2- التبيان:1/154.
( 21 )
التمتّع التي لا تنفكّ عن الحجّ.
فظهر ممّا ذكرنا انّ المراد بإتمام الحجّ والعمرة للّه هو إكمالهما على النحو المقدور، فإن لم يمنع حابس يكمله بإتيان عامّة الأجزاء وإن حُصِـر، يخرج من الإحرام على النحو الذي سيوافيك، وهو أيضاً نوع من الإتمام.
وأمّا تفسير الإتمام بإنشاء السفر لكلّ من العمرة والحجّ، فغير مفهوم من الآية ومخالف لسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث أمر أصحابه بإدخال العمرة في الحجّ وتبديل النيّة من الحجّ إلى العمرة، و قد كان ذلك شاقّاً على أصحابه، لأنّهم كانوا قد احرموا للحجّ على النحو الرائج في العصر السابق، فمن حاول تفسير الآية بتفكيك العمرة عن الحجّ بإنشاء سفرين: أحدهما في أشهر الحجّ والآخر يعني: العمرة في غيره، فقد فسَّـر الآية برأيه أوّلاً، وخالف سنّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ثانياً.
( 22 )
2. إذا أُحصر بالعدو أو المرض
لمّا أمر سبحانه حجاج بيته بإتمام الحجّ والعمرة وإكمالهما، حاول بيان وظيفة المحصر الذي يمنعه حابس عن إكمال الحجّ والعمرة، فقال: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي).
أصل الحصر، الحبس، ومنه يقال للّذي لا يبوح بسرّه «حَصِـر » لأنّه حبس نفسه عن البوح، و المعروف انّ لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو إذا منعه عن مراده وضيّق عليه، وربما يستعمل في مطلق المانع ويقال: أُحصر بالمرض وحُصر بالعدو.
وعلى ذلك فالمحصِـر عليه التحلّل بالذبح، ولا يتحلّل قبل الذبح كما قال سبحانه: (فَإِنْ أُحصرْتُمْ فَما اسْتَيْسَر مِنَ الهَدي) أي ما تيسّـر منه، وقيل الهدي جمع الهدية كالتمر جمع التمرة، والمراد من الهدي ما يهدى إلى بيت اللّه عزّ وجلّ تقرّباً إليه، أعلاه بدنة، وأوسطه بقرة، وأيسره شاة.
( 23 )
3. لا يتحلّل قبل الذبح
إنّ المحصر يتحلّل بالذبح، فلا يتحلّل من الإحرام حتّى ينحر أو يذبح. قال سبحانه: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الهَديُ مَحِلّه) وأمّا ما هو المراد من المحل؟ فهناك أقوال ثلاثة:
أ: الحرم فإذا ذبح به في يوم النحر أحل.
ب: الموضع الذي يُصد فيه، لأنّ النبي نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم.
ج: التفصيل بين المحصِـر بالعدو، والمحصر بالمرض. فالأوّل يذبح في المحل الذي صُدّ فيه، وأمّا الثاني ينتظر إلى أن يذبح في يوم النحر.
4. حكم المريض ومن برأسه أذى
لمّا منع سبحانه حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محلّه
( 24 )
رخّص لطائفتين وإن لم يذبحوا:
أحدهما: المريض الذي يحتاج إلى الحلق للمداواة.
والثاني من كان برأسه أذىً.
وقال:( فمن كان منكم مريضاً أو به أذى ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) فالمحرم المعذور يحلق رأسه قبل الذبح، وفي الوقت نفسه يكفِّر بأحد الأُمور الثلاثة، وكلّ واحد منها فدية، أي بدل وجزاء من العمل الذي تركه لأجل العذر، وهو أن يصوم أو يتصدّق أو يذبح شاةً. وأمّا الصوم فيصوم ثلاثة أيّام، وأمّا الصدقة فيتصدّق على ستة مساكين أو عشرة، وأمّا النسك فيذبح شاة، وهو مخيّـر بين الأُمور الثلاثة.
5. التمتّع بالعمرة إلى الحجّ
يقول سبحانه: (فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدي)، كان كلامه سبحانه في المحصر، والكلام في المقام في غير المحصر ومن حصل له
( 25 )
الأمن وارتفع المانع كما يدلّ عليه قوله سبحانه:
(فإِذا أَمنتم)، فعلى قسم من المكلّفين(1) إذا أتوا بالعمرة ثمّ
أحرموا للحج فعليه ما تيسّـر من الهدي في يوم النحر في أرض منى.
المراد من التمتع في ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الحَج) هو التمتع بمحظورات الإحرام بسبب أداء العمرة فيبقى متحلّلاً متمتِّعاً إلى أن يحرم للحج، وعندئذ يجب عليه ما تيسّـر من الهدي.
