( 285 )
مبادىَ تكوّن العصمة
لا شكّ أنّ ملكة العصمة عن المعاصي لا تحصل لصاحبها إلاّ بلطف
من اللّه تعالى وتوفيقه،والّذي يعطي للاِنسان أهليّة وصلاحية للحصول
عليها أمران:
1. العلم القطعي بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات: فانّه يخلق في
النفس وازعاً قوياً يصدّه عن إرتكاب الاَعمال الخطيرة، وأمثاله في الحياة
كثيرة، فلو وقف أحدنا على أنّ في الاَسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن
تقتل من يمسّها عارية من دون عائق، فانّه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ
تلك الاَسلاك والاِقتراب منها. وقس على ذلك سائر العواقب الخطيرة وإن
كانت من قبيل السقوط في أعين الناس،وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه،
بحيث لا ترغد الحياة معه.
فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الاَفعال يوجد تلك
المصونية عن الارتكاب في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعي بالعواقب
الاَُخروية للمعاصي ورذائل الاَفعال؟ علماً لا يداخله ريب ولا يعتريه
شك، علماً تسقط دونه الحجب فيرى صاحبه رأي العين، ويلمس لمس
الحس تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الاَُخرى، ذاك العلم
الذي قال تعالى فيه:
(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ) . (1)
وكأنَّ الاِمام عليّاً _ عليه السلام _ يصف هوَلاء بقوله:
«فهم والجنّة كمن قد رَآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد
رآها فهم فيها معذَّبون». (2)
____________
(1) التكاثر:5 ـ 6.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 193، جاء فيها أوصاف المتّقين.
( 286 )
ثمّ إنّ هذا العلم الذي يعطي صاحبه مصونية كاملة عن المعاصي،
ليس من سنخ العلوم المتعارفة لتسرّب إليه التخلّف، بل هو علم
خاصّفوقها ربّما يعبّر عنه بشهود العواقب، وانكشافها كشفاً تاماً لا يبقى
معه ريب، يقول العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :
«إنّ هذا العلم يخالف سائر العلوم في أنّ أثره العملي وهو صرف
الاِنسان عمّا لا ينبغي إلى ما ينبغي، قطعي غير متخلّف دائماً، بخلاف سائر
العلوم فانّ الصرف فيها أكثري غير دائم». (1)
والحاصل انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة، تغلب الاِنسان على
الشهوات وتصدّه عن فعل المعاصي والآثام وإلى هذا أشار الفاضل
المقداد السيوري (المتوفّى 826هـ) بقوله:
«العصمة ملكة نفسانية تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه،
وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، لاَنّ
العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التامّ بما في
المعصية من الشقاء، وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً
لرسوخها في النفس، فتصير ملكة». (2)
2. حبّ المعبود يمنع عن معصيته: انّ الاِنسان إذا عرف خالقه كمال
المعرفة الميسورة، واستغرق في شهود كماله وجماله، وجد في نفسه
انجذاباً نحوه، وتعلّقاً خاصّاً به على نحو لا يستبدل برضاه شيئاً، ويدفعه شوق المحبّة إلى أن لا
____________
(1) الميزان:11|163.
(2) اللوامع الاِلهية:170.
( 287 )
يبتغي سواه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه
منفوراً لديه، وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلاّ الاَوحدي من
الناس، وإلى هذا يشير الاِمام علي
_ عليه السلام _ بقوله:
«ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، إنّما وجدتك أهلاً
للعبادة فعبدتك».
وحفيده الصادق _ عليه السلام _ :
«لكنّي أعبده حبّاً له، وتلك عبادة الكرام». (1)
ونتيجة هذا الحبّ هو النور الذي أشار إليه قوله تعالى:
(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النّاسِ).(2)
والروح الذي يشير إليه قوله سبحانه:
(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) . (3)
وهوَلاء هم المخلَصون الّذين لا مطمع لاِبليس في إغوائهم مطلقاً:
(قالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). (4)
____________
(1) بحار الاَنوار:70|22.
(2) الاَنعام:123.
(3) المجادلة:22.
(4) ص:82 ـ 83.
( 288 )
العصمة والاختيار
ربّما يتوهم أنّ العصمة تسلب من المعصوم الحرية والاختيار وتقهره
على ترك المعصية، لتكون النتيجة انتفاء كلّ مكرمة ومحمدة تنسب إليه
لاجتنابه المعاصي والمآثم.
ويدفعه انّالمعصوم قادر على اقتراف المعاصي بمقتضى ما أُعطى
من القدرة والحرية، غير أنّ تقواه العالية، وعلمه بآثار المعاصي،
واستشعاره عظمة الخالق، يصدّه عن ذلك؛ فهو كالوالد العطوف الذي لا
يقدم على ذبح ولده ولو أُعطي ملء الاَرض ذهباً، وإن كان مع ذلك قادراً
على قطع وتينه كما يقطع وتين عدوه.
يقول العلاّمة الطباطبائي:
«إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الاِنسانية المختارة في أفعاله
الاِرادية ولا تخرجها إلى ساحة الاِجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادىَ
الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع مّا سمّاً قاتلاً من حينه، فانّه
يمتنع باختياره من شربه». (1)
وهذا نظير صدور القبيح من اللّه سبحانه، فإنّه ممكن بالذات ويقع
تحت إطار قدرته، فبإمكانه تعالى إخلاد المطيع في نار جهنّم، لكنّه لا
يصدر منه لكونه مخالفاً للحكمة، ومبايناً لما وعد به.
