http://www.imamsadeq.org (كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 343 - ص 374 )

( 343 )


الفصل الثاني


حقيقة الاِمامة

عند الشيعة و أهل السنّة


الاِمام هو الذي يوَتمُّ به إنساناً كان أو كتاباً أو غير ذلك، محقّاً كان أو مبطلاً وجمعه أئمّة. (1)وقوله تعالى:

(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) .

أي بالّذي يقتدون به، وقيل بكتابهم. (2)

وعرِّفت الاِمامة بوجوه:

1.الاِمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا.

2. الاِمامة خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتّباعه على كافّة
____________
(1) أصله أَءْمِمة وزان أمثلة فادغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة وبعض النّحاة يبدّلها ياء للتخفيف.
(2) راجع المفردات للراغب، كتاب الاَلف، مادة أُمّ.


( 344 )
الاَُمّة، وهذان التعريفان ذكرهما موَلّف المواقف. (1)

3. الاِمامة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.(2)

4. الاِمامة رئاسة عامّة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينية و الدنياوية، وزجرهم عمّا يضرّهم بحسبها. (3)

واتّفقت كلمة أهل السنّة، أو أكثرهم، على أنّ الاِمامة من فروع الدين.

قال الغزالي:

«اعلم أنّ النظر في الاِمامة ليس من فنّ المعقولات، بل من الفقهيات».(4)

وقال الآمدي (المتوفّى 631هـ):

«واعلم أنّ الكلام في الاِمامة ليس من أُصول الديانات». (5)

وقال الاِيجي:

«ومباحثها عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا». (6)

وقال ابن خلدون:

«وقصارى أمر الاِمامة انّها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق


____________
(1) شرح المواقف:8|345.
(2) اختاره ابن خلدون في المقدمة:191.
(3) اختاره المحقق الطوسي في قواعد العقائد.
(4) الاقتصاد في الاعتقاد:234.
(5) غاية المرام في علم الكلام :363.
(6) شرح المواقف:8|344.


( 345 )
بالعقائد». (1)

وقال التفتازاني:

«لا نزاع في أنّ مباحث الاِمامة بعلم الفروع أليق...». (2)

وأمّا الشيعة الاِمامية، فينظرون إلى الاِمامة كمسألة كلاميّة، وزانها وزان النبوّة، سوى تلقّي الوحي والاِتيان بالشريعة، فإنّها مختومة بارتحال النبيّالاَكرم ص، فمسألة الاِمامة تكون من المسائل الجذرية الاَصليّة. (3)


موَهِّلات الاِمام وصفاته

اختلفت كلمات أهل السنّة في ما يشترط في الاِمام من الصفات، فمنهم (4) من قال إنّها أربع، هي: العلم، والعدالة، والمعرفة بوجوه السياسة، وحسن التدبير، وأن يكون نسبه من قريش، وزاد بعضهم (5)عليها سلامة الحواس والاَعضاء والشجاعة، وبعض(6) آخر البلوغ والرجولية، قال الاِيجي:

«الجمهور على أنّ أهل الاِمامة: مجتهد في الاَُصول والفروع ليقوم بأُمور الدين، ذو رأي ليقوم بأُمور الملك، شجاع ليقوى على الذبّ عن
____________
(1) مقدمة ابن خلدون:465، ط دار القلم، بيروت.
(2) شرح المقاصد: 5|232 ، ط منشورات الرضي ، قم المقدّسة.
(3) أقول: الفارق بين المسألة الكلاميّة والفقهيّة هو موضوعها، فموضوع المسألة الكلامية هو وجود اللّه تعالى أو صفاته وأفعاله، وموضوع المسألة الفقهيّة هو أفعال المكلّفين من البشر، ونصب الاِمام عند الاِماميّة فعل اللّهتعالى، وأمّا عند أهل السنّة فتعيين الاِمام وظيفة المسلمين. الموَلّف.
(4) هو أبو منصور البغدادي (المتوفّى429هـ) في أُصول الدين: 277، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(5) هو أبو الحسن البغدادي (المتوفّى450هـ) في الاَحكام السلطانية:6.
(6) هو ابن حزم الاَندلسي ( المتوفّى456هـ) في الفصل:4|186.


( 346 )
الحوزة؛ وقيل: لا يشترط هذه الصفات، لاَنّها لا توجد، فيكون اشتراطها عبثاً أو تكليفاً بمالا يطاق ومستلزماً للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها؛ نعم يجب أن يكون عدلاً لئلاّ يجور، عاقلاً ليصلح للتصرّفات، بالغاً لقصور عقل الصبي، ذكراً إذ النساء ناقصات عقل و دين، حُرّاً لئلاّ يشغله خدمة السيد ولئلاّ يحتقر فيعصى». (1)

يلاحظ على هذه الشروط

أوّلاً: أنّ اختلافهم في عددها ناشىَ من افتقادهم لنصٍّ شرعي في مجال الاِمامة، وإنّما الموجود عندهم نصوص كلّية لاتتكفّل بتعيين هذه الشروط، والمصدر لها عندهم هو الاستحسان والاعتبارات العقلائية في ذلك، وهذا ممّا يقضى منه العجب، فكيف ترك النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بيان هذا الاَمر المهمّ شرطاً وصفة، مع أنّه بَيَّن أبسط الاَشياء وأدناها من المكروهات والمستحبات؟!

