http://www.imamsadeq.org كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 30 - ص 56

( 30 )


3

برهان الحدوث


من البراهين التي يُستدلّ بها على إثبات وجود خالق الكون، برهان الحدوث، وقد استدلّ به إمام الموحّدين علي _ عليه السلام _ على وجود اللّه سبحانه وأزليّته في مواضع من كلماته وخطبه التوحيدية، منها قوله _ عليه السلام _ :

«الحمد للّه الّذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدالّ على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده».(1)

يعني انّ حدوث العالم يدلّ على محدِث له وهو اللّه تعالى، وإذا كان العالم بوصف كونه حادثاً مخلوقاً له تعالى، فهو قديم أزلي، وإلاّ كان حادثاً واحتاج إلى محدث، هذا خلف.

تعريف الحدوث وأقسامه

الحدوث وصف للوجود باعتبار كونه مسبوقاً بالعدم وهو على قسمين:

الاَوّل: الحدوث الزماني وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم الزماني كمسبوقيّة اليوم بالعدم في أمس ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس.


____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 185.


( 31 )

والثاني: الحدوث الذّاتي وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم في ذاته، كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلّة خارجة من ذاتها، وليس لها في ماهيتها وحدّ ذاتها إلاّ العدم، هذا حاصل ما ذكروه في تعريف الحدوث وتقسيمه إلى الزماني والذاتي والتفصيل يطلب من محلّه. (1)

ثمّ إنّ مرجع الحدوث الذاتي إلى الاِمكان الذاتي، فالاستدلال بالحدوث الذاتي راجع إلى برهان الاِمكان والوجوب، فلنركّز البرهان هنا على الحدوث الزّماني فنقول:

العلوم الطبيعيّة وحدوث الحياة في عالم المادّة

أثبت العلم بوضوح أنّ هناك انتقالاً حراريّاً مستمرّاً من الاَجسام الحارّة إلى الاَجسام الباردة، ولا تتحقّق في عالم الطبيعة عملية طبيعية معاكسةً لذلك، ومعنى ذلك انّ الكون يتّجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الاَجسام من حيث الحرارة وعند ذلك لن تتحقّق عمليات كيميائيّة أو طبيعيّة، ويستنتج من ذلك:

إنّ الحياة في عالم المادّة أمر حادث ولها بداية، إذ لو كانت موجوداً أزلياً وبلا إبتداء لزم استهلاك طاقات المادّة، وانضباب ظاهرة الحياة المادّية منذ زمن بعيد.

وإلى ما ذكرنا أشار «فرانك آلن» أُستاذ علم الفيزياء بقوله:

«قانون«ترموديناميا» أثبت انّ العالم لا يزال يتّجه إلى نقطة تتساوى فيها درجة حرارة جميع الاَجسام، ولا توجد هناك طاقة موَثِّرة لعمليّة الحياة، فلو لم يكن للعالم بداية وكان موجوداً من الاَزل لزم أن يقضى للحياة أجلها منذ أمدٍ بعيدٍ، فالشَّمس المشرقة والنجوم والاَرض
____________
(1) لاحظ بداية الحكمة: المرحلة 9، الفصل 3.


( 32 )
المليئة من الظواهر الحيويّة وعملياتها أصدق شاهد على أنّ العالم حدث في زمان معيَّن، فليس العالم إلاّمخلوقاً حادثاً». (1)

تقرير برهان الحدوث

ممّا تقدّم تبيَّنت صغرى برهان الحدوث وهي انّ الحياة في العالم المادّي حادث، فليس بذاتي له، (2)وليُضمَّ إليها الاَصل البديهي العقلي وهو انّ كلّ أمر غير ذاتي معلَّل، كما انّ كلّ حادث لابدّ له من محدث وخالق، فما هو المحدث لحياة المادة؟ إمّا هي نفسها أو غيرها؟ولكنّ الفرض الاَوّل باطل، لاَنّ المفروض انّها كانت قبل حدوث الحياة لها فاقدة لها، وفاقد الشيء يستحيل أن يكون معطياً له، فلا مناص من قبول الفرض الثاني، فهناك موجود آخر وراء عالم المادّة هو الموجد للمادّة ومحدث الحياة لها.

إلى هنا تمّ دور الحدوث الزماني في البرهان، وأنتج انّ هناك موجوداً غير مادّي، محدثاً لهذا العالم المادّي، وامّا انّ ذلك المحدث هل هو ممكن أو واجب، وحادث أو قديم، فلابدّ لاِثباته من اللجوء إلى برهان الاِمكان وامتناع الدور والتسلسل المتقدّم بيانها.