والآية تصرح بأنّ صنفاً من المكلّفين، وهم الذين فرض عليهم حجّ التمتع يحلّ لهم التمتع بعامة المحظورات إلى زمن إحرام الحجّ، فاستنكار التمتع بين العمرة والحجّ ـ لأجل استلزامه تعرّس الحاج بين العمرة والحج ورواحه إلى المواقف ورأسه يقطر ماءً ـ إطاحة بالوحي وتقديم للرأي على الوحي، كما سيوافيك تفصيله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- أي غير حاضري المسجد الحرام كما سيأتي في الآية.
( 26 )
وإنّما ذكر من أعمال الحجّ الكثيرة خصوصَ الهدي، فقال: (فما استيسر من الهدي) مع أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحجّ فعليه الاحرام أوّلاً ثمّ الوقوف في عرفة، ثمّ الافاضة إلى المشعر والمزدلفة، ثمّ منها إلى منى ورمي الجمرات والذبح والحلق إلى غير ذلك.
أقول: إنّما خصّ ذلك بالذكر لاختصاص الهدي بحكم خاص، وهو سبحانه بصدد بيان حكمه، وهو انّه إذا عجز عن الهدي فله بدل، بخلاف سائر الأعمال فانّ ذاتها مطلوبة وليس لها بدل، فقال سبحانه مبيّنـاً لبـدل الهـدي.
6. الفاقد للهدي
بيّـن سبحانه حكم من لم يجد الهدي(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَة)أي انّه يصوم بدل الهدي ثلاثة أيّام في الحجّ وسبعة إذا رجع إلى موطنه على وجه يكون الجميع عشرة
( 27 )
كاملة، وأمّا أيّام الصوم فقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي اليوم السابع والثامن والتاسع.
7. التمتع بالعمرة إلى الحجّ وظيفة الآفاقي
إنّه سبحانه أشار بأنّ التمتع بالعمرة إلى الحجّ فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وقال: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي ما تقدّم ذكره حين التمتع بالعمرة إلى الحجّ ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم وإنّما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وأمّا الحاضر فهو من يكون بينه و بينها دون 48ميلاً، وعلى قول آخر أقلّ من 12 ميلاً من كلّ جانب على الاختلاف .
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بالأمر بالتقوى، أي العمل بما أمر والنهي عمّـا نهى، وذلك لأنّه سبحانه شديد العقاب، فقال:(واتقوا اللّه واعلموا انّ اللّه شديد العقاب).
( 28 )
هذا هو تفسير الآية المباركة جئنا به ليكون قرينة واضحة على تفسير ما سنسرد من الروايات والأحاديث من احتدام النزاع بين النبي وأصحابه في كيفية الحجّ ودام حتّى بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
والمهم في المقام في إفادة المقصود هو الجملتان التاليتان:
1.(وَأَتِمُّوا الحَجّ وَالعُمرة للّه).
2. (فَمَنْ تَمَتَّع بِالعُمرة إِلى الحَجّ).
فالأُولى تدلّ على إكمالهما دون افرادهما في الزمان، كما أنّ الثانية تدلّ على لزوم التحلّل والتمتّع بين العملين.
***
( 29 )
الثاني:
متعة الحجّ سنّة أبدية
تضافرت الروايات الصحاح على أنّ متعة الحجّ سنّة أبدية إلى يوم القيامة لا تتغيّـر ولا تتبدّل، بل تبقى بحالها إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ونذكر في ذلك ما رواه الشيخان ولا نتجاوز عنهما.
1. روى مسلم عن عمرة قالت: سمعت عائشة - رضي اللّه عنها - تقول: خرجنا مع رسول اللّه لخمس بقين من ذي القعدة ولا نرى إلاّ أنّه الحج حتّى إذا دنونا من مكة أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل....(1)
2. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - انّه قال:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:4/32، باب وجوه الإحرام.
( 30 )
أقبلنا مهلِّين مع رسول اللّه
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بحجّ مفرد، وأقبلت عائشة - رضي اللّه عنها - بعمرة، حتّى إذا كنّا بسَرِف عركت حتّى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللّه
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يُحل منّا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلّ كلّه، فواقعنا النساء وتطيّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلاّ أربع ليال، ثمّ أهللنا يوم التروية...(1)
3. أخرج مسلم عن جابر - رضي اللّه عنه - قال: خرجنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلّين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيّ الحل؟ قال: الحلّ كلّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلمّـا كان يوم التروية أهللنا بالحج.(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:4/35، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/36، باب وجوه الإحرام.