وثانياً: أنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الاِمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، قال الباقلاني:

«لا ينخلع الاِمام بفسقه، وظلمه بغصب الاَموال و تضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه». (2)

وثالثاً: أنّ التاريخ الاِسلامي يشهد بأنّ الخلفاء بعد علي ـ عليه السّلام ـ كانوا يفقدون
____________
(1) شرح المواقف: 8|349ـ350.
(2) التمهيد: 181. راجع في ذلك أيضاً شرح العقيدة الطحاوية:379؛ وشرح العقائد النسفية:185.


( 347 )
أكثر هذه الصلاحيات ومع ذلك مارسوا الخلافة.

وأمّا الشيعة الاِمامية فبما انّهم ينظرون إلى الاِمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة ـ كما تقدّم ـ يعتبرون في الاِمام توفُّر صلاحيات عالية لاينالها الفرد إلاّ إذا وقع تحت عناية إلهية خاصة، فهو يخلف النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في العلم والعصمة والقيادة الحكمية وغير ذلك من الشوَون، قال المحقّق البحراني:

«إنّا لمّا بيَّنا انّه يجب أن يكون الاِمام معصوماً وجب أن يكون مستجمعاً لاَُصول الكمالات النفسانية، وهي العلم والعفّة والشجاعة والعدالة... ويجب أن يكون أفضل الاَُمّة في كلِّ ما يُعدُّ كمالاً نفسانياً، لاَنّه مقدَّم عليهم، والمقدَّم يجب أن يكون أفضل، لاَنّ تقديم الناقص على من هو أكمل منه قبيح عقلاً، ويجب أن يكون متبرّئاً من جميع العيوب المنفِّرة في خلقته من الاَمراض كالجذام والبرص ونحوهما، وفي نسبه وأصله كالزنا والدناءة، لاَنّ الطهارة من ذلك تجري مجرى الاَلطاف المقرِّبة للخلق إلى قبول قوله وتمكّنه، فيجب كونه كذلك». (1)


____________
(1) قواعد المرام:179ـ180.


( 348 )


( 349 )


الفصل الثالث


طرق إثبات الاِمامة

عند أهل السنّة


الطريق لاِثبات الاِمامة عند الشيعة الاِمامية منحصرة في النصّ من النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو الاِمام السابق، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل القادم.

وأمّا عند أهل السنّة فلا ينحصر بذلك، بل يثبت أيضاً ببيعة أهل الحلّوالعقد، قال الاِيجي:

«المقصد الثالث فيما تثبت به الاِمامة، وانّها تثبت بالنصّ من الرسول ومن الاِمام السابق بالاِجماع وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة، لنا ثبوت إمامة أبي بكر بالبيعة». (1)

ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد به الاِمامة على أقوال، قال الماوردي (المتوفّى450هـ): «اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الاِمامة منهم على مذاهب
____________
(1) شرح المواقف:8|351.


( 350 )
شتّى: فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّبلد ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لاِمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

وقال طائفة أُخرى: أقلّ ما تنعقد به منهم الاِمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاَربعة، استدلالاً بأمرين:

أحدهما: انّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمَّ تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن خضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة.

والثاني: انّ عمر جعل الشورى في ستّة ليعقد لاَحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء، والمتكلّمين من أهل البصرة.

وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين.

وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لاَنّ العباس قال لعلي: أُمدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بايع ابن عمِّه فلا يختلف عليك اثنان، ولاَنّه حكم وحكم واحد نافذ». (1)

يلاحظ على هذه الاَقوال والنظريات

أوّلاً: أنّ موقف أصحابها موقف من اعتقد بصحّة خلافة الخلفاء، فاستدلّ به على ما يرتئيه من الرأي، وهذا استدلال على المدّعى بنفسها، وهو دور واضح.

وثانياً: أنّ هذا الاختلاف الفاحش في كيفية عقد الاِمامة، يعرب عن بطلان
____________
(1) الاَحكام السلطانية:6ـ7، ط الحلبي ، مصر.


( 351 )
نفس الاَصل، لاَنّه إذا كانت الاِمامة مفوَّضة إلى الاَُمّة، كان على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بيان تفاصيلها وطريق انعقادها، وليس عقد الاِمام لرجل أقلّ من عقد النكاح بين الزوجين الَّذي اهتمّ القرآن والسنّة ببيانه وتحديده، والعجب انّ عقد الاِمامة الذي تتوقّف عليه حياة الاَُمّة، لم يطرح في النصوص ـ على زعم القوم ـ ولم يتبيَّن حدوده وشرائطه.

