http://www.imamsadeq.org (كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 116 - ص 145 )

( 116 )


( 117 )


الفصل الرابع

الصفات الثبوتية الفعلية


إنّ صفات اللّه تعالى الفعلية التي تنتزع من مقام فعله سبحانه كثيرة،والّذي نخصّه بالبحث هنا أمران: التكلّم والحكمة، فنقول:

1

التكلّم

أجمع المسلمون تبعاً للكتاب والسنّة على كونه سبحانه متكلّماً، ولكنّهم اختلفوا في أمرين:

ألف. تفسير حقيقة كلامه تعالى، وما هو المراد منه.

ب. حدوثه وقدمه.

لقد شغلت هذه المسألة بال العلماء والمفكّرين الاِسلاميّين في عصر الخلفاء، وحدثت بسببه مشاجرات بل صدامات دامية مذكورة في التاريخ


( 118 )
تفصيلاً، وعرفت بـ«محنة القرآن» فيلزمنا البحث والتحليل حول ذينك الاَمرين على ضوء العقل والقرآن والنقل المعتبر فنقول:

الاَقوال في تفسير كلامه تعالى

الاَقوال التي ذكرها المتكلّمون والفلاسفة في هذا المجال أربعة:

1. ما اختاره المعتزلة: وهو انّ كلامه تعالى عبارة عن أصوات وحروف غير قائمة باللّه تعالى قياماً حلولياً أو عروضياً، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أوجبرائيل أو النبي أو غير ذلك، قال القاضي عبد الجبار:

«حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والاَصوات المقطّعة، وهذا كما يكون منعماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه فعل». (1)

وهذا المعنى من الكلام هو الّذي يسمّى بالكلام اللفظي وهو من صفات فعله تعالى، حادث بحدوث الفعل.

2. نظرية الاَشاعرة: يظهر من موَلّف المواقف (2)انّ الاَشاعرة معترفون به وبأنّه حادث، ولكنّهم يدّعون معنى آخر وراءه ويسمّونه بالكلام النفسي.

قال الفاضل القوشجي في تفسير الكلام النفسي:

«إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّـر عنها بالاَلفاظ التي نسمّيها بالكلام الحسّي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف
____________
(1) شرح الاَُصول الخمسة :528.
(2)شرح المواقف:8|93.


( 119 )
باختلاف العبارات بحسب الاَوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الّذي نسمّيه الكلام النفسي». (1)

وهذا المعنى من الكلام ـ على فرض ثبوته ـ يكون من صفات ذاته تعالى وقديم بقدم الذات، ولكنّه ليس أمراً وراء العلم التصوّري أو التصديقي.

3. نظريّة الحكماء: ذهبت الحكماء إلى أنّ لكلامه سبحانه مفهوماً أوسع ممّا ذكره المعتزلة من الكلام اللفظي، بل كلامه تعالى مساوق لفعله سبحانه فكلّ موجود كما هو فعله ومخلوقه، كذلك كلام له تعالى ونسمّيه بـ«الكلام الفعلي».

توضيح ذلك: أنّ الغرض المقصود من الكلام اللفظي ليس إلاّ إبراز ما هو موجود في نفس المتكلّم ومستور عن المخاطب والسامع، فالكلام ليس إلاّ لفظاً دالاً على المعنى الذي تصوّره المتكلّم وأراد إيجاده في ذهن السامع، فحقيقة الكلام هي الدلالة والحكاية، ولا شكّ انّ الفعل كما يدلّ على وجود فاعله فهكذا خصوصياته الوجودية دالّة على خصوصياته الوجودية، وليس الفرق بين دلالة اللفظ على المعنى ودلالة الفعل على الفاعل، إلاّ أنّ دلالة الاَوّل وضعي اعتباري، ودلالة الثاني تكويني عقلي، والدلالة التكوينية العقلية أقوى من الدلالة اللفظية الوضعيّة.

وعلى هذا، فكلّ فعل من المتكلّم أفاد نفس الاَثر الذي يفيده الكلام، من إبراز ما يكتنفه الفاعل في سريرته من المعاني والحقائق، يصحّ تسميته كلاماً من باب التوسع والتطوير.


____________
(1) شرح التجريد للقوشجي :319.


( 120 )
كلامه تعالى في القرآن والحديث

إنّ لكلامه تعالى في القرآن الكريم معاني أو مصاديق ثلاثة نشير إليها:

1. الكلام اللفظي: قال سبحانه:

(فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِىَِ الوادِ الاََيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِالْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) . (1)

دلّت الآية الكريمة على أنّه تعالى نادى نبيه موسى _ عليه السلام _ وكلّمه من طريق الشجرة، إمّا بإيجاد الكلام فيها ـ كما قال بعضهم ـ أو بأخذه حجاباً وتكليمه من ورائه. (2)

2. الكلام بالاِيحاء: وهو إلقاء المعنى فقط أو اللفظ والمعنى معاً في روع الاَنبياء وغيرهم من الاَولياء الاِلهيين، إمّا بلا واسطة أو معها، قال سبحانه:

(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) . (3)

فقوله:(إِلاّوَحْياً) إشارة إلى الاِيحاء بلا واسطة، وقوله:(أَو يُرسِلَ رَسُولاً...) إشارة إلى الاِيحاء بواسطة ملك الوحي كما قال تعالى:

(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاََمْينُ* عَلى قَلْبِكَ) . (4)

كما أنّ قوله:(أَو مِنْ وَراء حِجاب) إشارة إلى الكلام المسموع كما تقدّم.