____________
(1) اثبات وجود خدا(فارسي): 21.يحتوي الكتاب على مقالات من أربعين من المتمهرين في العلوم المختلفة ، جمعها العالم المسيحي «جان كلورمونسما».
(2) إثبات الحدوث الزماني للعالم المادّي لا ينحصر فيما ذكر في المتن من طريق العلم التجريبي، بل هناك طريق أدقّ منه اكتشفها الفيلسوف الاِسلامي العظيم صدر المتألهين _ قدّس سرّه ـ على ضوء ما أثبته من الحركة الجوهرية للمادّة، قال في رسالة الحدوث بعد إثبات الحركة الجوهرية:«قد علَّمناك وهديناك طريقاً عرشياً لم يسبقنا أحد من المشهورين بهذه الصناعة النظرية في إثبات حدوث العالم الجسماني بجميع ما فيه من السّماوات والاَرضين وما بينهما حدوثاً زمانياً تجدّدياً...» ـ الرسائل: 48 ـ ولشيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ تحقيق جامع حول مسألة الحركة الجوهرية وما يترتب عليها من حدوث عالم المادّة، راجع كتاب «اللّه خالق الكون».


( 33 )
الاِجابة عن شبهة رسل

إنّ لبرترند رسل هاهنا شبهة يجب أن نجيب عنها وهي: انّه بعد الاِشارة إلى قانون «ترموديناميا» وما يترتب عليه من حدوث العالم المادّي، قال:

«لا يصحّ أن يستنتج منه أنّ العالم مخلوق لخالق وراءه، لاَنّ استنتاج وجود الخالق استنتاج علّي والاستنتاج العلِّي في العلوم غير جائز إلاّ إذا انطبقت عليه القوانين العلمية، ومن المعلوم استحالة إجراء العمليّة التجريبيّة على خلقة العالم من العدم، ففرض كون العالم مخلوقاً لخالق محدث، ليس أولى من فرض حدوثه بلا علّة محدثة، فانّ الفرضين مشتركان في نقض القوانين العلميّة المشهودة لنا». (1)

والجواب عنها: انّ برهان الحدوث ـ كما عرفت ـ متشكّل من مقدّمتين، الاَُولى: حدوث العالم، وهذا نتيجة واضحة من الاَبحاث العلمية التجريبيّة، والثانية: الاَصل العقلي البديهي، وليس هذا مستفاداً من الاَبحاث العلمية، بل هو خارج عن نطاق العلم التجريبي رأساً وتنطبق عليها قوانينها، فإن كان مراد رسل من تساوي فرض مخلوقية العالم وفرض وجوده صدفةً أنّهما خارجتان عن نطاق العلوم التجريبيّة، فصحيح، لكنّهما غير متساويين عند العقل الصريح الّذي هو الحاكم الفريد في أمثال هذه الاَبحاث العقلية الخارجة عن نطاق العلوم التجريبيّة الحسيّة، فكأنّ رسل رفض العقل والبراهين العقليّة وحصر طريق الاستدلال على طريقة الحسّ والاستقراء والتجربة، كما هو مختار جميع الفلاسفة الحسّيّين الاَوروبيّين وغيرهم، وقد برهن على فساد هذا المبنى في محلّه.


____________
(1) جهان بيني علمي (فارسي):114.


( 34 )


( 35 )


الفصل الثالث

التوحيد و مراتبه


يحتلّ التوحيد المكانة العليا في الشرائع السماوية، فكان أوّل كلمة في تبليغ الرسل الدعوة إلى التوحيد و رفض الثنوية والشرك، يقول سبحانه:

(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ...). (1)

ولاَجل ذلك يجب على الاِلهي التركيز على مسألة التوحيد أكثر من غيرها، واستيفاء الكلام فيه موقوف على البحث حول أهمِّ مراحل التوحيد، وهي:

1. التوحيد في الذات.

2. التوحيد في الصفات.

3. التوحيد في الخالقية.

4. التوحيد في الربوبية.

5. التوحيد في العبادة.

وإليك دراسة المواضيع المتقدّمة:


____________
(1) النحل :36.


( 36 )


1

التوحيد في الذات


يعنى بالتوحيد في الذات أمران: الاَوّل انّ ذاته سبحانه بسيط لا جزء له، والثاني انّ ذاته تعالى متفرِّد ليس له مثل ولا نظير، وقد يعبَّر عن الاَوّل بأحديّة الذات وعن الثاني بواحديّته . وقد ورد في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _ :

«انّه تعالى واحد أحديّ المعنى». (1)

البرهان على بساطة ذاته تعالى

اعلم أنّ التركيب على أقسام:

1. التركيب من الاَجزاء العقلية فقط.

2. التركيب منهما ومن الاَجزاء الخارجية كالمادّة والصورة والاَجزاء العنصرية.

3. التركيب من الاَجزاء المقدارية كأجزاء الخط والسطح. والمدّعى انّ ذاته تعالى بسيط ليس بمركب من الاَجزاء مطلقاً.

والدليل على أنّه ليس مركّباً من الاَجزاء الخارجية والمقدارية انّه سبحانه منزّه عن الجسم والمادّة كما سيوافيك البحث عنه في الصفات السلبية.