وعلى ضوء ذلك فوصف العصمة موهبة تفاض على من يعلم من
حاله أنّه باختياره ينتفع منها في ترك القبائح، فيعدّ مفخرة قابلة للتحسين
والتكريم، وقد شبّه الشيخ المفيد العصمة بالحبل الذي يعطى للغريق
ليتشبّث به فيسلم، فالغريق مختار في التقاط الحبل والنجاة، أو عدمه
والغرق.
____________
(1) الميزان:11|163.
( 289 )
العصمة عن الخطأ في تطبيق الشريعة و الاَُمور العادية
إنّ صيانة النبي عن الخطأ و الاشتباه في مجال تطبيق الشريعة(مثل أن
يسهو في صلاته، أو يغلط في إجراء الحدود) والاَُمور العادية المرتبطة
بحياته الشخصية(مثل خطائه في مقدار دينه للناس) ممّا طرح في علم
الكلام، وطال البحث فيه بين المتكلمين، فالظاهر من الاَشاعرة والمعتزلة
تجويزهم السهو على الاَنبياء في هذا المجال، فإنّهم جوّزوه في صدور
الصغائر من الذنوب، فتجويزه في غيره أولى، وأمّا الاِمامية، فالصدوق
وأُستاذه محمّد بن الحسن بن الوليد جوّزاه (1) ولكن مشهور المحقّقين على
خلافه (2) وقد ألّف غير واحد منهم كتباً ورسائل في نفي السهو عن النبي،
وقد فصّل العلاّمة المجلسي في البحار (3) الكلام في المسألة، وأطنب في
بيان شذوذ الاَخبار التي استند إليها القائلون بالسهو؛ وناقشها بأدلّة متعدّدة
السيد عبد اللّه شُبّر في كتابيه: «حقّ اليقين» (4)و «مصابيح الاَنوار». (5)
والحقّ انّ الدليل العقلي الدالّ على لزوم عصمة النبي في مجال تبليغ
الرسالة دالّ ـ بعينه ـ على عصمته عن الخطأ في تطبيق الشريعة وأُموره
الفردية، فإنّ التفكيك بين صيانة النبي في مجال الوحي، وصيانته في سائر
المجالات وإن كان أمراً ممكناً عقلاً، لكنّه كذلك بالنسبة إلى عقول
الناضجين في الاَبحاث الكلامية، وأمّا عامة الناس فإنّهم غير قادرين على
التفكيك بين تينك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحديهما دليلاً على
إمكان تسرّب السهو في الاَُخرى.
فلابدّ لسدِّ هذا الباب الذي ينافي الغاية المطلوبة من إرسال الرسل،
من أن يكون النبي مصوناً عن الخطأ في عامّة المراحل.
____________
(1) من لا يحضره الفقيه:1|234ـ235، ط دار الكتب الاِسلامية، الطبعة الخامسة.
(2) للوقوف على أقوالهم راجع الاِلهيات:2|189ـ190.
(3) بحار الاَنوار: 17|97ـ 129، الباب16.
(4) حقّ اليقين: 1|124ـ 129.
(5) مصابيح الاَنوار:2|133.
( 290 )
وممّا تقدم يظهر الحكم في عصمة الاَنبياء في تشخيص مصالح الا
َُمور ومفاسدها، فانّ الملاك في لزوم العصمة فيما تقدّم من المراتب
والموارد، موجود هنا.
التنزّه عن المنفِّرات
كما أنّ العصمة عن الذنوب والخطأ في التبليغ وتطبيق الشريعة
والاَُمور العادية لازمة للاَنبياء حتّى يحصل الوثوق التام بأقوالهم وأفعالهم
ويحصل بذلك الغرض من بعثتهم، كذلك ينبغي تنزّههم عن كلّ صفة
توجب تنفّر الناس، وتحلّيهم بكلّ ما يوجب انجذابهم إليهم، قال المحقّق
البحراني:
«ينبغي أن يكون منزّهاً عن كلّ أمر ينفّر عن قبوله، إمّا في خلقه
كالرذائل النفسانية من الحقد والبخل والحسد والحرص ونحوها، أو في
خلقه كالجذام والبرص، أو في نسبه كالزنا ودناءة الآباء، لاَنّ جميع هذه
الاَُمور صارف عن قبول قوله والنظر في معجزته، فكانت طهارته عنها من
الاَلطاف التي فيها تقريب الخلق إلى طاعته واستمالة قلوبهم إليه». (1)
____________
(1) قواعد المرام:127.
( 291 )
الباب الخامس
في
النبوّة الخاصَّة
وفيه ستة فصول:
1. بشائر خاتم الرسل في العهدين.
2. القرائن الدالة على نبوّة الرسول الاَعظم.
3. الاستدلال بمعجزاته (إعجاز القرآن الكريم).
4. نقد مذهب الصرفة.
5. إعجاز القرآن من جهات أُخرى.
6. الخاتمية في ضوء العقل والوحي.