____________
(1) القصص :30.
(2) وعلى الاحتمال الثاني فالآية راجعة إلى قوله تعالى :(أَوْمِنْ وَراءِ حِجاب) (الشورى|51).
(3) الشورى : 51.
(4) الشعراء : 193ـ194.


( 121 )

فترى انّه سبحانه أطلق لفظ الكلام على الوحي بقسميه، وعدَّ إيحاءه سبحانه، تكليماً له، فالوحي كلامه والاِيحاء تكليمه.

3. نفس وجود الاَشياء: هناك آيات تدلّ على أنّ وجود الاَشياء كلام له تعالى، ترى أنّه تعالى يصف المسيح _ عليه السلام _ بأنّه كلمة اللّه التي ألقاها إلى مريم العذراء، قال تعالى:

(إِنَّما الْمَسيحُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).(1)

4. القضاء والحكم الاِلهي

قد استعملت الكلمة في كثير من الآيات فيما قاله تعالى وحكم به، كقوله:

(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَني إِسْرائيلَ بِما صَبَرُوا) . (2)

وقوله:

(وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الّذينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لايُوَْمِنُونَ). (3)

وقوله:

(وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) . (4)

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المجال.


____________
(1) النساء : 171.
(2) الاَعراف :137.
(3)يونس :33.
(4) يونس :19.


( 122 )

وقد فسّر الاِمام علي _ عليه السلام _ قوله تعالى بفعله الذي ينشئه ويمثله، حيث قال:

«يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله». (1)

فتحصّل بذلك، انّ كلامه سبحانه في القرآن لا ينحصر في الكلام اللفظي، كما لا يكون منحصراً في الكلام الفعلي، بل هناك قسمان آخران سمّيا بالكلام، أحدهما: الوحي، وثانيهما: قضاوَه تعالى وحكمه، نعم يمكن إرجاع هذين القسمين إلى الكلام الفعلي، بلحاظ انّ الاِيحاء والقضاء أيضاً من أفعاله سبحانه.

وبذلك يظهر انّ الصواب من الآراء المتقدّمة هو نظريّة الحكماء، وأمّا نظرية المعتزلة فهي غير منطبقة على جميع مصاديق كلامه سبحانه وإنّما هو قسم قليل منه.

وأمّا نظرية الاَشاعرة فليس له أثر في الكتاب العزيز.

فالمعتزلة أصابوا في جهة وأخطأوا في جهة أُخرى، أصابوا في جعلهم كلامه تعالى من صفات أفعاله سبحانه وأخطأوا في حصره في الكلام اللفظي.

ولكنّ الاَشاعرة أخطأوا في جهتين:في حصر الكلام الفعلي بالكلام اللفظي، وفي ادّعاء قسم آخر من كلام سمّوه بالكلام النفسي وجعلوه وصفاً ذاتياً له تعالى.

إلى هنا تمّ الكلام في تفسير حقيقة كلامه تعالى وتحليل الآراء المطروحة في هذا المجال.


____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 186.


( 123 )

كلامه سبحانه حادث أو قديم؟


من المسائل التي اختلفت فيها كلمات المتكلّمين، مسألة حدوث كلامه تعالى أو قدمه، ويمكن إرجاع هذه المسألة إلى القرن الثاني وقد يقال أوّل من قال بكون القرآن مخلوقاً هو جعد بن درهم وبقيت في طيّالكتمان إلى زمن المأمون، وإليك دراسة الآراء وتطوّرها في المسألة:

1. نظرية أهل الحديث والحنابلة

أوّل من أكّد القول بعدم حدوث القرآن وعدم كون كلامه تعالى مخلوقاً وأصرّ عليه، أهل الحديث، وفي مقدّمتهم «أحمد بن حنبل» فإنّه الذي أخذ يروّج فكرة عدم خلق القرآن ويدافع عنها بحماس، متحمّلاً في سبيلها من المشاقّ ما هو مسطور في زبر التاريخ، وإليك نصّنظريته في هذه المسألة:

«والقرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم انّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم انّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الاَوّل». (1)

ثمّ إنّه قد نقل عنه ما يوافق التوقّف في المسألة، ولذلك يرى المحقّقون انّ إمام الحنابلة كان في أوّليّات حياته يرى البحث حول القرآن بأنّه مخلوق أو غير مخلوق، بدعة، ولكنّه بعدما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكّل،
____________
(1) السنّة :49.