والعجب من هوَلاء الاَعلام كيف سكتوا عن الاعتراضات الهائلة التي توجهت من نفس الصحابة من الاَنصار والمهاجرين على خلافة الخلفاء الذين تمَّت بيعتهم ببيعة الخمسة في السقيفة، أو بيعة أبي بكر لعمر، أو بشورى الستّة، فإنّ من كان ملِمّاً بالتاريخ، يرى كيف كانت عقيرة كثير من الصحابة مرتفعة بالاعتراض، حتى أنّ الزبير وقف في السقيفة أمام المبايعين وقد اخترط سيفه وهو يقول:

«لا أغمده حتى يبايع علي، فقال عمر: عليكم الكلب فأُخذ سيفه من يده، وضرب به الحجر وكسر». (1)

هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟

قد حاول المتجدّدون من متكلّمي أهل السنّة، صبَّ صيغة الحكومة الاِسلامية على أساس المشورة بجعله بمنزلة الاستفتاء الشعبي واستدلّوا على ذلك بآيتين:

الآية الاَُولى: قوله سبحانه:

(وَشاوِرهُمْ فِي الاََمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) . (2)


____________
(1) الاِمامة والسياسة: 1|11.
(2) آل عمران:159.


( 352 )

فاللّه سبحانه أمر نبيّه بالمشاورة تعليماً للاَُمّة حتى يشاوروا في مهامّ الاَُمور ومنها الخلافة.

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الخطاب في الآية متوجه إلى الحاكم الّذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيته، فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية هو انّ من وظائف كلّ الحكام التشاور مع الاَُمّة، وأمّا انّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بها.

وثانياً: أنّ المتبادر من الآية هو انّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلّب وجوه الرأي ويستعرض الاَفكار المختلفة، ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، حيث قال تعالى:

(فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) .

كلّذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الخلافة والحكومة، ولاَجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.

الآية الثانية: قوله سبحانه:

(وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) . (1)

ببيان انّكلمة «أمر» أضيفت إلى ضمير «هم» وهو يفيد العموم لكلّ أمر ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية: انّ شأن الموَمنين في كلِّ مورد شورى بينهم.


____________
(1) الشورى:38.


( 353 )

يلاحظ عليه: أنّ الآية حثَّت على الشورى فيما يمتّ إلى شوَون الموَمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أُمورهم، وكون تعيين الاِمام داخلاً في أُمورهم فهو أوّل الكلام، إذ لا ندري ـ على الفرض ـ هل هو من شوَونهم أو من شوَون اللّه سبحانه؟ ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتمّ بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبيّة يجوز للناس التدخّل فيها؟

فإن قلت: لو لم تكن الشورى أساس الحكم، فلماذا استدلّ بها الاِمام علي _ عليه السلام _ على المخالف، وقال مخاطباً لمعاوية:

«إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه»؟ (1)

قلت: الاستدلال بالشورى كان من باب الجدل حيث بدأ رسالته بقوله:

«أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لاَنّه بايعني الّذين بايعوا أبا بكر وعمر...».

ثمّ ختمها بقوله:

«فادخل فيما دخل فيه المسلمون». (2)

فالابتداء بالكلام بخلافة الشيخين يعرب عن أنّه في مقام إلزام معاوية الّذي يعتبر البيعة وجهاً شرعياً للخلافة، ولولا ذلك لما كان وجه لذكر خلافة الشيخين، بل لاستدلّ بنفس الشورى.


____________
(1) نهج البلاغة: الرسائل، الرقم 6.
(2) لاحظ وقعة صفين لنصر بن مزاحم (المتوفّـى 212 هـ):ص 29، ط مصر، وقد حدف الرضي في نهج البلاغة من الرسالة ما لا يهمه، فإنّ عنايته كانت بالبلاغة فحسب.


( 354 )
تصوّر النبيّ الاَكرم للقيادة بعده

إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول الاَكرم ص، تدلّعلى أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يعتبر أمر القيادة بعده مسألة إلهيّة وحقّاً خاصّاً للّه جلَّ جلاله، فإنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا دعا بني عامر إلى الاِسلام وقد جاءوا في موسم الحج إلى مكّة، قال رئيسهم: أرأيت ان نحن بايعناك على أمرك، ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الاَمر من بعدك؟

فأجابه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بقوله:

«الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء». (1)

فلو كان أمر الخلافة بيد الاَُمّة لكان عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يقول الاَمر إلى الاَُمّة، أو إلى أهل الحلّوالعقد، أو ما يشابه ذلك، فتفويض أمر الخلافة إلى اللّه سبحانه ظاهر في كونها كالنبوّة يضعها سبحانه حيث يشاء، قال تعالى:

(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) . (2)

فاللسان في موردين واحد.

ثمّ إنّه لو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الاَُمّة، أو بالبيعة، فما معنى تعيين الخليفة الثاني من جانب أبي بكر، والخليفة الثالث عن طريق شورى عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب؟!

أضف إلى ذلك انّ هناك نصوصاً تشير إلى ما في مرتكز العقل، من أنّ ترك الاَُمّة بلا قائد وإمام قبيح على من بيده زمام الاَمر، هذه عائشة تقول لعبد اللّه بن عمر:


____________
(1) السيرة النبوية لابن هشام:2|424.
(2) الاَنعام:124.


( 355 )

«يا بُنيّ أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أُمّة محمّد بلا راع». (1)

وإنّما قالت ذلك عندما اغتيل عمر وأحسّ بالموت، وأرسل ابنه إلى عائشة ليستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومع أبي بكر.

