( 146 )
استدلال المجوّزين بالكتاب العزيز
استدلّ القائلون بالجواز بآيات من الكتاب العزيز:
1. قوله تعالى:
(وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) . (1)
وتوضيح الاستدلال:
«انّ النظر في اللّغة جاء بمعنى الانتظار ويستعمل بغير صلة، وجاء
بمعنى التفكّر ويستعمل بـ (في ) وجاء بمعنى الرأفة ويستعمل بـ (اللام)
وجاء بمعنى الروَية ويستعمل بـ (إلى) و النظر في الآية موصول بـ (إلى)
فوجب حمله على الروَية». (2)
يلاحظ عليه : أنّ النظر المتعدّي بـ«إلى» كما يجيء بمعنى الروَية،
كذلك يجيء كناية عن التوقّع والانتظار كما قال الشاعر:
وجوه ناظرات يوم بـــدر * إلى الرحمــان يأتــي بالفلاح
وكقول آخر:
إنّي إليك لما وعدت لناظـر * نظــر الفقير إلى الغني الموسر
وقد شاع في المحاورات:«فلان ينظر إلى يد فلان» يراد انّه رجل
معدم محتاج يتوقع عطاء الآخر.
____________
(1) القيامة : 22ـ23.
(2) شرح التجريد للفاضل القوشجي:331.
( 147 )
والتأمّل في الآيتين بمقارنتهما بالآيتين الواقعتين في تلوهما يهدينا
إلى أنّ المراد من النظر في الآية، هو التوقع والانتظار، لا الروَية، وإليك
تنظيم الآيات حسب المقابلة:
1. (وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ) .
ويقابلها قوله تعالى:
2. (وُجُوهٌ يَومَئِذٍ باسِرَةٌ) .
3. (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) .
ويقابلها قوله تعالى:
4. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) .
فالفقرتان الاَوليتان تصفان الناس يوم القيامة وانّهم على طائفتين:
طائفة مطيعة وهم ذات وجوه ناضرة، وطائفة عاصية وهم ذات وجوه
باسرة، ثمّ ذكر لكلّ منهما وصفاً آخر، فللاَُولى انّهم ناظرة إلى ربّها، وللثانية
انّهم يظنون أن يفعل بهم فاقرة أي يتوقعون أن ينزل عليهم عذاب يكسر
فقارهم ويقصم ظهورهم.
فالمقابلة بين الفقرة الثالثة والرابعة تشهد على المراد من الفقرة الثالثة
الّتي مضادَّة للرابعة، وبما انّ الفقرة الرابعة ظاهرة في أنّ المراد توقُّع العصاة
العذاب الفاقر، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والكرم من اللّه
تعالى لا روَيته تعالى.
ثمّ إنّ الرازي ناقش في تفسير النظر في الآية بالانتظار، بأنّ الانتظار
سبب الغم والآية مسوقة لبيان النعم، وأجاب عنه المحقّق الطوسي، بأنّ
الظاهر من الآيات، انّالحالة التي عبّر عنها تعالى بقوله:(وُجُوهٌ يَومئِذٍ
ناضِرَةٌ* إِلى رَبّها ناظِرَة) متقدّمة على حالة استقرار أهل الجنّة في الجنة وأهل النار في النار، وذلك
( 148 )
لاَنّ في حال استقرار أهل النار في النار قد فعل
بها الفاقرة، وعليه فانتظار النعمة بعد البشارة بها فرح يقتضي نضارة الوجه
وليس سبباً للغم، كما أنّانتظار العقاب بعد الاِنذار بوروده غمّ عظيم يقتضي
بسارة الوجه.
(1)
2. قوله تعالى حكاية عن موسى _ عليه السلام _ :
(رَبِّ أَرِني أَنْظُر إِلَيْكَ) . (2)
وجه الاستدلال: انّ الروَية لو لم تكن جائزة لكان سوَال موسى جهلاً
أو عبثاً. (3)
والجواب عنه انّ التدبر في مجموع ما ورد من الآيات في القصة
يدلّنا على أنّ موسى _ عليه السلام _ ما كان طلب الروَية إلاّ لتبكيت قومه
عندما طلبوا منه أن يسأله الروَية لنفسه، حتى تحلّ روَيته للّه مكان روَيتهم،
وذلك بعد ما سألوه أن يريهم اللّه جهرة لكي يوَمنوا بأنّ اللّه كلّمه،
فأخذتهم الصاعقة، فطلب الكليم منه سبحانه أن يحييهم اللّه تعالى، حتى
يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا: إنّك لم تكن
صادقاً في قولك انّ اللّه يكلّمك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم
اللّه وبعثهم معه، وإليك الآيات الواردة في القصّة:
ألف. (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُوَْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ
الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) . (4)
ب. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا
مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ
____________
(1) تلخيص المحصل :320ـ 321.