____________
(1) التوحيد، للشيخ الجليل الصدوق :الباب 11، الحديث 9.


( 37 )

والبرهان على عدم كونه مركباً من الاَجزاء العقلية هو انّ واجب الوجود بالذات لا ماهية له، وما لا ماهية له ليس له أجزاء عقلية الّتي هي الجنس والفصل.(1)

والوجه في انتفاء الماهية عنه تعالى بهذا المعنى هو انّ الماهيّة من حيث هي هي، مع قطع النظر عن غيرها، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، فكلّ ماهيّة من حيث هي، تكون ممكنة، فما ليس بممكن، لا ماهيّة له واللّه تعالى بما انّه واجب الوجود بالذات، لا يكون ممكناً بالذات فلا ماهيّة له.

دلائل وحدانيته:

التعدّد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الاَمر المشترك، وذلك يستلزم تركب كلّ منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز، وقد عرفت انّ واجب الوجود بالذات بسيط ليس مركّباً لا من الاَجزاء العقلية ولا الخارجية.

صرف الوجود لا يتثنّى ولا يتكرّر

قد تبيّن انّ واجب الوجود بالذات لا ماهيّة له، فهو صرف الوجود، ولا يخلط وجوده نقص وفقدان، ومن الواضح انّ كلّ حقيقة من الحقائق إذا تجرّدت
____________
(1) انّ الماهية تطلق على معنيين: أحدهما ما يقال في جواب «ما» الحقيقية ويعبَّر عنها بالذات والحقيقة أيضاً، وثانيهما ما يكون به الشيء هو هو بالفعل، أي الهويّة، و المراد من نفي الماهية عنه سبحانه هو المعنى الاَوّل.


( 38 )
عن أيّ خليط وصارت صرف الشيء، لا يمكن أن تثنّى وتعدّد.

وعلى هذا، فإذا كان سبحانه ـ بحكم انّه لا ماهيّة له ـ وجوداً صرفاً، لا يتطرّق إليه التعدّد، ينتج انّه تعالى واحد لا ثاني له ولا نظير وهو المطلوب.

التوحيد الذاتي في القرآن والحديث

إنّ القرآن الكريم عندما يصف اللّه تعالى بالوحدانية، يصفه بـ«القهّاريّة» ويقول:

(هُوَ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) . (1)

وبهذا المضمون آيات متعدّدة أُخرى في الكتاب المجيد، وما ذلك إلاّ لاَنّ الموجود المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، فاللاّ محدودية تلازم وصف القاهرية.

ومن هنا يتضح انّ وحدته تعالى ليست وحدة عددية ولا مفهومية، قال العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :

«إنّ كلاً من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع، والوحدة النوعية كالاِنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الاَنواع الكثيرة، مقهور بالحدّ الذي يميّز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّشيء، فليس بمحدود في شيء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحقّ لا يعرضه باطل، فللّه من كلّ كمال محضه». (2)
____________
(1) الزمر :4
(2) الميزان :6|88 ـ 9 8 بتلخيص.


( 39 )

ثمّ إنّ إمام الموحّدين عليّاً _ عليه السلام _ عندما سئل عن وحدانيّته تعالى، ذكر للوحدة أربعة معان، اثنان منها لا يليقان بساحته تعالى واثنان منها ثابتان له.

أمّا اللّذان لا يليقان بساحته تعالى، فهما: الوحدة العددية والوحدة المفهومية حيث قال:

«فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه، فقول القائل واحد يقصد به باب الاَعداد، فهذا مالا يجوز، لاَنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاَعداد، أما ترى انّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز لاَنّه تشبيه وجلّ ربُّنا وتعالى عن ذلك».

وأمّا اللذان ثابتان له تعالى، فهما: بساطة ذاته، وعدم المثل والنظير له، حيث قال:

«وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الاَشياء شبه... وانّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى... لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم...». (1)

ثمّ إنّ في سورة التوحيد أُشير إلى هذين المعنيين، فإلى المعنى الاَوّل، أُشير بقوله تعالى:

(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) .

وإلى المعنى الثاني بقوله تعالى:

(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) .


____________
(1) التوحيد للصدوق: الباب 3، الحديث 3.


( 40 )
نظريّة التثليث عند النصارى

إنّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلاميّة تحكي عن أنّ الاعتقاد بالتثليث من المسائل الاَساسية التي تبنى عليها عقيدتهم، ولا مناص لاَيِّ مسيحي من الاعتقاد به، وفي عين الوقت يعتبرون أنفسهم موحّدين غير مشركين، وانّ الاِله في عين كونه واحداً ثلاثة ومع كونه ثلاثة واحد أيضاً.

وأقصى ما عندهم في تفسير الجمع بين هذين النقيضين هو انّ عقيدة التثليث عقيدة تعبّديّة محضة ولا سبيل إلى نفيها وإثباتها إلاّ الوحي، فإنّها فوق التجربيات الحسيّة والاِدراكات العقليّة المحدودة للاِنسان.

نقد هذه النظرية

ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استناد هذه النظرية إلى الوحي من طريق الاَناجيل مردود، لاَنّها ليست كتباً سماوية، بل تدلّ طريقة كتابتها على أنّها أُلّفت بعد رفع المسيح إلى اللّه سبحانه أو بعد صلبه على زعم المسيحيين، والشاهد انّه وردت في آخر الاَناجيل الاَربعة كيفية صلبه ودفنه ثمّ عروجه إلى السماء.