وهذا عبد اللّه بن عمر يقول لاَبيه:

«إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف، وانّه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثمّجاءك وتركها، لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ». (2)

وبذلك استصوب معاوية أخذه البيعة من الناس لابنه يزيد وقال:

«إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها». (3)

فإذا كان ترك الاَُمّة بلا راع، أمراً غير صحيح في منطق العقل، فكيف يجوز لهوَلاء أن ينسبوا إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ انّه ترك الاَُمّة بلا راع؟! فكأنَّ هوَلاء كانوا أعطف على الاَُمّة من النبيّ الاَكرم، انّ هذا ممّا يقضى منه العجب.



____________
(1) الاِمامة والسياسة:1|32.
(2) حلية الاَولياء:1|44.
(3) الاِمامة والسياسة:1|168.


( 356 )


( 357 )



الفصل الرابع


أدلّة وجوب تنصيب الاِمام

عند الشيعة الاِمامية


إنّ الاِمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها عمّا لدى أهل السنّة، فهي إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الاِلهي، ومقتضى هذا إتّصاف الاِمام بالشروط المشترطة في النبي، سوى كونه طرفاً للوحي القرآني، وبناءً على هذا ينحصر طريق ثبوت الاِمامة بتنصيص من اللّه وتنصيب من النبيص أو الاِمام السابق، وإليك فيما يلي براهين هذا الاَصل:

ألف. الفراغات الهائلة بعد النبي في مجالات أربعة

إنّالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم تكن مسوَوليّاته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الاِلهي وتبليغه إلى الناس، بل كان يقوم بالاَُمور التالية أيضاً:

1. يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويكشف أسراره، يقول سبحانه:


( 358 )

(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَلِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) . (1)

2. يبيّن أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.

3. يدفع الشبهات ويجيب عن التساوَلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الاِسلام من يهود و نصارى.

4. يصون الدين من التحريف والدسِّ ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع حتى لا تزلّفيه أقدامهم.

هذه هي الاَُمور الّتي مارسها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أَيّام حياته، ومن المعلوم انّرحلته تخلّف فراغاً هائلاً في هذه المجالات الاَربعة، فيكون التشريع الاِسلامي حينئذٍ أمام محتملات ثلاثة:

الاَوّل: أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدِّ هذه الفراغات الهائلة التي ستحدث بعد الرسول. وهذا الاحتمال ساقط جدّاً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة.

الثاني: أن تكون الاَُمّة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ ذلك الفراغ. غير انّ التاريخ والمحاسبات الاِجتماعية يبطلان هذا الاحتمال ويثبتان انّه لم يقدّر للاَُمّة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسدّ هذه الثغرات التي خلّفها غياب النبيّ الاَكرم، لا في جانب التفسير ولا في جانب الاَحكام، ولا في جانب ردّ التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدين عن الانحراف.

أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الاختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم حتى فيما يرجع إلى عمل المسلمين يوماً وليلة.


____________
(1) النحل:44.


( 359 )

وأمّا في مجال الاَحكام، فيكفي في ذلك الوقوف على أنّ بيان الاَحكام الدينيّة حصل تدريجاً على ما تقتضيه الحوادث والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول ص، ومن المعلوم انّ هذا النمط كان مستمرّاً بعد الرسول، غير انّ ما ورثه المسلمون منه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكن كافياً للاِجابة عن ذلك، أمّا الآيات القرآنية في مجال الاَحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأمّا الاَحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الاَُمّة لا تتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالاِجابة على جميع الموضوعات المستجدّة.

ولا نعني من ذلك انّ الشريعة الاِسلامية ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية وشمول المواضيع المستجدّة، بل المقصود انّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس ومقتضيات الظروف الزمنية، فلابدّ في إيفاء غرض التشريع على وجه يشمل المواضيع المستجدة والمسائل المستحدثة أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه ويقوم مقامه.

وأمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات وإجابة التساوَلات، فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبيّمن هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الاَسئلة، حول أُصول الاِسلام وفروعه، ولم يكن في وسع الخلفاء آنذاك الاِجابة الصحيحة عنها، كما يشهد بذلك التاريخ الموجود بأيدينا.

وأمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة، والدّين عن الانحراف، فقد كانت الاَُمّة الاِسلامية في أشدّ الحاجة إلى من يصون دينها عن التحريف وأبناءها عن الاختلاف، فإنّ التاريخ يشهد على دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى و موَبدي المجوس بين المسلمين، فراحوا يدسّون الاَحاديث الاِسرائيلية والاَساطير النصرانية والخرافات المجوسية بينهم، ويكفي في ذلك أن يذكر الاِنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الاِسلامية، وما رواه بعد ذلك، فإنّه ألفى الاَحاديث المتداولة بين المحدثين في


( 360 )
الاَقطار الاِسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الاَحاديث وكثير من هذه الاَحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم. (1)

فهذه المجعولات على لسان الوحي، تقلع الشريعة من رأس، وتقلب الاَُصول، وتتلاعب بالاَحكام، وتشوّش التاريخ، أو ليس هذا دليلاً على عدم وفاء الاَُمّة بصيانة دينها عن الانحراف والتشويش؟!

هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الاَُمّة، مع ما لها من الفضل، من القيام بسدِّ الفراغات الهائلة التي خلّفتها رحلة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويبطل بذلك الاحتمال الثاني تجاه التشريع الاِسلام بعد عصر الرسالة.