(2) الاَعراف :143.
(3) تلخيص المحصل: 320.
(4) البقرة :55.
( 149 )
بِظُلْمِهِمْ).
(1)
ج. (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا) . (2)
د. (وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). (3)
فالآيتان الاَُولى والثانية تدلاّن على أنّ أهل الكتاب طلبوا من موسى
أن يسأل من اللّه تعالى أن يريهم ذاته، فاستحقّوا بسوَالهم هذا العذاب و
الدمار فأخذتهم الصاعقة، والآية الثالثة تدلّ على أنّ الذين اختارهم موسى
لميقات ربّه أخذتهم الرجفة، ولم تأخذهم إلاّ بما فعلوه من السفاهة،
والظاهر انّ المراد منها هو سوَال الروَية المذكور في الآيتين المتقدمتين،
والمقصود من الرجفة، هي رجفة الصاعقة، كما عبّر عن هلاكة قوم صالح
تارة بالرجفة (4)وأُخرى بالصاعقة. (5)
وبما انّه لم يكن لموسى مع قومه إلاّ ميقات واحد، كان الميقات
الوارد في الآية الثالثة نفس الميقات الوارد في الآية الرابعة، ففي هذا
الميقات وقع السوَالان، غير أنّسوَال الروَية عن جانب القوم كان قبل سوَال
موسى الروَية لنفسه، والقوم سألوا الروَية حقيقة وموسى سألها تبكيتاً لقومه
وإسكاتاً لهم، يدلّ على ذلك انّه لم يوجّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أيّ
لوم وعتاب أو موَاخذة وعذاب بل اكتفى
____________
(1) النساء :153.
(2) الاَعراف :155.
(3) الاَعراف : 143.
(4) لاحظ الاَعراف :78.
(5) حم السجدة :17.
( 150 )
تعالى بقوله:(
لَنْ تَراني) .
3. قوله تعالى ـ فيما أجاب موسى عند سوَال الروَية لنفسه ـ :
(وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَرانِي) . (1)
وجه الاستدلال:
«انّه تعالى علّق الروَية على استقرار الجبل وهو ممكن والمعلّق على
الممكن، ممكن فالروَية ممكنة». (2)
يلاحظ عليه: أنّ المعلَّق عليه ليس هو إمكان الاستقرار، بل وجوده
وتحقّقه بعد تجلّيه تعالى على الجبل، و المفروض انّه لم يستقرّ بعد
التجلّي، كما قال تعالى:
(فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) . (3)
أضف إلى ذلك انّ المذكور في الآية هو استقرار الجبل في حال
النظر إليه بعد تجلّيه تعالى عليه، ومن المعلوم استحالة استقراره في تلك
الحالة، وإليه أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«وتعليق الروَية باستقرار المتحرك لا يدلّ على الاِمكان». (4)
الروَية في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _
إنّ المراجع إلى خطب الاِمام علي _ عليه السلام _ في التوحيد و ما أُثر
عن أئمة العترة الطاهرة يقف على أنّ مذهبهم في ذلك امتناع الروَية، فعلى من أراد الوقوف على
____________
(1) الاَعراف :143.
(2) تلخيص المحصل :319؛ شرح التجريد للقوشجي :329.
(3) الاَعراف :143.
(4) كشف المراد : 231؛ تلخيص المحصل :319.
( 151 )
كلمات الاِمام علي
_ عليه السلام _ أن يراجع نهج
البلاغة، وعلى كلمات سائر أئمّة أهل البيت
_ عليهم السلام _ أن يراجع
الكافي لثقة الاِسلام الكليني والتوحيد للشيخ الصدوق.
(1)
ثمّ إنّهم _ عليهم السلام _ رغم تأكيدهم على إبطال الروَية الحسية
البصرية صرّحوا على إمكان الروَية القلبيّة، فهذا هو الاِمام علي ـ عليه
السّلام _ حينما سأله ذعلب اليماني هل رأيت ربّك يا أمير الموَمنين؟ فقال
_ عليه السلام _ :
«أفأعبد ما لا أرى؟!» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون
بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الاِيمان». (2)
وهكذا أجاب _ عليه السلام _ سوَال حبر من اليهود حينما سأله بنفس
ذلك السوَال. (3)
وروى الصدوق بسنده عن عبد اللّه بن سنان عن أبيه، قال:
حضرت أبا جعفر _ عليه السلام _ فدخل عليه رجل من الخوارج،
فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟ قال: «اللّه»، قال: رأيته؟ قال:« لم تراه
العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الاِيمان». (4)
إلى غير ذلك من الروايات، وأمّا البحث عن حقيقة تلك الروَية
القلبية التي هي غير الروَية البصريّة الحسية، فليطلب من مظانّه.