أضف إلى ذلك انّ عقيدة التثليث بالتفسير المتقدّم مشتملة على التناقض الصريح، إذ من جانب يعرّفون كلّ واحد من الآلهة الثلاثة بأنّه متشخّص ومتميّز عن البقية، وفي الوقت نفسه يعتبرون الجميع واحداً حقيقة لا مجازاً، أفيمكن الاعتقاد بشيء يضادّ بداهة العقل، ثمّ إسناده إلى ساحة الوحي الاِلهي؟!

وثانياً: نسأل ما هو مقصودكم من الاَقانيم والآلهة الثلاثة الّتي تتشكّل منها الطبيعة الاِلهية الواحدة، فإنّ لها صورتين لا تناسب واحدة منهما ساحته سبحانه:


( 41 )

1. أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجوداً مستقلاً عن الآخر بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص، ويكون لكلّ واحد من هذه الاَقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة مميزة عمّا سواها.

لكن هذا هو الاعتقاد بتعدّد الاِله الواجب بذاته، وقد وافتك أدلّة وحدانيته تعالى.

2. أن تكون الاَقانيم الثلاثة موجودة بوجود واحد، فيكون الاِله هو المركّب من هذه الاَُمور الثلاثة، وهذا هو القول بتركّب ذات الواجب، وقد عرفت بساطة ذاته تعالى.(1)

تسرّب خرافة التثليث إلى النصرانية

إنّ التاريخ البشري يرينا انّه طالما عمد بعض أتباع الاَنبياء ـ بعد وفاة الاَنبياء أو خلال غيابهم ـ إلى الشرك والوثنية، تحت تأثير المضلّين، إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى _ عليه السلام _ أظهر نموذج لما ذكرناه وهو ممّا أثبته القرآن والتاريخ، وعلى هذا فلا عجب إذا رأينا تسرُّب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح _ عليه السلام _ وغيابه عن أتباعه.

إنّالقرآن الكريم يصرّح بأنّ التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح، من العقائد الخرافية السابقة عليها، حيث يقول تعالى:


____________
(1) فإن قلت: إنّهاهنا تفسيراً آخر للتثليث وهو انّ الحقيقة الواحدة الاِلهية تتجلّى في أقانيم ثلاثة.
قلت: تجلّي تلك الحقيقة فيها لا يخلو عن وجهين: الاَوّل، أن تصير بذلك ثلاث ذوات كلّ منها واجدة لكمال الحقيقة الاِلهية، وهذا ينافي التوحيد الذاتي. والثاني أن تكون الذات الواجدة لكمال الاَُلوهية واحدة ولها تجلّيات صفاتية وأفعالية ومنها المسيح وروح القدس، وهذا وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه ليس من التثليث الذي يتبنّاه المسيحيون في شيء .


( 42 )

(وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُوَْفَكُونَ) . (1)

لقد أثبتت الاَبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية والهندوكيّة قبل ميلاد السيّد المسيح بمئات السنين، فقد تجلّى الربّ الاَزلي الاَبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:

1. براهما (الخالق).

2. فيشنوا (الواقي).

3. سيفا (الهادم).

وبذلك يظهر قوّة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» قال:

«لقد واصلت المسيحية تطوّرها في القرون الخمسة الاَُولى من حياتها، مع أخذ ما تيسّر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والاِيرانية التي انتشرت في المناطق الاَُوروبية حوالي القرن الاَوّل الميلادي فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوّناً من الاَب والابن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكوّن من [نروبى تر] و[وزنون] و[نرو]». (2)



____________
(1) التوبة :30.
(2) قصّة الحضارة، ويل دورانت (معاصر).


( 43 )


2

التوحيد في الصفات


اختلف الاِلهيون في كيفية إجراء صفات اللّه الذاتية عليه سبحانه على قولين:

الاَوّل: عينية الصفات مع الذات، وهذا ما تبنّاه أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ واختاره الحكماء الاِلهيون وعليه جمهور المتكلّمين من الاِماميّة والمعتزلة وغيرهما.

والثاني: زيادتها على الذات وهو مختار المشبِّهة من أصحاب الصفات والاَشاعرة، قال الشيخ المفيد في هذا المجال:

«إنّ اللّه عزّ وجلّ اسمه حيّ لنفسه لا بحياة، وانّه قادر لنفسه وعالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبِّهة من أصحاب الصفات ... وهذا مذهب الاِمامية كافّة والمعتزلة إلاّ من سمّيناه (1)وأكثر المرجئة وجمهور الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث والمكِّمة».(2)

قوله: «لا بحياة» يعني حياة زائدة على الذات، وقوله:«لا بمعنى» أي صفة زائدة كالعلم والقدرة.

إذا عرفت ذلك فاعلم: انّ الصحيح هو القول بالعينيّة، فإنّ القول بالزيادة
____________
(1) المراد أبو هاشم الجبّائي.
(2) أوائل المقالات :56.


