http://www.imamsadeq.org (كتاب محاضرات في الإلهيات للأستاذ جعفر السبحاني ص 85 - ص 115 )

( 85 )


الفصل الثاني

التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه



قد ذكروا لصفاته تعالى تقسيمات وهي:

1. الصفات الجمالية والجلالية

إذا كانت الصفة مثبتة لجمال ومشيرة إلى واقعية في ذاته تعالى سمّيت «ثبوتية» أو «جمالية» وإذا كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه سمّيت «سلبية» أو «جلالية».

فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية المشيرة إلى وجود كمال وواقعية في الذات الاِلهية ولكن نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّـر من الصفات السلبية الهادفة إلى سلب ما هو نقص عن ساحته سبحانه.

قال صدر المتألّهين:

«إنّ هذين الاِصطلاحين [الجمالية] و [الجلالية] قريبان ممّا ورد في


( 86 )
الكتاب العزيز، قال سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالاِِكْرامِ) . (1)

فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير،وصفة الاِكرام ما تكرّمت ذاته بها وتجمّلت، فيوصف بالكمال وينزّه بالجلال». (2)

2. صفات الذات وصفات الفعل

قسَّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى صفة الذات وصفة الفعل، والاَوّل: ما يكفي في وصف الذات به، فرض نفس الذات فحسب، كالقدرة والحياة والعلم.

والثاني: ما يتوقف توصيف الذات به على فرض الغير وراء الذات وهو فعله سبحانه.

فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى انّ الذات توصف بهذه الصفات عند ملاحظتها مع الفعل، وذلك كالخلق والرزق ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل ومعنى انتزاعها، انّا إذ نلاحظ النعم التي يتنعّم بها الناس، وننسبها إلى اللّه سبحانه، نسمّيها رزقاً رزقه اللّه سبحانه، فهو رزّاق، ومثل ذلك الرَّحمة والمغفرة فهما يطلقان عليه على الوجه الذي بيّنّاه.

3. الحقيقيّة والاِضافيّة

وللصّفات تقسيم آخر وهو تقسيمها إلى الحقيقيّة والاِضافيّة والمراد من الاَُولى ما تتصف به الذات حقيقة، وهي إمّا ذات إضافة كالعلم والقدرة، وإمّا
____________
(1) الرحمن :78.
(2)الاَسفار :6|118.


( 87 )
حقيقة محضة كالحياة. والاِضافية هي الصفات الانتزاعيّة كالعالميّة والقادريّة والخالقية والرازقية والعليّة.

4. الصفات الخبريّة

والمراد منها ما ورد توصيفه تعالى بها في الخبر الاِلهي من الكتاب والسنّة من العلو وكونه ذا وجه، ويدين، وأعين، إلى غير ذلك من الاَلفاظ الواردة في القرآن أو الحديث التي لو أُجريت على اللّه سبحانه بمعانيها المتبادرة عند العرف لزم التجسيم والتشبيه.

هل أسماء اللّه توقيفيّة؟

نقل غير واحد من المتكلّمين والمفسّرين أنّ أسماءه تعالى وصفاته توقيفية، وجوّزوا إطلاق كلّ ما ورد في الكتاب والاَحاديث الصحيحة دعاءً أووصفاً له وإخباراً عنه، ومنعوا كلّ مالم يرد فيهما، وسمّوا ذلك إلحاداً في أسمائه، وعلى ذلك منع جمهور أهل السنَّة كلّ ما لم يأذن به الشارع، مطلقاً وجوّز المعتزلة ما صحّ معناه ودلّ الدليل على اتصافه به ولم يوهم إطلاقه نقصاً، وقد مال إلى قول المعتزلة بعض الاَشاعرة، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجويني.

والتفصيل يقع في مقامين:

الاَوّل: تفسير ما استدلوا به من الآية.

الثاني: تجويز مالم يوهم إطلاقه نقصاً.

أمّا الاَوّل: فقد قال سبحانه:

(وَللّهِ الاََسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمائهِ


( 88 )
سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) . (1)

الاستدلال مبني على أمرين:

أ. إنّ اللام في الاَسماء الحسنى للعهد، تشير إلى الاَسماء الواردة في الكتاب والسنّة الصحيحة.

ب. إنّ المراد من الاِلحاد، التعدّي إلى غير ما ورد.

وكلا الاَمرين غير ثابت، أمّا الاَوّل فالظاهر أنّ اللام للاِستغراق قدّم عليها لفظ الجلالة لاَجل إفادة الحصر، ومعنى الآية إنّ كلّ اسم أحسن في عالم الوجود فهو للّه سبحانه، لا يشاركه فيه أحد، فإذا كان اللّه سبحانه ينسب بعض هذه الاَسماء إلى غيره كالعالم والحي، فأحسنها للّه، أعني: الحقائق الموجودة بنفسها الغنية عن غيرها والثابت لغيره من العلم والحياة والقدرة المفاضة من جانبه سبحانه، من تجليات صفاته وفروعها وشوَونها، والآية بمنزلة قوله سبحانه:

(أَنَّ الْقُوَّةَ للّهِ جَمِيعاً) . (2)

وقوله سبحانه:

(إِنَّ الْعِزَّةَ للّهِ جَمِيعاً) . (3)

إلى غير ذلك.

وعلى ذلك فمعنى الآية أنّ للّه سبحانه حقيقةُ كلّ اسم أحسن لا يشاركه غيره إلاّبما ملّكهم منه، كيف ما أراد وشاء.

وأمّا الثاني: فلاَنّ الاِلحاد هو التطرّف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين،
____________
(1) الاَعراف : 180.
(2)البقرة :165.
(3)يونس:65.