( 292 )
( 293 )
تمهيد:
بعد الفراغ عن البحث حول النبوّة العامّة، علينا أن نبحث عن النبوّة
الخاصّة، أعني: نبوّة نبي الاِسلام محمّد بن عبد اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ فنقول: ولد ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ بمكّة عام (570م) وقام
بالدعوة في أوائل القرن السابع الميلادي (610م) وأوّل ما بدأ به، دعوة
أقربائه وعشيرته، وبعد سنوات ـ استطاع في أثنائها هداية جمع من عشيرته
ـ وجَّه دعوته إلى عموم الناس، ثمّ استمرّ في رسالته والناس بين موَمن به
مفاد بنفسه ونفيسه، وعدوّ ينابذه ويتحيّن الفرص للفتك به وقتله، فلمّا
أحسَّ بالخطر، غادر موطنه إلى مدينة يثرب فأقام هناك سنين عشر، إلى أن
أجاب داعي الموت وذلك في عام 633ميلادي.
إنّ التدبر في آثار دعوته ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ يدفع الاِنسان
إلى الاِذعان بأنّ لها سمات وخصائص تمتاز بها عن غيرها وهي:
1.سرعة انتشارها في أقطار العالم الاِنساني لا سيّما بين الاَُمم
المتحضّرة، سرعة لم ير التاريخ لها مثيلاً.
2. تحفّظ الاَُمّة الموَمنة على حضارات الاَُمم المغلوبة والحضارات
المفتوحة، وبذلك افترقت عن سائر الثورات البشرية، وأصبح التمدّن
الاِسلامي حضارة إنسانية مكتملة الاَبعاد، وصانت السالف من الحضارات
اليونانية والرومانية والفارسية، والتمدّن الصناعي الحديث.
( 294 )
3. تضحية المعتنقين لدينه وتفانيهم في سبيله حتى قدَّموا كلّ دقيق
وجليل ممّا يملكون في سبيل نصرته وإعزازه.
وهناك سمات للدّعوة المحمّدية وردت في القرآن الكريم من أهمّها
عالمية الرسالة، وخاتميتها، وعلى هذا فاللازم على المنصف المتحرّي
للحقيقة أن يبحث عن حقيقة هذه الدعوة وصحّة دلائلها، وقد وقفت عند
البحث عن النبوّة العامّة على أنّ للتعرّف على صدق مدّعي النبوّة طرقاً
ثلاثة، وهي: إتيانه بالمعجز، وتصديق النبي السابق وتنصيصه على نبوّته،
والقرائن الدالّة على صدق دعواه، ونحن نسلك في التعرّف على صدق
ادّعاء نبيّ الاِسلام هذه الطرق، و بما انّ مسألة الاِعجاز تتطلّب نطاقاً واسعاً
من البحث نوَخّرها عن البحث حول الطريقين الاَخيرين، فنقول:
( 295 )
الفصل الاَوّل
بشائر خاتم الرسل في العهدين
إنّ النبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ كان يحتجّ على اليهود
والنصارى بأنّه قد بُشّر به في العهدين، وانّ أهل الكتاب لو رجعوا إلى
كتبهم ـ حتّى بعد التحريف ـ لوجدوا بشائره فيها وتعرّفوا عليه كتعرّفهم
على أبنائهم ، كان يحتجّ بهذه الكلمات، ولم يكن هناك أيُّ ردّ من الاَحبار
والرهبان في مقابله، بل غاية جوابهم كان السكوت وإخفاء الكتب وعدم
نشرها بين أتباعهم.
يقول سبحانه:
(الَّذِينَآتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (1)
وغير ذلك من الآيات.
ثمّ إنّ علماء المسلمين في الاَعصار السابقة نقّبوا في العهدين،
وجمعوا البشارات الواردة فيهما، ونقل هذه البشائر يستدعي تأليف كتاب منفرد حافل
____________
(1) البقرة:146.
( 296 )
ونحن نكتفي في المقام بذكر بشارة وردت في إنجيل يوحنّا
في الاِصحاحات:14، 15، 16، وإليك نصوصها في الاِنجيل الحالي
المترجم إلى اللّغة العربية:
1. إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاَب فيعطيكم
معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الاَبد. (1)
2. وأمّا المُعزّي، روح القدس الذي سيرسله الاَب باسمي، فهو
يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم. (2)
3. ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الاَب روح
الحقّالّذي من عند الاَب ينبثق، فهو يشهد لي و تشهدون أنتم أيضاً لاَنّكم
معي من الابتداء. (3)
4. لكنّي أقول لكم الحق: إنّه خير لكم أن انطلق، لاَنّه إن لم انطلق، لا
يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (4)
4. وأمّا متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لاَنّه
لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأُمور آتية. (5)
إنّ الموَرّخين أجمعوا على أنّ الاَناجيل الثلاثة غير متّى كتبت من أوّل
يومها باللغة اليونانية، مع أنّالمسيح _ عليه السلام _ كان يتكلّم بالعبرية،
وعلى هذا فالمسيح بشَّر بما بشَّر باللغة العبرية أوّلاً، وإنّما نقله إلى اليونانية
كاتب الاِنجيل الرابع «يوحنّا» واللفظ اليوناني الّذي وضعه مكان اللفظ
العبري مردّد بين كونه «پاراقليطوس» الّذي هو بمعنى المعزّي والمسلّي والمعين والوكيل، أو «پريقليطوس» الذي هو
____________
(1) إنجيل يوحنّا، ط دار الكتاب المقدس، الاصحاح 14، الجملتان 15، 16.