( 31 )
4. أخرج مسلم عن عطاء، قال: حدّثني جابر بن عبد اللّه الأنصاري انّه حجّ مع رسول اللّه عامَ ساق الهدي معه، وقد أهلُّوا بالحجّ مفرداً، فقال رسول اللّه: أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت و بين الصفا والمروة وقصّروا وأقيموا حلالاً، حتّى إذا كان يوم التروية فأهلّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمّينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فانّـي لولا أنّي سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحلّ منّي حرام حتّى يبلغ الهدي محله، فافعلوا.(1)
5.أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه قال: قدمنا مع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهلِّين بالحجّ، فأمرنا رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن نجعلها عمرة ونحل، قال: وكان معه الهدي فلم يستطع أن يجعلها عمرة.(2)
6. أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّه في حديث
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:4/37، باب وجوه الإحرام.
2- صحيح مسلم:4/ 38، باب وجوه الإحرام.
( 32 )
مفصّل انّه قال: لسنا ننوي إلاّ الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ـ إلى أن يقول: ـ حتّى إذا كان آخر طوافه (النبي) على المروة، فقال: لو انّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليُحلّ وليجعلها عمرة، فقام سراقة بن مالك بن جُعشم فقال: يا رسول اللّه، ألعامنا أم لأبد؟ فشبّك رسول اللّه أصابعه واحدة في الأُخرى، فقال: دخلت العمرة في الحج مرتين: لا، بل لأبد أبد.
(1)
هذا بعض ما رواه مسلم، وتركنا البعض الآخر وربّما يأتي لمناسبة خاصة.
وإليك ما رواه البخاري في صحيحه.
1. أخرج البخاري عن عائشة زوج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، قالت: خرجنا مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة،
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:4/40، باب حجة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
( 33 )
قال النبي: من كان معه هدي فليهل بالحجّ مع العمرة، ثمّ لا يحلّ حتّى يحلّ منهما جميعاً.
(1)
2. أخرج البخاري عن ابن عباس انّه سئل عن متعة الحجّ، فقال: أحلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبـي في حجّة الوداع وأهللنا فلمّـا قدمنا مكة، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلاّ من قلّد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب.(2)
هذا بعض ما رواه البخاري ويأتي بعضه الآخر، وما رواه الشيخان يدلّ على أُمور:
1. انّ حجّ التمتع فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
2. انّ التمتّع بين العمرة والحجّ سنّة فيها وليس
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح البخاري:2/140، باب كيف تحل الحائض والنفساء.
2- صحيح البخاري:2/144، باب قول اللّه لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
( 34 )
لأحد أن يعترض على التمتع بين الأمرين .
3. انّ العرب في الجاهلية والإسلام كانوا يُحرمون بالحجّ في أشهر الحجّ لا للعمرة، ولذلك أحرم أصحاب النبي وأزواجه للحجّ تبعاً للسيرة السائدة بين العرب من اختصاص أشهر الحجّ بالحجّ فلمّـا دنوا من مكة(1) أو قضوا أعمال العمرة أمرهم النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بجعل الإحرام عمرة والعدول إليها، وقد كان ثقيلاً عليهم، كما ستوافيك الروايات في هذا الباب.
4. انّ التمتع بين العمرة والحجّ سنّة أبدية لا تختص بعام دون عام ولا بقوم دون قوم.
5. انّ من ساق الهدي معه ليس له أن يتحلّل ولا يخرج من الإحرام إلاّ إذا بلغ الهدي محلّه وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ممّن ساق الهدي، ولذلك لم يخرج حتّى أبلغ هديه محله، وقد كان عمل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مظنة سؤال للصحابة حيث
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- الترديد لأجل اختلاف الروايات في ذلك، فلاحظ.
( 35 )
أمرهم بالتحلّل وبقي نفسه على إحرامه فنبّههم النبي بأنّه ساق الهدي ولكنّه لو وُفّق للحجّ في المستقبل لما ساق الهدي، وإلى ذلك يشير قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سُقت الهدي».
إنّ في هذا الموضوع روايات في السنن الأربع اقتصرنا بما ذكرنا، وللقارئ أن يرجع إلى السنن والمسانيد فانّه يجد أمثال ما ذكرناه بوفرة.
( 36 )
الثالث:
سيرة العرب قبل الإسلام في الحجّ
يظهر ممّا سردناه من الروايات وما سيوافيك انّ العرب لم تكن تعرف العمرة في أشهر الحجّ وإنّما تأتي بها في غيرها، ولذلك تعاظم عليهم إدخال العمرة في الحجّ، ولأجل إيقاف القارئ على تلك الحقيقة عن كثب، نذكر بعض ما ورد:
1. أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال: كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، ويجعلون محرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدَّبرَ، وعفا الأثر، وانسلخ صفر حلّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحجّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللّه أي
( 37 )
الحل؟ قال: الحلّ كلّه.