( 89 )
وأمّا الاِلحاد في أسمائه فيتحقّق بأُمور:

1. إطلاق أسمائه على الاَصنام بتغيير مّا، كإطلاق «اللاّت» المأخوذة من الاِله بتغيير، على الصنم المعروف، وإطلاق «العُزّى» المأخوذ من العزيز، و«المناة» المأخوذ من المنّان، فيلحدون ويميلون عن الحقّ بسبب هذه الاِطلاقات لاِرادتهم التشريك والحط من مرتبة اللّه وتعلية ما صنعوه من الاَصنام وسيجزي هوَلاء على طبق أعمالهم فلا يصل النقص إلى اللّه ولا يرتفع مقام مصنوعاته.

2. تسميته بما لا يجوز وصفه به لما فيه من النقص، كوصفه سبحانه بأبيض الوجه وجعد الشعر.

ومن هذا القبيل تسميته سبحانه بالماكر والخادع تمسّكاً بقوله سبحانه:

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْماكِرين) . (1)

وقوله سبحانه:

(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) . (2)

فإنّ المتبادر من هذين اللفظين غير ما هو المتبادر من الآية، فإنّ المتبادر منهما منفردين مفهوم يلازم النقص و العيب بخلاف المفهوم من الآيتين فإنّه جزاءُ الخادع والماكر على وجه لا يبقى لفعلهما أثر.

3. تسميته ببعض أسمائه الحسنى دون بعض كأن يقولوا «يا اللّه» ولا يقولوا «يا رحمن» وقد قال اللّه تعالى:

(قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى) . (3)


____________
(1) آل عمران :54.
(2)النساء :142.
(3)الاِسراء :110.


( 90 )

وقال سبحانه:

(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً) . (1)

إلى غير ذلك من أقسام الاِلحاد والعدول عن الحق في أسمائه.

وبذلك يظهر أنّه لا مانع من توصيفه سبحانه بالواجب أو واجب الوجود أو الصانع أو الاَزلي، أو الاَبدي وإن لم ترد في النصوص، إذ ليس في إطلاقها عليه سبحانه طروء نقص أوإيماء إلى عيب، مع أنّه سبحانه يقول:

(صُنْعَ اللّهِ الّذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) . (2)

هذا كلّه حول المقام الاَوّل.

وأمّا المقام الثاني: وهو تجويز تسميته تعالى بكلّما يدل على الكمال أو يتنزّه عن النقص والعيب، فذلك لاَنّ الاَلفاظ التي نستعملها في حقّه سبحانه لم توضع إلاّ لما نجده في حياتنا المشوبة بالنقص والعيب، فالعلم فينا الاِحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادّية، والقدرة فينا هي المنشئيّة للفعل بكيفية ماديّة موجودة في عضلاتنا، ومن المعلوم أنّ هذه المعاني لا يصحّ نسبتها إلى اللّه إلاّ بالتجريد، كأن يفسّـر العلم بالاِحاطة بالشيء بحضوره عند العالم، والقدرة المنشئيّة للشيء بإيجاده، ومثله مفاهيم الحياة والاِرادة والسمع والبصر، فلا تطلق عليه سبحانه إلاّ بما يليق بساحة قدسه، منزّهة عن النقائص، فإذا كان الاَمر على هذا المنوال في الاَسماء التي وردت في النصوص فيسهل الاَمر فيمالم يرد فيها، وكان رمزاً للكمال أو مُعرباًعن فعله سبحانه على صفحات الوجود، أو مشيراً إلى تنزيهه
____________
(1) الفرقان :60.
(2) النمل :88.


( 91 )
وغير ذلك من الملاكات المسوغة لتسميته وتوصيفه.

نعم بما أنّ العوام من الناس ربما لا يتبادر إلى أذهانهم ما يدلّ على الكمال أو يرمز إلى التنزيه، فيبادرون إلى تسميته وتوصيفه بأسماء وصفات فيها أحد المحاذير السابقة، فمقتضى الاحتياط في الدين الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع بل التجنّب عن الاِجراء والاِطلاق عليه سبحانه وإن لم يكن هناك تسمية.



( 92 )


( 93 )


الفصل الثالث

الصفات الثبوتية الذاتية

1

علمه تعالى


ما هوالعلم؟

عرّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء في الذهن، وهذا التعريف لا يشمل إلاّ العلم الحصولي، مع أنّ هناك قسماً آخر للعلم وهو العلم الحضوري، والفرق بين القسمين انّ في العلم الحصولي ما هو حاضر عند العالم وحاصل له هي الصورة المنتزعة من الشيء بأدوات الاِحساس، وهذه الصورة الذهنية وسيلة وحيدة لدرك الخارج وإحساسه ولاَجل ذلك أصبح الشيء الخارجي معلوماً بالعرض والصورة الذهنية معلومة بالذات، وأمّا العلم الحضوري فهو عبارة عن حضور المدرَك لدى المدرِك من دون توسط أيّ شيء وذلك كعلم الاِنسان بنفسه.


( 94 )

على ضوء ما ذكرنا من تقسيم العلم إلى الحصولي والحضوري يصحّ أن يقال:

«إنّ العلم على وجه الاِطلاق عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم».

وهذا التعريف يشمل العلم بكلا قسميه، غير انّ الحاضر في الاَوّل هو الصورة الذهنية دون الواقعية الخارجية، وفي الثاني نفس واقعية المعلوم من دون وسيط بينها وبين العالم.