(2) نفس المصدر: الجملة 26.
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) المصدر السابق: الاصحاح 16، الجملة 7.
(5) نفس المصدر: الجملة 13.
( 297 )
بمعنى المحمود الّذي يرادف
أحمد، ومترجموا إنجيل يوحنّا ومفسّروه يصرّون على الاَوّل، وادّعوا انّ
المراد منه روح القدس، و انّه نزل على الحواريّين في يوم الخميس بعد
فقدان المسيح، كما ذكر تفصيله في كتاب أعمال الرسل، وزعموا أنّهم
بذلك خلعوا المسلمين عن السلاح الذي كانوا يحتجّون به عليهم.
ومع ذلك فهناك قرائن دالّة على أنّ المبشَّر به هو الرسول الاَعظم، لا
روح القدس:
ألف. انّه وصف المبشَّر به بلفظ «آخر» و هذا لا يناسب كونه نظير
روح القدس لانحصاره في واحد، بخلاف الاَنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد
الآخر.
ب: انّه نعته بقوله :«ليمكث معكم إلى الاَبد» وهذا يناسب نبوّة النبي
الخاتم الّتي لا تنسخ.
ج: قوله: «وأمّا المعزّي روح القدس الّذي سيرسله الخ» يناسب أن
يكون المبشَّر به نبيّاً يأتي بعد فترة من رسالة النبيّ السابق بعد أن تصير
الشريعة السابقة على وشك الاضمحلال والاندثار، فيأتي النبيّ اللاحق
يذكِّر بالمنسيّ، وأمّا لو كان المراد هو روح القدس فقد نزل على الحواريّين
بعد خمسين يوماً من فقد المسيح، أفيظنّ بالحواريّين نسيان تعاليم المسيح
في هذه المدة اليسيرة؟
قوله: «لاَنّه إن لم أنطلق الخ» يناسب أن يكون المبشَّر به نبيّاًحيث علَّق
مجيئه بذهابه، وذلك لامتناع سيادة شريعتين مختلفتين على أُمّة واحدة،
وأمّا روح القدس فانّه حسب تصريح إنجيل متّى ولوقا نزل على الحواريّين
عندما بعثهم المسيح للتبشير والتبليغ. (1)
____________
(1) لاحظ إنجيل متى: الاصحاح10، الجملة الاَُولى وما بعدها؛ وإنجيل لوقا: الاصحاح 10، الجملة 11.
( 298 )
د: قوله: «ومتى جاء ذاك، روح الحقّ الخ» يناسب مع كون المبشَّر به
نبيّاً خاتماً، صاحب شريعة متكاملة لا يتكلّم إلاّ بما يوحى إليه، وهذه كلّها
صفات الرسول الاَكرم
ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ.
فجميع هذه القرائن تشهد بوضوح على أنّ المراد من «المعزّي»
المبشَّر به، هوا لنبيّ الاَكرم لا روح القدس، وهناك قرائن أُخرى ذكرها
المحقّقون من المسلمين تركنا ذكرها لغرض الاختصار. (1)
وجدير بالذكر انّ الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليهما السّلام ـ احتجّ
على الجاثليق النصراني، ورأس الجالوت اليهودي بما ورد في العهدين من
البشارة بالنبيّ الخاتم وأُمّته. (2)
____________
(1) راجع أنيس الاَعلام في نصرة الاِسلام:5|139ـ172؛ كان موَلّفه قسّيساً نصرانياً تشرَّف بالاِسلام ولقِّب بـ«فخر
الاِسلام» توفّي سنة 1330هـ.
(2) راجع التوحيد للصدوق: 420ـ 425، الباب 65.
( 299 )
الفصل الثاني
القرائن الدالَّة على نبوَّة
الرسول الاَعظم
من الطرق التي يستكشف بها صدق دعوى مدّعي النبوّة، هي
الفحص عن القرائن والشواهد الداخلية والخارجية، وقد ذكرنا في النبوّة
العامّة انّ قيصر الروم هو أوّل من اعتمد هذا الاَُسلوب، وأُصول هذه القرائن
في المقام عبارة عن الاَُمور التالية:
ألف. سيرته النفسية والخلقية قبل الدعوة
كفى في إشراق سيرته ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ قبل النبوّة انّه كان
يدعى «الاَمين» وكان محلّثقة واعتماد العرب في فضّ نزاعاتهم، فالتاريخ
يروي انّه لولا حُنْكة الرسول في حادثة وقعت بين العرب في مكّة،
وإجماعهم على قبول قضائه، لسالت دماوَهم وهلكت نفوسهم، وذلك انّهم
لمّا بلغوا في بناء الكعبة ـ التي هدمها السيل ـ موضع الركن، اختصموا في
وضع الحجر الاَسود مكانه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون
( 300 )
الاَُخرى، حتى تخالفوا واستعدوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع
ليال أو خمساً، تفكّر في مخلص من هذه الورطة.