____________
(1) الكافي :ج1، باب إبطال الروَية؛ التوحيد: الباب الثامن. ويراجع أيضاً بحار الاَنوار:ج4، باب نفي الروَية وتأويل
الآيات فيها.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 179.
(3) لاحظ التوحيد للصدوق: الباب 8، الحديث 6.
(4) المصدر السابق: الحديث 5.
( 152 )
( 153 )
الباب الثالث
في
مباحث العدل والحكمة
وفيه اثنا عشر فصلاً:
1. التحسين والتقبيح العقليّان
2. العدل الاِلهي.
3. أفعال اللّه سبحانه معلّلة بالغايات.
4. المصائب والشرور وحكمته تعالى.
5. التكليف بما لا يطاق قبيح.
6. وجوب اللطف عند المتكلّمين
7. في الجبر والكسب.
8. نظرية التفويض.
9. أمر بين أمرين.
10. الاِجابة عن شبهات وشكوك.
11. في القضاء والقدر.
12. في حقيقة البداء.
( 154 )
( 155 )
الفصل الاَوّل
التحسين والتقبيح العقليان
إنّ العدل عند المتكلمين عبارة عن تنزّهه تعالى عن فعل ما لا
ينبغي، وهذا أحد معاني الحكمة، فالعدل الحكيم هو الذي لا يفعل القبيح
ولا يُخلُّ بالحسن، والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبنيّ على
القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فإنّ مفاد تلك المسألة انّ هناك أفعالاً
يدرك العقل كونها حسنة أو قبيحة، ويدرك انّ الغنيّ بالذّات منزّه عن
الاتصاف بالقبيح وفعل مالا ينبغي، ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة
على ضوء العقل والكتاب العزيز فنقول:
ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من
دون استعانة من الشرع انّها حسنة وأفعالاً أُخرى يدرك أنّها قبيحة كذلك،
وقالت الاَشاعرة:لا حكم للعقل في حسن الاَشياء وقبحها، فلا حسن إلاّما
حسّنه الشارع ولا قبيح إلاّ ما قبّحه، والنزاع بين الفريقين دائر بين الاِيجاب
الجزئي والسلب الكلي، فالعدلية يقولون بالاَوّل والاَشاعرة بالثاني.
إطلاقات الحسن والقبح وملاكاتهما
لا شكّ انّ للحسن والقبح معنى واحداً، وإنّما الكلام في ملاك كون الشيء
( 156 )
حسناً أو قبيحاً، وهو يختلف باختلاف الموارد، فقد ذكر للحسن
والقبيح ملاكات نوردها فيما يلي:
1. ملائمة الطبع ومنافرته: فالمشهد الجميل ـ بما انّه يلائم الطبع ـ
حسن، كما أنّ المشهد المخوف ـ بما انّه منافر للطبع ـ يعدّ قبيحاً، ومثله
الطعام اللّذيذ والصوت الناعم، فإنّهما حسنان، كما انّ الدواء المرّ ونهيق
الحمار قبيحان.
2. موافقة الغرض والمصلحة ومخالفتهما: والغرض والمصلحة إمّا
شخصيان وإمّا نوعيان، فقتل عدوّ الاِنسان يعدّ حسناً عنده لاَنّه موافق
لغرضه، ولكنّه قبيح لاَصدقاء المقتول وأهله، لمخالفته لاَغراضهم
ومصالحهم الشخصية، هذا في المجال الشخصي، وأمّا في المجال النوعي،
فإنّ العدل بما انّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهوحسن وبما انّ
الظلم هادم للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح.
3. كون الشيء كمالاً للنفس أونقصاناً لها: كالعلم والجهل، فالاَوّل
زين لها والثاني شين، ومثلهما الشجاعة والجبن، وغيرهما من كمالات
النفس ونقائصها.
4. ما يوجب مدح الفاعل وذمّه عند العقل: وذلك بملاحظة الفعل
من حيث إنّه مناسب لكمال وجودي للموجود العاقل المختار أو نقصان له،
فيستقل العقل بحسنه ووجوب فعله، أو قبحه ووجوب تركه وهذا كما إذا
لاحظ العقل جزاء الاِحسان بالاِحسان، فيحكم بحسنه وجزاء الاِحسان
بالاِساءة فيحكم بقبحه، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى انّ بعض
الاَفعال كمال للموجود الحيّ المختار وبعضها الآخر نقص له فيحكم
بحسن الاَوّل وقبح الثاني.
