http://www.imamsadeq.org (كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 204 - ص 227 )

( 204 )


( 205 )

الفصل التاسع

الاَمر بين الاَمرين


قد عرفت أنّ المجبّرة جنحوا إلى الجبر لاَجل التحفّظ على التوحيد الاَفعالي وحصر الخالقية في اللّه سبحانه، كما أنّ المفوّضة انحازوا إلى التفويض لغاية التحفّظ على عدله سبحانه، وكلا الفريقين غفلا عن نظرية ثالثة يوَيّدها العقل ويدعمها الكتاب والسنّة، وفيها الحفاظ على كلٍّ من أصلي التوحيد والعدل، مع نزاهتها عن مضاعفات القولين، وهذا هو مذهب الاَمر بين الاَمرين الّذي لم يزل أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ يحثّون عليه، من لدن حمى وطيس الجدال في أفعال الاِنسان من حيث القضاء والقدر أو غيرهما، وأمّا حقيقة هذا المذهب فتتعيّن في ظل أصلين عقليّين برهن عليهما في الفلسفة الاَُولى وهما:

1. كيفية قيام المعلول بالعلّة

إنّ قيام المعلول بالعلّة ليس من قبيل قيام العرض بموضوعه أو الجوهر بمحلّه، بل قيامه بها يرجع إلى معنى دقيق يشبه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي في المراحل الثلاث: التصوّر، والدلالة والتحقّق، فإذا قلت: سرت من البصرة إلى


( 206 )
الكوفة، فهناك معان اسميّة هي السير والبصرة والكوفة، ومعنى حرفي وهو كون السير مبدوّاً من البصرة ومنتهياً إلى الكوفة، فالابتداء والانتهاء المفهومان من كلمتي«من» و«إلى» فاقدان للاستقلال في مجال التصوّر، فلا يتصوّران مستقلّين ومنفكين عن تصوّر البصرة والكوفة، وإلاّ لعاد المعنى الحرفي معنى اسمياً ولصار نظير قولنا: «الابتداء خير من الانتهاء».

وكذلك فاقدان للاستقلال في مجال الدلالة فلا يدلاّن على شيء إذا انفكّتا عن مدخوليهما، كما هما فاقدان للاستقلال في مقام التحقّق والوجود، فليس للابتداء الحرفي وجود مستقل منفكّ عن متعلّقه، كما ليس للانتهاء الحرفي وجود كذلك.

وعلى ضوء ذلك يتبيّن وزان الوجود الاِمكاني الّذي به تتجلّى الاَشياء وتتحقّق الماهيات، فإنّ وزانه إلى الواجب لا يعدو عن وزان المعنى الحرفي إلى الاسمي، لاَنّ توصيف الوجود بالاِمكان ليس إلاّبمعنى قيام وجود الممكن وتعلّقه بعلّته الموجبة له، وليس وصف الاِمكان خارجاً عن هويّته وحقيقته، بل الفقر والربط عين واقعيته، وإلاّ فلو كان في حاقّ الذات غنياً ثمّ عرض له الفقر يلزم الخلف.

2. وحدة حقيقة الوجود تلازم عموميّة التأثير

قد ثبت في الفلسفة الاَُولى انّ سنخ الوجود الواجب والوجود الممكن واحد يجمعهما قدر مشترك وهو الوجود وطرد العدم وما يفيد ذلك، وانّ مفهوم الوجود يطلق عليهما بوضع واحد وبمعنى فارد.

وعلى ضوء هذا الاَصل، إذا كانت الحقيقة في مرتبة من المراتب العالية ذات أثر خاصّ، يجب أن يوجد ذلك الاَثر في المراتب النازلة، أخذاً بوحدة


( 207 )
الحقيقة، نعم يكون الاَثر من حيث الشدّة والضعف، تابعاً لمنشئه من هذه الحيثية، فالوجود الواجب بما انّه أقوى وأشد، يكون العلم والدرك والحياة والتأثير فيه مثله، والوجود الاِمكاني بما انّ الوجود فيه أضعف يكون أثره مثله، ولاَجل ذلك ذهب الاِلهيون إلى القول بسريان العلم والحياة والقدرة إلى جميع مراتب الوجود الاِمكاني، ويشهد الكتاب العزيز على صحّة نظريتهم في مجال السريان العلمي والدركي إلى جميع مراتب الوجود.