( 124 )
الاِدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق، ومع ذلك لم يوَثر انّه قال إنّه قديم. (1)

2. نظرية المعتزلة

قد تبنَّت المعتزلة القول بخلق القرآن وانبروا يدافعون عنه بشتّى الوسائل، ولمّا كانت الخلافة العباسية في عصر المأمون ومن بعده إلى زمن الواثق باللّه، توَيد حركة الاِعتزال وآراءها، استعان المعتزلة من هذا الغطاء، وقاموا باختبار علماء الاَمصار الاِسلامية في هذه المسألة، وكانت نتيجة هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء في ذلك العصر بنظرية الخلق، ولم يمتنع إلاّ نفر قليل على رأسهم الاِمام أحمد بن حنبل، وإليك ما ذكره القاضي عبد الجبّار في هذا المجال:

«أمّا مذهبنا في ذلك انّ القرآن كلام اللّه تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث، أنزله اللّه على نبيّه ليكون علماً ودالاًّ على نبوته، وجعله دلالة لنا على الاَحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منّا بذلك الحمد والشكر، وإذا هو الذي نسمعه اليوم ونتلوه وإن لم يكن (ما نقروَه) محدثاً من جهة اللّه تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشره اليوم من قصيدة امرىَ القيس على الحقيقة وإن لم يكن امروَ القيس محدثاً لها الآن». (2)

3. نظرية الشيخ الاَشعري

أوّل ما أعلنه الشيخ الاَشعري في هذا المجال هو القول بعدم كون القرآن مخلوقاً حيث قال:


____________
(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية :300.
(2) شرح الاَُصول الخمسة :528.


( 125 )

«ونقول: إنّ القرآن كلام اللّه غير مخلوق، و انّ من قال بخلق القرآن فهو كافر».(1)

ولكنّه رأى أنّ القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، فجاء بنظرية جديدة أصلح بها القول بعدم خلق القرآن والتجأ إلى أنّ المراد من كلام اللّه تعالى ليس القرآن المقروء بل الكلام النفسي.

دلالة القرآن على حدوث كلامه تعالى

صرّح القرآن الكريم على حدوث كلامه تعالى ـ أعني: القرآن ـ في قوله سبحانه:

(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ). (2)

والمراد من «الذكر» هو القرآن نفسه لقوله سبحانه:

(إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) . (3)

وقوله سبحانه:

(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ) . (4)

والمراد من «محدث» هو الجديد وهو وصف «للذكر» ومعنى كونه جديداً انّه أتاهم بعد الاِنجيل، كما أنّ الاِنجيل جديد ،لاَنّه أتاهم بعد التوراة، وكذلك بعض سور القرآن وآياته ذكر جديد أتاهم بعد بعض، وليس المراد كونه محدثاً من
____________
(1) الاِبانة :21، ولاحظ مقالات الاِسلاميين :321.
(2) الاَنبياء :2.
(3) الحجر :9
(4) الزخرف :44.


( 126 )
حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة انّه وصف لـ«ذكر»، فالذكر بذاته محدث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول، لتقدّم ما بالذات على ما بالعرض.

ويدلّ على حدوثه قوله سبحانه:

(ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً).(1)

فهل يصحّ توصيف القديم بالاِذهاب والاِعدام؟!

موقف أهل البيت _ عليهم السلام

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدّد فيه لم يكن لاِحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك بل استغلّت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها، فلاَجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ منعوا أصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريّان بن الصلت الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وقال له: ما تقول في القرآن؟

فقال _ عليه السلام _ :

«كلام اللّه لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا». (2)

فانّا نرى أنّ الاِمام _ عليه السلام _ يبتعد عن الخوض في هذه المسألة لما رأى من أنّ الخوض فيها ليس لصالح الاِسلام، وانّ الاكتفاء بأنّه كلام اللّه أحسم لمادّة الخلاف.


____________
(1) الاِسراء : 86.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 30، الحديث 2.


( 127 )

ولكنّهم _ عليهم السلام _ عندما أحسّوا بسلامة الموقف، أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه سبحانه وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه وإلاّ يلزم اتحاد المنزِل والمنزَل، فهو غيره، فيكون لامحالة مخلوقاً.

فقد روى محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني انّه كتب علي بن محمّد بن علي ابن موسى الرضا _ عليه السلام _ إلى بعض شيعته ببغداد، وفيه:«وليس الخالق إلاّ اللّه عزّوجلّ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللّه لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين». (1)

تكملة

اتّفق المسلمون والاِلهيون على أنّ الصدق من صفاته تعالى وانّه سبحانه صادق، والمراد من صدقه تعالى كون كلامه منزّهاً عن شوب الكذب، ولمّا كان المختار عندنا في «الكلام» انّه من الصفات الفعلية يكون الصدق في الكلام مثله وهو واضح.

ويمكن الاستدلال على صدقه بأنّ الكذب قبيح عقلاً، وهو سبحانه منزّه عمّا يعدّ العقل من القبائح، والبرهان مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي من القواعد الاَساسية في كلام العدلية.



____________
(1) المصدر السابق:الحديث 4.


( 128 )

2

الحكمة


من الصفات الفعلية الحكمة وهي تطلق على معنيين:

أحدهما: كون الفعل في غاية الاِحكام والاِتقان، وغاية الاِتمام و الاِكمال.

وثانيهما: كون الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخل بواجب.

قال الرازي:

«...معنى الاِحكام في حقّ اللّه تعالى في خلق الاَشياء هو إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقّة والنملة وغيرهما، إلاّ أنّ آثار التدبير فيها وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه ليست بأقلّ من دلالة السماوات والاَرض والجبال على علم الصانع وقدرته».

