سلسلة المسائل الفقهية
4
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.
أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.
وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه:(الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً).(1)
ــــــــــــــــــــــــــــغير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.
ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...) .(1)
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ
ــــــــــــــــــــــــــــ
القبض
بين البدعة والسنّة
إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة.
فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.
وقالت الشافعية: يسنُّ للرجل والمرأة، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الأيسر .
وقالت الحنابلة: إنّه سنّة، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.
وشذّت عنهم المالكية فقالوا: يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء. وهو مذهب الليث بن سعد إلاّ انّه قال: إلاّ أن يطيل القيام فيعيا أي يتعب فله القبض.
والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل.(1)
وذهب محمد عابد مفتي المالكية بالديار الحجازية إلى أنّ السدل والقبض سنّتان من رسول اللّه وانّ المؤمن إذا طال عليه القيام وهو مسدل، قبض وقال بأنّ السدل
ــــــــــــــــــــــــــــوأمّا الشيعة الإمامية، فالمشهور أنّه حرام ومبطل، وشذّ منهم من قال بأنّه مكروه، كالحلبي في الكافي.(2)
ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصوبوا وتصعّدوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن أن يقال: إنّ الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تُبيّـن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذجين من هذه الروايات: أحدهما عن طريق أهل السنّة، والآخر عن طريق الشيعة الإمامية، وكلاهما يُبيّنان كيفية صلاة النبي وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض فضلاً عن كيفيته.
ــــــــــــــــــــــــــــ
القبض بدعة محدثة
إنّ القبض بدعة محدثة ظهرت بعد رحيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعمادنا في هذا السبيل حديثان صحيحان:
أحدهما مروي عن طرق أهل السنّة، والآخر من طرق الإمامية، والحديثان دليلان قاطعان على أنّ سيرة النبي وأهل بيتهعليهم السَّلام جرت على السدل في الصلاة، وانّ القبض ابتدع بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.
ألف: حديث أبي حميد الساعدي
روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ:
فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول
و الذي يوضح صحّة الاجتماع به الأُمور التالية:
1. تصديق أكابر الصحابة(2) لأبي حميد يدلّ على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الأدلّة.
2. أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك، لأنّهم لم يسلّموا له أوّل الأمر أنّه
ــــــــــــــــــــــــــــ3. الأصل في وضع اليدين هو الإرسال، لأنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه.
4. هذا الحديث لا يقال عنه إنّه مطلق وأحاديث تقيّده، لأنّه وصَفَ وعدَّد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.
5. بعض من حضر من الصحابة ممّن روي عنه أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقل أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طول في صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، ومالك.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــقال ابن رشد: والسبب في اختلافهم انّه قد جاءت آثار ثابتة، نقلت فيها صفة صلاته ـ عليه الصلاة والسلام ـ و لم ينقل انّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى.(1)
بقي هنا سؤال وهو انّه قد اشتهر انّ المالكية لا تقول بالقبض وانّ إمامهم مالكاً كرهه، وقال في المدونة: كره مالك وضع اليد اليمنى على اليسرى في الفريضة وقال : لا أعرفه في الفريضة، مع أنّه روى في «الموطأ» حديث القبض حيث روى عن سهل بن سعد، كما روى مرسل عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري أنّه قال: من كلام النبوة: إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأُخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيفاء بالسحور.(2)
قلت: إنّ كتاب الموطأ، كتاب رواية، والإمام ربما
ــــــــــــــــــــــــــــقد أشار الدكتور عبد الحميد في رسالة السدل إلى مواردها.(1)
وعلى كلّ تقدير فقوله:«لا أعرفه في الفريضة» دليل صريح في أنّ عمل أهل المدينة على خلافه، إذ قوله:«لا أعرفه»،معناه لا أعرفه من عمل الأئمة الذين هم التابعون الذين تلقّوا العلم عن الصحابة.
هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي وقد روي عن طريق أهل السنّة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الإمامية.