إذا وقفت على هذين الاَصلين تقف على النظرية الوسطى في المقام وأنّه لا يمكن تصوير فعل العبد مستقلاً عن الواجب، غنياً عنه، غير قائم به، قضاءً للاَصل الثاني، وبذلك يتّضح بطلان نظرية التفويض، كما انّه لا يمكن إنكار دور العبد بل سائر العلل في آثارها قضاءً للاَصل الثالث، وبذلك يتبيّن بطلان نظرية الجبر في الاَفعال ونفي التأثير عن القدرة الحادثة.

فالفعل مستند إلى الواجب من جهة ومستند إلى العبد من جهة أُخرى، فليس الفعل فعله سبحانه فقط بحيث يكون منقطعاً عن العبد بتاتاً، ويكون دوره دور المحل والظرف لظهور الفعل، كما أنّه ليس فعل العبد فقط حتى يكون منقطعاً عن الواجب، وفي هذه النظرية جمال التوحيد الاَفعالي منزّهاً عن الجبر كما أنّ فيها محاسن العدل منزّهاً عن مغبّة الشرك و الثنويّة.

إيضاح وتمثيل

هذا إجمال النظرية حسب ما تسوق إليه البراهين الفلسفية، ولاِيضاحها نأتي بمثال وهو انّه لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً وهو يعلم انّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر ويهلكه، فإذا وقع السيف وقتل، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف دون


( 208 )
صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده، فهذا مثال لما يتبنّاه الجبري في أفعال الاِنسان.

ولو فرضنا انّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالاَمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى، وهذا مثال لما يعتقده التفويضي في أفعال الاِنسان.

ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاّ بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آنٍ انقطعت القوّة عن جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً به، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما، إمّا إلى المباشر فلاَنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وإمّا إلى الموصل، فلاَنّه أقدره وأعطاه التمكّن حتى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، وكان متمكّناً من قطع القوّة عنه في كلّ آنٍ شاء وأراد، وهذا مثال لنظرية الاَمر بين الاَمرين، فالاِنسان في كلّ حال يحتاج إلى إفاضة القوّة والحياة منه تعالى إليه بحيث لو انقطع الفيض في آنٍ واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوّة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء.

محصّل هذا التمثيل انّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين، إحداهما نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته، وثانيهما نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كلّ آن وبصورة مستمرّة حتى في آن اشتغاله بالعمل. (1)
____________
(1) هذا المثال ذكره المحقّق الخوئي ـ قدّس سرّه ـ في تعاليقه القيّمة على أجود التقريرات، ومحاضراته الملقاة على تلاميذه. لاحظ أجود التقريرات:1|90 والمحاضرات:2|87 ـ 88. وهناك أمثلة أُخرى لتقريب نظرية الاَمر بين الاَمرين، لاحظ تفسير الميزان:1|100 والاَسفار:6|377ـ 388.


( 209 )
الاَمر بين الاَمرين في الكتاب والسنّة

إذا كان معنى الاَمر بين الاَمرين هو وجود النسبتين والاِسنادين في فعل العبد، نسبة إلى اللّه سبحانه، ونسبة إلى العبد، من دون أن تزاحم إحداهما الاَُخرى، فانّا نجد هاتين النسبتين في آيات من الذكر الحكيم:

1. قوله سبحانه:

(وَما رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّه رَمى) . (1)

فترى أنّ القرآن الكريم ينسب الرمي إلى النبيّ، وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى اللّه.

2. قال سبحانه:

(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ...) . (2)

فإنّ الظاهر انّ المراد من التعذيب هو القتل، لاَنّ التعذيب الصادر من اللّه تعالى بأيد من الموَمنين ليس إلاّ ذاك، لا العذاب البرزخي ولا الاَُخروي، فإنّهما راجعان إلى اللّه سبحانه دون الموَمنين،وعلى ذلك فقد نسب فعلاً واحداً إلى الموَمنين وإلى خالقهم.

3. انّ القرآن الكريم يذمّ اليهود بقساوة قلوبهم ويقول:

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ...) . (3)

ولا يصحّ الذم واللوم إلاّ أن يكونوا هم السبب لعروض هذه الحالة على
____________
(1) الاَنفال:17.
(2) التوبة:14.
(3) البقرة:74.