تعيين محلّ النزاع
لا نزاع في الحسن والقبح بالملاك الاَوّل والثالث، وهو واضح، وكذلك في
( 157 )
الحسن والقبيح بملاك الغرض والمصلحة الشخصيين، وأمّا
الغرض و المصلحة النوعيان فإنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح
العقليين يعلّلون حسن العدل والاِحسان، وقبح الظلم والعدوان، باشتمال
الاَوّل على مصلحة عامّة والثاني على مفسدة كذلك. وهذا الملاك في
الحقيقة من مصاديق الملاك الرابع كما لا يخفى.
دلائل المثبتين والنافين
ألف. دلائل المثبتين: استدلّ القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين
بوجوه عديدة نكتفي بذكر وجهين منها:
الدليل الاَوّل: وهو ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله:
«ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً».
توضيحه: انّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل
مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب فلا إشكال في أنّ ما أخبر
الشارع عن حسنه حسن، وما أخبر عن قبحه قبيح، لحكم العقل بأنّ الكذب
قبيح والشارع منزَّه عن ارتكاب القبيح.
وأمّا لو لم يستقلّ العقل بذلك، فلو أخبر الشارع بحسن فعل أو قبحه
فلا يمكن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى نعتقد بمضمون أخباره و
نستكشف منه حسن الفعل أو قبحه، وذلك لاحتمال عدم صدق الشارع في
اخباره،فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد وإثبات قبح الكذب
باخبار الشارع عن قبحه مستلزم للدور.
الدليل الثاني: وهو ما ذكره العلاّمة الحلّي بقوله:
( 158 )
«لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من اللّه تعالى
شيء
(1) ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد
الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوة، فانّ أيّ نبيّأظهر المعجزة
عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد
الكاذب في دعوى النبوة».
(2)
والعجب انّ الفضل بن روزبهان حاول الاِجابة عن هذا الدليل بقوله:
«عدم إظهار المعجزة على يد الكذّابين ليس لكونه قبيحاً عقلاً بل
لعدم جريان عادة اللّه الجاري مجرى المحال العادي بذلك». (3)
فعند ذلك لا ينسدّ باب معرفة النبوة لاَنّ العلم العادي حاكم باستحالة
هذا الاِظهار.
يلاحظ عليه: أنّه من أين وقف على تلك العادة وانّ اللّه لا يجري
الاِعجاز على يد الكاذب؟ ولو كان التصديق متوقّفاً على إحرازها لزم أن
يكون المكذّبون بنبوّة نوح أو من قبله و من بعده معذورين في إنكارهم
لنبوّة الاَنبياء، إذ لم تثبت عندهم تلك العادة، لاَنّ العلم بها إنّما يحصل من
تكرّر روَية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين.
ب. أدلّة النافين
الدليل الاَوّل: قالوا: لو كان العلم بحسن الاِحسان وقبح العدوان ضرورياً
____________
(1) لما تقدّم في الدليل الاَوّل من عدم إثبات حسن فعل أو قبحه مطلقاً.
(2) نهج الحق وكشف الصدق: 84.
(3) دلائل الصدق: 1|369، ثمّ إنّ هناك أدلّة أُخرى لاِثبات عقلية الحسن والقبح طوينا الكلام عنها لرعاية
الاختصار، للطالب أن يراجع الاِلهيات : 1|246.
( 159 )
لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بأنّالواحد نصف الاثنين، لكنّ
التالي باطل بالوجدان.
ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يجوز التفاوت في الاِدراكات البديهية،
فالاَوّليات متقدمة على المشاهدات وهي على الفطريات وهكذا، فوجود
التفاوت بين البديهيات لا ينافي بداهتها، وإليه أشار المحقّق الطوسي
بقوله:
«ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصوّر». (1)
وثانياً: نفي كون الحكم بحسن فعل أو قبحه بديهيّاً لا يدلّعلى نفي
كونه عقلياً، فانّ نفي الاَخص لا يدلّ على نفي الاَعم، فمن الجائز أن يكون
العقل مستقلاً بحسن فعل أو قبحه لكن بالتأمل والنظر، فعلى فرض قبول ما
ادعي من التفاوت لا يجدي المنكر شيئاً.
الدليل الثاني
لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا، أي لما حسن القبيح ولما
قبح الحسن، والتالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح،
وذلك فيما إذا تضمّن الكذب انقاذ نبيّ من الهلاك والصدق إهلاكه.
فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما استفيد به
عصمة دم نبيّ عن ظالم يقصد قتله. (2)
والجواب عنه: انّ كلاً من الكذب في الصورة الاَُولى والصدق في
الصورة الثانية على حكمه من القبح والحسن، إلاّ انّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب،
____________
(1) كشف المراد :236.
(2) شرح التجريد للقوشجي : 339.