ــــــــــــــــــــــــــــب : حديث حمّاد بن عيسى
روى حمّاد بن عيسى، عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة» قال حمّاد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّه مستقبلَ القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: اللّه أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو اللّه أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: اللّه أكبر، وهو قائم ثم ركع وملأ كفيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثاً بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائماً، فلما
ثم قال: «يا حمّاد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك
ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة فلو كان سنّة لما تركه الإمام في بيانه، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول، لأنّه أخذه عن أبيه الإمام الباقر، وهو عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن الرسول الأعظم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فيكون القبض بدعة، لأنّه إدخال شيء في الشريعة وهو ليس منه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
دليل القول بلزوم القبض
ثم إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأخذ بدراستها:
إنّ مجموع ما يصحّ الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن روايات ثلاث:(1)
1.حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.
2. حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.
3. حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه وغيره.
وإليك دراسة كل حديث:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1.حديث سهل بن سعد
روى البخاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه إلاّ يَنمي ذلك إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)
قال إسماعيل(2): يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي.
والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالته بعد تسليم سنده. ولا يدل عليه بوجهين:
أوّلاً: لو كان النبي الأكرم هو الآمر بالقبض فما
ــــــــــــــــــــــــــــوبعبارة أُخرى: انّ الأمر بالقبض دليل على أنّ الناس كانوا يصلّون على وجه السدْل في عصر النبي وشيئاً بعد عصره، ثمّ حدثت الفكرة فأمروا الناس به.
وثانياً: أنّ في ذيل السند ما يؤيد أنّه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الأكرم نفسه حيث قال:
قال إسماعيل: «لا أعلمه إلاّ ينمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل بصيغة المجهول.
ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة غير أنَّه يُعزى وينسب إلى النبي، فيكون ما يرويه سهل به سعد مرفوعاً.
قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبي.(1)
هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم، فمعناه أنّ سهلاً ينسب ذلك إلى النبي، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الإرسال والرفع، يكون قوله: «لا أعلمه إلاّ ...» معرباً عن ضعف العزو والنسبة، وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسم.
قال ابن حجر في «فتح الباري»: هذا حديث تكلّم في رفعه، فقال الداني: هذا معلول لأنّه ظن من أبي حازم، وقيل بأنّه لو كان مرفوعاً لما احتاج إلى قوله: «لا أعلمه».(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ
2.حديث وائل بن حجر
وروي بصور:
الصورة الأُولى للحديث:
روى مسلم، عن وائل بن حجر: أنّه رأى النبي رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّـر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّـا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّـر فركع ....(1)
والاحتجاج بالحديث احتجاج بالفعل، ولا يحتج به
ــــــــــــــــــــــــــــوهناك احتمال آخر وهو انّ عمل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان للتحرز عن سدل الثوب في الصلاة.
أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه عن السدل في الصلاة . قال في اللسان: السدل هو اسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل، وقد رويت الكراهة فيه عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(1)
إنّ النبيّ الأكرم صلّـى مع المهاجرين والأنصار
ــــــــــــــــــــــــــــالصورة الثانية للحديث:
أخرج النسائي والبيهقي في سننهما بسندين مختلفين عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول اللّه إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله.(1)
وفي لفظ البيهقي: إذا قام إلى الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله.(2)
والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند وتمامية الدلالة.
أمّا السند فالشيخان وإن نقلاه بسندين مختلفين لكنّهما يشتركان في وجود عبد اللّه في كلا السندين، وفي
ــــــــــــــــــــــــــــوقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: سأل يزيد بن هارون عنه، فقال: لا تسألوا عن أشياء.
وقال عمرو بن علي: ضعيف.
وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، يحدث عن الثقات بالمناكير.
إلى أن قال:
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال مرة: ليس بثقة.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــوأمّا الدلالة: فلأنّه من المحتمل انّ الحديث هو صورة أُخرى من الحديث الأوّل، والفرق هو انّ الحديث الأوّل اشتمل على زيادة دونه، حيث جاء في الصورة الأُولى التحف بثوبه ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى وقد مرّ انّ ظاهر الحديث انّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جمع أطراف ثوبه فغطى به صدره ووضع يده اليمنى على اليسرى لئلا يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويقي به نفسه البرد، وبما انّ الفعل مجهول العنوان لا يحتج به مالم يعرف وجهه.