( 210 )
قلوبهم، وفي الوقت نفسه يسند حدوث القساوة إلى اللّه تعالى ويقول:

(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَة) . (1)

4. هناك مجموعة من الآيات تعرِّف الاِنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله (2)، ومجموعة أُخرى تصرّح بأنّكلّما يقع في الكون من دقيق وجليل لا يقع إلاّبإذنه سبحانه وانّ الاِنسان لا يشاء لنفسه إلاّما شاء اللّه له. (3)

فالمجموعة الاَُولى من الآيات تناقض الجبر وتفنِّده، كما أنّالمجموعة الثانية تردّ التفويض وتبطله، ومقتضى الجمع بينهما حسب ما يرشدنا إليه التدبّر فيها ليس إلاّالتحفّظ على النسبتين،وانّ العبد يقوم بكلّ فعل وترك باختيار وحرّيّة لكن بإقدار وتمكين منه سبحانه، فليس العبد في غنىً عنه سبحانه في فعله وتركه.

هذا ما يرجع إلى الكتاب الحكيم، وأمّا الروايات فنذكر النزر اليسير ممّا جمعه الشيخ الصدوق في «توحيده» و العلاّمة المجلسي في «بحاره»:

1. روى الصدوق عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السّلام ـ قالا:

«إنّ اللّه عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثمّيعذّبهم عليها واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون».

قال: فسئلا ـ عليهما السّلام ـ : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا:

«نعم أوسع ممّا بين السماء والاَرض». (4)
____________
(1) المائدة:13.
(2) لاحظ:الكهف:29؛ النور:11؛ السجدة:49؛ الزمر:7؛ الطور:19؛ النجم:39ـ41؛ المزمل:19؛ المدثر:55؛ الاِنسان:61؛ النبأ:39؛ عبس:12؛ الشمس:7ـ10.
(3) لاحظ: البقرة:102، 249، 251؛ الاَعراف:188؛ يونس:100؛ التكوير:29.
(4) التوحيد، ص 360، الباب 59، الحديث 3.


( 211 )

2. وروى باسناد صحيح عن الرضا _ عليه السلام _ أنّه قال:

«إنّ اللّه عزّوجلّ لم يُطَع بإكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته، لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، و إن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه». (1)

3. وروى أيضاً عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:

«لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».

قال، فقلت: وما أمر بين أمرين؟ قال:

«مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته، أنت الذي أمرته بالمعصية». (2)

4. وللاِمام الهادي _ عليه السلام _ رسالة مبسّطة في الردِّ على أهل الجبر والتفويض، وإثبات العدل والاَمر بين الاَمرين نقلهـا عليّ بن شعبة ـ عليهما السّلام ـ في «تحف العقول»، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي ـ عليهما السّلام ـ في «الاحتجاج»، وممّا جاء فيها في بيان حقيقة الاَمر بين الاَمرين، قوله:

«وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض، وبذلك أخبر أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعي الاَسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير الموَمنين:
____________
(1) التوحيد للصدوق: الباب 59، الحديث 7.
(2) المصدر السابق: الحديث 8.


( 212 )
سألت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكت عباية، فقال له أمير الموَمنين : قل يا عباية، قال: وما أقول؟ قال _ عليه السلام _ : ...تقول إنّك تملكها باللّه الذي يملكها من دونك، فإن يملِّكها إيّاك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أقدرك». (1)

تذييل

نقل عن الفخر الرازي أنّه اعترف بأنّ الحقّفي المقام ما قاله أئمّة الدين من الاَمر بين الاَمرين، وإن أخطأ في تفسيره، وجعل وزان الاِنسان، وزان القلم في يد الكاتب، والوتد في شقّ الحائط، وفي كلام العقلاء، قال الحائط للوتد: لم تشقّني؟ فقال:

«سل من يدقّني». (2)

وممّن اعترف بالاَمر بين الاَمرين شيخ الاَزهر في وقته، محمّد عبده في رسالته حول التوحيد، قال:

«جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة وقوام الاَعمال البشرية، الاَوّل: انّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته، والثاني: انّقدرة اللّه هي مرجع لجميع الكائنات وانّ من آثارها ما يحول بين العبد و إنفاذ ما يريده....

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همّته إلى استمداد العون منه وحده بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل،
____________
(1) بحار الاَنوار:5|75، الباب الثاني، الحديث 1.
(2) راجع بحار الاَنوار: ج5، ص 82.