ثمّ ذكر معنى ثانياً للحكيم وقال:

«الثاني انّه عبارة عن كونه مقدّساً عن فعل مالا ينبغي

قال تعالى:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) (1)".


____________
(1) الموَمنون : 115؛ لاحظ شرح أسماء اللّه الحسنى : 279ـ280.


( 129 )

وقال:

(وما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً). (1)

ويمكن الاستدلال على حكمته تعالى بمعنى إتقان فعله وتدبيره بوجهين:

1. التدبّر في نظام الكون وبدائعه

أوضح دليل على أنّه تعالى حكيم بهذا المعنى، انّ فعله في غاية البداعة والاِحكام والاِتقان فانّ الناظر يرى أنّ العالم خلق على نظام بديع، وانّ كلّ نوع خلق بأفضل صورة تناسبه وجهّز بكلّ ما يحتاج إليه من أجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال، وإن شئت فانظر إلى الاَشياء المحيطة بك ممّا هو من مظاهر حكمته تعالى.

فلاحظ القلب وهو مضخّة الحياة التي لا تكلّ عن العمل فإنّه ينبض يوميّاًما يزيد على مائة ألف مرّة، يضخّ خلالها ثمانية آلاف لتر من الدم وبمعدّل وسطي يضخّ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الاِنسان، فترى هل يستطيع محرّك آخر للقيام بمثل هذا العمل الشاقّ لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لاِصلاح...؟

وأمثال ذلك الكثير ممّا لا تستوعبه السطور بل ولا الزبر.

إنّ معطيات العلوم الطبيعية عمّا في الكون أفضل دليل على وجود الحكمة الاِلهية في الفلكيات والاَرضيات.


____________
(1) ص : 27.


( 130 )
2. مناسبة الفعل لفاعله

إنّ أثر كلّ فاعل يناسب واقع فاعله وموَثره فهو كظلّ يناسب ذا الظلّ، فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدراً لفعل كامل وموجود متوازن أخذاً بقاعدة مشابهة الظلّ لذي الظلّ، وقد استعملت الحكمة بهذا المعنى في كلمات الاِمام علي _ عليه السلام _ حيث قال:

«...وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته... فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته...قدّر ما خلق فأحكم تقديره ودبّره فألطف تدبيره ـ إلى أن قال : ـ بدايا خلائق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها». (1)

وأمّا البحث عن حكمته تعالى، بالمعنى الثاني فسيجيء عند البحث عن عدله سبحانه فانتظره.



____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 91.


( 131 )


الفصل الخامس

الصفات الخبريّة


قسّم بعض المتكلّمين صفاته سبحانه إلى ذاتيّة وخبريّة،والمراد من الاَُولى أوصافه المعروفة من العلم والقدرة والحياة، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات والاَحاديث له سبحانه من العلو والوجه واليدين إلى غير ذلك، وقد اختلفت آراء المتكلّمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال:

الاَوّل: الاِثبات مع التكييف والتشبيه

زعمت المجسِّمة و المشبِّهة انّ للّه سبحانه عينين ويدين مثل الاِنسان.

قال الشهرستاني:

«أمّا مشبِّهة الحشويّة... أجازوا على ربِّهم الملامسة و المصافحة وانّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة ، إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الاِخلاص». (1)
____________
(1) الملل والنحل :1|105.


( 132 )

وبما انّ التشبيه والتجسيم باطل بالعقل والنقل فلا نبحث حول هذه النظرية.

الثاني: الاِثبات بلا تكييف ولا تشبيه

إنّ الشيخ الاَشعري ومن تبعه يجرون هذه الصفات على اللّه سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن لاَجل الفرار عن التشبيه يقولون«بلا تشبيه ولا تكييف».

يقول الاَشعري في كتابه(الاِبانة): إنّ للّه سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال:

(وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَ الاِِكْرامِ) . (1)

وانّ له يدين بلا كيف، كما قال:

(خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . (2)

وقد نقل هذه النظرية عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير. (3)وحاصل هذه النظرية انّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في البشر، فله يد و عين، لا كأيدينا وأعيننا وبذلك توفقوا ـ على حسب زعمهم ـ في الجمع بين ظواهر النصوص ومقتضى التنزيه.

أقول: القول بأنّ للّه يداً لا كأيدينا، أو وجهاً لا كوجوهنا، وهكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالاَلغاز فاستعمالها في المعاني الحقيقة وإثبات معانيها على اللّه سبحانه بلا كيفية أشبه بكون حيوان أسداً حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب ولا ناب ولا....


____________
(1)الرحمن :27.
(2) ص : 75.
(3) لاحظ «علاقة الاِثبات والتفويض» :46ـ49.


( 133 )

وإبراز العقيدة الاِسلامية بصورة الاِبهام والاَلغاز كما في هذه النظرية كإبرازها بصورة التشبيه والتجسيم المأثور من اليهودية والنصرانية كما في النظرية الاَُولى، لا يجتمع مع موقف الاِسلام و القرآن في عرض العقائد على المجتمع الاِسلامي.