الاحتمال الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقّاه من المعارف والاَحكام بالوحي، وكلّما ستحتاج إليه الاَُمّة بعده، شخصيّة مثالية، لها كفاءة تقبُّل هذه المعارف والاَحكام وتحمّلها، فتقوم هي بسدِّ هذا الفراغ بعد رحلتهص وبعد بطلان الاحتمالين الاَوّلين لا مناص من تعيُّن هذا الاحتمال، فإنّوجود إنسان مثالي كالنبيّ في الموَهّلات، عارف بالشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يسوغ على اللّه سبحانه أن يهمل هذا الاَمر الضروري في حياة الاِنسان الدينية؟

إنّ اللّه سبحانه جهَّز الاِنسان بأجهزة ضرورية فيما يحتاج إليها في حياته الدنيوية المادية، ومع ذلك كيف يعقل إهمال هذا العنصر الرئيسي في حياته المعنوية والدينية؟! وما أجمل ما قاله أئمّة أهل البيت في فلسفة وجود هذا الخلف ومدى تأثيره في تكامل الاَُمّة.


____________
(1) لاحظ حياة محمّد، لمحمّد حسين هيكل، الطبعة الثالثة عشرة:49ـ50.


( 361 )

قال الاِمام علي _ عليه السلام _ :

«اللّهمّ بلى لا تخلو الاَرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته». (1)

وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :

«إنّ الاَرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام، كيما إن زاد الموَمنون شيئاً ردَّهم، وإذا نقصوا شيئاً أتمّه لهم». (2)

هذه المأثورات من أئمة أهل البيت تعرب عن أنّ الغرض الداعي إلى بعثة النبيّ، داع إلى وجود إمام يخلف النبيّ في عامّة سماته، سوى ما دلّ القرآن على انحصاره به ككونه نبيّاً رسولاً وصاحب شريعة.

ب. الاَُمّة الاِسلاميّة ومثلث الخطر الدّاهم

إنّ الدولة الاِسلامية التي أسّسها النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كانت محاصرة حال وفاة النبي من جهتي الشمال والشرق بأكبر إمبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا على جانب كبير من القوّة والبأس، وهما: الروم وإيران، ويكفي في خطورة امبراطورية إيران انّه كتب ملكها إلى عامله باليمن ـ بعدما وصلت إليه رسالة النبي تدعوه إلى الاِسلام، ومزَّقها ـ: «ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز، رجلين من عندك، جلدين، فليأتياني به» (3) وكفى في خطورة موقف الاِمبراطورية الرومانية، انّه وقعت اشتباكات عديدة بينها وبين المسلمين في السنة الثامنة للهجرة، منها سريّة موتة التي قتل فيها قادة الجيش الاِسلامي، وهم: جعفر بن أبي طالب، وزيد
____________
(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 147.
(2) الكافي: 1|178، الحديث 2.
(3) الكامل للجزري: 2|145.


( 362 )
ابن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، ورجع الجيش الاِسلامي من تلك الواقعة منهزماً، ولاَجل ذلك توجّه الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنفسه على رأس الجيش الاِسلامي إلى تبوك في السنة التاسعة لمقابلة الجيوش البيزنطية ولكنه لم يلق أحداً، فأقام في تبوك أيّاماً ثمّرجع إلى المدينة، ولم يكتف بهذا بل جهّز جيشاً في أُخريات أيّامه بقيادة أُسامة ابن زيد لمواجهة جيوش الروم؛ هذا من الخارج.

وأمّا من الداخل، فقد كان الاِسلام والمسلمون يعانون من وطأة موَامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عدوانية داخلية، أشبه بما يسمّى بالطابور الخامس، فهوَلاء أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، وكانوا يتحيّنون الفرص لاِضعاف الدولة الاِسلامية بإثارة الفتن الداخلية، ولقد انبرى القرآن الكريم لفضح المنافقين والتشهير بخططهم ضدّ الدين والنبيّ في العديد من السور القرآنية وقد نزلت في حقّهم سورة خاصة.

إنّ اهتمام القرآن بالتعرّض للمنافقين المعاصرين للنبي، المتواجدين بين الصحابة أدلّ دليل على أنّهم كانوا قوّة كبيرة ويشكّلون جماعة وافرة ويلعبون دوراً خبيثاً في إفساح المجال لاَعداء الاِسلام، بحيث لولا قيادة النبي الحكيمة لقضوا على كيان الدين، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:

(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الاَُمُورَ حَتّى جاءَالْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كارِهُونَ) . (1)

وقد كان محتملاً ومترقّباً أن يتّحد هذا المثلث الخطير لاكتساح الاِسلام واجتثاث جذوره بعد وفاة النبي، فمع هذا الخطر المحيق الداهم، ما هي وظيفة القائد الحكيم الذي أرسى قواعد دينه على تضحيات عظيمة؟ فهل المصلحة
____________
(1) التوبة:48.