على أنّ في نفس الحديث شهادة على أنّ القبض لم يكن رائجاً في الصدر الأوّل، وذلك لأنّه جاء في الحديث: «رأيت علقمة يفعله» فلو كان القبض أمراً رائجاً بين الصحابة والتابعين لما كان وجه لنسبة هذا الفعل الرائج إلى علقمة راوي الحديث عن وائل، وهذا يدلّ على أنّه كان أمراً غير رائج ولذلك نقله علقمة.
الصورة الثالثة للحديث:
أخرج النسائي بسنده عن وائل بن حجر انّه قال: قلت : لا ... إلى صلاة رسول اللّه كيف يصلّي ونظرت إليه، فقام فكبر ورفع يديه حتّى حاذتا أُذنيه، ثمّ وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.(1)
وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه بنفس اللفظ.(2)
والاحتجاج بالرواية رهن صحّة السند والدلالة.
أمّا سند النسائي فهو مشتمل على عاصم بن كليب الكوفي، وقد ذكر ابن حجر انّه سئل ابن شهاب عن مذهب كليب وانّه كان مرجئاً، قال: لا أدري، ولكن قال شريك بن عبد اللّه النخعي انّه كان مرجئاً.
وقال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــوأمّا سند البيهقي فهو مشتمل على عبد اللّه بن رجاء، فنقل ابن حجر عن ابن معين انّه قال: كان كثير التصحيف، وليس به بأس.
وقال عمرو بن عدي، صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وتوفّي عام 219هـ أو 220هـ، وليس المراد منه عبد اللّه بن رجاء المكي الذي يروي عن الإمام جعفر الصادق ـ عليه السَّلام ـ وغيره.
ولو افترض انّ المراد هو عبد اللّه بن رجاء المكي فهو ليس أيضاً سالماً عن النقد، نقل ابن حجر عن الساجي انّه قال عنده مناكير.
واختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا انّ كتبه ذهبت فكان يكتب من حفظه فعنده مناكير وما سمعت منه إلا حديثين، وحكى نحوه العقيلي عن أحمد.(1)
وأمّا الدلالة فلا شكّ انّه أوضح دلالة من الصورتين الأُوليين، ويحتمل فيه أيضاً أن يكون نفس
ــــــــــــــــــــــــــــإلى هنا تمّت دراسة الحديثين:
الأوّل: حديث سهل الساعدي.
الثاني: حديث وائل بن حجر بصوره الثلاث.
وقد عرفت قصور دلالتهما مع وجود الضعف في أسناد حديث وائل بن حجر، بقي حديث ثالث يستدلّ به على القبض.
3. حديث عبداللّه بن مسعود
أخرج النسائي عن الحجاج بن أبي زينب قال:سمعت أبا عثمان يحدّث عن ابن مسعود قال: رآني النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ بيميني فوضعها على شمالي.(1)
وأخرجه البيهقي بنفس اللفظ لكن بسند آخر.
والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند والدلالة.
أمّا الأوّل فكلا السندين يشتملان على الحجاج بن أبي زينب السلمي الذي قال في حقّه أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون ضعيف الحديث.
وقال ابن معين : ليس به بأس.
وقال الحسن بن شجاع البلخي عن علي بن
ــــــــــــــــــــــــــــوقال النسائي: ليس بالقوي.
وقال ابن علي: أرجو انّه لابأس به فيما يرويه.
ثمّ قال: قال الدارقطني: ليس بالقوي ولا الحافظ.(1)
إلى غير ذلك من الكلمات.
وأمّا الدلالة فيلاحظ انّ عبد اللّه بن مسعود كان من السابقين إلى الإسلام وقد أسلم في أوائل البعثة، وقد لاقى ما لاقى من قريش لأجل إيمانه بالنبي والإسلام، فمثل هذا لا يمكن أن يجهل بكيفية القبض ـ على فرض كونه سنّة ـ فيضع شماله على يمينه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
أحاديث ضعاف لا يحتجُّ بها
ما ذكرناه من الأحاديث هو العمدة في الاستدلال على قبض اليمنى باليسرى، وقد عرفت حالها وعدم قيامها بإثبات المطلوب.
