( 257 )
الفصل الثالث
طرق التعرّف
على صدق دعوى النبوّة
يجب أن تقترن دعوى النبوَّة بدليل يثبت صحّتها وإلاّ كانت دعوى
فارغة غير قابلة للاِذعان والقبول وهذا ما تقتضيه الفطرة الاِنسانية، يقول
الشيخ الرئيس في كلمته المشهورة:
«من قبل دعوى المدّعي بلا بيِّنة وبرهان، فقد خرج عن الفطرة
الاِنسانية».
ثمّ إنّ هنا طرقاً ثلاثة للوقوف على صدق مدّعي النبوَّة في دعواه
وهي :
ألف. الاِعجاز.
ب. تصديق النبيّ السابق نبوّة النبيّاللاحق.
ج. جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي وتلامذة منهجه.
ولنبدأ باستعراض هذه الطرق، الواحد تلو الآخر:
( 258 )
1. الاِعجاز
تعريف المعجزة
المشهور في تعريف المعجزة أنّها :«أمر خارق للعادة، مقرون
بالتحدّي، مع عدم المعارضة» (1) وإليك توضيحه:
إنّ هناك أُموراً تعدّ خارقة (مضادّة) للعقل، كاجتماع النقيضين
وارتفاعهما، ووجود المعلول بلاعلّة ونحو ذلك، وأُموراً أُخرى تخالف
القواعد العادية، بمعنى انّها تعدّمحالات حسب الاَدوات والاَجهزة العادية،
والمجاري الطبيعية، ولكنّها ليست محالاً عقلاً لو كان هناك أدوات أُخرى
خارجة عن نطاق العادة، وهي المسمّاة بالمعاجز، وذلك كحركة جسم كبير
من مكان إلى مكان آخر بعيد عنه، في فترة زمانية لا تزيد على طرفة العين
بلا تلك الوسائط العادية، فإنّه غير ممتنع عقلاً ولكنّه محال عادة، ومن هذا
القبيل ما يحكيه القرآن من قيام من أوتي علماً من الكتاب بإحضار عرش
بلقيس ملكة سبأ، من بلاد اليمن إلى بلاد الشام في طرفة عين بلا توسط
شيء من تلك الاَجهزة المادّية المتعارفة (2) فتحصّل أنّ الاِعجاز أمر خارق
للعادة لا للعقل.
ثمّ إنّ الاِتيان بما هو خارق للعادة لا يسمّى معجزة إلاّ إذا كان مقترناً
بدعوى النبوّة، وإذا تجرّد عنها وصدر من بعض أولياء اللّه تعالى يسمّى
«كرامة» وذلك كحضور الرزق لمريم _ عليها السلام _ بلا سعي طبيعي (3) ولاَجل ذلك كان الاَولى أن
____________
(1) شرح التجريد: 465.
(2) لاحظ النمل:40.
(3) لاحظ آل عمران:37.
( 259 )
يضيفوا إلى التعريف قيد:«مع دعوى النبوّة
(1).
ولا يتحقّق الاِعجاز إلاّ إذا عجز الناس عن القيام بمعارضة ما أتى به
مدّعي النبوّة، ويترتّب على هذا انّ ما يقوم به كبار الاَطباء والمخترعين من
الاَُمور العجيبة خارج عن إطار الاِعجاز، كما أنّ ما يقوم به السحرة
والمرتاضون من الاَعمال المدهشة، لا يعدّ معجزاً لانتفاء هذا الشرط.
ومن شرائط كون الاِعجاز دليلاً على صدق دعوى النبوّة أن يكون
فعل المدّعي مطابقاً لدعواه، فلو خالف ما ادّعاه لما سمّي معجزة وإن كان
أمراً خارقاً للعادة، ومن ذلك ما حصل من مسيلمة الكذاب عندما ادّعى انّه
نبي، وآية نبوته انّه إذا تفل في بئر قليلة الماء، يكثر ماوَها، فتفل فغار جميع
ماوَها.
دلالة الاِعجاز والتحسين والتقبيح العقليّان
إنّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبوّة يتوقّف على القول
بالحسن والقبح العقليّين، لاَنّ الاِعجاز إنّما يكون دليلاً على صدق النبوّة،
إذا قبح في العقل إظهار المعجزة على يد الكاذب، فإذا توقّف العقل عن
إدراك قبحه واحتمل صحّة إمكان ظهوره على يد الكاذب، لا يقدر على
التمييز بين الصادق والكاذب، فالذين أعدموا العقل ومنعوا حكمه بهما،
يلزم عليهم سدّ باب التصديق بالنبوّة من طريق الاِعجاز، قال العلاّمة
الحلّي:
«لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من اللّه تعالى
شيء، ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد
____________
(1) لا تختص المعجزة بدعوى النبوة، بل يعمّها و دعوى الاِمامة وغيرها من الدعاوى الاِلهية، كدعوى المسلم انّ
شريعة الاِسلام هي الحق دون غيرها من الشرائع، ويقوم بالمباهلة ، فذلك معجزة ألبتة، فالصحيح في تعريف
المعجزة أن يقال:«هو الفعل الخارق للعادة الذي يأتي به من يدّعي منصباً أو مقاماً إلهياً شاهداً على صدق دعواه»
راجع البيان في تفسير القرآن: 33.
( 260 )
الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوّة، فإنّ أيّ نبي أظهر المعجزة
عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد
الكاذب في دعوى النبوّة».