وممّن خالف هذه النظرية منهم أبو حامد الغزالي، وحاصل ما ذكره في نقدها انّ هذه الاَلفاظ التي تجري في العبارات القرآنية والاَحاديث النبويّة لها معان ظاهرة وهي الحسيّة التي نراها، وهي محالة على اللّه تعالى، ومعان أُخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير، فإذا سمع اليد في قوله ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ : «إنّ اللّه خمّر آدم بيده ، وإنّ قلب الموَمن بين إصبعين من أصابع الرحمان» فينبغي أن يعلم أنّ هذه الاَلفاظ تطلق على معنيين: أحدهما ـ و هو الوضع الاَصلي ـ : هو عنصر مركب من لحم وعظم وعصب، وقد يستعار هذا اللفظ، أعني: اليد، لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسم أصلاً، كما يقال:

«البلدة في يد الاَمير».

فإنّ ذلك مفهوم وإن كان الاَمير مقطوع اليد، فعلى العامّي وغير العامّي أن يتحقّق قطعاً ويقيناً انّ الرسول لم يرد بذلك جسماً، وانّ ذلك في حقّ اللّه محال، فإن خطر بباله انّ اللّه جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فانّ كلّ جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر وعبادة الصنم كانت كفراً لاَنّه مخلوق. (1)

ومنهم أبو زهرة المعاصر فإنّه أيضاً قدح في هذه النظرية وقال:

«قولهم بأنّ للّه يداً ولكن لا نعرفها».

«وللّه نزولاً لكن ليس كنزولنا» الخ.


____________
(1) الجاء العوام.


( 134 )

هذه إحالات على مجهولات، لا نفهم موَدّاها ولا غاياتها. (1)

الثالث: التفويض

وقد ذهب جمع من الاَشاعرة وغيرهم إلى إجراء هذه الصفات على اللّه سبحانه مع تفويض المراد منها إليه.

قال الشهرستاني:

«إنّ جماعة كثيرة من السّلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يوَوّلون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون انّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله:

(اَلرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى) .

ومثل قوله:

(لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) .

ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وذلك قد أثبتناه». (2)

وإليه جنح الرازي وقال:

«هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى اللّه تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها».(3)
____________
(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية : 1|219ـ220.
(2) الملل والنحل : 1|92ـ93 بتلخيص.
(3) أساس التقديس :223.


( 135 )

أقول:

«إنّ لاَهل التفويض عذراً واضحاً في هذا المجال، فإنّهم يتصوّرون انّ الآيات المشتملة على الصفات الخبريّة من الآيات المتشابهة، وقد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها وأمر عباده بالاِيمان بها». (1)

نعم يلاحظ على مقالتهم هذه انّ الآيات ليست من الآيات المتشابهة، فإنّ المفاد فيها غير متشابه (2)إذا أمعن فيها الاِنسان المتجرّد عن كلّ رأي سابق.

الرابع: التأويل (3)

إنّ العدليّة من المتكلّمين هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسّرون اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة.

أقول: إنّ الظاهر على قسمين: الظاهر الحرفي والظاهر الجملي، فإنّ اليد مثلاً مفردة ظاهرة في العضو الخاص، وليست كذلك فيما إذا حفت بها القرائن، فإنّقول القائل في مدح إنسان انّه «باسط اليد»، أو في ذمه «قابض اليد» ليس ظاهراً في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي، بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل و الاقتار وربما يكون مقطوع اليد، وحمل الجملة على غير ذلك المعنى، حمل على غير ظاهرها.

وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام الموَوِّلة فإن كان تأويلهم على غرار ما بيّناه
____________
(1) لاحظ آل عمران :7.
(2) يعني انّ هذه الآيات وإن كانت متشابهة في بادىَ الرأي وقبل إرجاعها إلى المحكمات، لكنّها تصير محكمة بعد إرجاعها إليها.
(3) قد استوفى شيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن»:12ـ 16.


( 136 )
فهوَلاء ليسوا بموَوِّلة بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنّة، ولا يكون تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلاً وإنّما هو اتّباع للنصوص والظواهر، وإن كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة أو منفصلة دالّة عليها فليس التأويل ـ بهذا المعنى ـ بأقلّ خطراً من الاِثبات المنتهي إمّا إلى التجسيم أو إلى التعقيد والاِبهام.

وعلى ضوء ما قرّرنا من الضابطة والميزان، تقدر على تفسير ما ورد في التنزيل من الوجه (1)والعين (2)و الجنب (3)والاِتيان (4)والفوقية (5)والعرش (6) والاستواء (7) وما يشابهها، من دون أن تمسّ كرامة التنزية، ومن دون أن تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة.



____________
(1) (كُلّ شيءٍ هالِك إِلاّ وجهه) (القصص|88).
(2) (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) (هود|37).
(3) (أَنْ تقول نفس يا حَسرتى عَلى ما فَرَّطْت في جَنْب اللّه) (الزمر|56).
(4) (وَجاءَ رَبّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) ( الفجر |22) .(فَأتى اللّه بنيانهم من القواعد) (النحل|26).
(5) (يَدُ اللّهِ فَوقَ أَيدِيهِمْ )(الفتح|10) .
(6) (إِذاً لابْتَغَوا إِلى ذِي الْعَرشِ سَبيلاً) ( الاِسراء|42).
(7) (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوى) (طه|5).