( 213 )
وهذا الّذي قرّرناه قد اهتدى إليه سلف الاَُمّة، وعوّل عليه من متأخّري أهل النظر إمام الحرمين الجوينيص ، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه». (1)



____________
(1) رسالة التوحيد:57ـ62 بتخليص.


( 214 )


( 215 )

الفصل العاشر

الاِجابة عن شبهات وشكوك في المقام


إلى هنا فرغنا عن دراسة المذاهب والآراء في مسألة الجبر و الاختيار ، ثمّ إنّ هاهنا شبهات وشكوك يجب علينا دراستها والاِجابة عنها:

1. علم اللّه الاَزلي

قالوا:

«إنّ ما علم اللّه عدمه من أفعال العبد فهو ممتنع الصدور عن العبد وإلاّ جاز انقلاب العلم جهلاً، وما علم اللّه وجوده من أفعاله فهو واجب الصدور عن العبد، وإلاّ جاز ذلك الانقلاب وهو محال في حقّه سبحانه، وذلك يبطل اختيار العبد، إذ لا قدرة على الواجب والممتنع، ويبطل أيضاً التكليف لابتنائه على القدرة والاختيار، فما لزم القائلين بمسألة خلق الاَعمال فقد لزم غيرهم لاَجل اعتقادهم بعلمه الاَزلي المتعلّق بالاَشياء».(1)


____________
(1) شرح المواقف:8|155 بتلخيص منّا.


( 216 )

والجواب عنه: انّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كلّفعل عن فاعله على وجه الاِطلاق، بل تعلّق علمه بصدوره عنه حسب الخصوصيات الموجودة فيه وعلى ضوء ذلك، تعلّق علمه الاَزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر والاضطرار، كما تعلّق علمه الاَزلي بصدور الرعشة من المرتعش كذلك، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الاِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يوَكّد الاختيار.

قال العلاّمة الطباطبائي:

«إنّ العلم الاَزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية...».(1)

2. إرادة اللّه الاَزلية

قالوا:

«ما أراد اللّه وجوده من أفعال العبد وقع قطعاً، وما أراد اللّه عدمه منها لم يقع قطعاً، فلا قدرة له على شيء منهما». (2)

والجواب عنه: انّ هذا الاستدلال نفس الاستدلال السابق لكن بتبديل العلم بالاِرادة، فيظهر الجواب عنه ممّا ذكرناه في الجواب عن سابقه.

قال العلاّمة الطباطبائي:

«تعلّقت الاِرادة الاِلهية بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا
____________
(1) الاَسفار:6|318، تعليقة العلاّمة الطباطبائي ـ عليهما السّلام ـ .
(2) شرح المواقف:8|156.


( 217 )
ومكان كذا، فإذن تأثير الاِرادة الاِلهية في الفعل يوجب كون الفعل اختيارياً وإلاّ تخلّف متعلّق الاِرادة... فخطأ المجبرة في عدم تمييزهم كيفيّة تعلّق الاِرادة الاِلهية بالفعل...». (1)

3. لزوم الفعل مع المرجِّح الخارج عن الاختيار

قالوا: إنّ العبد لو كان موجداً لفعله بقدرته فلابدّ من أن يتمكّن من فعله وتركه، وإلاّ لم يكن قادراً عليه، إذ القادر من يتمكّن من كلا الطرفين.

وعلى هذا يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجح، وإلاّ لزم وقوع أحد الجائزين بلا مرجِّح وسبب وهو محال، وذلك المرجّح إن كان من العبد وباختياره لزم التسلسل الباطل، لاَنّا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجّح عن العبد فيتوقّف صدوره عنه إلى مرجّح ثان وهكذا....

وإن كان من غيره و خارجاً عن اختياره، فبما انّه يجب وقوع الفعل عند تحقّق المرجح، والمفروض انّ ذلك المرجح أيضاً خارج عن اختياره، فيصبح الفعل الصادر عن العبد، ضروريّ الوقوع غير اختيارى له. (2)

والجواب عنه: انّ صدور الفعل الاختياري من الاِنسان يتوقّف على مقدمات و مبادىَ من تصوّر الشيء والتصديق بفائدته والاشتياق إلى تحصيله وغير ذلك من المبادىَ النفسانية والخارجية، ولكن هذه المقدمات لا تكفي في تحقّق الفعل وصدوره منه إلاّبحصول الاِرادة النفسانية التي يندفع بها الاِنسان نحو الفعل، ومعها يكون الفعل واجب التحقّق وتركه ممتنعاً.