ثمّ إنّ أبا أُميّة بن المغيرة، الذي كان أسنّ قريش كلّها، اقترح عليهم
اقتراحاً، فقال: يا قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أوّل من يدخل من
باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أوّل داخل عليهم رسول
اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ فلمّا رأوه قالوا: «هذا الاَمين رضينا، هذا
محمّد» فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ص: هلمّ ثوباً، فأُتي به فأخذ
الركن، فوضعه فيه بيده، ثمّ قال:
لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا
بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثمّ بنوا عليه كما أرادوا». (1)
ب. الظروف التي فيها نشأ وادّعى النبوّة
الصورة العامّة الّتي يمكن رسمها عن العرب الجاهليين، انّه كان
مجتمعاً غارقاً إلى آذانه في عبادة الحجارة والاَوثان، والفساد الذريع في
الاَخلاق، يظهر في شيوع القمار والزنا، ووأد البنات، وأكل الميتة، وشرب
الدم، والغارات الثأرية، وغير ذلك من التقاليد والاَعمال السيّئة التي نقلها
الموَرّخون ولا حاجة للتفصيل.
والنبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ وليد هذه البيئة المتدهورة،
نشأ وترعرع فيها، وقضى أربعين عاماً بينهم،فإذا به قد بعث بأُصول وآداب
ومعارف، تضادّ ما كان سائداً في تلك البيئة، فلو كان هو في تعاليمه
مستمدّاً من بيئته، لكان قد تأثّر بها ولو في بعض هذه التقاليد.
____________
(1) السيرة النبوية لابن هشام:1|192ـ 199؛ الكافي للكليني:4|217ـ 218.
( 301 )
ج. المفاهيم التي تبنّاها ودعا إليها
جاء الرسول الاَعظم بمفاهيم راقية في جميع شوَون الحياة البشرية،
ففي مجال المبدأ والمعاد دعا إلى التوحيد، ونبذ الوثنية وتنزيهه سبحانه
عن كلّنقص وعيب، وقرّر انّالموت ليس بمعنى ختم الحياة، وإنّما هو
نافذة للحياة الاَبديّة، وأين هذا من مفاهيم الشرك والوثنيّة التي كانت سائدة
في ذلك الزمن،وقولهم كما حكاه اللّه تعالى:
(ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ ) . (1)
وفي حقل الاَخلاق والتعاون والتآلف الاجتماعي، زرع في محيط
البغضاء والحقد بذور المحبّة والموَاساة، وجعل أبناء المجتمع الواحد
إخوة في الدين وقال:
(إِنَّما المُوَْمِنُونَ إِخْوَةٌ) . (2)
وأرسى أركان الاِحسان والعدالة الاِجتماعية، وحذّر عن الفواحش
والبغي والعدوان، وأين هذا من الممارسات الاَخلاقية القبيحة الرائجة بين
العرب في تلك الظروف؟
وفي الحقل الاقتصادي، جاء بأُصول ومفاهيم بنى عليها بنياناً محكماً
من التشريعات الاقتصادية في مختلف أبواب المعاملات، فمن ذلك انّه
نادى بحرمة الربا الّذي كان الشغل الشاغل في الجزيرة العربية.
وإلى هذا أشار جعفر بن أبي طالب في مقالة ألقاها إلى ملك الحبشة
فقال:
«أيّها الملك بعث اللّه فينا نبيّاً أمرنا بخلع الاَنداد وترك الاستقسام
بالاَزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى ونهانا
عن الفحشاء والمنكر والبغي». (3)
____________
(1) الجاثية:24.
(2) الحجرات:10.
(3) مجمع البيان:3ـ4|234.
( 302 )
د. الاَساليب التي اعتمدها في نشر دعوته
إنّ منطق النبيّ الاَكرم ومسلكه ـ كغيره من الاَنبياء ـ هو شقّ الطريق
على نهج الصدق والعدل و التحرّز عن التذرّع بوسائل غير حقّة حتى لو
كانت مفيدة ونافعة لاَهدافه الشخصيّة، بل كان يناهضها ليستقيم الناس على
جادّة الواقع والحقّ.
هـ. أثر رسالته في تغيير البيئة التي ظهر فيها
إنّ الاِلمام العابر بأحوال العرب في شبه الجزيرة العربيّة، يكفي في
إثبات انّ الثورة العارمة على التقاليد والعادات السائدة هناك آنذاك، في
مدّة لا تزيد على ثلاث وعشرين سنة وصُنع أُمّة متحضّرة منها، في هذه
البرهة الوجيزة من الزمن، أمر يستحيل تحقّقه عن طريق الاَسباب العاديّة
والاَساليب المتعارفة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّوراء هذه
الثورة، إمدادات غيبية، نصرت الثائر في جميع مواقفه ومقاصده.
وهذا الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ يصف وضع العرب
الجاهليّين في بعض خطبه ويقول:
«وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار... تسفكون دماءكم
وتقطعون أرحامكم، الاَصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة». (1)