( 137 )


الفصل السادس

الصفات السلبيّة


الصفة السلبية ما تفيد معنى سلبياً، لكن اللّه تعالى لا يجوز سلب كمال من الكمالات عنه لكونه مبدأ كل كمال، فصفاته السلبية ما دلّ على سلب النقص والحاجة، كمن ليس بجاهل، وليس بعاجز، ولمّا كان معنى النقص والحاجة في معنى سلب الكمال كانت الصفة السلبية المفيدة لسلب النقص، راجعة إلى سلب واحد وهو سلب النقص والاحتياج ولقد أجاد الحكيم السبزواري في المقام حيث قال:

وَوَصْفُهُ السَّلْبيُّ سَلْبُ السَّلْبِ جا * في سَلْــبِ الاحتيـاجِ كُلاً أَدْرِجا

وقد ظهرت في مجال صفاته السلبية عقائد وآراء سخيفة كالحلول والجهة والروَية وغير ذلك، فدعا ذلك المتكلّمين أن يبحثوا عن هذه الصفات السلبية في مسفوراتهم الكلامية، والاَصل الكافل لاِبطال جميع تلك المذاهب والآراء وجوب الوجود بالذات، فإنّ الجميع مستلزم للتركيب والجسمية وهما آيتا الفقر والحاجة المنافية لوجوب الوجود بالذات.


( 138 )

وقد تقدّم الكلام حول بعض هذه الصفات، كنفي الشريك والتركيب والصفات الزائدة على الذات في مباحث التوحيد، ونبحث الآن عن غيرها فنقول:

1. ليس بجسم

الجسم ـ على ما نعرف له من الخواص ـ هو ما يشتمل على الاَبعاد الثلاثة من الطول والعرض و العمق، وهو ملازم للتركيب، والمركب محتاج إلى أجزائه والمحتاج لا يكون واجب الوجود بالذات.

2. ليس في جهة ولا محلّ

وقد تبيّن استغناوَه عنهما ممّا ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية، فإنّ الواقع في جهة أو محلّ لا يكون إلاّجسماً أوجسمانياً. (1)

3. ليس حالاً في شيء

إنّ المعقول من الحلول قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية، وهذا المعنى لا يصحّ في حقّه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير.


____________
(1)

بجهة طرف الامتداد * في مأخذ الاِشارة مرادي
انّ طرف كلّ امتداد ونهايته من حيث هو طرف إمّا نقطة وإمّا سطح وإمّا خط، ومن حيث هو واقع في مأخذ الاِشارة الحسّية جهة، والفرق بينها وبين المكان انّ الجهة مقصد المتحرك من حيث الوصول إليه، و المكان مقصد له من حيث الحصول فيه.
الحكيم السبزواري، شرح المنظومة.


( 139 )
4. ليس متحداً مع غيره

حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئاً واحداً، وهو مستحيل في ذاته، فضلاً عن استحالته في حقّه تعالى، فإنّ ذلك الغير بحكم انحصار واجب الوجود في واحد، ممكن، فبعد الاِتحاد إمّا أن يكونا موجودين فلا اتحاد، أو يكون واحد منهما موجوداً والآخر معدوماً، والمعدوم إمّا هو الممكن، فيلزم الخلف وعدم الاِتحاد، أو الواجب فيلزم إنعدام الواجب وهو محال.

5. ليس محلاً للحوادث

والدليل على ذلك انّه لو قام بذاته شيء من الحوادث للزم تغيّره، واللازم باطل، فالملزوم مثله، بيان الملازمة: انّ التغيّر عبارة عن الانتقال من حالة إلى أُخرى، فعلى تقدير حدوث ذلك الاَمر القائم بذاته، يحصل في ذاته شيء لم يكن من قبل، فيحصل الانتقال من حالة إلى أُخرى.

وأمّا بطلان اللازم، فلانّ التغيّر نتيجة وجود استعداد في المادّة التي تخرج تحت شرائط خاصّة من القوّة إلى الفعل، فلو صحّ على الواجب كونه محلاً للحوادث، لصحّ أن يحمل وجوده استعداداً للخروج من القوّة إلى الفعلية، وهذا من شوَون الاَُمور الماديّة، وهو سبحانه أجلّ من أن يكون مادّة أو مادّياً.

6. لا تقوم اللَّذة والاَلم بذاته

قد يطلق الاَلم واللّذة ويراد منهما الاَلم واللّذة المزاجيان، والاتصاف بهما يستلزم الجسميّة والمادّة وهو تعالى منزّه عنهما كما تقدّم.

وقد يطلقان ويراد منهما العقليان، أعني إدراك القوّة العقلية ما يلائمها أو ينافيها، وبما انّه لا منافي في عالم الوجود لذاته تعالى لاَنّ الموجودات أفاعليه


( 140 )
ومخلوقاته، وبين الفعل و فاعله كمال الملائمة الوجودية، فلا يتصوّر ألمٌ عقلي له سبحانه.