(1)
الرابطة المنطقية بين الاِعجاز ودعوى النبوّة
هناك من يتخيّل انّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبيّ، دلالة
إقناعية لا برهانية، بحجّة انّ الدليل البرهاني يتوقّف على وجود رابطة
منطقية بين المدّعى والدليل، وهي غير موجودة في المقام، ويردّه انّ دعوى
النبوّة والرسالة من كلّ نبي ورسـول ـ على ما يقصّه القـرآن ـ إنّما كانت
بدعوى الوحي والتكليم الاِلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول ملك، وهذا أمر
لا يساعده الحس ولا توَيّده التجربة، فإنّ الوحي والتكليم الاِلهي وما يتلوه
من التشريع والتربية الدينية ممّا لا يشاهده البشر في أنفسهم، والعادة
الجارية في الاَسباب والمسبّبات تنكره، فهو أمر خارق للعادة.
فلو كان النبي صادقاً في دعواه النبوّة والوحي، لكان لازمه انّه متّصل
بما وراء الطبيعة، موَيَّد بقوَّة إلهية تقدر على خرق العادة، فلو كان هذا حقّاً
كان من الممكن أن يصدر من النبيّخارق آخر للعادة يصدّق النبوّة
والوحي من غير مانع منه، فانّ حكم الاَمثال واحد، فلئن أراد اللّه هداية
الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحي، فليوَيّدها وليصدّقها
بخارق آخر وهو المعجزة.
وهذا هو الذي بعث الاَُمم إلى سوَال المعجزة على صدق دعوى
النبوّة كلّما جاءهم رسول من أنفسهم. (2)
____________
(1) نهج الحق وكشف الصدق: 84 .
(2) الميزان:1|86.
( 261 )
فوارق المعجزة لسائر خوارق العادة
إنّهناك جهات من التمايز والتفارق بين المعجزة والكرامة وبين
غيرهما من خوارق العادات وهي: الجهة الاَُولى من حيث طريق الحصول
عليها، فإنّ المعجزة والكرامة وليدتان لعناية إلهية خاصة، وليس السبب
لهما مما تناله يد الدراسة والتعلّم، ولكن السحر ونحوه نتاج التعليم
والتعلّم ولها مناهج تعليمية يجب ممارستها حتى يصل طالبها إلى النتائج
المطلوبة يقول سبحانه:
(وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ
الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحرَ ـ إلى أن قال: ـ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما
يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِوَزَوجِهِ) . (1)
قال القاضي عبد الجبار:
«إنّ الحيلة ممّا يمكن أن تتعلم وتعلم،وهذا غير ثابت في المعجزة».(2)
ومن هنا فإنّ السحر ونحوه قابل للمعارضة دون المعجزة، وإلى هذا
أشار عبد الجبار بقوله:
«إنّ الحيل ممّا يقع فيها الاشتراك، وليس كذلك المعجزة». (3)
ولمّا كان السحر ونحوه رهن التعليم والتعلم، فهو متشابه في نوعه،
متّحد في جنسه، يدور في فلك واحد، ولا يخرج عن نطاق ما تعلمه أهله
ولذا لا يأتون إلاّ بما تدرّبوا عليه، بخلاف إعجاز الاَنبياء فانّه على جانب
عظيم من التنوّع في الكيفيّة إلى حدّ قد لا يجد الاِنسان بين المعجزات قدراً
مشتركاً وجنساً قريباً، كما في المعجزات التي يخبر بها القرآن عن موسى
وعيسى ـ عليهما السّلام ـ بقوله تعالى:
____________
(1) البقرة:102.
(2) شرح الاَُصول الخمسة:572.
(3) نفس المصدر.
( 262 )
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) . (1)
وقوله تعالى:
(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرينَ) . (2)
وقوله تعالى:
(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَومِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَفَانْفَجَرَتْ مِنْهُ
اثْنَتا عَشَرَةَ عَيْناً) . (3)
وقوله تعالى:
(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرقٍ
كَالطَّوْدِ الْعَظيْمِ) . (4)
وقوله سبحانه:
(وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ
لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىَُ الاََكْمَهَ
وَالاََبْرَصَ وَأُحْيِ المَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي
بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنينَ). (5)
نعم الحكمة الاِلهية اقتضت أن تكون معاجز الاَنبياء مناسبة للفنون
الرائجة في عصورهم حتى يتسنّى لخبراء كلّفنٍّ تشخيص المعاجز وإدراك
استنادها إلى القدرة الغيبية، وتميّزها عن الاَعمال الباهرة المستندة إلى
العلوم والفنون الرائجة.
الجهة الثانية من حيث الاَهداف والغايات، فإنّ أصحاب المعاجز
يتبنّون أهدافاً عالية ويتوسّلون بمعاجزهم لاِثبات حقّانية تلك الاَهداف
ونشرها، وهي تتمثّل في الدعوة إلى اللّه تعالى وحده وتخليص الاِنسان من عبوديّة الاَصنام
____________
(1) الاَعراف:107.
(2) الاَعراف:108.
(3) البقرة:60.
(4) الشعراء:63.
(5) آل عمران:49.
( 263 )
والحجارة والحيوانات والدعوة إلى الفضائل ونبذ الرذائل،
واستقرار نظام العدل الاجتماعي وغير ذلك، كما أنّ أصحاب الكرامات
أيضاً لايتبنّون إلاّ ما يكون موافقاً لرضى اللّه سبحانه لا غير.
وهذا بخلاف المرتاضين والسحرة، فغايتهم إمّا كسب الشهرة
والسمعة بين الناس، أو جمع المال والثروة، وغير ذلك ممّا يناسب
متطلّبات القوى البهيميّة.
الجهة الثالثة من حيث التقيّد بالقيم الاَخلاقية، فإنّ أصحاب المعاجز
والكرامات ـ باعتبار كونهم خرّيجي المدرسة الاِلهية ـ متحلّون بأكمل
الفضائل والاَخلاق الاِنسانية، والمتصفّح لسيرتهم لا يجد فيها أيّ عمل
مشين ومناف للعفّة ومكارم الاَخلاق، وأمّا أصحاب الرياضة و السحر، فهم
دونهم في ذلك، بل تراهم غالباً فارغين عن المثل و الفضائل والقيم.