والمرجّح ليس شيئاً وراء داعي الفاعل وإرادته وليس مستنداً إلاّ إلى نفس
____________
(1) الميزان: 1|99ـ100.
(2) شرح المواقف:8|149ـ150 بتلخيص وتصرّف.


( 218 )
الاِنسان وذاته، فإنّها المبدأ لظهوره في الضمير، إنّما الكلام من كونه فعلاً اختيارياً للنفس أو لا، فمن جعل الملاك في اختيارية الاَفعال كونها مسبوقةً بالاِرادة وقع في المضيق في جانب الاِرادة، لاَنّ كونها مسبوقة بإرادة أُخرى يستلزم التسلسل في الاِرادات غير المتناهية، وهو محال.

وأمّا على القول المختار، من أنّ الملاك في اختيارية الاَفعال كونها فعلاً للفاعل الّذي يكون الاختيار عين هويته وينشأ من صميم ذاته وليس أمراً زائداً على هويّته عارضاً عليها، فلا إشكال مطلقاً، وفاعلية الاِنسان بالنسبة إلى أفعاله الاختيارية كذلك، فاللّه سبحانه خلق النفس الاِنسانيّة مختارة، وعلى هذا يستحيل أن يسلب عنها وصف الاختيار ويكون فاعلاً مضطرّاً كالفواعل الطبيعيّة.

4. التكليف بمعرفة اللّه تكليف بالمحال

قالوا:

«التكليف واقع بمعرفة اللّه تعالى إجماعاً، فإن كان التكليف في حال حصول المعرفة فهو تكليف بتحصيل الحاصل، وهو محال، وإن كان حال عدمها فغير العارف بالمكلّف وصفاته المحتاج إليه في صحّة التكليف منه، غافل عن التكليف وتكليف الغافل تكليف بالمحال». (1)

والجواب عنه: انّا نختار الشقّ الاَوّل من الاستدلال و لكن لا بمعنى المعرفة التفصيلية حتّى يكون تحصيلاً للحاصل، بل المعرفة الاِجمالية الباعثة على تحصيل التفصيلية منها.

توضيح ذلك: أنّ التكليف بالمعرفة تكليف عقلي، يكفي فيه التوجّه الاِجمالي
____________
(1) شرح المواقف:8|157.


( 219 )
إلى أنّ هناك منعماً يجب معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته شكراً لنعمائه، أو دفعاً للضرر المحتمل.

5. لا يوجد الشيء إلاّ بالوجوب السابق عليه

قد ثبت في الفلسفة الاَُولى انّ الموجود الممكن مالم يجب وجوده من جانب علّته لم يتعيّن وجوده ولم يوجد، وذلك: لاَنّ الممكن في ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم، فلا مناص لخروجه من ذلك إلى مستوى الوجود من عامل خارجي يقتضي وجوده، ثمّ ما يقتضي وجوده إمّا أن يقتضي وجوبه أيضاً أو لا . فعلى الاَوّل وجب وجوده، وعلى الثاني، بما انّ بقاءه على العدم لا يكون ممتنعاً بعد، فيسأل: لماذا اتّصف بالوجود دون العدم؟ وهذا السوَال لا ينقطع إلاّبصيرورة وجود الممكن واجباً وبقائه على العدم محالاً، وهذا معنى قولهم:«إنّ الشيء مالم يجب لم يوجد».

هذا برهان القاعدة، ورتّب عليها القول بالجبر، لاَنّ فعل العبد ممكن فلا يصدر منه إلاّ بعد اتّصافه بالوجوب، والوجوب ينافي الاختيار.

والجواب عنه: انّ القاعدة لا تعطي أزيد من أنّ المعلول إنّما يتحقّق بالاِيجاب المتقدّم على وجوده، ولكن هل الاِيجاب المذكور جاء من جانب الفاعل والعلّة أو من جانب غيره؟ فإن كان الفاعل مختاراً كان وجود الفعل ووجوبه المتقدّم عليه صادراً عنه بالاختيار، وإن كان الفاعل مضطرّاً كالفواعل الكونية كانا صادرين عنه بالاضطرار.

والحاصل: انّ الوجوب المذكور في القاعدة وإن كان وصفاً متقدّماً على الفعل، ولكنّه متأخّر عن الفاعل، فالمستفاد منه ليس إلاّ كون الفعل موجَباً (بالفتح) وامّا الفاعل فهو قد يكون أيضاً كذلك وقد يكون موجِباً (بالكسر)، فإن أثبتنا كون الاِنسان مختاراً فلا تنافيه القاعدة المذكورة قيد شعرة.