وهناك أحاديث وآثار رويت في غضون الكتب جمعها البيهقي في سننه، ولا يصحّ واحد منها لضعفها سنداً ودلالة، ونحن لأجل إكمال حلقة البحث نسرد تلك الأحاديث ونناقشها سنداً ودلالة حتى يقف القارئ على مواطن الخلل.
1. حديث هُلْب
أخرج الترمذي عن قتيبة عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه : قال:
كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يؤمُّنا فيأخذ شماله بيمينه.(1)
ورواه البيهقي بلفظ آخر وهو: رأيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واضعاً يمينه على شماله في الصلاة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف كالدلالة .
أمّا السند، فإليك ترجمة راويين منه.
قبيصة بن هُلب
قال الذهبي: قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات.
وقال ابن المديني: مجهول.(3)
وقال ابن حجر: مجهول لم يرو عنه غير سماك .
وقال النسائي: مجهول.(4)
ــــــــــــــــــــــــــــسماك بن حرب
قال الذهبي: صدوق، صالح. روى ابن المبارك عن سفيان انّه ضعيف.
قال جرير الضبّي: أتيت سماكاً فرأيته يبول قائماً فرجعت ولم أسأله، فقلت: خرف.
وروي أحمد بن أبي مريم عن يحيى: سماك ثقة، كان شعبة يضعّفه.
وقال أحمد: سماك مضطرب الحديث.
وقال أبوحاتم: ثقة، صدوق.
وقال صالح: جَزَرة: يضعف.
وقال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة، لأنّه كان يلقّن فيتلقن إلى غير ذلك من كلمات التضعيف.(1)
وقال ابن حجر:
ــــــــــــــــــــــــــــقال عنه أحمد : مضطرب الحديث.
قال ابن أبي خيثمة: قال سمعت ابن معين سئل عنه ما الذي عابه قال: اسند أحاديث لم يُسندها غيره.
وقال ابن عمار: يقولون إنّه كان يخلِّط ويختلفون في حديثه.
وكان الثوري يضعّفه بعض الضعف.
وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة، فقال: مضطربة .
وقال زكريا بن علي، عن ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث.
قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة.(1)
وأمّا الدلالة فليست في الرواية تصريح في أنّه يضع يمينه على شماله في خصوص حال القراءة، بل ظاهره انّه
ــــــــــــــــــــــــــــ2. حديث محمد بن أبان الأنصاري
أخرج البيهقي بسنده عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة قالت: ثلاث من النبوّة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.(1)
ويكفي في ضعف الحديث ما ذكره البخاري في تاريخه الكبير، بعد نقل هذا الحديث وقال: ولا نعرف لمحمد سماعاً من عائشة، وفي نسخة ولا يعرف لمحمد سماع.(2)
وقد نقل محقّق كتاب «التاريخ الكبير» للبخاري في
ــــــــــــــــــــــــــــإنّه أنصاري مدني، ثمّ صار إلى اليمامة، وانّه أرسل عن عائشة.(1)
3. حديث عقبة بن صهبان
روى البيهقي بسنده عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن صهبان، عن علي (رضي اللّه عنه)(فصل لربّك وانحر) قال: هو وضع يمينك على شمالك في الصلاة.(2)
يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّ عاصم الجحدري لم يوثّق. قال الذهبي: عاصم بن العجّاج الجحدري البصري، قرأ على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، أخذ عنه سلام بن أبو المنذر وجماعة قراءة شاذة فيها ما ينكر.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــوذكره البخاري في تاريخه وقال:عاصم الجحدري يعدّ في البصريين، عن عقبة بن ظبيان ولم يوثقه.(1)
ثمّ إنّ الحديث حسب نقل البيهقي ينتهي إلى عقبة بن صهبان.