( 363 )
كانت تقتضي تنصيب قائد حكيم عارف بأحكام القيادة ووظائفها حتى يجتمع المسلمون تحت رايته ويكونوا صفّاً واحداً في مقابل ذاك الخطر، أو انّ المصلحة العامّة تقتضي تفويض الاَمر إلى الاَُمّة حتى يختاروا لاَنفسهم أميراً، مع ما يحكيه التاريخ لنا من سيطرة الروح القبلية على المسلمين آنذاك؟ويكفي شاهداً على ذلك ما وقع من المشاجرات بين المهاجرين والاَنصار يوم السقيفة. (1)

إنّ القائد الحكيم هو من يعتني بالاَوضاع الاِجتماعية لاَُمّته، ويلاحظ الظروف المحيطة بها، ويرسم على ضوئها ما يراه صالحاً لمستقبلها، وقد عرفت انّ مقتضى هذه الظروف هو تعيين القائد والمدبّر، لا دفع الاَمر إلى الاَُمّة، وإلى ما ذكرنا ينظر قول الشيخ الرئيس ابن سينا في حقّ الاِمام:

«والاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يوَدّي إلى التشغّب والتشاغب والاختلاف». (2)

ج. نصب الاِمام لطف إلهي

هذا حاصل ما سلكناه في بيان وجوب تنصيب الخليفة والاِمام للاَُمّة الاِسلامية من جانب النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على ضوء العقل الفطري ودراسة التاريخ الاِسلامي وشوَون الرسالة النبوية ومسوَولياتها الخطيرة، وهذا المسلك يقرب ممّا سلكه مشايخنا الاِماميّة في هذا المجال من الاستناد بقاعدة اللطف، وفي ذلك يقول السيد المرتضى:

«والذي يدلّ على ما ادّعيناه انّ كلّ عاقل عرف العادة وخالط الناس، يعلم ضرورة انّ وجود الرئيس المصيب النافذ الاَمر، السديد التدبير
____________
(1) راجع السيرة النبوية:2|659ـ660.
(2) الشفاء، الاِلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، ص 564.


( 364 )
ترتفع عنده التظالم و التقاسم والتباغي أو معظمه، أو يكون الناس إلى ارتفاعه أقرب، وإن فقد من هذه صفته يقع عنده كلّ ما أشرنا إليه من الفساد أو يكون الناس إلى وقوعه أقرب، فالرئاسة على ما بيَّنّاه لطف في فعل الواجب والامتناع من القبيح، فيجب أن لا يخلّي اللّه تعالى المكلّفين منها، ودليل وجوب الاَلطاف يتناولها». (1)

هذا الاستدلال كما ترى موَلّف من مقدمتين:

الاَُولى: انّ نصب الاِمام لطف من اللّه على العباد.

الثانية: انّ اللطف واجب على اللّه لما تقتضيه حكمته تعالى.

أمّا المقدّمة الاَُولى، فلاَنّ اللطف هو ما يقرّب إلى الطاعة ويبعّد عن المعصية ولو بالاِعداد، وبالضرورة انّ نصب الاِمام كذلك لما به من بيان المعارف والاَحكام الاِلهية وحفظ الشريعة من الزيادة والنقصان وتنفيذ الاَحكام ورفع الظلم والفساد ونحوها.

وأمّا المقدمة الثانية، فلاَنّ ترك هذا اللطف من اللّه سبحانه إخلال بغرضه ومطلوبه وهو طاعة العباد له وترك معصيته فيجب على اللّه نصبه لئلا يخلّبغرضه، ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه أو غيبته، لاَنّ اللّه سبحانه قد لطف بهم بنصب المُعَدّ لهم، وهم فوَّتوا أثر اللطف على أنفسهم وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي بقوله:

«الاِمام لطف فيجب نصبه على اللّه تعالى تحصيلاً للغرض...ووجوده لطف وتصرفه لطف آخر وعدمه منّا». (2)
____________
(1) الذخيرة في علم الكلام:410.
(2) كشف المراد، المقصد الخامس: 284.


( 365 )

وأوضحه العلاّمة الحلّي، بقوله:

«لطف الاِمامة يتمّ بأُمور: منها ما يجب على اللّه تعالى وهو خلق الاِمام وتمكينه بالتصرّف والعلم والنصّ عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله اللّه تعالى، و منها ما يجب على الاِمام وهو تحمّله للاِمامة وقبوله لها وهذا قد فعله الاِمام، ومنها ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم يفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من اللّه تعالى ولا من الاِمام». (1)

مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد

ناظر هشام بن الحكم ـ وهو من أبرز أصحاب الاِمام الصادق ـ عليه السّلام ـ في علم الكلام ـ مع عمرو بن عبيد ـ و هو من مشايخ المعتزلة ـ في مسألة الاِمامة وصارت النتيجة إفحام هشام لعمرو عند جمع من تلامذته، وإليك ما رواه الكليني في ذلك:

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ جماعة من أصحابه، منهم: حمران بن أعين، ومحمّد ابن النعمان، وهشام بن سالم، والطيّار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب، فقال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _:

«يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد؟ وكيف سألته؟».

فقال هشام: يابن رسول اللّه إنّي أُجلُّك واستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.


____________
(1) المصدر السابق:285ـ 286.


( 366 )

فقال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ :

«إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء، متَّزر بها من صوف، وشملة مرتدياً بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس، فأفرجوا لي، ثمّقعدت في آخر القوم على ركبَتيَّ، ثمّ قلت: أيّها العالم: إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟

فقال لي: نعم.

فقلت له: ألك عين؟

فقال: يا بُني أيّ شيء هذا من السوَال وشيء تراه كيف تسأل عنه؟

فقلت: هكذا مسألتي.