( 220 )


( 221 )


الفصل الحادي عشر

القضاء و القدر


إنّ القضاء و القدر من الاَُصول الاِسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، وليس لمن له إلمام بهذين المصدرين الرئيسيين أن ينكرهما أو ينكر واحداً منهما، إلاّ أنّ المشكلة في توضيح ما يراد منهما، فإنّه المزلقة الكبرىفي هذا المقام، واستيفاء البحث عنه يستدعي بيان أُمور:

1. تعريف القضاء والقدر

قال ابن فارس:

«القدر ـ بفتح الدال وسكونه ـ حدُّ كلِّ شيء ومقداره وقيمته وثمنه، ومنه قوله تعالى:

(وَمَنْ قُدِر عَلَيْهِ رِزْقُه) أي قدر بمقدار قليل». (1)

وقال الراغب:

«القدر والتقدير تبيين كمية الشيء». (2)
____________
(1) المقاييس:5|63.
(2) المفردات: مادة قدر.


( 222 )

هذا معنى القدر في اللغة. وأمّا معنى القضاء، فقال ابن فارس:

«القضاء أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، قال اللّه تعالى:

(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ) أي أحكم خلقهـن ـ إلى أن قال: ـ و سمّي القاضي قاضياً لاَنّه يحكم الاَحكام وينفذها، وسمّيت المنيّة قضاءً لاَنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق». (1)

وقال الراغب:

«القضاء فصل الاَمر قولاً كان ذلك أو فعلاً». (2)

أقول: مجموع النصّين من العلمين يرجع إلى أنّ أيّ قول أو عمل إذا كان متقناً محكماً، وجادّاً قاطعاً، وفاصلاً صارماً ،لا يتغيّر ولا يتبدّل، فذلك هو القضاء.

هذا ما ذكره أئمّة اللغة، وقد سبقهم أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ ، كما ورد فيما روي عنهم _ عليهم السلام _ :

روى الكليني بسنده، إلى يونس بن عبد الرحمان، عن أبي الحسن الرضا _ عليه السلام _ وقد سأله يونس عن معنى القدر والقضاء، فقال:

«هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الاِبرام وإقامة العين». (3)
____________
(1) المقاييس:5|99.
(2) المفردات: مادة قضى.
(3) الكافي:1|158. ورواه الصدوق في توحيده بتغيير يسير.


( 223 )
2. مراتب القضاء والقدر

لكلّ من القضاء والقدر مراتب أو أقسام، نشير إليها:

ألف. القضاء والقدر التشريعيان:ويعنى به الاَوامر والنواهي الاِلهية الواردة في الكتاب والسنّة، وقد أشار إليه الاِمام أمير الموَمنين ـ عليه السّلام ـ في كلامه حينما سأله الشامي عن معنى القضاء والقدر فقال:

«الاَمر بالطاعة والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد» إلى آخر كلامه الشريف. (1)

ب. القضاء والقدر التكوينيان: ويعنى به ما يرجع إلى الحقائق الكونية ونظام الوجود وله أقسام:

1. القضاء والقدر العلميّان

فالتقدير العلمي عبارة عن تحديد كلّ شيء بخصوصياته في علمه الاَزلي سبحانه، قبل إيجاده، فهو تعالى يعلم حدّكلّشيء و مقداره وخصوصياته الجسمانية وغير الجسمانية.

والمراد من القضاء العلمي هو علمه تعالى بضرورة وجود الاَشياء وإبرامها عند تحقّق جميع ما يتوقّف عليه وجودها من الاَسباب والشرائط ورفع الموانع.

فعلمه السابق بحدود الاَشياء وضرورة وجودها، تقدير و قضاء علميّان؛ وقد أَُُشير إلى هذا القسم، في آيات الكتاب المجيد:


____________
(1) التوحيد للصدوق:380؛ بحار الاَنوار:5|128، باب القضاء والقدر، الحديث 74.


( 224 )

قال سبحانه:

(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُوََجَّلاً) . (1)

وقال أيضاً:

(قُلْ لَنْ يُصيِبَنا إِلاّ ما كَتَبَاللّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِالْمُوَْمِنُونَ) . (2)

وقال:

(وَما يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسير).(3)

وقال:

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها...) . (4)

هذه بعض الآيات التي وردت في بيان انّ خصوصيات الاَشياء وضرورة وجودها متحقّقة في علمه الاَزلي، أو مراتب علمه كالكتاب الوارد في الآيات الماضية.

