( 2
)
عن
ابن عباس:
سأل
رجلٌ رسولَ الله ـ
صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقال:
ما
رأس العلم يا رسول الله؟
قال
ـ صلى الله عليه
وآله وسلم ـ : «معرفة الله حق
معرفته».
التوحيد للصدوق:
285
قال
الإمام الصادق ـ
عليه السلام ـ :
«إنّ
أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة ربّه والإقرار له بالعبوديّة».
بحار الأنوار:
4/55
( 5
)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المؤلّف
الحمدُ
للهِ ربّ العالَمِين والصَّلاةُ والسَّلام على محمد رسول الله، الخاتمِ لما
سَبَق، والفاتِحِ لما انغَلَق، والمُعْلِن الحقَ بالحقّ، والدافعِ جَيْشاتِ
الأباطيلِ، والدامغ صولاتِ الأضالِيل، وعلى أهل بيته المطهَّرين، موضعِ سرّهِ،
ولَجاَ أمرهِ، وعيبة علمِهِ، وموئِلِ حكمِهِ، وكهوفِ كتُبهِ، وجبالِ دينهِ،
الذين بهِمْ أقامَ انحناءَ ظهرهِ، وأذهبَ ارتعادَ فرائصِهِ، دعائِمِ الإسلامِ
وولائجِ الاعتِصامِ.
إنّ
التَدَيُّن، والتوجُّهَ إلى الدّيِن لهوَ ـ بحقٍّ ـ من أقدم التوَجُّهات
البشريّة التي سَجّلها التاريخُ الإنسانيُ، وأكثرها
( 6
)أصالة، وتجذّراً في الحياة والتاريخ.
فالحياةُ
البشريّةُ ـ بشهادةِ الوثائقِ التاريخيّة القطعيّة ـ لم تخلُ قطّ في أيّ فترة
من فتراتها، من التوجُّه إلى الدّيِن، ومن الإحساس الديني.
والعصرُ
الحاضرُ (عَصر التكنولوجيا والتقدّم الماديّ) و بخاصّة الإنسان الغربيّ
الذي كان مرتبطاً أكثرَ من الآخرين بهذا التقدّم ومعطياته وإن شهد نوعاً من
النكوص، والابتعاد عن الدين، وعن القضايا المعنويّة ظَنّاً بأنّ المنهجَ
الماديَّ كفيلٌ بحلِّ جميع المشكلات البشرية، إلاّ أنّه سرعان ما رجَعَ عن ذلك
التصوّر، وأدرَكَ أنّ العلمَ الماديّ الّذي تصوّرَ أنّه قادرٌ على تحقيق أمانيّ
البَشريّة في العَدل والحريّة والسّلام، ليس بمفردِهِ قادراً على مَنح السعادة
للبشريّة بل لابدّ أن يكون في جنبه الإحساسُ الدينيّ والقضايا المعنوية، وإلاّ
انهار تماسُكُ المجتمعِ البشريِّ، وتفتَّتَتِ الروابطُ والعلاقاتُ الاجتماعيةُ
وتفسّختِ العائلةُ.
وهكذا
أصبحت البشريةُ تعودُ مرةً أُخرى إلى فطرتها، وتُقبلُ على الدين ومفاهيمه
ومعارفه، وحُلولِه.
( 7
)
وفي
الحقيقة فإنَّ النكسةَ الماديّة في مجالِ منح السعادة للبشرية، وتحقيق أمانيّها
في الحريّة والعدل والسَلام صارت سبباً للبحث مجدَّداً عن معينِ الدين الصافي،
ونبعه العذب بعد فترة من حرمان نفسها من مزايا الدين وفضائله، فإذا هي في
عودتها القويّة إلى ضالّتها هذه كالظمآن الذي حُرِمَ من الماء رَدْحاً طويلاً
مِن الزمن.
إنّ
هذه الظاهرة الآن من الوُضوح والجَلاء بحيث لا يحتاج المرءُ إلى إقامة دليل أو
شاهد عليها.
فهي
ظاهرةٌ يعرفُها جيّداً كلُّ من له اطّلاعٌ على مجريات السّاحةِ العالميّة في
العَصر الحاضر، وإلمامٌ بوقائِعهِا، وحوادِثِها.
ولقد
بَلَغَ التوجُّهُ الجديدُ إلى الدين من القوّة بمكان حتى أصبَحَ محطَّ اهتمام
المراكزِ العلميّة العليا في شتّى نقاط العالم، وراحَ المفكِّرون يتحدّثون عنه،
حتى أنّه لا يمرُّ يومٌ أو أُسبوعٌ أو شهرٌ إلاّ وتطلُع علينا عشراتُ الدّراسات
والمقالات بل الأبحاث المفصَّلَة والمعمَّقة حول قضيّة الدّين، وظاهرةِ
التدينِ، والقضايا الروحيةِ والدينيةِ.