( 160 )
وإنقاذه أحسن من الصدق، فيحكم العقل بترك الصدق
وارتكاب الكذب قضاءً لتقديم الاَرجح على الراجح، فإنّ تقديم الراجح
على الاَرجح قبيح عند العقل.
الدليل الثالث
إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين دخالة في شوَون ربّ العالمين
الذي هو مالك كلّ شيء حتى العقل، فله أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء،
ولازم القول بأنّ العقل حاكم بحسن بعض الاَفعال وقبحه تحديد لملكه
وقدرته سبحانه.
ويردّه انّ العقل ليس فارضاً على اللّه تعالى شيئاً وإنّما هو كاشف عن
القوانين السائدة على أفعاله تعالى، فالعقل يطالع أوّلاً صفات اللّه الكمالية
كالغنى الذاتي، والعلم والقدرة الذاتيين، ثمّ يستنتج منها تنزّهه عن ارتكاب
القبائح، وهذا كما انّ العقل النظري يكشف عن القوانين السائدة على نظام
الكون وعالم الطبيعة.
وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استدلّ به القائلون بنفي
التحسين والتقبيح العقليين ولا نرى حاجة في ذكرها وبيان وجوه الخلل
فيها. (1)
التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز
إنّالتدبُّر في آيات الذكر الحكيم يعطي انّه يسلّم استقلال العقل
بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ثمّ يأمر بالحسن وينهى عن القبيح،
وإليك فيما يلي نماذج من الآيات في هذا المجال.
____________
(1) إن شئت الوقوف التّام على مجموع دلائل الاَشاعرة راجع القواعد الكلاميّة، بقلم الموَلّف، ص 70ـ83.
( 161 )
1. (إِنَّ اللّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ
الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) . (1)
2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ) . (2)
3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) . (3)
فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالعدل
والاِحسان والمعروف والفحشاء والمنكر والبغي قبل تعلّق الاَمر والنهي
بها، وانّ الاِنسان يجد اتّصاف بعض الاَفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته
وليس عرفان الاِنسان بها موقوفاً على تعلّق الشرع، وإنّما دور الشرع هو
تأكيد إدراك العقل بالاَمر بالحسن والنهي عن القبيح وبيان ما لا يستقلّ
العقل في إدراك حسنه وقبحه، وتدلّ على ما تقدّم بأوضح دلالة الآية
التالية:
4. (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُأَمَرَنا بِها قُلْإِنَّ
اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) . (4)
فإنّ الظاهر من الآية انّ المشركين كانوا عارفين بقبح أفعالهم وانّها من
الفحشاء ولكنّهم حاولوا توجيه تلك الاَفعال الشنيعة إمّا بكونها إبقاءً لسيرة
آبائهم وهم كانوا يحسِّنون ذلك، وإمّا بكونها ممّا أمر بها اللّه سبحانه ولكنّ
اللّه تعالى يخطّئهم في ذلك و يقول انّاللّه لا يأمر بالفحشاء كما يخطّئهم
في اتّباعهم سيرة آبائهم بقوله:
____________
(1) النحل :90.
(2) الاَعراف :33.
(3) الاَعراف :157.
(4) الاَعراف :28.
( 162 )
(أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) . (1)
5. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِيْنَ فِي الاََرْضِ
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ) . (2)
6. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). (3)
7. (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاَّ الاِِحْسانُ) . (4)
وهذه الآيات تدلّ على أنّه سبحانه اتّخذ وجدان الاِنسان سنداً
لقضائه فيما تستقلّ به عقليته، فالاِنسان يجد من تلقاء نفسه قبح التسوية
عند الجزاء بين المفسد والمصلح والفاجر و الموَمن والمسلم والمجرم،
كما انّه يدرك كذلك حسن جزاء الاِحسان بالاِحسان، وهذا الاِدراك
الفطري هو السند في حكم العقل بوجوب يوم البعث والحساب كي يفصل
بين الفريقين ويجزى كلّمنهما بما يقتضيه العدل والاِحسان الاِلهي.
____________
(1) البقرة :170.
(2) ص :28.
(3) القلم : 36ـ37.
(4) الرحمن :60.
( 163 )
الفصل الثاني
العدل الاِلهي
إنّ من ثمرات التحسين والتقبيح العقليّين إثبات عدله تعالى في
أفعاله وأحكامه، وقبل بيان وجه الاستدلال عليه نقدّم الكلام حول تعريف
العدل وأقسامه.
حقيقة العدل وأقسامه
أحسن كلمة في تعريف العدل ما روي عن علي _ عليه السلام _ حيث
قال:
«العدل يضع الاَُمور مواضعها». (1)
بيان ذلك:
إنّ لكلّ شيء وضعاً خاصّاً يقتضيه إمّا بحكم العقل، أو بحكم الشرع،
والمصالح الكلية والشخصية في نظام الكون، فالعدل هو رعاية ذلك
الوضع وعدم الانحراف إلى جانب الاِفراط والتفريط، نعم موضع كلّ شيء بحسبه، ففي
____________
(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 437.