فقال: يا بُنيَّ سل وإن كانت مسألتك حمقاً.

قلت: أجِبْني فيها. قال لي: سَل.

قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟

قال: أرى بها الاَلوان والاَشخاص.

قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟

قال: أشمّ به الرائحة.

قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم.

قلت: فلك أُذن؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت.


( 367 )

قلت: ألك قلب؟

قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أُميِّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح والحواس.

قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟

قال: يا بني: إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمَّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردَّته إلى القلب فيستيقن اليقين و يبطل الشك.

فقلت له: فإنّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟

قال: نعم.

قلت: لابدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟

قال: نعم.

فقلت له: يا أبا مروان فاللّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكّك؟

فسكت ولم يقل لي شيئاً... ثمّ ضمَّني إليه وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت.

فضحك أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ وقال: يا هشام مَنْ عَلَّمك هذا؟

قلت: شيء أخذته منك وألَّفته.

فقال _ عليه السلام _ : هذا واللّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. (1)


____________
(1)الكافي: ج1، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث 3.


( 368 )

ولعلّ قوله _ عليه السلام _ : هذا واللّه مكتوب الخ، إشارة إلى أنّ مسألة نصب الخليفة والاِمام التي يحكم بها العقل الصريح، كانت من سنن الاَنبياء والمرسلين، وإنّما ذكر إبراهيم وموسى لما كان لهما من المكانة الخاصة في هذا المجال، ولذلك أيضاً ذكر القرآن ما استدعياه من اللّه سبحانه في أمر الاِمامة والوزارة (1)ويدلّ على ذلك أيضاً ما روي عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال:

«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الاَنبياء كلَّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وانّه لا نبيّ بعدي ، وسيكون بعدي خلفاء يكثرون». (2)

وظاهر الحديث انّ استخلاف الخلفاء في الاَُمّة الاِسلامية، كاستخلاف الاَنبياء في الاَُمم السالفة، ومن المعلوم انّ الاستخلاف كان هناك بالتنصيص.



____________
(1) لاحظ البقرة: 124، وطه:30.
(2) جامع الاَُصول لابن أثير الجزري: 443 الفصل الثاني.


( 369 )



الفصل الخامس


وجوب العصمة في الاِمام


اتّفق أهل السنّة على أنّ العصمة ليست من شرائط الاِمام أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكونوا بمعصومين، قال التفتازاني:

«واحتجّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالاِجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، مع الاِجماع على أنّهم لم تجب عصمتهم... وحاصل هذا دعوى الاِجماع على عدم اشتراط العصمة في الاِمام». (1)

وأمّا الشيعة الاِمامية فقد اتّفقت كلمتهم على هذا الشرط، قال الشيخ المفيد:

«اتّفقت الاِمامية على أنّ إمام الدين لا يكون إلاّ معصوماً من الخلاف للّه تعالى». (2)

وقال أيضاً:


____________
(1) شرح المقاصد:5|249.
(2) أوائل المقالات:47، الطبعة الثانية.


( 370 )

«أقول: إنّ الاَئمّة القائمين مقام الاَنبياء في تنفيذ الاَحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الاَنام، معصومون كعصمة الاَنبياء». (1)

ثمّ إنّهم استدلّوا على وجوب العصمة بوجوه، نكتفي ببعضها:

1. الاِمام حافظ للشريعة كالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إنّ حقيقة الاِمامة عند الاِمامية ـ كما عرفت ـ هي القيام بوظائف الرسول بعد رحلته، فيجب أن يكون الاِمام متمتّعاً بما يتمتّع به النبيّ من الكفاءات والموَهّلات، ومنها كونه مصوناً عن الخطأ في العلم والعمل لكي تحفظ الشريعة به ويكون هادياً للناس إلى مرضاة اللّه سبحانه، وإليه أشار العلاّمة الحلّي بقوله:

«ذهبت الاِمامية إلى أنّ الاَئمّة كالاَنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً، لاَنّهم حفظة الشرع والقوّامون به، حالهم في ذلك كحال النبي ص». (2)

وناقش فيه التفتازاني بقوله:

«إنّ نصب الاِمام إلى العباد الّذين لا طريق لهم إلى معرفة عصمته بخلاف النبي». (3)

والجواب عنه ظاهر بما تقدّم من بطلان القول بأنّ نصب ا لاِمام مفوَّض إلى العباد، ولنا أن نعكس ونقول: وجوب عصمة الاِمام ممّا يحكم به العقل الصريح
____________
(1) نفس المصدر:74.
(2) دلائل الصدق:2|7، الطبعة الاَُولى، القاهرة ـ1396هـ.
(3) شرح المقاصد: 5|248.


( 371 )
بالتأمّل في حقيقة الاِمامة والغرض منها، وحيث إنّ الناس لا طريق لهم إلى معرفة عصمة الاِمام كما اعترف به الخصم، فلا يكون نصبه مفوَّضاً إليهم.