فبهذه الضوابط يتمكّن الاِنسان من تمييز المعجزة عن غيرها من
الخوارق والنبيّ عن المرتاض والساحر.
هل المعجزة تناقض قانون العلّية وبرهان النظم؟
إنّالمعجزات لا تعدّ نقضاً لقانون العلّية العام، فإنّ المنفي في مورد
المعجزة هو العلل المادّية المتعارفة الّتي وقف عليها العالم الطبيعي واعتاد
الاِنسان على مشاهدته في حياته ولكن لا يمتنع أن يكون للمعجزة علّة
أُخرى لم يشاهدها الناس من قبل ولم يعرفها العلم ولم تقف عليها التجربة.
كما أنّها لا تضعضع برهان النظم الّذي يستدل به على وجود الصانع،
وذلك لاَنّ الاِعجاز ليس خرقاً لجميع النظم السائدة على العالم، وإنّما هو
خرق في جزء من أجزائه غير المتناهية الخاضعة للنظام والدالّة ببرهان
النظم على وجود الصانع.
( 264 )
2. تنصيص النبيّ السابق
إذا ثبتت نبوَّة نبي بدلائل مفيدة للعلم بنبوَّته، ثمّ نص هذا النبي على
نبوَّة نبيّ لاحق يأتي من بعده، كان ذلك حجّة قطعيّة على نبوَّة اللاحق، لا
تقلّ في دلالتها عن المعجزة.
وذلك لاَنّ النبيّ الاَوّل، إذا ثبتت نبوّته، يثبت كونه معصوماً عن الخطأ
والزلل، لا يكذب ولا يسهو، فإذا قال ـ والحال هذه ـ :سيأتي بعدي نبيّ
اسمه كذا، وأوصافه كذا وكذا، ثمّ ادّعى النبوّة بعده شخص يحمل عين
تلك الاَوصاف والسمات، يحصل القطع بنبوَّته.
ولابدّ أن يكون الاستدلال بعد كون التنصيص واصلاً من طريق
قطعي، وكون الاَمارات والسمات واضحة، منطبقة تمام الانطباق على النبيّ
اللاحق، وإلاّ يكون الدليل عقيماً غير منتج.
ومن هذا الباب تنصيص المسيح على نبوّة النبي الخاتم ص، كما
يحكيه سبحانه بقوله:
(وَإِذْ قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَد) . (1)
____________
(1) الصف:6.
( 265 )
ويظهر من الذكر الحكيم أنّ السلف من الاَنبياء وصفوا النبيّ الاَكرم
بشكل واضح، وأنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي كمعرفتهم لاَبنائهم، قال
سبحانه:
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) . (1)
بناءً على رجوع الضمير إلى النبي، المعلوم من القرائن، لا إلى
الكتاب.
وقال سبحانه:
(الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي
التَّوراةِ وَالاِِنْجيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) . (2)
وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوّة النبيّ الخاتم في حياته وبعد
مماته، لصراحة التباشير الواردة في العهدين.
هذا، وإنّ الاعتماد على هذا الطريق في مجال نبوّة النبيّ الخاتم، في
عصرنا هذا، يتوقّف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمّها إلى
بعضها، حتى يخرج الاِنسان بنتيجة قطعيّة على أنّ المراد من النبي المُبشَّر
به فيهما هو النبيّ الخاتم. وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وألَّفوا
فيه كتباً (3)، وسيوافيك بحثه في النبوّة الخاصّة، بإذنه تعالى.
____________
(1) البقرة:146.
(2) الاَعراف:157.
(3) لاحظ منها كتاب «أنيس الاَعلام»، وموَلّفه كان قسيساً محيطاً بالعهدين وغيرهما وقد تشرّف بالاِسلام، وألّف كتباً
كثيرة، منها هذا الكتاب وقد طبع في ستة أجزاء.
( 266 )
3. جمع القرائن والشواهد
هذا هو الطريق الثالث لتمييز النبيّ الصادق عن المتنبّىَ الكاذب
وهذا الطريق ضابطة مطّردة في المحاكم القانونية، معتمدٌ عليه في حلّ
الدعاوى والنزاعات، يسلكه القضاة في إصدار أحكامهم، ويستند إليه
المحامون في إبراء موكّليهم، خاصّة في المحاكم الغربية التي تفتقد القضاء
على ضوء الاَيمان والبيّنات، وتقضي هذه الطريقة بجمع كلّ القرائن
والشواهد التي يمكن أن توَيّد دعوى المدّعي، أو إنكار المنكر، وضمّها إلى
بعضها حتى يحصل القطع بصحّة دعواه أو إنكاره.
ويمكن تطبيق هذه الطريقة بعينها في مورد دعوى النبوّة، فنتحرّى
جملة القرائن الّتي يمكن أن نقطع معها بصدق الدعوى، ومن أهمّ هذه
القرائن:
1. نفسيّات النبي
ممّا يدلّ على كون مدّعي النبوّة صادقاً في دعواه، تحلّيه بروحيات
كمالية عالية، وأخلاق إنسانية فاضلة، غير منكبّ على الدنيا وزخرفها، ولا
طالب للرئاسة والزعامة، لم ير له في حياته منقصة، ودناسة، بل عرف بكلّ
خلق كريم، واشتهر بالنّزاهة والطهارة.
فجميع هذه الصفات تدلّ على صفائه في روحه وباطنه، وبالتالي
صدقه في دعواه.
( 267 )
2. مضمون الدعوة
من جملة القرائن التي ترشد إلى صدق المدّعي أو كذبه في دعواه،
مضمون العقيدة التي يحملها،والدعوة التي يدعو إليها، ومقدار التوافق
بينهما.