( 164 )
التكوين بوجه، وفي المجتمع البشري بوجه آخر وهكذا
وبلحاظ اختلاف موارده تحصل له أقسام ليس هنا مقام بيان تلك الاَقسام،
إلاّ أنّ موارد العدل بالنسبة إلى اللّه تعالى يجمعها أقسام ثلاثة:
1. العدل التكويني: وهو إعطاوَه تعالى كلّ موجود ما يستحقه ويليق
به من الوجود، فلا يهمل قابلية، ولا يعطّل استعداداً في مجال الاِفاضة
والاِيجاد.
2. العدل التشريعي: وهو انّه تعالى لا يهمل تكليفاً فيه كمال الاِنسان
وسعادته، وبه قوام حياته المادّية والمعنوية، الدنيوية والاَُخروية، كما انّه لا
يكلّف نفساً فوق طاقتها.
3. العدل الجزائي: وهو انّه تعالى لا يساوي بين المصلح والمفسد
والموَمن والمشرك في مقام الجزاء والعقوبة، بل يجزي كلّإنسان بما
كسب، فيجزي المحسن بالاِحسان والثواب، والمسيء بالاِساءة والعقاب،
كما أنّه تعالى لا يعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلاّ بعد البيان و الاِبلاغ.
استنتاج عدله تعالى من قاعدة التحسين والتقبيح
العقليّين
إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليّين على ما عرفت، هو انّ العقل
بما هو، يدرك انّ هذا الفعل بما هوهو من دون اختصاص ظرف من
الظروف أو قيد من القيود حسن أو قبيح، والمأخوذ في موضوع هذا الحكم
العقلي ليس إلاّ الفاعل العاقل المختار ، من غير فرق بين الواجب
والممكن.
وعلى ذلك فاللّه سبحانه عادل ومنزَّه من الظلم، لاَنّ القيام بالعدل
حسن وتركه كارتكاب الظلم قبيح، واللّه سبحانه حكيم لا يرتكب القبيح
كما هو مقتضى القول بالتحسين والتقبيح العقليّين.
( 165 )
العدل وأقسامه في القرآن الكريم
وقد وصف الذكر الحكيم اللّه تعالى بالعدل ونزَّهه عن الظلم بجميع
أقسامه في كثير من آيات الذكر الحكيم.
1. قوله تعالى:
(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ). (1)
فإنّ قوله (قائِماً) إمّا حال من اسم اللّه تعالى موَكّدة، وإمّا حال من
«هو» في قوله:(لا إله إِلاّ هُوَ ) ، والمراد من قيامه بالقسط إمّا مطلق يشمل
جميع مراتب القسط (في التكوين والتشريع والجزاء) وإمّا يختص بالقسط
التكويني كما ذهب إليه بعضهم (2) وعلى هذا، فمعناه انّه تعالى حاكم
بالعدل في خلقه إذ دبّر أمر العالم بخلق الاَسباب والمسبّبات، وإلقاء
الروابط بينها، وجعل الكل راجعاً إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب
طبق عن طبق، ووضع في مسير هذا المقصد نعماً ينتفع منها الاِنسان في
عاجله لآجله، وفي طريقه لمقصده. (3)
2. قال سبحانه:
(وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) . (4)
وهذا ناظر إلى عدله تعالى في التشريع والتكليف.
3. قال تعالى:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ
____________
(1) آل عمران :18.
(2) لاحظ مجمع البيان : 2|420، (كما روي عنه ـ صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ أنّ بالعدل قامت السماوات والاَرض).
(3) لاحظ الميزان :3|119.
(4) الموَمنون :62.
( 166 )
النّاسُ بِالْقِسْطِ) .
(1)
وهذا أيضاً من شوَون عدله التشريعي، فالغرض من بعث الرسل
وتشريع القوانين الاِلهية إقامة القسط في المجتمع البشري.
4. قال سبحانه:
(وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) . (2)
5. قال تعالى:
(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَة فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً) . (3)
6. وقال سبحانه:
(ما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) . (4)
وهي ناظرة إلى عدله تعالى في مقام الحساب والجزاء والآيات في
هذا المجال أكثر من أن تحصى.
العدل في روايات أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _
اشتهر علي _ عليه السلام _ وأولاده _ عليهم السلام _ بالعدل، وعنه
أخذت المعتزلة، حتى قيل: «التوحيد والعدل علويّان والتشبيه والجبر
أمويّان».
وإليك بعض ما أثر عنهم _ عليهم السلام _ :
1. سئل علي _ عليه السلام _ عن التوحيد والعدل، فقال:
____________
(1) الحديد :25.