2. القضاء و القدر العينيان

التقدير العيني عبارة عن الخصوصيات التي يكتسبها الشيء من علله عند
____________
(1) آل عمران: 145.
(2) التوبة:51.
(3) فاطر:11.
(4) الحديد:22.


( 225 )
تحقّقه وتلبسه بالوجود الخارجي.

والقضاء العيني هو ضرورة وجود الشيء عند وجود علّته التامّة ضرورة عينية خارجية.

فالتقدير والقضاء العينيان ناظران إلى التقدير و الضرورة الخارجيين اللّذين يحتفّان بالشيء الخارجي، فهما مقارنان لوجود الشيء بل متّحدان معه، مع أنّ التقدير والقضاء العلميان مقدّمان على وجود الشيء.

فالعالم المشهود لنا لا يخلو من تقدير وقضاء، فتقديره تحديد الاَشياء الموجودة فيه من حيث وجودها، وآثار وجودها، وخصوصيات كونها بما انّها متعلّقة الوجود والآثار بموجودات أُخرى، أعني العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها، فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر له في مسير وجوده، قال تعالى:

(اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) . (1)

أي هدى ما خلقه إلى ما قدّر له.

وأمّا قضاوَه، فلمّا كانت الحوادث في وجودها وتحقّقها منتهية إليه سبحانه فما لم تتمّ لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها، فانّها تبقى على حال التردّد بين الوقوع واللا وقوع، فإذا تمَّت عللها وعامّة شرائطها ولم يبق لها إلاّ أن توجد، كان ذلك من اللّه قضاء و فصلاً لها من الجانب الآخر وقطعاً للاِبهام.

وبذلك يظهر انّ التقدير و القضاء العينيين من صفاته الفعلية سبحانه فانّ مرجعهما إلى إفاضة الحدّ والضرورة على الموجودات، وإليه يشير الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في قوله:


____________
(1) الاَعلى:2ـ3.


( 226 )

«القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه، واللّه يزيد في الخلق ما يشاء».(1)

ومن هنا يكشف لنا الوجه في عناية النبي وأهل البيت ـ عليهم السّلام ـ بالاِيمان بالقدر، وانّ الموَمن لا يكون موَمناً إلاّ بالاِيمان به (2) فإنّ التقدير والقضاء العينيين من شعب الخلقة، وقد عرفت في أبحاث التوحيد انّ من مراتب التوحيد، التوحيد في الخالقية، وقد عرفت آنفاً انّ حدود الاَشياء وخصوصياتها، وضرورة وجودها منتهية إلى إرادته سبحانه، فالاِيمان بهما، من شوَون التوحيد في الخالقية.

ولاَجل ذلك ترى انّه سبحانه أسند القضاء والقدر إلى نفسه، وقال:

(قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) . (3)

وقال تعالى:

(وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ) . (4)



____________
(1) التوحيد للصدوق: الباب 60، الحديث 1.
(2) روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن علي _ عليه السلام _ قال: قال رسول اللّه ص:«لا يوَمن عبد حتى يوَمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وانّي رسول اللّه بعثني بالحقّ، وحتى يوَمن بالبعث بعد الموت وحتّى يوَمن بالقدر» ـ (البحار:ج5، باب القضاء و القدر، الحديث 2ـ).
وروى أيضاً بسنده عن أبي امامة الصحابي، قال: قال رسول اللّه ص: «أربعة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة: عاقّ، ومنّان ،ومكذب بالقدر، ومدمن خمر» ـ (البحار :ج5، باب القضاء والقدر، الحديث 3 ـ).
وروى الترمذي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ص: «لا يوَمن عبد حتى يوَمن بالقدر خيره وشره» ـ (جامع الاَُصول، ابن الاَثير الجزري (م606هـ):10|511، كتاب القدر، الحديث 7552ـ ).
(3) الطلاق:3.
(4) البقرة:117.


( 227 )

وقال سبحانه:

(فَقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ) . (1)

وقال تعالى:

(إِنّا كُلّ شَيءٍ خَلْقْناهُ بِقَدر ) . (2)

وقال سبحانه:

(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُه إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) . (3)

وغيرها من الآيات الحاكية عن قضائه سبحانه بالشيء وإبرامه على صفحة الوجود.



____________
(1) فصلت:12.
(2) القمر:49.
(3) الحجر:21.