فإذا كانت العقيدة التي يحملها، والمعارف التي يدعو إلى اعتناقها،
معارف إلهية تبحث في خالق الكون وصفاته وأفعاله، وكانت دعوته
العملية مرشدة إلى التحلّي بالمُـثُـل الاَخلاقيـة، والفضائل الاِنسانية، وناهية
عن الرذائل النفسية وركوب الشهوات المنحرفة والفسق والمجون، كانت
هذه قرائن على اتصال دعوته بخالق الكون، ومبدأ الخير والجمال.
3. الاَدوات التي يستفيد منها في دعوته
من القرائن الّتي تدلّ على صدق المدّعي في دعوى النبوّة والسفارة
الاِلهية، اعتماده في دعوته على أساليب إنسانية، موافقة للفطرة والطهارة،
فإنّ لذلك دلالات على إلهية دعواه.
وأمّا لو اعتمد في نشر وتبليغ ما يدّعيه على وسائل إجرامية،
وأساليب وحشية غير إنسانية، متمسكاً بقول ماكيافللي: «الغاية تبرّر
الوسائل» (1)، كان هذا دليلاً على كون دعواه شخصية محضة، لا صلة لها
بالعالم الربوبي.
____________
(1) نيكولو ماكيافللي (1469ـ1527م). سياسي وموَرخ إيطالي، أحد أعلام عصر النهضة في اوربا، شارك في الحياة
السياسية في إيطاليا ثمّ اعتزلها عام (1512م) متفرغاً للتأليف، وعرف في تاريخ الفكر السياسي بموَلّفه الشهير
«الاَمير»، حيث أيّد فيه نظام الحكم المطلق، وأحلّ فيه للحاكم اتّخاذ كلّ وسيلة تكفل استقرار حكمه واستمراره، ولو
كانت منافية للدين والاَخلاق وذلك على أساس أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، ومن هنا صار لفظ «المكيافللية» وصفاً
لكلّ مذهب ينادي بأنّ الغاية تبرر الواسطة أو الوسيلة.
غير أنّ ماكيافللي عاد في كتابه «المحاضرات»، فأيّد النظام الجمهوري الذي يقوم على سيادة الشعب، وعدَّ مزايا
هذا النظام وفضّله على النظام الملكي.
( 268 )
4. الموَمنون به
إنّ لنفسيات الموَمنين بمدّعي النبوّة وحواريه، دلالة خاصّة على
صدقه فيما يدّعيه،وذلك أنّ أقرباء المدّعي وبطانته إذا آمنوا به، واتّبعوا
دعوته، وبلغوا فيها مراتب عالية من التقوى والورع، كان هذا دالاًّ على
صدق المدّعي في ظاهره وباطنه، وعدم التوائه وكذبه، لاَنّ الباطن لا يمكن
أن يخفى عن الاَقرباء والبطانة.
هذه القرائن وما يشابهها إذا اجتمعت في مدّعي النبوّة، ودعواه التي
يدّعيها، كانت دليلاً قاطعاً على صدقه، فإنّ كلّ واحدة من القرائن، وإن
كانت قاصرة عن إفادة اليقين، إلاّ أنّها بمجموعها تفيده.
أوّل من طرق هذا الباب
إنّ أوّل من طرق هذا الباب، وجعل القرائن المفيدة للقطع بصدق
المدّعي، دليلاً على صحّة الدعوى، هو قيصر الروم، فإنّه عندما كتب إليه
النبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق دينه
الّذي أتى به، أخذ ـ بعد استلامه الرسالة ـ يتأمّل في عبارات الرسول،
وكيفية الكتابة، حتى وقع في نفسه احتمال صدق الدعوى، فأمر جماعة من
حاشيته بالتجوّل في الشام والبحث عمّن يعرف الرسول عن قرب، ومطّلع
على أخلاقه وروحياته، فانتهى البحث إلى العثور على أبي سفيان وعدّة
كانوا معه في تجارة إلى الشام، فأُحضروا إلى مجلس قيصر، فطرح عليهم
الاَسئلة التالية:
* قيصر: كيف نسبه فيكم؟
ـ أبو سفيان: محضٌ، أوسطنا نسباً.
* قيصر: أخبرني، هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو
( 269 )
يتشبّه به؟
ـ أبوسفيان: لا، لم يكن في آبائه من يدّعي ما يقول.
* قيصر: هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث
لتردّوا عليه ملكه؟
ـ أبو سفيان: لا.
* قيصر: أخبرني عن أتباعه منكم، من هم؟
ـ أبو سفيان: الضعفاء والمساكين والاَحداث من الغلمان والنساء،
وأمّا ذوو الاَسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.
* قيصر: أخبرني عمّن تبعه، أيحبه ويلزمه؟ أم يقليه ويفارقه؟
ـ أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه.
* قيصر: أخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟
ـ أبو سفيان: سجال، يدال علينا وندال عليه.
* قيصر: أخبرني هل يغدر؟
ـ أبو سفيان:(لم أجد شيئاً ممّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها فقلت): لا،
ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره،(وأضاف أبوسفيان بأنّ قيصر ما التفت
إلى الجملة الاَخيرة منه).
ثمّ إنّ قيصر أبان وجه السوَال عن الاَُمور السابقة وأنّه كيف استنتج
من الاَجوبة التي سمعها من أبي سفيان أنّه نبيّ صادق، بقوله:
«سألتك كيف نسبه فيكم، فزعمت أنّه محض من أوسطكم نسباً،
وكذلك يأخذ اللّه النبي إذا أخذه، لا يأخذه إلاّ من أوسط قومه نسباً.
( 270 )
وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله: فهو يتشبّه به،
فزعمت أن لا.
وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث
يطلب به ملكه، فزعمت أن لا.
