط بنا، وما فيه من بديع النظام، فإنّه يكشف عن علم واسع وقدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيات الكامنة فيه، وكلّ القوانين التي تسود الكائنات، فمن خلال هذه القاعدة وعبر هذا الطريق أي مطالعة الكون، يمكن للاِنسان أن يهتدي إلى قسم كبير من الصفات الجمالية، وبهذا يتبيّن أنّ ذات اللّه سبحانه وصفاته ليست محجوبة عن التعرّف المطلق وغير واقعة في أُفق التعقّل، حتّى
____________
(1) كشف المراد: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة:7ـ21.
(2) أنوار الملكوت في شرح الياقوت:76، 80، 81، 99.


( 82 )
نعطّل العقول، وقد أمر الكتاب العزيز بسلوك هذا الطريق، يقول سبحانه:

(قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ) . (1)

وقال سبحانه:

(إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لاَُولي الاََلْبابِ).(2)

وقال سبحانه:

(إِنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلقَ اللّه فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ لآياتٍ لِقَومٍ يَتَّقُونَ) . (3)

الثالث: الرجوع إلى الكتاب والسنّة الصحيحة

وهناك أصل ثالث يعتمد عليه أتباع الشرع، وهو التعرّف على أسمائه وصفاته وأفعاله بما ورد في الكتب السماويّة وأقوال الاَنبياء وكلماتهم، وذلك بعدما ثبت وجوده سبحانه وقسم من صفاته، ووقفنا على أنّ الاَنبياء مبعوثون من جانب اللّه وصادقون في أقوالهم وكلماتهم.

وباختصار، بفضل الوحي ـ الّذي لا خطأ فيـه ولا زلل ـ نقـف على ما في المبدأ الاَعلى من نعوت وشوَون، فمن ذلك قوله سبحانه:

(هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ
____________
(1) يونس :101.
(2) آل عمران :190.
(3) يونس :6.


( 83 )
الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيْزُ الْجَبارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللّهُ الْخالِقُ الْبارِىَُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ) . (1)

الرابع: الكشف والشهود

وهناك ثلّة قليلة يشاهدون بعيون القلوب ما لا يدرك بالاَبصار، فيرون جماله وجلاله وصفاته وأفعاله بإدراك قلبي، يدرك لاَصحابه ولا يوصف لغيرهم.

والفتوحات الباطنية من المكاشفات أو المشاهدات الروحية والاِلقاءات في الروع غير مسدودة، بنص الكتاب العزيز.

قال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) . (2)

أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل، وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال بل بالشهود والمكاشفة.

وقال سبحانه:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُوَْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِر لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ) . (3)

والمراد من النور هو ما يمشي الموَمن في ضوئه طيلة حياته في معاشه
____________
(1) الحشر :22ـ23.
(2) الاَنفال :29.
(3) الحديد :28.


( 84 )
ومعاده، في دينه ودنياه. (1)

وقال سبحانه:

(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) . (2)

إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أنّ الموَمن يصل إلى معارف وحقائق في ضوء المجاهدة والتقوى، إلى أن يقدر على روَية الجحيم في هذه الدنيا المادية.

قال سبحانه:

(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقين* لَتَرَوُنَّ الْجَحيم) . (3)

نعم ليس كلُّ من رمى، أصاب الغرض، وليست الحقائق رمية للنبال، وإنّما يصل إليها الاَمثل فالاَمثل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية والفتوحات الباطنية إلاّ النزر القليل ممّن خلَّص روحه وصفّا قلبه.



____________
(1) أمّا في الدنيا فهو النور الذي أشار إليه سبحانه بقوله:
(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَبِخارِجٍ مِنْها) . (الاَنعام:122).
وأمّا في الآخرة فهو ما أشار إليه سبحانه بقوله:
(يَوْمَ تَرَى الْمُوَْمِنينَ وَ المُوَْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) .( الحديد:12).
(2) العنكبوت :29.
(3) التكاثر :5ـ 6.