إذا وقفت على حقيقة العلم، فاعلم أنّ الاِلهيّين أجمعوا على أنّ العلم من صفات اللّه الذاتية الكمالية، وانّ العالم من أسمائه الحسنى، وهذا لم يختلف فيه اثنان على إجماله، ولكن مع ذلك اختلفوا في حدود علمه تعالى وكيفيته على أقوال، يلزمنا البحث عنها لتحقيق الحال في هذا المجال، فنقول:

1. علمه سبحانه بذاته

قد ذكروا لاِثبات علمه تعالى بذاته وجوهاً من البراهين نكتفي بذكر وجهين منها:

الاَوّل: مفيض الكمال ليس فاقداً له

إنّه سبحانه خلق الاِنسان العالم بذاته علماً حضورياً، فمعطي هذا الكمال يجب أن يكون واجداً له على الوجه الاَتم والاَكمل، لاَنّ فاقد الكمال لا يعطيه، ونحن وإن لم نحط ولن نحيط بخصوصية حضور ذاته لدى ذاته، غير انّا نرمز إلى هذا العلم بـ «حضــور ذاته لدى ذاته وعلمـه بها من دون وساطة شيء في البين».


( 95 )
الثاني: التجرّد عن المادة ملاك الحضور

ملاك الحضور والشهود العلمي ليس إلاّ تجرّد الوجود عن المادّة، فإنّ الموجود المادّي بما انّه موجود كمّي ذو أبعاض وأجزاء ليس لها وجود جمعي، ويغيب بعض أجزائه عن البعض الآخر، مضافاً إلى أنّه في تحوّل وتغيّر دائمي، فلا يصحّ للموجود المادّي من حيث إنّه مادّي أن يعلم بذاته، لعدم تحقّق ملاك العلم الذي هو حضور شيء لدى آخر.

فإذا كان الموجود منزّهاً من المادّة والجزئية والتبعّض، كانت ذاته حاضرة لديها حضوراً كاملاً، وبذلك نشاهد حضور ذواتنا عند ذواتنا، فلو فرضنا موجوداً على مستوى عال من التجرّد والبساطة عارياً عن كلّ عوامل الغيبة التي هي من خصائص الكائن المادّي، كانت ذاته حاضرة لديه، وهذا معنى علمه سبحانه بذاته أي حضور ذاته لدى ذاته بأتمّ وجه لتنزّهه عن المادّية والتركّب والتفرّق كما تقدّم برهان بساطته عند البحث عن التوحيد.

ثمّ إنّ المغايرة الاعتبارية تكفي لانتزاع عناوين العلم والمعلوم والعالم من ذات واحدة، وليس التغاير الحقيقي من خواصّ العلم حتّى يستشكل في علم الذات بنفس ذاته بتوحّد العالم والمعلوم، بل الملاك كلّه هو الحضور، وهذا حاصل في الموجود المجرّد كما تقدّم وبذلك يظهر وهن ما استدلّ به النافون لعلمه تعالى بذاته من لزوم التغاير الحقيقي بين العالم والمعلوم.

2. علمه سبحانه بالاَشياء قبل إيجادها

إنّ علمه سبحانه بالاَشياء على قسمين: علم قبل الاِيجاد وعلم بعد الاِيجاد. ونستدل على القسم الاَوّل بوجهين:


( 96 )
الاَوّل: العلم بالسّبب علم بالمسبَّب

إنّ العلم بالسبب والعلّة بما هو سبب وعلّة، علم بالمسبّب، والمراد من العلم بالسّبب والعلّة، العلم بالحيثية التي صارت مبدأ لوجود المعلول وحدوثه، ولتوضيح هذه القاعدة نمثل بمثالين:

1. انّ المنجّم العارف بالقوانين الفلكيّة و المحاسبات الكونيّة يقف على أنّ الخسوف والكسوف أو ما شاكل ذلك يتحقّق في وقت أو وضع خاص، وليس علمه بهذه الطوارىَ، إلاّ من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة لكذا وكذا.

2. انّ الطبيب العارف بحالات النبض وأنواعه وأحوال القلب وأوضاعه يقدر على التنبّوَ بما سيصيب المريض في مستقبل أيامه وليس هذا العلم إلاّ من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة.

إذا عرفت كيفيّة حصول العلم بالمعلول قبل إيجاده من العلم بالعلّة نقول: إنّ العالم بأجمعه معلول لوجوده سبحانه، وذاته تعالى علّة له، وقد تقدّم انّ ذاته سبحانه عالم بذاته.

وبعبارة أُخرى: العلم بالذات علم بالحيثية التي صدر منها الكون بأجمعه، والعلم بتلك الحيثية يلازم العلم بالمعلول.

قال صدر المتألّهين:

«إنّ ذاته ـ سبحانه ـ لمّا كانت علّة للاَشياء ـ بحسب وجودهاـ والعلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها...فتعقّلها من هذه الجهة لابدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد». (1)
____________
(1) الاَسفار :6|275.


( 97 )
الثاني: إتقان الصنع يدلّ على علم الصانع

إنّ وجود المعلول كما يدلّ على وجود العلّة، كذلك خصوصيّاته تدلّ على خصوصيّات علّته، فإنّ المصنوع من جهة الترتيب الذي في أجزائه ومن جهة موافقة جميع الاَجزاء للغرض المقصود من ذلك المصنوع، يدلّ على أنّه لم يحدث عن فاعل غير عالم بتلك الخصوصيات.

فالعالم بما انّه مخلوق للّه سبحانه يدلّ ما فيه من بديع الخلق ودقيق التركيب على أنّ خالقه عالم بما خلق، عليم بما صنع، فالخصوصيات المكنونة في المخلوق ترشدنا إلى صفات صانعه وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله:

(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ ) . (1)

وقال الاِمام علي _ عليه السلام _ :

«وعَلِمَ ما يمضي وما مضى، مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئهم بحكمه». (2)

وقال الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليهما السّلام ـ :

«سبحان من خلق الخلق بقدرته، أتقن ما خلق بحكمته، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه». (3)

وإلى هذا الدليل أشار المحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد» بقوله:

«والاِحكام دليل العلم».