( 44 )
يستلزم افتقاره سبحانه في العلم بالاَشياء وخلقه إيّاها إلى أُمور خارجة عن ذاته، فهو يعلم بعلم هو سوى ذاته، ويخلق بقدرة هي خارجة عن حقيقته وهكذا، والواجب بالذات منزّه عن الاحتياج إلى غير ذاته، والاَشاعرة وإن كانوا قائلين بأزليّة الصفات مع زيادتها على الذات، لكنّ الاَزلية لا ترفع الفقر والحاجة عنه، لاَنّ الملازمة غير العينية، قال الاِمام علي _ عليه السلام _ :

«وكمال الاِخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة انّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله».(1)

وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :

«لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربُّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور». (2)

فإن قلت: لا شكّ انّ للّه تعالى صفات وأسماء مختلفة أُنهيت في الحديث النبوي المعروف إلى تسع وتسعين، فكيف يجتمع ذلك مع القول بالعينيّة ووحدة الذات والصفات؟

قلت: كثرة الاَسماء والصفات راجعة إلى عالم المفهوم، مع أنّ العينية ناظرة إلى مقام الواقع العيني، ولا يمتنع كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علماً وقدرة وحياة ومع ذلك فينتزع منه باعتبارات مختلفة صفات متعدّدة متكثّرة، وهذا كما انّ الاِنسان الخارجي مثلاً بتمام وجوده مخلوق للّه سبحانه، ومعلوم له
____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة الاَُولى.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 11، الحديث 1.


( 45 )
ومقدور له، من دون أن يخصّ جزء منه بكونه معلوماً وجزء آخر بكونه مخلوقاً أو مقدوراً، بل كلّه معلوم وكلّه مخلوق، وكلّه مقدور.

ثمّ إنّ الشيخ الاَشعري استدلّ على نظرية الزيادة بوجهين:

الاَوّل: انّه يستحيل أن يكون العلم عالماً، أو العالم علماً، ومن المعلوم انّ اللّه عالم، ومن قال: إنّ علمه نفس ذاته لا يصحّ له أن يقول إنّه عالم، فتعيّن أن يكون عالماً بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الحكم باستحالة اتحاد العلم والعالم وعينيتهما مأخوذ عمّا نعرفه في الاِنسان ونحوه من الموجودات الممكنة في ذاتها ولا شكّ في مغايرة الذات والصفة في هذا المجال، ولكن لا يصحّ تسرّيته إلى الواجب الوجود بالذات، فإذا قام البرهان على العينية هنا، فلا استحالة في كون العلم عالماً وبالعكس.

الثاني: لو كان علمه سبحانه عين ذاته لصحّ أن نقول: يا علم اللّه اغفر لي وارحمني. (2)

يلاحظ عليه: أنّ الاِضافة في قولنا: «يا علم اللّه» بيانيّة لا غير، فيصير المعنى يا علماً هو اللّه، ومن المعلوم جواز ذلك عقلاً وشرعاً، كما يقال: يا عدل و يا حكمة ويراد منه الواجب عزّ اسمه، وهناك أدلّة أُخرى للاَشاعرة على إثبات نظريّتهم، والكلّمخدوشة كما اعترف بذلك صاحب المواقف.(3)

ثمّ إنّ المشهور انّ المعتزلة نافون للصفات مطلقاً وقائلون بنيابة الذات عن
____________
(1) اللمع :30، باختصار.
(2) الاَبانة :108.
(3) راجع شرح المواقف :8|45ـ47.


( 46 )
الصفات، ولكنّه لا أصل له، فالمنفي عندهم هو الصفات الزائدة الاَزلية، لا أصل الصفات فهم قائلون بالعينية كالاِمامية، ويدلّ على ذلك كلام الشيخ المفيد الآنف الذكر، نعم يظهر القول بالنيابة من عبّاد بن سليمان وأبي علي الجبائي. (1)




____________
(1) للوقوف على آرائهم في هذا المجال راجع الملل و النحل لشيخنا الاَُستاذ السبحاني ـ دام ظلّه ـ :3|271ـ 279.


( 47 )


3

التوحيد في الخالقية


دلّت البراهين العقليّة على أنّه ليس في الكون خالق أصيل إلاّ اللّه سبحانه، وأنّ الموجودات الاِمكانية مخلوقة للّه تعالى وما يتبعها من الاَفعال والآثار، حتى الاِنسان وما يصدر منه، مستندة إليه سبحانه بلا مجاز وشائبة عناية، غاية الاَمر أنّ ما في الكون مخلوق له إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.

وذلك لما عرفت من أنّه سبحانه هو الواجب الغني، وغيره ممكن بالذات، ولا يعقل أن يكون الممكن غنياً في ذاته وفعله عن الواجب، فكما انّ ذاته قائمة باللّه سبحانه، فهكذا فعله، وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية. ومن عرف الممكن حقّ المعرفة وانّه الفقير الفاقد لكلّ شيء في حدّ ذاته، يعد المسألة بديهيّة.