وسألتك عن أتباعه فزعمت أنّهم الضعفاء والمساكين والاَحداث
والنساء، وكذلك أتباع الاَنبياء في كلّ زمان.
وسألتك عمّن يتبعه، أيحبّه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه، فزعمت أن لا
يتبعه أحد فيفارقه، وكذلك حلاوة الاِيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه.
وسألتك هل يغدر، فزعمت أن لا. فلئن صدقتني عنه ليغلبني على ما
تحت قدميّ هاتين،ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه، إنطلق لشأنك».
قال أبو سفيان:
«فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ بالاَُخرى وأقول: إي عباد
اللّه، لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، أصبح ملوك بني الاَصفر يهابونه في
سلطانهم بالشام». (1)
وممّن طرق هذا الباب في القرن الثالث عشر أحد مشايخ الشيعة في
مدينة إسطنبول، فقد ألّف كتابه «ميزان الموازين» (2) وأوعز إلى هذا الطريق
عند البحث عن نبوّة خاتم الاَنبياء، وبعده الكاتب السيد محمّد رشيد رضا،
موَلّف المنار، في كتابه «الوحي المحمدي»، فقد بلغ الغاية في جمع
الشواهد والقرائن، وسنسلك نحن هذا الطريق عند البحث في النبوّة
الخاصّة.
____________
(1) تاريخ الطبري:2|290ـ291، حوادث السنة السادسة للهجرة.
(2) طبع الكتاب عام 1288.
( 271 )
الفصل الرابع
حقيقة الوحي في النبوّة
الوحي في اللّغة كما يستنبط من نصوص أهلها في معاجمهم هو
الاِعلام بخفاء بطريق من الطرق (1) وقد جاء استعماله في القرآن الكريم في
موارد متعدّدة مختلفة يجمعها المعنى اللغوي حقيقة أو ادّعاءً، منها قوله
سبحانه:
(وَأَوحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) . (2)
أي أودع في كلّ سماءٍ السنن والاَنظمة الكونية، وقدّر عليها دوامها،
فإيجاد السنن والنظم في السماوات على وجه لا يقف عليه إلاّ المتدبّر في
عالم الخلقة يشبه الاِلقاء والاِعلام بخفاء بنحو لا يقف عليه إلاّ الملقى إليه،
وهو الوحي.
ومنها قوله سبحانه:
(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِبُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ
وَمِمّا يَعْرِشُونَ).(3)
____________
(1) راجع في ذلك معجم مقاييس اللغة:6|93؛ المفردات في غريب القرآن، مادة «وحي»؛ لسان
العرب:15|379.
(2) فصلت:12.
(3) النحل:68.
( 272 )
فأطلق الوحي على ما أودع في صميم وجود النحل من غريزة إلهية
تهديه إلى أعماله الحيويّة الخاصّة.
ومنها قوله سبحانه:
(وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيه) . (1)
حيث إنّ تفهيم أُمّ موسى مصير ولدها كان بإلهام وإعلام خفي، عبّر
عنه بالوحي.
ومنها قوله تعالى في وصف زكريّا:
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً
وَعَشِيّاً).(2)
والمعنى: أشار إليهم من دون أن يتكلّم، لاَمره سبحانه إيّاه أن لا يكلّم
الناس ثلاث ليال سويّاً، فأشبه فعله، إلقاء الكلام بخفاء لكون الاِشارة أمراً
مبهماً.
ومنها قوله تعالى:
(وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ) . (3)
ويعلم وجه استعمال الوحي هنا ممّا ذكرناه فيما سبقه.
وحي النبوّة
ولكنّ الغالب في استعمال كلمة الوحي في القرآن هو كلام اللّه المنزل على
____________
(1) القصص:7.
(2) مريم:11.
(3) الاَنعام:121.
( 273 )
نبيّ من أنبيائه، فكلّما أطلق الوحي وجرّد عن القرينة يراد منه
ذلك، وهذا هو الذي نحن بصدد بيان حقيقته فنقول:
والوحي الّذي يختصّ به الاَنبياء إدراك خاصّ متميّز عن سائر
الاِدراكات فإنّه ليس نتاج الحس ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما هو شعور
خاص يوجده اللّه سبحانه في الاَنبياء وهوشعور يغاير الشعور الفكري
المشترك بين أفراد الاِنسان عامّة، لا يغلط معه النبي في إدراكه ولا يشتبه
ولا يختلجه شك ولا يعترضه ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو اللّه سبحانه،
من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل، أوإقامة حجّة.
قال سبحانه:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاََمْينُ* عَلى قَلْبِكَ) . (1)
فهذه الآية تشير إلى أنّ الّذي يتلقّى الوحي من الروح الاَمين هو نفس
النبيّ الشريفة، من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الاَدوات
المستعملة في إدراك الاَُمور الجزئية.
وعلى هذا، فالوحي حصيلة الاِتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله
بأدوات المعرفة المعتادة ولا بالاَُصول التي تجهّز بها العلم الحديث ومن لم
يذعن بعالم الغيب يشكل عليه الاِذعان بهذا الاِدراك الّذي لا صلة له بعالم
المادّة وأُصوله.
هل الوحي نتيجة النبوغ؟
إنّ هناك أُناساً يفسّرون النبوّات والرسالات ونزول الوحي على العباد
الصالحين بنحو يجمع بين تصديق الاَنبياء من جانب، والاَُصول العلمية الحديثة
____________
(1) الشعراء:193ـ194.
( 274 )
من جانب آخر، ومن هذا الباب تفسير بعضهم النبوّة بالنبوغ
والوحي بلمعات ذاك النبوغ.