فهذه الاَُمّة على هذه الحال وهذه الاَوصاف، تحوّلت إلى أُمّة عالمة
أرست قواعد الحضارة الاِنسانية في مدّة قصيرة، ولم يتحقّق ذلك إلاّ في ظلّ العنايات
____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 26.
( 303 )
الاِلهية والاِمدادات الغيبية، وإلى هذا أشارت قرَّة عين الرسول
الزهراء البتول
_ عليها السلام _ في خطبة ألقتها بعد رحلة أبيها في مسجد
المدينة حيث قالت:
«ابتعثه اللّه إتماماً لاَمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير
حتمه؛ فرأى الاَُمم فرقاً في أديانها، عُكّفاً على نيرانها،عابدة لاَوثانها، منكرة
للّه مع عرفانها؛ فأنار اللّه بمحمّد ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ ظلمها
وكشف عن القلوب بُهمها، وجلّى عن الاَبصار غممها؛ وقام في الناس
بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصَّـرهم من العماية، وهداهم إلى الدين
القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم». (1)
هذه دراسة إجمالية للدّعوة المحمّدية، وتبيين القرائن الموجودة
فيها، والكلّ يشهد على أنّ الداعي كان صادقاً في دعوته، محقّاً في نبوته،
وهذا الطريق قابل للبسط والاِسهاب ففي وسع المحقّقين في الحياة النبوية،
أن يشقّوا هذا الطريق بشكل مُسهب، حتى يتجلّى صدق دعوته تجلّي
الشمس في رائعة النهار.
____________
(1) الاحتجاج للطبرسي: 99، ط نشر المرتضى، مشهد.
( 304 )
( 305 )
الفصل الثالث
الاِعجاز البياني للقرآن الكريم
قد ضبط التاريخ انّه كانت لنبي الاِسلام معاجز كثيرة في مواقف
حاسمة غير انّه كان يركّز على معجزته الخالدة وهي القرآن الكريم، ونحن
نقتصر بالبحث عن هذه المعجزة الخالدة فنقول:
إنّ الحكمة الاِلهية اقتضت أن يكون الدين الخالد مقروناً بالمعجزة
الخالدة حتى تتمّ الحجة على جميع الاَجيال والقرون إلى أن تقوم الساعة:
(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) . (1)
بل تكون
(للّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) . (2)
على الناس في كلّ زمان ومكان.
إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصّة يمتاز بها عن كلّ كلام
____________
(1) النساء:65.
(2) الاَنعام:149.
( 306 )
سواه، سواء أصدر من أعظم الفصحاء و البلغاء أو من غيرهم، وهذا
هو الذي لمسه العرب المعاصرون لعصر الرسالة، ونحن نعيش في بدايات
القرن الخامس عشر من هجرة النبي، وندّعي انّ القرآن لم يزل معجزاً إلى
الآن، وانّه أرقى من أن يعارض أو يبارى ويوَتى بمثله أبداً، غير انّ لاِثباته
مسلكين:
الاَوّل: المراجعة إلى أهل الخبرة ممّن يعدّون من صميم أهل اللغة
العربية.
الثاني: التعرّف عليه بالمباشرة والتحليل.
ونحن نكتفي بالمسلك الاَوّل هنا لغرض الاختصار، فنقول:
اعتراف بلغاء العرب بإعجاز القرآن البياني
إنّما نركّز البحث عليه في المقام راجع إلى الاِعجاز البياني للقرآن
الذي كان هو محور الاِعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة
وبلغائهم. انّ التاريخ قد ضبط اعتراف مجموعة كبيرة من فصحاء العرب
بهذا الاَمر نشير إلى نماذج منها:
ألف. الوليد بن المغيرة
كان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً و من حكّام العرب يتحاكمون إليه
في أُمورهم وينشدونه الاَشعار، فما اختاره من الشعر كان مقدّماً مختاراً،
يروي التاريخ انّه سمع آيات من القرآن عندما كان يتلوها النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ (1) لمّا سمع ذلك قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم
فقال:
____________
(1) وهي ست آيات من أوّل سورة الموَمن، من قوله تعالى (حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِمِنَ اللّهِ الْعَزيْزِ العَلِيم)
إلى قوله:(أَنَّهُمْ أَصحابُ النارِ) .
( 307 )
«واللّه لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الاِنس ولا من
كلام الجنّ، وانّ له لحلاوة، وانّعليه لطلاوة، وانّ أعلاه لمثمر، وانّ أسفله
لمغدق، وانّه ليعلو وما يُعلى عليه». (1)
ب. عتبة بن ربيعة
سمع عتبة بن ربيعة آيات من الذكر الحكيم تلاها رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ عليه (2) فرجع إلى أصحابه وقال لهم:
«إنّي قد سمعت قولاً واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالشعر،
ولا بالسحر، ولا بالكهانة،... فواللّه ليكوننّ لقوله الّذي سمعت منه نبأ
عظيم». (3)
ج. ثلاثة من بلغاء قريش
يحكي لنا القرآن انّ المشركين تواصوا بترك سماع القرآن والاِلغاء
عند قراءته في قوله:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرآنِ وَالغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ).(4)
ومع ذلك فأُولئك الّذين كانوا مبدأً لردع الشباب عن سماع القرآن قد نقضوا عهدهم لشدّة التذاذهم من سماعه، فهوَلاء ثلاثة من بلغاء قريش
____________
(1) مجمع البيان:9ـ10|387.
(2) وهي سبع وثلاثون آية من سورة فصلت.
(3) السيرة النبوية لابن هشام:1|293ـ294، والقصة طويلة ذكرنا موضع الحاجة منها.
(4) فصلت:26.