وأمّا اللَّذة العقلية فأثبتها للّه تعالى بعضهم قائلين بأنّ واجب الوجود في غاية الجمال والكمال والبهاء، فإذا عقل ذاته فقد عقل أتمَّ الموجودات وأكملها، فيكون أعظم مدرِك لاَجلّ مدرَك بأتم إدراك.

ولكن منع بعضهم عن توصيفه سبحانه باللَّذة العقلية أيضاً لعدم الاِذن الشرعي بذلك، وممّن جوز الاتصاف باللّذة العقلية من متكلّمي الاِماميّة، موَلّف الياقوت حيث قال:

«الموَثّر مبتهج بالذات لاَنّ علمه بكماله الاَعظم يوجب له ذلك،فكيف لا والواحد منّا يلتذُّ بكماله النقصاني». (1)

وهو ظاهر كلام المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد، حيث نفى الاَلم مطلقاً وقيد اللَّذة المنفية بالمزاجيّة (2) ومن المانعين له المحقّق البحراني حيث قال:

«اتّفق المسلمون على عدم إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى... وأمّا الفلاسفة فإنّهم ... لمّا فسروا اللَّذة بأنّها إدراك الملائم أطلقوا عليه لفظ اللَّذة وعنوا بها علمه بكمال ذاته، فلا نزاع معهم إذن في المعنى، إذ لكلّ أحد أن يفسِّر لفظه بما شاء، لكنّا ننازع في إطلاق هذا اللفظ عليه لعدم الاِذن الشرعي». (3)


____________
(1) أنوار الملكوت :102.
(2) كشف المراد: المقصد 3، الفصل 2، المسألة 18.
(3) قواعد المرام: القاعدة 4، الركن 2، البحث 8.


( 141 )
7. انّه تعالى ليس بمرئيّ

إتّفقت العدلّية على أنّه تعالى لا يُرى بالاَبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأمّا غيرهم فالكراميّة والمجسِّمة الذين يصفون اللّه سبحانه بالجسم ويثبتون له الجهة، جوَّزوا روَيته بلا إشكال في الدارين، وأهـل الحديث والاَشاعــرة ـ مع تحاشيهم عن إثبات الجسميّة و الجهة له سبحانه ـ قالوا بروَيته يوم القيامة وانّ الموَمنين يرونه كما يرى القمر ليلة البدر، وتحقيق الكلام في هذا المجال رهن دراسة تحليلية حول أُمور ثلاثة:

ألف. تحديد محلّ النزاع.

ب. أدلّة امتناع الروَية.

ج. أدلّة القائلين بالجواز.

فنقول:

ما هو موضوع النزاع؟

الروَية التي تكون في محلّ الاستحالة والمنع عند العدلية هي الروَية البصرية بمعناها الحقيقي، لا ما يعبّر عنه بالروَية القلبية كما ورد في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _ والشهود العلمي التام في مصطلح العرفاء، وهذا المعنى من الروَية هو الظاهر من كلام الشيخ الاَشعري حيث قال:

«وندين بأنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بالاَبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه الموَمنون كما جاءت الروايات عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ». (1)
____________
(1) الاِبانة :21.


( 142 )

وقال أيضاً:

«إن قال قائل: لم قلتم إنّ روَية اللّه بالاَبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لاَنّ مالا يجوز أن يوصف به اللّه تعالى و يستحيل عليه، لا يلزم في القول بجوازالروَية». (1)

لكنّ المتأخرين منهم لمّا رأوا انّ القول بجواز الروَية بالاَبصار تستحيل في حقّه تعالى، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه مختلفة فقال الاِمام الرازي:

«وقبل الشروع في الدلالة لابدّ من تلخيص محلّ النزاع، فإنّ لقائل أن يقول: إن أردت بالروَية الكشف التامّ، فذلك ممّا لا نزاع في ثبوته، وإن أردت بها الحالة التي نجدها من أنفسنا عند إبصارنا الاَجسام فذلك ممّا لا نزاع في انتفائه ـ إلى أن قال: ـ و الجواب انّا إذا علمنا الشيء حال مالم نره، ثمّ رأيناه، فانّا ندرك تفرقة بين الحالين، وتلك التفرقة لا تعود إلى ارتسام الشبح في العين ولا إلى خروج الشعاع منها، بل هي عائدة إلى حالة أُخرى مسمّاة بالروَية، فندّعي انّ تعلّق هذه الصفة بذات اللّه تعالى جائز». (2)

وحاصله ـ كما لخّصه المحقّق الطوسي ـ : انّ الحالة الحاصلة عند ارتسام الشبح في العين أو خروج الشعاع منها، المغايرة للحالة الحاصلة عند العلم، يمكن أن يحصل مع عدم الارتسام وخروج الشعاع.

يلاحظ عليه: أنّ الحالة المذكورة إمّا تكون روَية بصرية بالحقيقة، فذلك محال في حقّه تعالى كما اعترف به الرازي أيضاً، وإمّا لا تكون كذلك وإنّما هي
____________
(1) اللمع : 61 بتلخيص.
(2) تلخيص المحصل :316.