وحاصل مذهبهم: انّه يتميّز بين أفراد الاِنسان المتحضّر، أشخاص
يملكون فطرة سليمة وعقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح الاجتماع
وسعادة الاِنسان، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمران الدنيا،
والاِنسان الصالح الذي يتميّز بهذا النوع من النبوغ هو النبي، والفكر الصالح
المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي، والقوانين التي يسنّها
لصلاح الاجتماع هو الدّين، والروح الاَمين هو نفسه الطاهرة التي تفيض
هذه الاَفكار إلى مراكز إدراكه، والكتاب السماوي هو كتابه الّذي يتضمن
سننه وقوانينه.
ويلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّت هذه النظرية لم يبق من الاعتقاد
بالغيب إلاّ الاعتقاد بوجود الخالق البارىَ، أمّا ما سوى ذلك فكلّه نتاج
الفكر الاِنساني الخاطىَ، وهذا في الواقع نوع إنكار للدين.
وثانياً: أنّ قسماً ممّا يقع به الوحي الاِنباء عن الحوادث المستقبلة،
إنباءً لا يخطىَ تحقّقه أبداً، مع أنّ النوابغ وإن سموا في الذكاء والفطنة لا
يخبرون عن الحوادث المستقبلة إلاّ مع الاحتياط والتردّد، لا بالقطع
واليقين، وأمّا رجالات السياسة اللاعبون على حبالها لمصالحهم
الشخصية، سواء صدقت تنبّوَاتهم أم كذبت، فإنّ حسابهم غير حساب
النوابغ.
وثالثاً: أنّ حملة الوحي ومدّعي النبوّة ـ من أوّلهم إلى آخرهم ـ إنّما
ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى اللّه سبحانه ولا يدّعون لاَنفسهم شيئاً، ولا
يشكّ أحد في أنّ الاَنبياء عباد صالحون، صادقون لا يكذبون، فلو كانت
السنن التي أتوا بها من وحي أفكارهم، فلماذا يغرّون المجتمع بنسبتها إلى
اللّه تعالى؟
هذا، ولو كانت شريعة النبيّ الخاتم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ والكتاب المجيد الذي جاء به،
( 275 )
وليدي النبوغ والعبقرية، فلماذا عجز عن
مقابلته ومقارعته النوابغ والعباقرة طرّاً في جميع القرون إلى عصرنا هذا؟
هل الوحي نتيجة تجلّي الاَحوال الروحيّة؟
زعم بعض المستشرقين (1) انّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبي لا
من الخارج، وذاك انّ منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوّة إيمانه
باللّه وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة
يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلّى في ذهنه، ويحدث في عقله
الباطن الروَى و الاَحوال الروحية فيتصوّر ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إلهياً
نازلاً عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثّل له رجل يلقّنه ذلك، يعتقد انّه
ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى و يسمع ما
يعتقده في اليقظة كما يرى و يسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من
مظاهر الوحي عند جميع الاَنبياء.
يقول أصحاب هذه النظرية: لانشكّ في صدق الاَنبياء في إخبارهم
عمّا رأوا وسمعوا، وإنّما نقول: إنّ منبع ذلك من نفسه وليس فيه شيء جاء
من عالم الغيب الذي يقال إنّه وراء عالم المادّة والطبيعة.
نقد هذه النظرية
هذه النظرية التي جاء بها بعض الغربيين وإن كانت تنطلي على
السذج من الناس وتأخذ بينهم رونقاً إلاّ انّ رجال التحقيق يدركون تماماً
انّها ليست بشيء جديد قابل للذكر، وإنّما هي تكرار لمقالات العرب الجاهليّين في النبوّة والوحي،
____________
(1) هذه النظرية مأثورة عن المستشرق «مونتيه» وفصّلها «إميل درمنغام»، لاحظ الوحي المحمدي، السيد محمّد رشيد
رضا، الطبعة السادسة عام 1960م، ص66.
( 276 )
فمن جملة افتراءاتهم على النبيّ الاَكرمص ،
وصم شريعته بانّها نتاج الاَحلام العذبة التي كانت تراود خاطره، ثمّ تتجلّى
على لسانه وبصره، قال تعالى:
(بَلْقالُوا أَضغْاثُ أَحْلامٍ) . (1)
والقرآن يردّ مقالتهم ويركّز على أنّ الوحي أمر واقعي مفاض من اللّه
سبحانه، ويقول:
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى*
إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى*عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) . (2)
وكذلك يقول:
(ما كَذَبَ الْفُوَادُ ما رَأى) . (3)
أي لم يكذّب فوَاد محمّد ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ ما أدركه
بصره، أي كانت روَيته صحيحة غير كاذبة وإدراكاً حقيقياً، وكذلك يقول:
(ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) . (4)
كناية عن صحّة روَيته وانّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية
ولا أبصر ما لا حقيقة له.
والحاصل: انّ الاَنبياء كانوا يعرّفون أنفسهم بأنّهم مبعوثون من جانب
اللّه تعالى ولا شأن لهم إلاّ إبلاغ الرسالات الاِلهيّة إلى الناس، هذا نوح
شيخ الاَنبياء يقول:
____________
(1) الاَنبياء:5.
(2) النجم:1ـ5.
(3) النجم:11.
(4) النجم:17.
( 277 )
(يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ
رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعَلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ
ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لُيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعلَّكُمْ تُرحَمُونَ) . (1)
ولا ريب في أنّهم كانوا صادقين في أقوالهم ـ كما اعترف به صاحب
النظرية ـ وعندئذٍ لو قلنا بأنّ ما ذكروه غير مطابق للواقع وانّ ما أتوا به من
المعارف والشرائع لم يكن رسالات إلهية وذكراً من جانبه سبحانه، بل كان
نابعاً من باطن ضميرهم وتجلّيات نفوسهم، لكان الاَنبياء قاصرين في مجال
المعرفة، مازالوا في جهل مركب، وهذا ما لا يتفوّه به من له أدنى معرفة
بمقالات الاَنبياء وشخصياتهم الجليلة في مجال العلم والعمل، بل يأبى
العقل والفطرة من اتّسام من دونهم بمراتب من رجالات العلم والدين
بمثل هذا الجهل والخبط.