هذا ما لدى العقل، وأمّا النقل فقد تضافرت النصوص القرآنية على أنّ اللّه سبحانه هو الخالق، ولا خالق سواه. وإليك نماذج من الآيات الواردة في هذا المجال:

(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّارُ ) . (1)

(اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) . (2)


____________
(1) الرعد :16.
(2) الزمر :62.


( 48 )

(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ ) . (1)

(أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) . (2)

(يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّه). (3)

إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الدالّة على ذلك.

موقف القرآن الكريم تجاه قانون العلّية

إنّالامعان في الآيات الكريمة يدفع الاِنسان إلى القول بأنّ الكتاب العزيز يعترف بأنّ النظام الاِمكاني نظام الاَسباب والمسبّبات، فإنّ المتأمّل في الذكر الحكيم لا يشكّ في أنّه كثيراً ما يسند آثاراً إلى الموضوعات الخارجية والاَشياء الواقعة في دار المادّة، كالسماء وكواكبها ونجومها، والاَرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها، والسحاب والرعد و البرق والصواعق والماء والاَعشاب والاَشجار و الحيوان والاِنسان، إلى غير ذلك من الموضوعات الواردة في القرآن الكريم، فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الاَشياء إلى أنفسها فإنّما أنكره بلسانه وقلبه مطمئن بخلافه، وإليك ذكر نماذج من الآيات الواردة في هذا المجال:

1. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزْقاً لَكُمْ) . (4)

فقد صرّح في هذه الآية بتأثير الماء في تكوّن الثمرات والنباتات، فإنّ الباء في قوله: (بِهِ) بمعنى السببية، ونظيرها الآية: 27 من سورة السجدة والآية: 4
____________
(1) الموَمن :62.
(2) الاَنعام : 101.
(3) فاطر :3.
(4) البقرة :22.


( 49 )
من سورة الرعد، وغيرها من الآيات.

2. (اللّهُ الّذِيْ يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ) . (1)

فقوله سبحانه:(فَتُثِيرُ سَحاباً) صريح في أنّ الرياح تحرّك السحاب وتسوقها من جانب إلى جانب، فالرياح أسباب وعلل تكوينية لحركة السحاب وبسطها في السماء.

3. (وَتَرَى الاََرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ) . (2)

فالآية تصرّح بتأثير الماء في اهتزاز الاَرض وربوتها، ثمّ تصرّح بإنبات الاَرض من كلّ زوج بهيج.

4. (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ).(3)

فالآية تسند إنبات السنابل السبع إلى الحبَّة.

ثمّ إنّ هناك أفعالاً أسندها القرآن إلى الاِنسان لا تقوم إلاّ به، ولا يصحّ إسنادها إلى اللّه سبحانه بحدودها وبلا واسطة كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموّه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه، فهذه أفعال قائمة بالاِنسان مستندة إليه، فهو الّذي يأكل ويشرب و ينمو ويفهم.

فالقرآن يعدّ الاِنسان فاعلاً لهذه الاَفعال وعلّة لها.


____________
(1) الروم :48.
(2) الحج :5.
(3) البقرة :261.


( 50 )

كما انّ في القرآن آيات مشتملة على الاَوامر والنواهي الاِلهيّة، وتدلّ على مجازاته على تلك الاَوامر والنواهي، فلو لم يكن للاِنسان دور في ذلك المجال وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الاَمر والنهي وما معنى الجزاء والعقوبة؟

التفسير الصحيح للتوحيد في الخالقية

إنّ المقصود من حصر الخالقية باللّه تعالى هو الخالقية على سبيل الاستقلال وبالذات، وأمّا الخالقية المأذونة من جانبه تعالى فهي لا تنافي التوحيد في الخالقية. كما انّ المراد من السببية الاِمكانية (أعمّ من الطبيعيّة وغيرها) ليست في عرض السببية الاِلهية، بل المقصود انّ هناك نظاماً ثابتاً في عالم الكون تجري عليه الآثار الطبيعية والاَفعال البشرية، فلكلّ شيء أثر تكويني خاصّ، كما انّلكلّ أثر وفعل مبدأً فاعلياً خاصّاً، فليس كلّفاعل مبدأً لكلّ فعل، كما ليس كلّ فعل وأثر صادراً من كلّ مبدأ فاعلي، كلّ ذلك بإذن منه سبحانه، فهو الّذي أعطى السببيّة للنّار كما أعطى لها الوجود، فهي توَثّر بإذن وتقدير منه سبحانه، هذا هو قانون العلّية العامّ الجاري في النظام الكوني الّذي يوَيّده الحسّ والتجربة وتبتني عليه حياة الاِنسان في ناحية العلم و العمل.