وقال البيهقي: ورواه البخاري في التاريخ في ترجمة عقبة بن ظبيان عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة: سمع عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان عن علي (فصلّ لربّك وانحر) رفع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره.
وما يرويه البخاري في تاريخه حسب ما نقله البيهقي يختلف عمّا نقله البيهقي بالمباشرة بوجهين:
الأوّل: انّ السند ينتهي عند البيهقي إلى عقبة بن صهبان، وحسب نقل البخاري إلى عقبة بن ظبيان.
الثاني: انّ عاصم الجحدري حسب نقل البيهقي
ــــــــــــــــــــــــــــومع الأسف الشديد انّ أباه (عجاج) لم يعنون في الرجال فمثل هذا الحديث لا يحتج به أبداً.
4. حديث غزوان بن جرير
روى البيهقي عن غزوان بن جرير، عن أبيه، قال: كان علي (رضي اللّهعنه ) إذا قام إلى الصلاة فكبّر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتّى يركع، إلاّأن يحكّ جلداً أو يصلح ثوبه.(1)
وكفى في ضعف الرواية انّ جريراً والد غزوان مجهول.
قال الذهبي: جرير الضبي عن علي وعنه ابنه غزوان لا يعرف.(2)
ــــــــــــــــــــــــــــ5. مرسلتا غضيف وشدّاد
روى البيهقي وقال: ورُوينا عن الحارث بن غضيف الكندي وشداد بن شرحبيل الأنصاري انّ كلّ واحد منهما رأى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فعل ذلك «واضعاً يمينه على شماله».(1)
هذا ما نقله البيهقي وضبطه الترمذي بالنحو التالي: غطيف بن الحارث.(2)
فعلى نقل البيهقي الراوي هو الحارث بن غضيف الكندي بينما على نقل الترمذي الراوي هو غطيف بن الحارث، فاشتبه الوالد بالولد ولم يعرفا.
ويظهر ممّا نقله ابن حجر انّه أدرك النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهو صبي، قال ناقلاً عنه: كنت صبياً أرمي نخل الأنصار فأتوا بي النبيَّ، فمسح رأسي وقال: كل ممّا سقط ولا ترمي نخلهم.
بل يظهر من بعضهم انّه من التابعين لم يدرك
ــــــــــــــــــــــــــــقال: ذكره جماعة في التابعين.(1)
فتلخص ممّا ذكرنا انّ الحديث لا يحتجّ به، وذلك للأسباب التالية:
أوّلاً: انّه حديث مرسل، وليس لأصحاب الحديث سند إليهما.
وثانياً: انّه أدرك النبي وهو صبي، ولأجل ذلك تـرى انّهـم يعرّفونـه بقولهـم: «له صحبـة» أي صحبـة قليلـة.
وثالثاً: لم يثبت انّه صحابي، وقد عدّه جماعة من التابعين.
وعلى كلّ حال فحديث هذا حاله ـ اشتبه اسمه ضبطاً أوّلاً، واشتبه الوالد بالولد ثانياً، وكانت صحبته قليلة في أيام الصبى ثالثاً، بل لم يثبت له صحبة وانّه من التابعين رابعاً ـ لا يحتجّ به.
ــــــــــــــــــــــــــــ6. حديث نافع عن ابن عمر
أخرج البيهقي بسنده عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روادّ، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر انّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا بثلاث: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.
هذا نفس الحديث الذي رواه محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة، لاحظ رقم 2.
وقال البيهقي : تفرّد به عبد المجيد، وإنّما يعرف بطلحة بن عمرو وليس بالقويّ.(1)
وعرفه الذهبي بأنّه صدوق مرجئ كأبيه.
وثّقه ابن معين، وقال أبو داود: ثقة داعية إلى الإرجاء.
وقال ابن حبان: يستحق الترك، منكر الحديث جداً، يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير.
ــــــــــــــــــــــــــــقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه.
وقال الدارقطني: لا يحتجّ به ويعتبر به.
وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين : ثقة يروي عن قوم ضعفاء.