الوحي والشخصيّة الباطنة
إنّ جماعة من الغربيّين فسّروا الوحي بما أثبتوه في أبحاثهم النفسية
من الشخصيّة الباطنة، لكلّ إنسان وقد جرّبوا ذلك على المنوَّمين تنويماً
مغناطيسياً، فوجدوا أنّ النائم يظهر بمظهر من الحياة الروحية لا يكون له
وهو يقظان، فيعلم الغيب ويخبر عن البعيدين، يبصر ويسمع ويحسّ بغير
حواسّه الظاهرة ويكون على جانب كبير من التعقّل والاِدراك.
قالوا: هذه الشخصية هي التي تهدي الاِنسان بالخواطر الجيدة من
خلال حجبه الجسمية الكثيفة، وهي التي تعطيه الاِلهامات الطيّبة الفجائية
في الظروف الحرجة، وهي التي تنفث في روع الاَنبياء ما يعتبرونه وحياً من اللّه، وقد تظهر له
____________
(1) الاَعراف:61ـ62.
( 278 )
متجسّدة فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من
السماء.
(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّهذه النظرية على فرض صحتها لا دلالة لها على
أنّ خصوص الوحي عند الاَنبياء من سنخ إفاضة الشخصية الباطنية وتجلّيها
عند تعطّل القوى الظاهرية.
وثانياً: أنّ الشخصّية الباطنية للاِنسان إنّما تتجلّى وتجد مجالاً للظهور
بآثارها المختلفة، عند تعطّل القوى الظاهرية، فلذا يقوى ظهورها في
المرضى والسكارى والنائمين، وتبقى مندثرة ومغمورة في طوايا النفس
عندما تكون القوى الظاهرية والحواس البشرية في حالة الفعّالية والسعي،
مع أنّ المعلوم من حالات الاَنبياء: انّ الوحي الاِلهي كان ينزل عليهم في
أقصى حالات تنبّههم واشتغالهم بالاَُمور السياسية والدفاعية والتبليغية،
فكيف يكون ما تجلّى للنبي وهو يخوض غمار الحرب، تجلّياً للشخصيّة
الباطنة والضمير المخفي؟ وأين الاَنبياء من الخمول والانعزال عن
المجتمع؟
____________
(1) لاحظ دائرة المعارف لفريد وجدي: 10|712ـ716.
( 279 )
الفصل الخامس
عصمة أنبياء اللّه تعالى
إن ّللعصمة مراتب أو أبعاداً وهي:
1. العصمة في تلقّي الوحي وإبلاغه.
2. العصمة في العمل بالشريعة الاِلهيّة.
3. العصمة عن الخطأ في تطبيق الشريعة.
4. العصمة عن الخطأ في تشخيص مصالح الاَُمور ومفاسدها.
5. العصمة عن الخطأ في الاَُمور العادية.
6. التنزّه عن المنفِّرات.
والبحث عنها وعن مسائل أُخرى متعلّقة بها هو الغرض من هذا
الفصل.
( 280 )
العصمة في اللغة والاصطلاح
قال ابن فارس:
«عصم: أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى
في ذلك كلِّه واحد، من ذلك [العصمة] أن يعصم اللّه عبده من سوء يقع
فيه، واعتصم العبد باللّه تعالى إذا تمنّع». (1)
وقال الراغب: العصم الاِمساك، والاعتصام الاستمساك، قال: (لا
عاصم اليوم من أمر اللّه): أي لا شيء يعصم منه، وقال: ( ما لهم من اللّه
من عاصم)، والاعتصام التمسّك بالشيء، قال: (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ
جَمِيعاً) (2)، انتهى ملخصاً.
هذا هو معناها اللغوي، وأمّا في اصطلاح المتكلّمين فالمشهور عند
العدلية انّها لطف لا داعي معه إلى ترك الطاعة ولا إلى ارتكاب المعصية
مع القدرة عليهما (3)وعند الاَشاعرة «أن لا يخلق اللّه فيهم ذنباً» (4). وقال
المحقّق الجرجاني المتوفّى(816هـ) في كتاب التعريفات:
«العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها». (5)
____________
(1) المقاييس:4|331.
(2) المفردات: كتاب العين، مادة عصم.
(3) شرح المقاصد:4|312؛ إرشاد الطالبين:130.
(4) شرح المواقف:8|280.
(5) التعريفات:65، الطبعة الاَُولى، طهران.
( 281 )
أقول: ما ذكره الشريف هو الصحيح وما ذكره المشهور سبب إلهي
لتحقّق العصمة، فالحقّ انّ العصمة غصن من دوحة التقوى، وهي ملكة
نفسانية راسخة في النفس، تمنع الاِنسان عن المعصية مطلقاً، فهي من سنخ
التقوى لكنّها درجة قصوى منها، فالتقوى في العاديين من الناس، كيفية
نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا
ترقّت في مدارجها وعلت في مراتبها، تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة
والامتناع المطلق عن ارتكاب أيّ قبيح من الاَعمال، بل يمنعه حتى التفكير
في خلاف أو معصية.
عصمة الاَنبياء في تلقّي الوحي وإبلاغه
ذهب جمهور المتكلّمين من السنّة والشيعة إلى عصمة الاَنبياء في
هذه المرحلة. والعصمة في هذه المرحلة على وجهين: أحدهما: العصمة
عن الكذب، والثاني: العصمة عن الخطأ سهواً في تلقّي الوحي ووعيه
وأدائه، وما سيجيء من الدليل الاَوّل على إثبات العصمة عن المعصية،
يثبت عصمتهم في هذا المجال، ولاَجل ذلك اكتفى به المحقّق الطوسي
في إثبات العصمة على الاِطلاق، فإنّ الوثوق التام بالاَنبياء لا يحصل إلاّ
بالاِذعان البات بمصونيتهم عن الخطأ في تلقّي الوحي وتحمّله وأدائه،
عمداً وسهواً.