2. آية ابتلاء إبراهيم _ عليه السلام _

قال سبحانه:

(وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيم ربُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَتي قالَلا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ) . (1)

الاستدلال بالآية على المقصود رهن بيان أمرين:

الاَوّل: ما هو المقصود من الاِمامة التي أنعم اللّه سبحانه بها على نبيّه الخليل _ عليه السلام _ ؟

الثاني: ما هو المراد من الظالمين؟

أمّا الاَوّل: فقال بعضهم: إنّ المراد من الاِمامة، هي النبوّة والرسالة، ويردّه انّ إبراهيم كان نبيّاً قبل تنصيبه إماماً، وذلك لاَنّه طلب الاِمامة لذريَّته، فكان له عند ذلك ولد أو أولاد، ومن المعلوم انّإبراهيم لم يرزق ولداً إلاّ في أوان الكبر بنصّ القرآن الكريم، حيث قال:

(الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) . (2)

وعلى ذلك يجب أن تكون الاِمامة الموهوبة للخليل غير النبوّة، والظاهر انّ المراد منها هي القيادة الاِلهيّة للمجتمع، مضافاً إلى تحمّل الوحي وإبلاغه، فانّ هناك مقامات ثلاثة:


____________
(1) البقرة:124.
(2) إبراهيم:39.


( 372 )

1. مقام النبوّة ، وهو منصب تحمّل الوحي.

2. مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.

3. مقام الاِمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوَّة وقدرة.

والاِمامة الّتي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _، تتّحد واقعيتها مع هذه الاِمامة.

وأمّا الثاني: أعني المراد من الظّالمين، فالظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه الشرع، والمعصية من وضع الشيء (العمل) في غير موضعه، فالمعصية من مصاديق الظلم، قال سبحانه:

(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) . (1)

ثمّ إنّ الظاهر من صيغة الجمع المحلّى باللام، انّالظلم بكلّ ألوانه وصوره مانع عن نيل هذا المنصب الاِلهي، وتكون النتيجة ممنوعيّة كلّ فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الاِمامة، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم، أو بقى على ظلمه، فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: (لا يَنالُ عَهْدي الظّالِمينَ) فصلاحتيه بعد ارتفاع الظلم يحتاج إلى دليل.

وعلى ذلك فكلّ من ارتكب ظلماً وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره، أو عبد صنماً، وبالجملة ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، ليس له أهليّة منصب الاِمامة، ولازم ذلك كون الاِمام طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه قلم التكليف، إلى آخر حياته، وهذا ما يرتئيه الاِمامية في عصمة الاِمام.

وممّا يوَكّد ما ذكرناه انّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:


____________
(1) البقرة:229.


( 373 )

1. من كان طيلة عمره ظالماً.

2. من كان طاهراً ونقيّاً في جميع فترات عمره.

3. من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.

4. عكس الثالث.

وحاشى إبراهيم _ عليه السلام _ أن يسأل الاِمامة للقسم الاَوّل والرابع من ذرّيّته، وقد نصَّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، وهو لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، فإذا خرج هذا القسم بقي القسم الثاني وهو المطلوب.

3. آية إطاعة أُولي الاَمر

قال سبحانه:

(أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) . (1)

إنّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على وجه الاِطلاق، ولم يقيّده بشيء و من البديهي انّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ولو كان على سبيل الاِطاعة عن شخص آخر، وعليه تكون طاعة أُولي الاََمر فيما إذا أمروا بالعصيان محرَّماً.

فمقتضى الجمع بين هذين الاَمرين أن يكون أُولو الاَمر الّذين وجبت إطاعتهم على وجه الاِطلاق معصومين لا يصدر عنهم معصية مطلقاً، فيستكشف من إطلاق الاَمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصيّة تصدّه عن الاَمر بغير الطاعة.

وممَّن صرَّح بدلالة الآية على عصمة أُولي الاَمر الاِمام الرازي في تفسيره، ولكنّه لم يستثمر نتيجة ما هداه إليه استدلاله المنطقي، حيث استدرك قائلاً بأنّا
____________
(1) النساء:59.


( 374 )
عاجزون عن معرفة الاِمام المعصوم والوصول إليه واستفادة الدين والعلم منه، فلا مناص من كون المراد هو أهل الحلِّ والعقد.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا دلَّت الآية على عصمة أُولي الاَمر فيجب علينا التعرّف عليهم، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة، فهل العجز يختصّ بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ والثاني باطل قطعاً، فإنّه لا يعقل أن يأمر الوحي الاِلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول، وبالتّعرّف عليه في عصر النزول، يعرف المعصوم في أزمنة متأخرة عنه حلقة بعد أُخرى.

هذا مع أنّ تفسير «أُولي الاَمر» بأهل الحلِّ والعقد تفسير بما هو أشدّ غموضاً، فهل المراد منهم، العساكر، والضبّاط، أو العلماءوالمحدّثون، أو الحكّام والسياسيّون، أو الكلّ؟وهل اتّفق اجتماعهم على شيء ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟!

وهناك نصوص من الكتاب والسنّة تدلّ على عصمة أهل بيت النبي وعترته، كآية التطهير وحديث الثقلين وغير ذلك، تركنا البحث عنها لرعاية الاختصار (2). وقد تقدّم في الفصل الاَوّل ما يفيد في المقام فراجع.
____________
(1) مفاتيح الغيب:10|144.
(2) راجع الاِلهيات:2|627ـ631 و607ـ611، الطبعة الاَُولى.