(2) الموَمنون :62.
(3) الاَنبياء :47.
(4) الاِسراء :15.
( 167 )
«التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه». (1)
أي أن لا تتوهّم في توصيفه تعالى بالصفات التي يدركها الوهم، ولا
تتّهمه بقبائح الاَفعال.
2. روى الصدوق، عن الصادق _ عليه السلام _ انّه قال:
«أمّا التوحيد فأن لا تجوِّز على ربك ماجاز عليك، وأمّا العدل فأن لا
تنسب إلى خالقك ما لامك عليه». (2)
3. وقال علي _ عليه السلام _ :
«الذي صدق في ميعاده وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في
خلقه، وعدل عليهم في حكمه». (3)
وقد أُشير في هذا الكلام الشريف إلى جميع أقسام العدل: فقوله
_ عليه السلام _ :
«ارتفع عن ظلم عباده».
وكذا قوله _ عليه السلام _ :
«وعدل عليهم في حكمه».
ناظر إلى العدل في مقام التشريع، والجزاء وقوله _ عليه السلام _ :
«وقام بالقسط في خلقه».
ناظر إلى العدل في الاِيجاد والخلق، فانّ الخلق لا يختص بالاِنسان
بل يعمّه وغيره.
____________
(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، رقم 470.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 5، الحديث 1.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 185.
( 168 )
إجابة عن إشكال
لا شكّفي وجود آلام ومصائب اجتماعية يتألّم منها و يستضرّ بها
أفراد المجتمع من غير فرق بين الموَمن والكافر والمطيع والعاصي، فإذا
كان الكافر والعاصي مستحقاً لتلك المصائب بكفره وعصيانه، فما هو
المصحح لتألّم الموَمن المطيع وتضرّره منها، مع أنّ مقتضى العدل أن لا
تزر وازرة وزر أُخرى، ولا يعاقب الموَمن بعقوبة الكافر، أفلا يخلُّ ذلك
بعدله تعالى؟
والجواب عنه: انّ من خواص يوم القيامة انّه «يوم الفصل»، فيفصل
أهل النار من أهل الجنّة وتجزى كلّنفس بما كسبت، وأمّا الحياة الدنيوية
فالناس يعيشون فيها بالاختلاط والاشتراك، فإذا نزلت بليّة وكارثة طبيعية
أو غير طبيعية يتألّم منها الجميع، ولكن مع ذلك انّ اللّه تعالى بعدله و
رحمته يعوِّض غير المستحقين لتلك النازلة بما هوأنفع لهم إمّا في الدنيا و
إمّا في الآخرة، وهذا هو المراد من «العوض» في اصطلاح المتكلمين.
ثمّ إنّ هذا الجواب لا يختصّ بالمقام، بل يأتي في جميع الموارد
التي يكون عمل فرد أو أفراد سبباً تكوينيّاً أو تشريعيّاً لتألّم الغير وتضرّره،
كالاختلالات العضوية والفكرية الطارئة على بعض المواليد الناشئة من
سوء تغذية الوالدين أوبعض الاعتيادات المضرّة وغير ذلك، فربما يخرج
الولد أعمى أو أبكم أو أصم أو غير ذلك من العلل، مع أنّ السبب لها هو
غيره سبحانه، لكنّه تعالى يعوِّضهم برحمته، ويرفع عنهم التكليف الشاقّ.
فيعطي للمتألّم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الاَجر ما يكون أنفع بحاله،
وهذا كما يكون مقتضى عدله سبحانه، يكون أيضاً مقتضى لطفه ورحمته،
ويدخل تحت قاعدة الاَصلح في الدين، وجميع ذلك مروي عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ ، واستلهم
( 169 )
العدلية من المتكلّمين من تلك الروايات
وعنونوها في مسفوراتهم الكلامية.
روى الصدوق بسند صحيح، عن الصادق _ عليه السلام _ انّه قال:
«كان فيما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى _ عليه السلام _ أنْ يا موسى
ما خلقت خلقاً أحبُّ إليَّ من عبدي الموَمن، و إنّما أبتليه لما هو خير له
وأُعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي، فليصبر على
بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا
عمل برضائي فأطاع أمري». (1)
____________
(1) التوحيد: الباب62، الحديث 13.
( 170 )
( 171 )
الفصل الثالث
أفعال اللّه سبحانه معلَّلة بالغايات
ممّا يترتّب على مسألة التحسين والتقبيح العقليّين تنزيه أفعاله
سبحانه عن العبث ولزوم اقترانها بالغايات والاَغراض، وهذه المسألة من
المسائل التي تشاجرت فيها العدلية والاَشاعرة، فالاَُولى على الاِيجاب
والثانية على السلب.