____________
(1) الملك :14.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 191.
(3) بحار الاَنوار : 4|85.


( 98 )
3. علمه سبحانه بالاَشياء بعد إيجادها

إنّ كلّ ممكن، معلول في تحقّقه للّه سبحانه، وليس للمعلولية معنى سوى تعلّق وجود المعلول بعلّته وقيامه بها قياماً واقعياً كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فكما انّ المعني الحرفي بكل شوَونه قائم بالمعنى الاسمي فهكذا المعلول قائم بعلّته المفيضة لوجوده، وما هذا شأنه لا يكون خارجاً عن وجود علّته، إذ الخروج عن حيطته يلازم الاستقلال وهو لا يجتمع مع كونه ممكناً.

فلازم الوقوع في حيطته، وعدم الخروج عنها، كون الاَشياء كلّها حاضرة لدى ذاته والحضور هو العلم، لما عرفت من أنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم.

ويترتب على ذلك انّ العالم كما هو فعله، فكذلك علمه سبحانه، وعلى سبيل التقريب لاحظ الصور الذهنية التي تخلقها النفس في وعاء الذهن، فهي فعل النفس وفي نفس الوقت علمها، ولا تحتاج النفس في العلم بتلك الصور إلى صور ثانية، وكما أنّ النفس محيطة بتلك الصور وهي قائمة بفاعلها وخالقها، فهكذا العالم دقيقه وجليله مخلوق للّه سبحانه قائم به وهو محيط به، فعلم اللّه وفعله مفهومان مختلفان، ولكنّهما متصادقان في الخارج.

وقد اتّضح بما تعرّفت أنّ علمه تعالى بأفعاله بعد إيجادها حضوري، كما أنّ علمه سبحانه بذاته وبأفعاله قبل إيجادها حضوري، فإنّ المناط في كون العلم حضورياً هو حصول نفس المعلوم وحضوره لدى العالم لا حضور صورته وماهيته، وهذا المناط متحقّق في علمه تعالى بذاته وبأفعاله مطلقاً.


( 99 )
علمه تعالى بالجزئيات

والاِمعان فيما ذكرنا حول الموجودات الاِمكانية يوضح لزوم علمه سبحانه بالجزئيات وضوحاً كاملاً، وذلك لما تقدّم انّ نفس وجود كلِّ شيء عين معلوميته للّه تعالى ولا فرق في مناط هذا الحكم بين المجرّد والمادّي، والكلّي والجزئي، فكما انّ الموجود الثابت معلوم له تعالى بثباته، كذلك الموجود المتغيّر معلوم للّه سبحانه بتغيره وتبدّله فالاِفاضة التدريجيّة، والحضور بوصف التدرّج لديه سبحانه يلازم علمه تبارك وتعالى بالجزئيّات الخارجيّة.

شبهات المنكرين

قد عرفت برهان علمه سبحانه بالجزئيات، وبقي الكلام في تحليل الشبهات التي أُثيرت في هذا المجال، وإليك بيانها:

1. العلم بالجزئيات يلازم التغيّر في علمه تعالى

قالوا لو علم سبحانه ما يجري في الكون من الجزئيات لزم تغيّر علمه بتغيّر المعلوم وإلاّ لانتفت المطابقة، وعلى هذا فهو سبحانه إنّما يعلم الجزئيات من حيث هي ماهيات معقولة لا بما هي جزئية متغيّرة.

إنّ الشبهة قائمة على فرض كون علمه سبحانه بالاَشياء علماً حصولياً على طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه، وعند ذلك يكون التغيّر في المعلوم ملازماً لتغيّر الصور القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلاً للتغيّر والتبدّل.

وقد عرفت أنّ علمه تعالى بالموجودات حضوري بمعنى أنّ الاَشياء بهويّاتها الخارجية وحقائقها العينية حاضرة لديه سبحانه، فلا مانع من القول بطروء التغيّر


( 100 )
على علمه سبحانه إثر طروء التغيّر على الموجودات العينية، فإنّ التغيّر الممتنع على علمه إنّما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي، وأمّا العلم الفعلي أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيّره كتغيّر فعله، فإنّ العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير.

2. إدراك الجزئيات يحتاج إلى آلة

إنّ إدراك الجزئيات يحتاج إلى أدوات مادّية وآلات جسمانية، وهو سبحانه منزّه عن الجسم ولوازمه الجسمانيّة.

والجواب عن هذه الشبهة واضح، فإنّ العلم بالجزئيات عن طريق الاَدوات الماديّة إنّما هو شأن من لم يحط الاَشياء إحاطة قيّوميّة، ولم تكن الاَشياء قائمة به حاضرة لديه، كالاِنسان في علمه الحصولي بالجزئيات الخارجية، فإنّ علمه بها لمّا كان عن طريق انتزاع الصور بوسيلة الاَدوات الحسيّة كان إدراك الجزئيات متوقفاً على تلك الاَدوات، وأمّا الواجب عزّ اسمه فلمّا كان علمه عن طريق إحاطته بالاَشياء وقيامها به قياماً حقيقياً فلا يتوقّف علمه بها على الاَدوات وإعمالها.

تكملة

قد ورد في الشريعة الاِسلامية الحقّة توصيفه تعالى بالسمع والبصر وعدّ السميع والبصير من أسمائه سبحانه (1)والحقّ انّ سمعه وبصره تعالى ليسا وصفين يغايران وصف العلم، إنّما المغايرة بلحاظ المفهوم لا من حيث الحقيقة والمصداق، فقد عرفت أنّ جميع العوالم الاِمكانية حاضرة لديه سبحانه، فالاَشياء على الاِطلاق، و المسموعات، والمبصرات خصوصاً، أفعاله سبحانه، وفي الوقت نفسه


____________
(1) انّه سبحانه وصف نفسه بالبصير 42 مرّة، وبالسميع 41 مرّة في الكتاب العزيز.


( 101 )
علمه تعالى.