وقال البخاري: كان الحميدي يتكلّم فيه وقال أيضاً في حديثه بعض الاختلاف ولا يعرف له خمسة أحاديث صحاح.(1)
7. حديث ابن جرير الضبي
أخرج أبوداود عن ابن جرير الضبي، عن أبيه، قال: رأيت عليّاً ـ رضي اللّه عنه ـ يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة.
قال أبو داود: وروى عن سعيد بن جبير«فوق السرة» ، وقال أبو مجلز: «تحت السرة» وروى عن أبي هريرة
ــــــــــــــــــــــــــــيلاحظ عليه: أنّ ابن جرير الضبّي هو نفس غزوان ابن جرير وقد تقدّم الكلام في الوالد برقم 4، ولعلّه نفس الحديث السابق وليس حديثاً آخر.
وأمّا ما روى عن طاووس قال: كان رسول اللّه يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثمّ يشدّ بينهما على صدره وهو في الصلاة (2) فهو حديث مرسل لأنّ طاووس من التابعين.
وهناك آثار عزيت إلى ابن الزبير انّه قال: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنّة.(3)
كما قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الكف في الصلاة تحت السرة .(4)
ومن المعلوم أنّ قول الصحابي ليس بحجة مالم ينسبه إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .
ــــــــــــــــــــــــــــ
الآن حصحص الحق
قد تبيّن من هذا البحث الضافي أُمور:
الأوّل: انّ أبا حُمِيد الساعدي ممّن نقل صلاة النبي بتفاصيلها ولم يذكر شيئاً من القبض، وقد نقل كيفية صلاة النبي في حضور عشرة من الصحابة، وقد نال تصديق الحاضرين منهم.
وليس القبض أمراً طفيفاً حتّى يغفل عنه الراوي أو الحضور من الصحابة، فلو كانت صلاة النبي مرفّقة معه لاعترض أحد منهم عليه وآخذوه بترك ذكره.
الثاني: انّ ما استدلّ على كون القبض سنّة بين ضعيف الدلالة، أو ضعيف السند، أو كليهما.
الثالث: إذا كان القبض من سنن الصلاة لما خالفه أئمّة أهل البيت قاطبة حتى عدّوه من سنّة المجوس كما
الرابع: انّ الأمر دائر بين البدعة والسنّة ، ومقتضى الاحتياط هو ترك القبض، لأنّ في الأخذ احتمال الحرمة وارتكاب البدعة، بخلاف الترك فليس فيه إلاّ ترك أمر مسنون، وهو ليس أمراً محظوراً.
الخامس: العجب من فقهاء أهل السنّة انّهم طرقوا جميع الأبواب إلاّ باب أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ !!
أحاديث أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ
إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يتحرّزون عن القبض ويرونه من صُنع المجوس أمام الملك.
1. روى محمد بن مسلم، عن الصادق أو الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: الرجل يضـع يده في الصلاة ـ وحكي ـ اليمنـى على اليسـرى؟ فقـال: «ذلـك التكفير، لا يُفعـل».(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ2. وروى زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «وعليك بالإقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس».(1)
3. روى الصدوق بإسناده عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «وعليك بالإقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس».(2)
4. روى الصدوق بإسناده عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوس ـ».(3)
وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى كلمة صـدرت مـن الدكتور علي السالوس، فهو بعد ما نقل آراء فقهاء الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والإبطـال بقولـه: «وأُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والإبطـال، أو التحـريم
ــــــــــــــــــــــــــــما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ القبض أمر حدث بعد النبي الأكرم، وكان الناس يُؤمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً، فقد أحدث في الدين ما ليس منه، أفهل جزاء من اجتهد، أن يُرمى بالتعصب المذهبي وحب الخلاف؟!
ولو صح ذلك، فهل يمكن توصيف الإمام مالك به؟ لأنّه كان يكره القبض مطلقاً، أو في الفرض أفهل يصح رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحب الخلاف؟!
أجل لماذا لا يكون عدم الإرسال والقبض ممثلاً للتعصب المذهبي وحبّ الخلاف بين المسلمين، يا ترى؟!
ــــــــــــــــــــــــــــ