( 8
)
وهذه
الظاهرةُ وإن كانت تُخيفُ بعضَ الزعماء الماديّين، حيث يتصوّرون أنّ عودة
البشرية إلى الدين والتديُّن، يُعَدُّ تهدِيداً للكيانِ السياسيّ والماديّ
ولكنّنا نتفاءَلُ بها، وبالتالي فنحن جدُّ مسرورين بعودة البشرية إلى أحضانِ
الدين الدافِئة، وشواطِئِه الآمنةِ، غير أَنّنا إلى جانب ذلك التفاؤلِ
والاستبشار، وهذا الابتهاج والسُّرور، لا يمكن أن نتجاهلَ نقطةً مهمّةً تدعو
للقلق وهي أنّ هذا التعطُّشَ المتزايد والمتصاعِدَ، إنْ لم يُروَ بصورة صحيحة
وسليمة، وسُمِحَ للأفكار غير الصحيحة بأن تُعرَضَ تحت عنوان الدين، لم يجد
الإنسانُ المعاصرُ (والإنسانُ الغربي منه بالذات) ضالَّتَه المنشودة بل يكون
مثله مثل المستجير من الرمضاءِ بالنّار، وربّما آلَ به الأمرُ ـ لو حدثَ هذا ـ
إلى أن يُعرِضَ عنِ الدّينِ، وينأى عن التديّنِ.
ولهذا
فإنَّ على الكُتّابِ الملتزِمين الواعين، وعلماءِ الدّينِ المخلصين الّذين
لَمَسُوا الداءَ، وعَرِفوا الدواءَ، وأدرَكوا الحاجة، وعَلمِوا بالعِلاج، أنْ
يُبادِروا إلى تقديمِ الاَجابة الصحيحة للجموعِ البشَرَية المقبِلة على الدّين،
والعائدةِ إلى فطرتِها، ويقُوموا بِعَرض المفاهيم والحُلُول الدِينيّة بالشَكل
اللائِقِ، والصُّورةِ السَلِيمة، وَيُسَهِّلُوا ـ بذلك ـ لِطُلاّب الحقيقة،
( 9
)وبُغاة الحقّ طريقَ الوصول إلى الفيض الإلهيّ
الجاري زُلالاً، نَقِيّاً لاشوب فيه، صافياً لا غَبَش عليه، ساطعاً لا يعلُوه
غُبار.
إنّ
على علماءِ الأُمّةِ الحريصين على الدّين، والمهتمّين بشؤون المسلمين ممّن
يحملون همَّ الأُمة، ويشعرون بالمسؤُوليّة، ويدركون أهميّتها، وعِبئها كوظيفة
شرعيّة، وواجب إلهيّ، أن لا يسمَحوا لأشخاص غيرِ صالحين، ولا لأصحاب المطامع
والأغراضِ المريضةِ، بعَرضِ عقائِدِهم السقيمة، وآرائهم الباطلة على الناس
بِاسم الدين وتحت يافِطَتِهِ.
نحن
إذ نعتبرُ «الإسلامَ» آخر وأكمل الشرائع الإلهيّة، ونعتقد بأنّ هذا الدّين
يُلبّي كلَّ الإحتياجاتِ البشريّة إلى يومِ القيامة سواء منها الفرديّة أو
الإجتماعيّة، نرى أنّ من الواجب علينا في هذا العصر «عصر الإتصالات» أن نستفيد
من جميع الوسائل والأدواتِ المتقدِّمة، لِعرض المفاهيم الدينيّة، ونشر
العقائِدِ، والتعاليم الإسلامية بشكلِها الصحيحِ.
هذا
من جانب، ومن جانب آخر نعتقد أنّ طريقة أهل البيت والعترةِ النبويّةِ الطاهرةِ
هي الحقيقة، وهي المَعْبَر الآمِن إلى
( 10
)معينِ «الإسلام» الصافي النقيّ، بعيداً عن تدخّل
الأيدي الغريبة والمريبة.
فقد
كان للأُسس والمبادئ المتينة التي انطوت عليها هذه الطريقةُ، وهذه المدرسَة،
وكذا لاستنادها إلى أهل البيت النبويّ، طيلة التاريخ الإسلامي، جاذبيّة كبرى
دَفَعت بِعُشّاق الحقّ، وبالباحثين عن الحقيقة إلى اعتناقها، والدفاع
عنها.
وهنا
نطوي صَفحةَ هذه المقدّمة التوضِيحيَّة، ونبدأ بعرض، وبيان الأُصول الإسلامية
في مجالِ العقيدة والشريعة، مزيجةً ومقرونةً بالأدِلَّة القاطِعة، والبراهينِ
الساطِعة .
ومن
البديهيّ انَّ أُطروحةَ بيانِ العقائد الإسلاميّة الكاملة تتوقّف على بيان
كليات في مجال نظريّة المعرفة ونظرة الإسلام إلى الكونِ والحياةِ
والإنسانِ.
فإنّ
بيان هذا القسم في أيّة مدرسة عقائديّة، كفيلٌ بإيقافِنا على رُؤْيتها، ونظرتها
العامّة، إلى مجموعة النّظام الكونيّ، والعالَمِ الإمكانيّ.
ونحن
هنا ـ تجنُّباً من التطويل في الكلام ـ نَعْمَدُ إلى عَرضِ
( 11
)أُسس هذا القِسم على نحو الإيجاز، والإختصار،
ومِن المعلومِ أنَّ المزيدَ من التفصيل في كلّ أصل من هذهِ الأُصول موكولٌ إلى
الكتب الكلامِيّة المؤلّفة بيد علماء أهل البيت.
والله
نسألُ ـ في الخاتمة ـ أنْ يجعلَ هذه الخطوةَ عَمَلاً من شأنه توضيح صورة
الإسلام الحنيف إنّه الموفق والمعين.
جعفر السبحاني
قـم المشــرَّفة