ثمّ إنّ الملاك المتقدّم وإن كان موجوداً في المشمومات والمذوقات والملموسات، فإنّها أيضاً حاضرة لديه سبحانه كالمسموعات والمبصرات، لكن لمّا كان إطلاق هذه الاَسماء ملازماً للمادّة والاِحساس في أذهان الناس، لم يصحّ إطلاق اللامس والذائق والشامّ عليه.

ومن الغايات التي يرشد إليها الذكر الحكيم في مقام التوصيف بالسميع والبصير هو إيقاف الاِنسان على أنّ ربَّه سميع يسمع ما يتلفّظه من كلام، بصير يرى كلّ عمل يصدر منه فيحاسبه يوماً حسب ما سمعه ورآه.

ثمّ إنّ بعض المتكلّمين قد عدّ الاِدراك من صفاته تعالى والمدرك ـ بصيغة الفاعل ـ من أسمائه، تبعاً لقوله سبحانه:

(لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِيرُ ) . (1)

ولا شكّ انّه سبحانه ـ بحكم الآية الشريفة ـ مدرك، لكن الكلام في أنّ الاِدراك هل هو وصف وراء العلم بالكليات والجزئيات؟ أو هو يعادل العلم ويرادفه؟ أو هو علم خاص؟ والاَقرب هوالاَخير وهو العلم بالموجودات الجزئية العينية، فإدراكه سبحانه هو شهود الاَشياء الخارجية ووقوفه عليها وقوفاً تاماً .

قال سبحانه:

(أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهيدٌ). (2)


____________
(1) الاَنعام :103.
(2) فصلت :53.


( 102 )

2

قدرته تعالى


اتّفق الاِلهيّون على أنّ القدرة من صفاته الذاتية الكمالية كالعلم، ولاَجل ذلك يعدّالقادر والقدير من أسمائه سبحانه.

تعريف القدرة

إنّ هناك تعريفين للقدرة مشهورين:

أحدهما :أنّـها عبارة عن صحّة الفعل والترك، والمراد من الصحّة: الاِمكان، فالقادر هو الّذي يصحّ أن يفعل وأن يترك.

والثاني: أنّها عبارة عن صدور الفعل بالمشيّة والاختيار، فالقادر من إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

وقد أُورد على التعريف الاَوّل بأنّ الاِمكان المأخوذ في التعريف، إمّا إمكان ماهوي يقع وصفاً للماهية، أو إمكان استعدادي يقع وصفاً للمادّة؛ وعلى كلا التقديرين لا يصحّ أخذه في تعريف قدرته سبحانه، لاَنّ اللّه تعالى منزّه عن الماهية والمادّة.

والمراد من المشيّة في التعريف الثاني هو الاختيار الذاتي له سبحانه، فهو تعالى يفعل باختياره الذاتي ويترك كذلك، أي ليس فعله وتركه لازماً عليه لعدم وجود قدرة غالبة تضطرّه على الفعل أو الترك.


( 103 )
برهان قدرته تعالى

استدلّ على قدرته سبحانه بوجوه نكتفي بواحد منها، وهو برهان إحكام الصنع وإتقانه.

توضيحه:

أنّه قد عرفت في الاَبحاث المتقدّمة انّ الفعل كما يدلّ على وجود الفاعل، كذلك خصوصياته تدلّ على خصوصيات الفاعل، فإذا كان الفعل متَّسماً بالاِحكام والاِتقان، والجمال و البهاء يدلّ ذلك على علم الفاعل بتلك الجهات وقدرته على إيجاد مثل ذلك الصنع.

ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يصف روائع أفعاله وبدائع صنعه في آيات الذكر الحكيم، يختمها بذكر علمه تعالى وقدرته، يقول سبحانه:

(اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الاََرْضِمِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الاََمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) . (1)

فالاِحكام والاِتقان في الفعل آيتا العلم وعلامتا القدرة، وانّا نرى في كلمات الاِمام علي _ عليه السلام _ انّه يستند في البرهنة على قدرته تعالى بروعة فعله وجمال صنعه سبحانه:

قال _ عليه السلام _ :

«وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته». (2)


____________
(1) الطلاق :12.
(2) نهج البلاغة: خطبة الاَشباح، الخطبة 91.


( 104 )

وقال أيضاً:

«وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته وعظيم قدرته». (1)

وقال أيضاً:

«فأقام من الاَشياء أودها، ونهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادّها». (2)

سعة قدرته تعالى

إنّ الفطرة البشرية تقضي بأنّ الكمال المطلق الذي ينجذب إليه الاِنسان في بعض الاَحايين قادر على كلّ شيء ممكن، ولا يتبادر إلى الاَذهان أبداً ـ لولا تشكيك المشكّكين ـ انّ لقدرته حدوداً، أو انّه قادر على شيء دون شيء، ولقد كان المسلمون في الصدر الاَوّل على هذه العقيدة استلهاماً من كتاب اللّه العزيز الناصّ على عمومية قدرة اللّه سبحانه.

قال سبحانه:

(وَكانَ اللّهُعَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديراً) . (3)

وقال تعالى:

(وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) . (4)

كما صرّح بعمومية قدرته تعالى في الاَحاديث المرويّة عن أئمّة أهل


____________
(1) نهج البلاغة: الخطبة 165.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 91.
(3) الاَحزاب :27.
(4) الكهف : 45.


( 105 )
البيت _ عليهم السلام _.

قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :

«الاَشياء له سواء علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً وإحاطةً». (1)

البرهان العقلي على عمومية قدرته تعالى

إذا تعرّفت على قضاء الفطرة على عموميّة قدرته تعالى ونصّ القرآن والحديث على ذلك، فاعلم أنّ هناك براهين عقلية على ذلك نكتفي بتقرير واحد منها، وهو:

إنّ وجوده سبحانه غير محدود ولا متناه، بمعنى انّه وجود مطلق لا يحدّه شيء من الحدود العقلية والخارجية،وما هو غير متناه في الوجود، غير متناه في الكمال والجمال، لاَنّ منبع الكمال هو الوجود، فعدم التناهي في جانب الوجود يلازم عدمه في جانب الكمال، وأيّ كمال أبهى من القدرة، فهي غير متناهية تبعاً لعدم تناهي وجوده وكماله.

دفع شبهات في المقام

ثمّ إنّ هناك شبهات، أُوردت على القول بعمومية قدرته تعالى ربما يعسر دفعها على الطالب، يجب أن نذكرها ونبين وجه الدفع عنها:

1. هل هو سبحانه قادر على خلق مثله؟ فلو أُجيب بالاِيجاب لزم افتراض الشريك له سبحانه، ولو أُجيب بالنفي ثبت ضيق قدرته وعدم عمومها.

ويدفع ذلك بأنّه ممتنع فلا يصل الكلام إلى تعلّق القدرة به أو عدمه،
____________
(1) التوحيد للصدوق: الباب9، الحديث 15.


( 106 )
والوجه في امتناعه هو لزوم اجتماع النقيضين، أعني: كون شيء واحد واجباً بالذات وممكناً كذلك، فإنّ ذلك المثل بما انّه مخلوق، يكون ممكناً، وبما انّه مثل له تعالى، فهو وا جب بالذات، وهو محال بالضرورة.

2. هل هو قادر على أن يجعل العالم الفسيح في البيضة من دون أن يصغر حجم العالم أو تكبر البيضة؟

والجواب عنه كسابقه، فإنّ جعل الشيء الكبير في الظرف الصغير أمر ممتنع في حدّ ذاته، إذ البداهة تحكم بأنّ الظرف يجب أن يكون مساوياً للمظروف، فجعل الشيء الكبير في الظرف الصغير يستلزم كون ذلك الظرف مساوياً للمظروف لما يقتضيه قانون مساواة الظرف والمظروف وأن يكون أصغر منه غير مساوٍ له ـ لما هو المفروض ـ وهذا محال وإنّما يبحث عن عمومية القدرة وعدمها بعد فرض كون الشيء ممكناً في ذاته، وإلى هذا أشار الاِمام علي _ عليه السلام _ في الجواب عن نفس السوَال بقوله:

«إنّ اللّه تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون».(1)

3. هل يمكنه سبحانه أن يوجد شيئاً لا يقدر على إفنائه، فإن أُجيب بالاِيجاب لزم عدم سعة قدرته حيث لا يقدر على إفنائه وإن أُجيب بالسلب لزم أيضاً عدم عموم قدرته.

والجواب عنه: انّ الشيء المذكور بما انّه ممكن فهو قابل للفناء، وبما انّه مقيّد بعدم إمكان إفنائه فهو واجب غير ممكن، فتصبح القضية كون شيء واحد ممكناً وواجباً، قابلاً للفناء وغير قابل له، وهو محال، فالفرض المذكور مستلزم للمحال، والمستلزم للمحال محال، وهو خارج عن موضوع بحث عموميّة القدرة، كما تقدّم.


____________
(1) التوحيد للصدوق: الباب9، الحديث9.


( 107 )

3

حياته تعالى


اتّفق الاِلهيّون على أنّ الحياة من صفاته تعالى، وانّ الحيّ من أسمائه الحسنى، ولكن إجراء هذا الاسم عليه سبحانه يتوقّف على فهم معنى الحياة وكيفية إجرائها على اللّه تعالى، فنقول:

الدرك والفعل ركنان للحياة

إنّ الحياة المادّية في النبات والحيوان والاِنسان ـ بما انّه حيوان ـ تقوم بأمرين، هما: الفعّاليّة والدرّاكيّة، فالخصائص الاَربع (1)التي ذكرها علماء الطبيعة راجعة إلى الفعل والانفعال، والتأثير والتأثّر ونرمز لها «بالفعّاليّة»، كما نرمز إلى الحسّ والاِدراك المتسالم على وجودهما في أنواع الحيوان، وقد يقال بوجودهما في النبات أيضاً، بـ«الدرّاكيّة» فالحيّ هو الدرّاك والفعّال، كما هو المصطلح عند الفلاسفة الاِلهيين.

فملاك الحياة الطبيعيّة هو الفعل والدرك، وهو محفوظ في جميع المراتب لكن بتطوير وتكامل، أعني: حذف النواقص والشوائب الملازمة للمرتبة النازلة عن المرتبة العالية، فالفعل المترقب من الحياة العقلية في الاِنسان لا يقاس بفعل
____________
(1) وهي: الجذب والدفع، النمو والرشد، التوالد والتكاثر، الحركة وردّة الفعل.


( 108 )
الخلايا النباتية والحيوانية، كما أنّ درك الاِنسان للمسائل الكلية أعلى وأكمل من حسّ النبات وشعور الحيوان ومع هذا البون الشاسع بين الحياتين، تجد أنّا نصف الكلّ بالحياة بمعنى واحد وليس ذاك المعنى الواحد إلاّ كون الموجود «درّاكاً» و«فعالاً ».

ما هو معنى حياته تعالى؟

فإذا صحّ إطلاق الحياة بمعنى واحد على تلك الدرجات المتفاوتة فليصحّ على الموجودات الحيّة العلوية لكن بنحو متكامل، فاللّه سبحانه حيّ بالمعنى الذي تفيده تلك الكلمة، لكن حياة مناسبة لمقامه الاَسنى، بحذف النواقص والاَخذ بالزّبدة واللّب، فهو تعالى حيّ أي«فاعل» و«مدرك» وإن شئت قلت: «فعّال» و«درّاك» لا كفعاليّة الممكنات ودرّاكيتها.