(1)
والحديث يدلّ بوضوح على أنّ إفراز العمرة عن الحجّ كان سنّة جاهلية سادت على الحج لأسباب غير معلومة وكانوا يصرون على أنّ العمرة بعد انقضاء صفر وفي الحقيقة بعد انقضاء محرّم، ولكن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قام بوجه هذه البدعة مدة إقامته في المدينة، فقد اعتمر ثلاث عُمَر في ذي القعدة الحرام كما أتى بعمرة رابعة في حجّه في شهر ذي الحجّة في حجة الوداع، وإليك العُمر التي أحرم لها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طيلة حياته:
الأُولى: عمرة الحديبية، وهي أوّلهنّ سنة ست، فصدّه المشركون عن البيت، فنحر البُدْن وحلق هو وأصحابه رؤوسهم وحلُّوا من إحرامهم ورجعوا إلى المدينة.
الثانية: عمرة القضاء في العام المقبل في نفس ذلك الشهر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح البخاري:2/142 ، باب التمتع والاقران والافراد بالحجّ.
( 38 )
الثالثة: عمرته من الجعرّانة لما خرج إلى حنين ثمّ رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة داخلاً إليها.
الرابعة: عمرته التي قرنها مع حجته.
( 39 )
الرابع:
احتدام النزاع بين الصحابة
في حياة النبي
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
قد عرفت أنّ العرب في العصر الجاهلي يفرزون العمرة عن الحجّ ويأتون بها في غير أشهر الحجّ، وقد كان الجمع بينهما من أفجر الفجور، وقد ترسخت تلك الفكرة عند العرب في العصر الجاهلي حتّى أضحت جزءاً من كيانهم، فالدعوة إلى إدخال العمرة في الحج كانت دعوة على خلاف ما شبّوا وشاخوا عليه، ولذلك لمّا أمرهم النبي بإدخال العمرة إلى الحجّ وجعل الإهلال للحجّ عمرة، تعاظم أمرهم وثارت ثورتهم، وقاموا بوجه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على نحو أثاروا غضبه ، وإليك بعض ما روي في المقام:
( 40 )
1. أخرج مسلم عن عطاء قال: سمعت جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - في ناس معي قال: أهللنا أصحاب محمد بالحجّ خالصاً وحده، قال عطاء: قال جابر: فقدم النبي صبح رابعة مضت من ذي الحجّة فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: حلّوا وأصيبوا النساء، قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهنّ لهم، فقلنا: لما لم يكن بيننا و بين عرفة إلاّ خمس، أمرنا أن نفضي إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكرنا المني.
قال: يقول جابر بيده كأنّي أنظر إلى قوله «بيده» يحركها، قال: فقام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فينا فقال: قد علمتم انّي أتقاكم للّه وأصدقكم وأبرّكم ولولا هديي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلّوا، فحللنا وسمعنا وأطعنا.
قال عطاء: قال جابر: فقدم عليّ من سعايته فقال: بم أهللت، قال: بما أهلّ به النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له رسول اللّه:
( 41 )
فأهد، وامكث حراماً، قال: وأهدى له علي هدياً، فقال سراقة بن مالك بن جُعشم: يا رسول اللّه: ألعامناهذا أم لأبد، فقال: لأبد.
(1)
2. روى مسلم عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: أهللنا مع رسول اللّه بالحجّ، فلمّـا قدمنا مكة أمرنا أن نحلّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فما ندري أشيء بلغه من السماء أم شيء من قبل الناس، فقال:أيّها الناس أحلّوا فلولا الهدي الذي معي، فعلتُ كما فعلتم، قال: فأحللنا حتّى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال حتّى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج.(2)
3. أخرج مسلم عن عائشة انّها قالت: قدم
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:3/36، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.
2- صحيح مسلم:3/37، باب بيان وجوه الإحرام وانّه يجوز افراد الحجّ والتمتع والقران.
( 42 )
رسول اللّه
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأربع مضين من ذي الحجّة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان ، فقلت: من أغضبك يا رسول اللّه، أدخله اللّه النار؟ قال: أو ما شعرت انّي أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، ولو اني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتّى اشتريه ثمّ أحلّ كما حلّوا.(1)
هذا غيض من فيض ممّا يحكي عن حالة عصيان بين الصحابة في ذلك الموضوع وانّهم لم يستجيبوا بادئ بدء لأمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حتّى أغضبوه، فأين عملهم هذا من قوله سبحانه: (وَما كانَ لِمَؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)(2) وقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَليم).(3)
أي لا تتقدّموا على اللّه ورسوله، ولا تقدّموا قولكم على قولهما.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1- صحيح مسلم:3/33، باب بيان وجوه الإحرام.
2- الأحزاب:36.
3- الحجرات:1.