وبهذا البيان يرتفع التنافي البدئي بين طائفتين من الآيات القرآنية، الطائفة الدالّة على حصر الخالقية باللّه تعالى، والطائفة الدالّة على صحّة قانون العلّية والمعلولية واستناد الآثار إلى مبادئها الغريبة، والشاهد على صحّة هذا الجمع، لفيف من الآيات وهي التي تسند الآثار إلى أسباب كونية خاصّة وفي عين الوقت تسندها إلى اللّه سبحانه، وكذلك تسند بعض الاَفعال إلى الاِنسان أو غيره من


( 51 )
ذوي العلم والشعور، وفي الوقت نفسه تسند نفس تلك الاَفعال إلى مشيَّته سبحانه، وإليك فيما يلي نماذج من هذه الطائفة:

1. انّ القرآن الكريم أسند حركة السحاب إلى الرياح وقال:

(اللّهُ الَّذي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً) . (1)

كما أسندها إلى اللّه تعالى وقال:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِيْ سَحاباً ثُمَّ يُوََلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُه رُكاماً) . (2)

2. القرآن يسند الاِنبات تارة إلى الحبّة ويقول:

(أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) . (3)

وقال:

(وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ) . (4)

وأُخرى إلى اللّه تعالى ويقول:

(وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ) . (5)

3. انّه تعالى نسب توفّي الموتى إلى الملائكة تارة وإلى نفسه أُخرى فقال:

(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) . (6)

وقال:


____________
(1) الروم :48.
(2) النور : 43.
(3) البقرة : 261.
(4) الحج :5.
(5) النمل: 60.
(6) الاَنعام :61.


( 52 )

(اللّهُ يَتَوَفَّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) . (1)

4. انّ الذكر الحكيم يصفه سبحانه بأنّه الكاتب لاَعمال عباده و يقول:

(وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) . (2)

ولكن في الوقت نفسه ينسب الكتابة إلى رسله ويقول:

(بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) . (3)

5. لا شكّ انّ التدبير كالخلقة منحصر في اللّه تعالى، والقرآن يأخذ من المشركين الاعتراف بذلك و يقول:

(وَمَنْ يُدَبِّرُ الاََمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ) . (4)

و ـ مع ذلك ـ يصرّح بمدبّريّة غير اللّه سبحانه حيث يقول:

(فَالمُدَبِّراتِ أَمْراً) . (5)

6. إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى اللّه سبحانه وإلى الاِنسان) في جملة ويقول:

(وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى) . (6)

فهو يصف النبي الاَعظم _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول:(إِذْ رَمَيْتَ) ومع ذلك يسلبه عنه ويرى أنّه سبحانه الرامي الحقيقي.


____________
(1) الزمر : 42.
(2) النساء :81.
(3) الزخرف :80.
(4) يونس :31.
(5) النازعات :5.
(6) الاَنفال :17.


( 53 )

هذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقّة في تفسير التوحيد في الخالقية وهو ـ كما تقدّم ـ انّ الخالقية بالاَصالة وبالذات وعلى وجه الاستقلال منحصرة فيه سبحانه، وغيره من الاَسباب الكونيّة والفواعل الشاعرة إنّما تكون موَثرات وفواعل بإذنه تعالى و مشيَّته، وليست سببيّتها وفاعليتها في عرض فاعليته تعالى ، بل في طولها.

الاِجابة عن شبهات

قدعرفت أنّ خالقيّته تعالى عامّة لجميع الاَشياء والحوادث، وكلّ ما في صفحة الوجود يستند إليه سبحانه، وعندئذٍ تطرح إشكالات أو شبهات يجب على المتكلّم الاِجابة عنها، وهي:

ألف. شبهة الثنويّة في خلق الشرور.

ب. شبهة استناد القبائح إلى اللّه تعالى.

ج. شبهة الجبر في الاَفعال الاِرادية.

ألف. الثنوية وشبهة الشرور

نسب إلى الثنوية القول بتعدّد الخالق، واستدلّوا عليه بما يشاهد في عالم المادّة من الشرور والبلايا، قالوا: إنّ الشر يقابل الخير، فلا يصحّ استنادهما إلى مبدأ واحد، فزعموا انّ هناك مبدأين: أحدهما: مبدأ الخيرات، وثانيهما: مبدأ الشرور.

الشرّ أمر قياسي

إذا كانت هناك ظاهرة ليست لها صلة وثيقة بحياة الاِنسان، أو لا توَدّي صلته بها إلى اختلال في حياته فلا تتصف بالشرّ والبلاء، إنّما تتّصف بصفة


( 54 )
الشرّيّة إذا أوجبت نحو اختلال في حياة الاِنسان بحيث يوجب هلاكة نفسه أو ما يتعلّق به أو يتضرّر به بوجه.

ومن المعلوم أنّ هذه النسبة والاِضافة متأخّرة عن وجود ذلك الموجود أو تلك الحادثة، فلو تحقّقت الظاهرة وقطع النظر عن المقايسة والاِضافة لا يتّصف إلاّ بالخير، بمعنى أنّ وجود كلّ شيء يلائم ذاته، وإنّما يأتي حديث الشرّ إذا كانت هناك مقايسة إلى موجود آخر، إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّما يستند إلى الجاعل أوّلاً وبالذات، هو وجوده النفسي، والمفروض أنّ وجود كلّ من المقيس والمقيس إليه، لا يتصفان بالشرّ والبلاء، بل بالخير والكمال، وأمّا الوجود الاِضافي المنتزع من مقايسة أحد الظاهرتين مع الاَُخرى فليس أمراً واقعياً محتاجاً إلى مبدأ يحقّقها.