دلائل حياته تعالى

قد ثبت بالبرهان انّه سبحانه عالم وقادر، وقد تقدّم البحث فيه، وقد بيّنا انّ حقيقة الحياة في الدرجات العلوية، لا تخرج عن كون المتّصف بها درّاكاً وفعّالاً، ولا شكّ انّ للّه تعالى أتمّ مراتب الدرك والفعل، لاَنّ له أكمل مراتب العلم والقدرة، وهما عين ذاته سبحانه، فهوحيّ بحياة ذاتية.

أضف إلى ذلك انّه سبحانه خلق موجودات حيّة، مدركة فاعلة، فمن المستحيل أن يكون معطي الكمال فاقداً له.

تذييل

عُدَّ من صفاته الثبوتية الذاتية، الاَزلية والاَبدية والسرمديّة والقدم والبقاء،


( 109 )
وعليه فهو سبحانه قديم أزليّ، باق أبديّ، وموجود سرمديّ، قالوا: يطلق عليه الاَوّلان لاَجل انّه المصاحب لمجموع الاَزمنة المحقّقة أو المقدَّرة في الماضي، كما يطلق عليه الآخران لاَجل انّه الموجود المستمرّ الوجود في الاَزمنة الآتية محقّقة كانت أو مقدَّرة، ويطلق عليه السرمديّة بمعنى الموجود المجامع لجميع الاَزمنة السابقة واللاحقة. هذا ما عليه المتكلّمون في تفسير هذه الاَسماء والصفات.

يلاحظ عليه: أنّه يناسب شأن الموجود الزماني الّذي يصاحب الاَزمنة المحقّقة أو المقدَّرة، الماضيّة أو اللاحقة، واللّه سبحانه منزَّه عن الزمان والمصاحبة له، بل هو خالق للزمان سابقه ولاحقه، فهو فوق الزمان والمكان، لا يحيطه زمان ولا يحويه مكان، وعلى ذلك فالصحيح أن يقال: إنّ الموجود الاِمكاني ما يكون وجوده غير نابع من ذاته، مسبوقاً بالعدم في ذاته لا يمتنع طروء العدم عليه، ويقابله واجب الوجود بالذات وهو ما يكون وجوده نابعاً من ذاته، ويمتنع عليه طروء العدم ولا يلابسه أبداً، ومثل ذلك لا يسبق وجوده العدم، فيكون قديماً أزليّاً، كما يمتنع أن يطرأ عليه العدم، فيكون أبديّاً باقياً، وبملاحظة ذينك الاَمرين، أعني: عدم مسبوقية وجوده بالعدم وامتناع طروء العدم عليه، يتصف بالسّرمديّة ويقال: إنّه سرمديّ.



( 110 )

4

إرادته تعالى


إنّ الاِرادة من صفاته سبحانه، والمريد من أسمائه، ولا يشكّ في ذلك أحد من الاِلهيين أبداً، وإنّما اختلفوا في حقيقتها، وانّها هل تكون من صفات الذات أو من صفات الفعل؟

الاَقوال في تفسير إرادته تعالى

إنّ الاِرادة في الاِنسان بأيّ معنى فسّرت، ظاهرة تظهر في لوح النفس تدريجية، ومن المعلوم انّ الاِرادة بهذا المعنى لا يمكن توصيفه سبحانه بها، لاَنّه يستلزم كونه موجوداً ماديّاً يطرأ عليه التغيّر والتبدّل من الفقدان إلى الوجدان، وما هذا شأنه لا يليق بساحة الباري، ولاَجل ذلك اختلفت كلمة الاِلهيين في تفسير إرادته تعالى وإليك بعض الآراء المطروحة في هذا المجال:

1. إرادته سبحانه، علمه بالنظام الاَصلح

فسّرت طائفة من المحقّقين إرادة اللّهتعالى بعلمه بالنظام الاَصلح والاَتم، قال صدر المتألهين:

«معنى كونه مريداً انّه سبحانه يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود


( 111 )
في الكلّ من ذاته وانّه كيف يكون». (1)

وقال الحكيم السبزواري:

«الاِرادة والقدرة عين علمه العنائي وهو عين ذاته». (2)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير الاِرادة بالعلم، يرجع إلى إنكار حقيقة الاِرادة فيه سبحانه، ولاَجل عدم صحّة هذا التفسير نرى أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) ينكرون تفسيرها بالعلم، قال بكير بن أعين: قلت لاَبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ : علمه ومشيئته مختلفان أو متفقان...؟

فقال _ عليه السلام _ : «العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء اللّه، ولا تقول سأفعل كذا إن علم اللّه». (3)

2. إرادته سبحانه ابتهاجه بذاته وبفعله

قد يقال : إنّللاِرادة مقامين:

1. إرادة في مقام الذات وهي ابتهاجه تعالى في ذاته.

2. إرادة في مقام الفعل، وهي رضاه سبحانه بفعله.

توضيح ذلك: أنّ ذاته تعالى لمّا كانت صرف الخير وتمامه كان مبتهجاً بذاته أتمّ الابتهاج، وينبعث من الابتهاج الذاتي ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، وهذه المحبَّة الفعلية هي الاِرادة في مرحلة الفعل وهي الّتي وردت في الاَخبار التي جعلت الاِرادة من صفات فعله وإليها أشار الحكيم


____________
(1) الاَسفار :6|316.
(2) شرح الاَسماء الحسنى:42.
(3) الكافي : 1|109، باب الاِرادة.


( 112 )
السبزواري بقوله:

رضاوَه بالذات بالفعل رضا * وذا الرّضــا إرادة لمن قضــى

ويرد على هذه النظرية ما أوردناه على سابقها، فإنّ حقيقة الاِرادة غير حقيقة الرضا والابتهاج، فتفسير الاِرادة بهما يرجع إلى إنكارها.