( 308 )
وأشرافهم وهم: أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والاَخنس بن
شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا كلام رسول اللّهص وهو يصلّـي من الليل في
بيته، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه،
فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر، تفرّقوا، فجمعهم الطريق فتلاقوا
وقال بعضهم لبعض:
«لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لاَوقعتم في نفسه شيئاً، ثمّ
انصرفوا». (1)
ولكن عادوا في ليلتين أُخرتين بمثل ذلك.
وما هذا إلاّ لاَنّ القرآن كان كلاماً خلاّباً لعذوبة ألفاظه وبلاغة معانيه،
رائعاً في نظمه وأُسلوبه، ولم يكن له نظير في أوساطهم.
د. الطفيل بن عمر الدوسي
من الحبائل التي سلكها أعداء النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ
لصدّ تأثير القرآن، منع شخصيّات المشركين من لقاء الرسول و من تلك
الشخصيات الطفيل، وكان رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقد قدم مكّة ورسول
اللّه بها فمشى إليه رجال من قريش و خوَّفوه من سماع كلام النبي وبالغوا
في ذلك، يقول الطفيل: فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه
شيئاً ولا أُكلّمه، حتى حشوت في أُذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً...
فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللّه قائم يصلّي عند الكعبة، فقمت منه
قريباً فأبى اللّه إلاّ أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي واثكل أُمّي، واللّه انّي لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من
القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان الذي يأتي به حسناً
قبلته
____________
(1) السيرة النبوية:1|315.
( 309 )
وإن كان قبيحاً تركته، فمكثت حتى انصرف رسول اللّه إلى بيته،
فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت:
«يا محمّد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فواللّه ما برحوا يخوّفونني
أمرك حتى سددت أُذني بكرسف، لئلاّ أسمع قولك، ثمّ أبى اللّه إلاّ أن
يسمعني قولك فسمعته قولاً حسناً، فأعرض عليَّ أمرك.
قال: فعرض عليَّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ الاِسلام
وتلا عليَّ القرآن، فلا واللّه ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل
منه، فأسلمت وشهدت شهادةالحقّ». (1)
هـ. القرآن وأُسلوبه المعجز
الاَساليب السائدة في كلام العرب عصر نزول القرآن، كانت تتردّد
بين الاَساليب التالية:
1. أُسلوب المحاورة وهو الّذي كان متداولاً في المكالمات اليومية
ولم يكن مختصّاً بطائفة منهم.
2. أُسلوب الخطابة وهو الاَُسلوب الرائج بين خطباء العرب وبلغائهم،
منها ما ألقاه قسّ بن ساعدة في سوق عكاظ وقال: «أيّها الناس إسمعوا
وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّما هو آت آت، ليل داج، ونهار
ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر،وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض
مدحاة، وأنهار مجراة، انّ في السماء لخبراً، وانّ في الاَرض لعبراً، ما بال
الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ (2)
____________
(1) السيرة النبوية :1|382ـ383.
(2) صبح الاَعشى للقلقشندي: 1|212؛ إعجاز القرآن لعبد القاهر الجرجاني:124؛ البيان والتبيين للجاحظ:1|168.
( 310 )
ويرى هذا الاَُسلوب في خطب النبي وعلي ـ عليهما السّلام ـ في
مواقف مختلفة.
3. أُسلوب الشعر، وهو الاَُسلوب المعروف المبني على البحور
المعروفة في العروض.
4. أُسلوب السجع المتكلّف، وهو كان يتداوله الكهنة والعرّافون.
لكنّ القرآن جاء بصورة من صور الكلام على وجه لم تعرفه العرب،
وخالف بأُسلوبه العجيب أساليبهم الدارجة ومناهج نظمهم ونثرهم، انّ
الاَُسلوب القرآني الذي تفرّد به، كان أبين وجه من وجوه الاِعجاز في نظر
الباحثين عن إعجازه، وقد ركّز القاضي الباقلاني عليه و حصر وجه إعجازه
فيه، وقال:
«وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، و انّه خارج عن
وجه النظم المعتاد في كلام العرب ومبائن لاَساليب خطاباتهم، ولهذا لم
يمكنهم معارضته». (1)
وممّا يدلّ على أنّ القرآن ليس كلام النبيّ الاَعظم هو وجود البون
الشاسع بين أُسلوب القرآن وأُسلوب الحديث النبوي، فمن قارن آية من
القرآن الكريم مع الاَحاديث القطعية الصادرة منه ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ أحسّ بمدى التفاوت بين الاَُسلوبين، وهذا يدلّ على أنّ القرآن نزل
من عالم آخر على ضمير النبي، بينما الحديث الذي تكلّم به النبي من إنشاء
نفسه.
مثلاً يقول الرسول ـ صلّى اللّه عليه وآله
وسلم ـ في وصف الغفلة عن
الآخرة:
«وكأنّ الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا
وجب، وكأنّ الذي نشيّع من الاَموات سفر، عمّا قليل إلينا يرجعون».
هذا أُسلوب الحديث في هذا المجال، وأمّا أُسلوب القرآن فهو هكذا:
____________
(1) الاِتقان في علوم القرآن للسيوطي: 4|8.
( 311 )
(وَما هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيٍ الْحَيوانُ لو
كانوا يعلَمُونَ) . (1)
وهناك نوع آخر من المقارنة يتجلّى فيها التفاوت بوضوح بين
الاَُسلوبين وهو ملاحظة خطب الرسول الاَعظم عندما يخطب ويعظ الناس
بأفصح العبارات وأبلغها، ثمّ يستشهد في ثنايا كلامه بآي من الذكر الحكيم،
فعندها يلمس البون الشاسع بين الاَُسلوبين.