وإلى ما ذكرنا أشار الحكيم السبزواري بقوله:

«كلّ وجود ولو كان إمكانياً خير بذاته وخير بمقايسته إلى غيره، وهذه المقايسة قسمان: أحدهما مقايسته إلى علّته، فإنّ كلّ معلول ملائم لعلّته المقتضية إيّاه، وثانيهما مقايسته إلى ما في عرضه ممّا ينتفع به، وفي هذه المقايسة الثانية يقتحم شرٌّ مّا في بعض الاَشياء الكائنة الفاسدة في أوقات قليلة». (1)

الشر عدمي

هناك تحليل آخر للشبهة وهو ما نقل عن أفلاطون وحاصله: أنّ ما يسمّى بالشرّ من الحوادث و الوقائع يرجع عند التحليل إلى العدم، فالّذي يسمّى بالشرّ عند وقوع القتل ليس إلاّ انقطاع حياة البدن الناشىَ عن قطع علاقة النفس عن
____________
(1) الحكيم السبزواري (م1289هـ):شرح المنظومة: المقصد 3، الفريدة 1، غرر في دفع شبهة الثنوية.


( 55 )
البدن، وما يسمّى بالشر عند وقوع المرض ليس إلاّ الاختلال الواقع في أجهزة البدن وزوال ما كان موجوداً له عند الصحّة من التعادل الطبيعي في الاَعضاء والاَجهزة البدنية.

وكذلك سائر الحوادث التي تتّصف بالبليّة و الشرّيّة.

ومن المعلوم أنّ الذي يحتاج إلى الفاعل المفيض هو الوجود، وأمّا العدم فليس له حظ من الواقعيّة حتى يحتاج إلى المبدأ الجاعل.

وإلى هذا أشار الحكيم السبزواري في منظومة حكمته:

والشّرّ أعدام فكم قد ضلّ من * يقول باليزدان ثمّ الاَهرمن (1)

وقال العلاّمة الطباطبائي:

إنّ الشرور إنّما تتحقّق في الاَُمور الماديّة وتستند إلى قصور الاِستعدادات على اختلاف مراتبها، لا إلى إفاضة مبدأ الوجود، فانّ علّة العدم عدم،كما انّ علّة الوجود وجود.

فالّذي تعلّقت به كلمة الاِيجاد والاِرادة الاِلهيّة وشمله القضاء بالذات في الاَُمور التي يقارنها شيء من الشرّ إنّما هو القدر الذّي تلبّس به من الوجود حسب استعداده ومقدار قابليته، وأمّا العدم الّذي يقارنه فليس إلاّ مستنداً إلى عدم قابليته وقصور استعداده، نعم ينسب إليه الجعل والاِفاضة بالعرض لمكان نوع من الاتحاد بينه وبين الوجود الّذي يقارنه.(2)
____________
(1) المصدر نفسه.
(2) الميزان:13|187ـ 188 بتصرف قليل.


( 56 )
ب. التوحيد في الخالقية وقبائح الاَفعال

ربّما يقال الالتزام بعمومية خالقيته تعالى لكلّ شيء يستلزم إسناد قبائح الاَفعال إليه تعالى، وهذا ينافي تنزُّهه سبحانه من كلّ قبح وشين.

والجواب أنّ للاَفعال جهتين، جهة الثبوت والوجود، وجهة استنادها إلى فواعلها بالمباشرة، فعنوان الطّاعة والمعصية ينتزع من الجهة الثانية، وما يستند إلى اللّه تعالى هي الجهة الاَُولى، والاَفعال بهذا اللحاظ متّصفة بالحسن والجمال، أي الحسن التكويني.

وبعبارة أُخرى: عنوان الحسن والقبح المنطبق على الاَفعال الصادرة عن فاعل شاعر مختار، هو الذي يدركه العقل العملي بلحاظ مطابقة الاَفعال لاَحكام العقل والشرع وعدمها، وهذا الحسن والقبح يرجع إلى الفاعل المباشر للفعل.

نعم أصل وجود الفعل ـ مع قطع النظر عن مقايسته إلى حكم العقل أو الشرع ـ يستند إلى اللّه تعالى و ينتهي إلى إرادته سبحانه، والفعل بهذا الاعتبار لا يتّصف بالقبح، فإنّه وجود والوجود خير وحسن في حدّ ذاته.

قال سبحانه:

(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) . (1)

وقال:

(اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . (2)

فكلّ شيء كما انّه مخلوق، حسن، فالخلقة والحسن متصاحبان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر أصلاً.

وأمّا الاِجابة عن شبهة الجبر على القول بعموم الخالقية فسيوافيك بيانها في الفصل المختصّ بذلك.


____________
(1) السجدة :7.
(2) الزمر : 62.