3. الاِرادة إعمال القدرة

ربما تفسّر إرادته سبحانه بإعمال القدرة ويقال: (1)

«انّا لا نتصور لاِرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة ولمّا كانت سلطنته تعالى تامّة من جميع الجهات، ولا يتصوّر فيه النقص أبداً فبطبيعة الحال يتحقّق الفعل في الخارج، ويوجد بصرف إعمال القدرة من دون توقّفه على أيّة مقدّمة أُخرى كما هو مقتضى قوله سبحانه:

(إِنّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) . (2)

يلاحظ عليه : أنّ إعمال القدرة والسلطنة إمّا فعل اختياري له سبحانه أو إضطراري، ولا سبيل إلى الثاني لاَنّه يستلزم أن يكون تعالى فاعلاً مضطرّاً، وعلى الاَوّل فما هو ملاك كونه مختاراً ؟ لاَنّه لابدّ أن يكون هناك قبل إعمال السلطنة وتنفيذ القدرة شيء يدور عليه كونه فاعلاً مختاراً، نعم يمكن تصحيح هذا القول بإرجاعه إلى القول الآتي.


____________
(1) المحاضرات : 2|36و72.
(2) يس : 82.


( 113 )
4. إرادته، كونه مختاراً بالذات

الحقّ انّ الاِرادة من الصفات الذاتية وتجري عليه سبحانه مجرّدة من شوائب النقص وسمات الاِمكان،فالمراد من توصيفه بالاِرادة كونه فاعلاً مختاراً في مقابل كونه فاعلاً مضطرّاً، لا إثبات الاِرادة له بنعت كونها طارئة زائلة عند حدوث المراد، أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوّة إلى الفعل، لاَنّها لا تعدّ من صفات الكمال مقيّدة بهذه الخصائص، بل كمالها في كون صاحبها مختاراً، مالكاً لفعله آخذاً بزمام عمله، فإذا كان هذا كمال الاِرادة فاللّه سبحانه واجد له على النحو الاَكمل، إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه، وليس هذا بمعنى إرجاع الاِرادة إلى وصف سلبي وهو كونه غير مقهور ولا مستكره، كما نقل عن النجّار، بل هي وصف وجودي هو نفس ذاته، والتعبير عنه بوصف سلبي لا يجعله أمراً سلبياً كتفسير العلم بعدم الجهل، والقدرة بعدم العجز.

فلو صحَّ تسمية هذا الاختيار الذاتي بالاِرادة، فالاِرادة من صفات ذاته تعالى وإلاّ وجب القول بكونها من صفات الفعل. (1)


____________
(1) ما أفاده شيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ في تفسير إرادته تعالى يوافق نظرية العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ فإنّه أيضاً ناقش الرأي المشهور عند الفلاسفة من تفسير الاِرادة بالعلم بالنظام الاَصلح، ثمّ أثبت للّه تعالى اختياراً ذاتياً، ثمّ بيّن انّ الاِرادة بمعناها المعهود عندنا إنّما يصحّ إطلاقها على اللّه تعالى بعد التجريد عن النواقص، بما هي صفة فعلية منتزعة عن مقام فعله سبحانه، نظير الخلق والاِيجاد والرحمة، وذلك باعتبار تمامية الفعل من حيث السبب وحضور العلّة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعل، انّه يريد كذا فعلاً. راجع الاَسفار:6|315ـ316؛ نهاية الحكمة: المرحلة 12، الفصل 13؛ بداية الحكمة: المرحلة 12، الفصل 6و8.


( 114 )
الاِرادة في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _.

يظهر من الروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ انّ مشيئته وإرادته من صفات فعله، كالرازقية والخالقية، وإليك نبذاً من هذه الروايات:

1. روى عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:

«قلت: لم يزل اللّه مريداً؟ قال: إنّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد». (1)

2. روى صفوان بن يحيى قال: قلت لاَبي الحسن _ عليه السلام _ :

أخبرني عن الاِرادة من اللّه ومن الخلق؟

قال: فقال _ عليه السلام _ :

«الاِرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لاَنّه لا يروّى ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة اللّه الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان،ولا همّة، ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما انّه لا كيف له». (2)

3. روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:

«المشيئة محدثة». (3)

ترى أنّ الرواية الاَُولى تنفي صفة الاَزليّة عن الاِرادة، فلا تكون من صفاته
____________
(1) الكافي : 1|109، باب الاِرادة، الحديث1.
(2) نفس المصدر: الحديث3.
(3) نفس المصدر: الحديث7.


( 115 )
الذاتية الّتي هي عين ذاته تعالى، كما أنّ الرواية الثالثة صرّحت على أنّ المشيئة محدثة، فلا تكون من صفاته الذاتية، وقد صرّحت الرواية الثانية على أنّ إرادته تعالى عين إحداثه تعالى وإيجاده فهي عين فعله، ولكنّ الروايات لا تنفي كون الاِرادة بالمعنى الّذي فسّرناها به، أعني: الاختيار الذاتي من صفات ذاته، بل الذي نفته، هي الاِرادة بالمعنى الموجود في الاِنسان، لاَنّ إثبات هذه الاِرادة للّه تعالى يستلزم محذورين:

الاَوّل: قدم المراد أو حدوث المريد، كما ورد في الرواية الاَُولى.

الثاني: طروء التغيّر والتدريج على ذاته سبحانه، كما ورد في الرواية الثانية.