خطب النبيّ الاَكرم يوم فتح مكّة في المسجد الحرام فقال: «يا معشر
قريش إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من
آدم وآدم خلق من تراب:
(أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ
لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ) (2) . (3)
____________
(1) العنكبوت:64.
(2) الحجرات:13.
(3) السيرة النبوية لابن هشام:3|273؛ تاريخ الطبري: 3|120.
( 312 )
( 313 )
الفصل الرابع
نقد مذهب الصرفة
الرأي السائد بين المسلمين في إعجاز القرآن هو كونه في الطبقة
العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة مع ما له من النظم الفريد
والاَُسلوب البديع. وهناك مذهب آخر نجم في القرن الثالث اشتهر بمذهب
الصرفة وإليه ذهب جماعة من المتكلّمين، وأقدم من نسب إليه هذا القول
أبوإسحاق النظام، وتبعه أبو إسحاق النصيبي، وعباد بن سليمان الصيمري،
وهشام بن عمرو الفوطي وغيرهم من المعتزلة؛ واختاره من الاِمامية الشيخ
المفيد في «أوائل المقالات» وإن حكي عنه غيره، والسيد المرتضى في
رسالة أسماها بـ«الموضح عن جهة إعجاز القرآن» والشيخ الطوسي في
شرحه لجمل السيد، وإن رجع عنه في كتابه «الاقتصاد» وابن سنان
الخفاجي (المتوفّى 464هـ) في كتابه«سرّ الفصاحة».
وحاصل هذا المذهب هو انّه ليس الاِتيان بمثل القرآن من حيث
الفصاحة والبلاغة وروعة النظم وبداعة الاَُسلوب خارجاً عن طوق القدرة
البشرية، وإنّما العجز والهزيمة في حلبة المبارزة لاَمر آخر وهو حيلولته
سبحانه بينهم وبين الاِتيان بمثله، فاللّه سبحانه لاَجل إثبات التحدّي، حال بين فصحاء العرب
( 314 )
وبلغائهم وبين الاِتيان بمثله.
وقد أورد عليها وجوه من النقاش والاِشكال نكتفي بذكر ثلاثة منها:
الاَوّل: انّ المتبادر من آيات التحدّي انّ القرآن في ذاته متعال، حائز
أرقى الميزات وكمال المعجزات حتى يصحّ أن يقال في حقّه بأنّه:
(لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرآن لايَأْتُونَ
بِمثْلِهِ وَلَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) (1). (2)
الثاني: لو كان عجز العرب عن المقابلة لطارىَ مباغت أبطل قواهم
البيانية، لاَُثر عنهم أنّهم حاولوا المعارضة ففوجئوا بما ليس في حسبانهم،
ولكان ذلك مثار عجب لهم، ولاَعلنوا ذلك في الناس، ليلتمسوا العذر
لاَنفسهم وليقلّلوا من شأن القرآن في ذاته. (3)
الثالث: لو كان الوجه في إعجاز القرآن هو الصرفة كما زعموا، لما
كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، ولما ظهر منهم التعجب لبلاغته وحسن
فصاحته كما أثر عن الوليد بن المغيرة، فإنّ المعلوم من حال كلّ بليغ فصيح
سمع القرآن يتلى عليه، انّه يدهش عقله ويحير لبّه وما ذاك إلاّ لما قرع
مسامعهم من لطيف التأليف وحسن مواضع التصريف في كلّ موعظة
وحكاية كلّ قصَّة، فلو كان كما زعمه أهل الصرفة لم يكن للتعجب من
فصاحته وجه، فلمّا علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة، دلَّ على فساد هذه
المقالة. (4)
____________
(1) الاِسراء:88.
(2) اُنظر بيان إعجاز القرآن:21.
(3) لاحظ مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني:2|314.
(4) الطراز: 3|393ـ 394، وهناك مناقشات أُخرى على نظرية الصرفة مذكورة في الاِلهيات:2|327ـ332.
( 315 )
ولاَجل وهن هذه النظرية، صار السائد بين المسلمين عامة وأكابر
الشيعة خاصة، كون القرآن معجزاً من حيث الفصاحة العليا والبلاغة
القصوى والاَُسلوب البديع، وزيادة في إيضاح الحال نورد ما ذكره الشيخ
الطبرسي المتوفّى (548هـ) في تفسير الآية 88 من سورة الاِسراء:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالْجِنُّ) الآية.
قال:
«المراد انّه لئن اجتمعت الجنّ والاِنس متعاونين متعاضدين، على أن
يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ونظمه على الوجوه التي هو
عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة، والدرجة القصوى من حسن
النظم وجودة المعاني وتهذيب العبارة والخلو من التناقض، واللفظ
المسخوط، والمعنى المدخول على حدٍّ يشكل على السامعين ما بينهما من
التفاوت، لعجزوا عن ذلك و لم يأتوا بمثله:(وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ
ظَهيراً) أي معيناً على ذلك مثلما يتعاون الشعراء على بيت شعر». (1)
____________
(1) مجمع البيان:5ـ6|438.