( 143 )
مشتركة مع الروَية البصرية في النتيجة، أعني: المشاهدة، فهي راجعة إلى الكشف التام والروَية القلبية ولا نزاع فيها، قال المحقّق الطوسي:

«ويحتاج في إثبات كون تلك الحالة غير الكشف التام إلى دليل». (1)

وقال الفضل بن روزبهان الاشعري:

«إذا نظرنا إلى الشمس فرأيناها ثمّ غمضنا العين، فعند التغميض نعلم الشمس علماً جليّاً، وهذه الحالة مغايرة للحالة الاَُولى التي هي الروَية بالضرورة... ويجوز عقلاً أن يكون تلك الحالة تدرك الاَشياء من غير شرط ومحلّ، وإن كان يستحيل أن يدرك الاِنسان بلا مقابلة وباقي الشروط عادة، فالتجويز عقلي والاستحالة عادية». (2)

يلاحظ عليه: أنّ تلك الحالة الحاصلة عند التغميض إنّما هي صورة المرئي ومحلّها الحس المشترك أو الخيال لا الباصرة، وهي موقوفة على سبق الروَية، فإن كانت روَية اللّه سبحانه ممتنعة، فقد امتنعت هذه الحالة، وإلاّ فلا حاجة إلى تكلّف إثبات هذه الحالة وجعلها محلّ النزاع، هذا إذا كان مراده حصول تلك الحالة حقيقة، وأمّا إن كان مراده ما يشبه تلك الحالة لا نفسها، فهو خارج عن محلّ النزاع لاَنّه راجع إلى الروَية القلبيّة ولا تكون ممتنعاً لا عقلاً ولا عادة.

فأمثال هذه المحاولات لا تخلو من بطلانه رأساً، أو خروجه عمّا كان محلّ النزاع في الصدر الاَوّل بين الاَشاعرة والعدلية.


____________
(1) نفس المصدر :328.
(2) دلائل الصدق : 1|183ـ184.


( 144 )
أدلّة امتناع روَيته تعالى

يدلّ على امتناع الروَية وجوه:

1. انّ الروَية إنّما تصحّ لمن كان مقابلاً ـ كالجسم ـ أو في حكم المقابل ـ كالصورة في المرآة ـ و المقابلة وما في حكمها إنّما تحقّق في الاَشياء ذوات الجهة، واللّه منزّه عنها فلا يكون مرئياً، وإليه أشار موَلّف الياقوت بقوله:

«ولا يصحّ روَيته، لاستحالة الجهة عليه». (1)

2.انّ الروَية لا تحقق إلاّ بانعكاس الاَشعَّة من المرئي إلى أجهزة العين، وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً ذا أبعاد.

3. انّ الروَية بأجهزة العين نوع إشارة إليه بالحدقة، وهي إشارة حسّية لا تتحقق إلاّ بمشار إليه حسّي واقع في جهة، واللّه تعالى منزّه عن الجسمانيّة و الجهة.

4. انّ الروَية إمّا أن تقع على الذات كلِّها أو على بعضها، فعلى الاَوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً ذا أجزاء وأبعاض والجميع مستحيل في حقِّه تعالى.

أدلّة القائلين بالجواز

إنّ للقائلين بجواز روَيته تعالى أدلّة عقلية ونقلية، فمن أدلّتهم العقلية ما ذكره الاَشعري بقوله:

«ليس في جواز الروَية إثبات حدث، لاَنّ المرئي لم يكن مرئياً لاَنّه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزمه أن يرى كلّمحدث وذلك باطل


____________
(1) أنوار الملكوت :82.


( 145 )
عنده».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحدوث ليس شرطاً كافياً في الروَية حتّى تلزم روَية كلّ محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط التي أشرنا إليها وبما انّ بعضها غير متوفّر في الموجودات المجرّدة المحدثة، لا تقع عليها الروَية.

وهناك دليل عقلي استدلّ به مشايخ الاَشاعرة في العصور المتأخرة، وحاصله انّملاك الروَية والمصحّح لها أمر مشترك بين الواجب والممكن وهو الوجود، قالوا:

«إنّ الروَية مشتركة بين الجوهر والعرض، ولابدّ للروَية المشتركة من علّة واحدة، وهي إمّا الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعليّة لاَنّه أمر عدمي، فتعيّن الوجود، فينتج انّ صحّة الروَية مشتركة بين الواجب والممكن». (2)

وهذا الدليل ضعيف جدّاً ومن هنا لم يتمّ عند المفكرين من الاَشاعرة أيضاً، إذ لقائل أن يقول: إنّ الجهة المشتركة للروَية في الجوهر والعرض ليست هي الوجود بما هو وجود، بل الوجود المقيّد بعدّة قيود، وهي كونه ممكناً، مادّياً، يقع في إطار شرائط خاصّة، يستحيل في حقّه تعالى، ولو كان الوجود هو الملاك التام لصحّة الروَية للزم صحّة روَية الاَفكار والعقائد، والروحيات والنفسانيات كالقدرة والاِرادة وغير ذلك من الاَُمور الروحية الوجودية الّتي لا تقع في محلّ الروَية.


____________
(1) اللمع :61.
(2) شرح المواقف : 8|115؛ شرح التجريد للقوشجي : 329ـ330؛ تلخيص المحصل :317؛ كشف المراد :231؛ قواعد المرام :78.