واستدلّت العدلية على مدّعاهم بأنّ خلوَّ الفعل عن الغاية والغرض
يعدّ لغواً وعبثاً و هو من القبائح العقلية، واللّه تعالى منزَّه عن القبائح فلابدّ
أن تكون أفعاله مقترنة بأغراض ومعلَّلة بغايات.
والمهمّ في هذا المجال التحقيق حول دلائل الاَشاعرة على إنكار
كون أفعاله تعالى معلّلة بالغايات، وأمّا دليل نظرية العدلية فهو واضح، لاِنّ
هذه المسألة ـ كما تقدّم ـ من فروع مسألة التحسين والتقبيح العقليّين
فنقول:
استدلّت الاَشاعرة على مذهبهم بأنّه:
«لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل
ذلك الغرض، لاَنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من
( 172 )
عدمه وهو
معنى الكمال».
(1)
الجواب: انّ الاَشاعرة خلطوا بين الغرض الراجع إلى الفاعل،
والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال لازم في الاَوّل دون الثاني، والقائل
بكون أفعاله بالاَغراض والغايات والدواعي والمصالح، إنّما يعني بها الثاني
دون الاَوّل.
توضيح ذلك: «إنّ العلّة الغائية في أفعال الفواعل البشرية هي السبب
لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، فهي متقدّمة
على الفعل صورة وذهناً وموَخّرة عنه وجوداً وتحقّقاً، ولا تتصوّر العلّة
الغائية بهذا المعنى في ساحته تعالى، لغناه المطلق في مقام الذات
والوصف و الفعل، فلا يحتاج في الاِيجاد إلى شيء وراء ذاته، وإلاّ لكان
ناقصاً في مقام الفاعلية مستكملاً بشيء وراء ذاته وهو لا يجتمع مع غناه
المطلق، ولكن نفي العلّة الغائية بهذا المعنى لا يلازم أن لا يترتب على فعله
مصالح وحكم ينتفع بها العباد وينتظم بها النظام، وذلك لاَنّه سبحانه فاعل
حكيم، والفاعل الحكيم لا يختار من الاَفعال الممكنة إلاّما يناسب ذلك،
ولا يصدر منه ما يضادّه ويخالفه». (2)
قالوا:
«سلّمنا انّ الغرض قد يعود إلى غير الفاعل، لكن نفع غيره إن كان
أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه جاء الاِلزام، لاَنّه تعالى يستفيد حينئذٍ
بذلك النفع والاِحسان ما هو أولى به وأصلح له، وإلاّلم يصلح أن يكون
غرضاً». (3)
____________
(1) شرح المواقف: 8|202ـ203.
(2) وإلى ذلك أشار المحقّق الطوسي بقوله:«ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه» كشف المراد:
المقصد 3، الفصل 3، المسألة 4.
(3) شرح المواقف :8|203.
( 173 )
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الاَصلح والاَولى، ما يناسب وجود الفاعل
وشوَونه، فالفاعل الحكيم لا يقوم إلاّبما يناسب شأنه، وليس معنى الاَصلح
والاَولى ما ذكر في كلام المستشكل، أعني: ما يفيد شيئاً للفاعل ويكمله.
والحاصل : انّ فاعليّته سبحانه لا تتوقّف على أمر زائد على ذاته،
فليس هناك ما يكمل ذاته تعالى، وهو كما يقدر على الحسن قادر على
القبيح، ولكن بمقتضى حكمته لا يختار إلاّ الحسن الراجح، وأين هذا من
حديث الاستكمال والاستفادة ونحو ذلك؟
القرآن وأفعاله سبحانه الحكيمة
والعجب من غفلة الاَشاعرة من النصوص الصريحة في هذا المجال،
يقول سبحانه:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) . (1)
وقال:
(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبينَ) . (2)
وقال:
(وما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) . (3)
____________
(1) الموَمنون :115.
(2) الدخان :38.
(3) ص :37.
( 174 )
وقال:
(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونَ) . (1)
مذهب الحكماء في أفعاله تعالى
ربما يتوهم اتّفاق رأي الحكماء مع الاَشاعرة في نفي الغاية والغرض
عن أفعاله تعالى، ولكنّه خطأ محض، قال صدر المتألهين:
«إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً، بل
إنّما نفوا في فعله المطلق إذا لوحظ الوجود الاِمكاني جملة واحدة، غرضاً
زائداً على ذاته تعالى، وأمّا ثواني الاَفعال والاَفعال المخصوصة والمقيّدة
فأثبتوا لكلّ منها غاية مخصوصة كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات
الموجودات ومنافعها...». (2)
____________
(1) الذاريات :56.
(2) الاَسفار :7|84.