أضف إلى ذلك انّ تجويز الخطأ في التبليغ ولو سهواً ينافي الغرض
من الرسالة، أعني: إبلاغ أحكام اللّه تعالى إلى الناس.
ويدلّ على عصمة الاَنبياء في هذا المجال قوله تعالى:
(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ
يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَد ْأَبْلَغُوا
( 282 )
رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً). (1)
إنّ الآية تصف طريق بلوغ الوحي إلى الرسل، ومنهم إلى الناس بأنّه
محروس بالحفظة يمنعون تطرّق أيّ خلل وانحراف فيه، حتى يبلغ الناس
كما أُنزل من اللّه تعالى، ويعلم هذا بوضوح ممّا تذكره الآية من أنّ اللّه
سبحانه يجعل بين الرسول ومن أُرسل إليهم ( من بين يديه) وبينه و
مصدر الوحي (وَمن خَلفه ) رصداً مراقبين هم الملائكة.
لزوم عصمة الاَنبياء عن المعاصي
إنّ الاَدلّة العقليّة على وجوب عصمة الاَنبياء كثيرة نكتفي بتقرير
دليلين منها:
1. الوثوق فرع العصمة
قال المحقّق الطوسي:
«ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض».
تقريره ـ كما قال العلاّمة الحلّي ـ:
«إنّ المبعوث إليهم لوجوَّزوا الكذب على الاَنبياء والمعصية، جوّزوا
في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم باتّباعهم فيها ذلك، وحينئذٍ لا
ينقادون إلى امتثال أوامرهم، وذلك نقض الغرض من البعثة». (2)
وبعبارة أُخرى ـ كما قال العلاّمة الطباطبائي ـ :
____________
(1) الجن:26ـ 28.
(2) كشف المراد:274.
( 283 )
«التبليغ يعمّ القول والفعل، فإنّ في الفعل تبليغاً، كما في القول،
فالرسول معصوم عن المعصية باقتراف المحرّمات وترك الواجبات
الدينية، لاَنّ في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل
المعصية». (1)
فإن قلت: إنّ هذا الدليل لا يثبت أزيد من عصمة الاَنبياء بعد البعثة.
قلت: لو كانت سيرة النبي مخالفة لما هو عليه بعد البعثة لا يحصل
الوثوق الكامل به و إن صار إنساناً مثاليّاً، فتحقّق الغرض الكامل من البعثة
رهن عصمته في جميع فترات عمره، يقول السيد المرتضى في الاِجابة عن
هذا السوَال:
«إنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر والكبائر في حال من الاَحوال، وإن
تاب منهما ... لا نسكن إلى قبول قوله كسكوننا إلى من لا نجوّز عليه ذلك
في حال من الاَحوال ولا على وجه من الوجوه... فليس إذاً تجويز الكبائر
قبل النبوّة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوّة وناقصاً عن رتبته في باب
التنفير». (2)
2. التربية رهن عمل المربّي
إنّ الهدف العام الذي بعث لاَجله الاَنبياء هو تزكية الناس وتربيتهم،
ولا شكّ انّ تأثير التربية بالعمل أشدّ وأعمق وآكد منها عن طريق الوعظ
والاِرشاد، وذلك انّ التطابق بين مرحلتي القول والعمل هو العامل الرئيسي
في إذعان الآخرين بأحقيّة تعاليم المصلح والمربّـي، وهذا الاَصل التربويّ
يجرّنا إلى القول بأنّ التربية الكاملة المتوخّاة من بعثة الاَنبياء لا تحصل إلاّ بمطابقة أعمالهم
____________
(1) الميزان:20|57.
(2) تنزيه الاَنبياء:5 بتصرف قليل.
( 284 )
لاَقوالهم، وهذا كما يوجب العصمة بعد البعثة، يقتضيها
قبلها أيضاً، لاَنّ لسوابق الاَشخاص وصحائف أعمالهم الماضية تأثيراً في
قبول الناس كلامهم وإرشاداتهم.
(1)
عصمة الاَنبياء في الكتاب العزيز
إذا ثبتت عصمة الاَنبياء في التبليغ، يجوز الاستناد بكلامهم في
العصمة عن المعاصي، وعلى ضوء ذلك نقول: يصف القرآن الكريم
الاَنبياء بالعصمة بلطائف البيان ودقائقه، نكتفي بالاِشارة إلى نموذج منها،
قال عزّ وجلّ ـ بعد ذكره عدّة من الاَنبياء ـ:
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه). (2)
وقال في موضع آخر:
(وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) . (3)
ثمّ بيّن أنّ المعصية ضلالة بقوله:
(وَلَقَدْأَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً) . (4)
فإذا كان الاَنبياء مهديين بهداية اللّه، ومن هداه اللّه لا تتطرّق إليه
الضلالة، وكانت المعصية نفس الضلالة، فينتج أنّ المعصية لا سبيل لها إلى
الاَنبياء.
____________
(1) وقد أقام المتكلّمون على عصمة الاَنبياء دلائل كثيرة، فذكر المحقّق الطوسي ثلاثة، وأضاف إليها القوشجي
دليلين آخرين، وذكر الاِيجي تسعة أدلّة، غير انّ بعضها ليس دليلاً عاماً، بل يختص بعصر النبوّة، راجع في ذلك:
كشف المراد:274؛ شرح التجريد:358؛ المواقف:359ـ360.
(2) الاَنعام:90.
(3) الزمر:37.
(4) يس:62.