2 . الوسائل: 4/650 الباب 22 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 1، ولاحظ أحاديث الباب.
( 71 )
10. انّ الفصل الأوّل والفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الإله في صفحة الوجود وأنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.
وثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسوله، الذي بعثه لإبلاغ رسالاته وإنجاز دعوته.
ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل نداؤه وإعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتّصل الانسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل التي تنطوي عليها الصلاة.
وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الأبدية التي صرّح بها في أوليات فصوله ويقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه، لا إله إلاّ اللّه.
هذه هي حقيقة الأذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جمل، تحكي
( 72 )
عن حقائق أبدية، تصدّ الإنسان عن الانكباب في شواغل الدنيا وملاذّها.
هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للأذان، ومتدبّر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاؤها ـ بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب ـ وهو أنّ المؤذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل ـ في أذان صلاة الفجر ـ إلى الإعلان بأنّ الصلاة خير من النوم ، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلام عار عن الرفعة والبداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح ـ بجد وحماس ـ على شيء لا يجهله إلاّ من يجهل البديهيات، لأنّ إعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بمن يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الأربعة.
هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375هـ وأنا أستمع للأذان في الحرمين
( 73 )
الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيّلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي وانّما أُقحم لسبب من الأسباب، بين فصول الأذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع وتأليف هذه الرسالة.
( 74 )
خاتمة المطاف
بدعة تلو بدعة
إنّ تاريخ الأذان والإقامة حافل بالبدع، وقد تصرفت فيه يد المبدعين لغايات استحسانية لا يعرَّج إليها في التشريع، وإليك بعض ما أحدث فيه بعد النبي.
1. الأذان الثاني يوم الجمعة
جرت السيرة في عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والشيخين على إقامة الأذان حينما يصعد الإمام على المنبر لإلقاء الخطابة، ولما كثر الناس في عهد الخليفة الثالث أمر بأذان ثان وهو الأذان عند دخول الوقت على المأذنة، وهذا هو المعروف بالأذان الثاني للخليفة. وقد روي عن الشافعي من أنّه
( 75 )
استحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر.
(1)
إذا كان الأذان من الأُمور التوقيفية فليس ليد التشريع البشري التصرف فيه بزيادة أو نقيصة وكان في وسع الخليفة أن يقوم بعلاج الموقف من وجه آخر، وهو إعلام الناس بالوسائل التي لا تمتّ إلى التشريع الإسلامي بصلة مكان أن يأمر المؤذن بأذان آخر لم يكن من ذي قبل.
والعجب انّ الفقهاء أنفسهم اختلفوا فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع الوارد في قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذين آمَنُوا إِذا نُودي لِلصَّلاة مِنْ يَوْمِالْجُمْعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكْرِاللّهِ وَذَرُوا الْبيع).(2)
2. وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفية بعد عهد الصحابة تثويباً آخر، وهو زيادة الحيعلتين ـ أي عبارة «حي على الصلاة، حي على الفلاح» ـ مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدّمو الحنفية في
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المجموع:3/132.
2 . الجمعة:9.
( 76 )
الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصلوات كلّها ـ إلاّ في المغرب لضيق الوقت ـ و ذلك لظهور التواني في الأُمور الدينية، وقالوا: إنّ التثويب بين الأذان والإقامة في الصلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد بالتنحنح أو الصلاة الصلاة أو غير ذلك.
3. استحدث أبو يوسف جواز التثويب لتنبيه كل من يشتغل بأُمور المسلمين ومصالحهم كالإمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذن بعد الأذان:
السلام عليك أيّها الأمير، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك اللّه. وشارك أبا يوسف في هذا الشافعية وبعض المالكية، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان، واستبعده محمد بن الحسن، لأنّ الناس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكية.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الموسوعة الفقهية:2/361، مادة أذان.
( 77 )
5
حذف الحيعلة من الأذان
قد تقدّم منّا أنّ البدعة في الأذان بإدخال التثويب ليس فريداً في بابه، بل له نظير آخر، وهو: حذف «حيّ على خير العمل» من فصول الأذان والإقامة،وذلك لغاية أن لا يكون الإعلان به في الأذان سبباً في تثبيط العامة عن الجهاد، لأنّ الناس إذا عرفوا أنّ الصلاة خير العمل، لاقتصروا عليها وأعرضوا عن الجهاد.
وهذا بعين اللّه إطاحة بالتشريع وتصرّفٌ فيه، بتفلسف تافه. فانّ المشرّع كان واقفاً على هذا المحذور، ومع ذلك أدخله في الأذان.
قال القوشجي ـ وهو من متكلّمي الأشاعرة ـ ناقلاً عن الخليفة الثاني أنّه قال على المنبر:
( 78 )
ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهنّ وأُحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ وهي : متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل. (1)
وقد أطبقت الشيعة على كونه جزءاً من الأذان، وعلى ذلك جروا ، من العهد النبوي إلى يومنا هذا، وصار ذلك شعاراً لهم. وإنّ كثيراً من المؤرّخين يكنّون عن الشيعة بمن يحيعلون أي الذين يقولون: «حيّ على خير العمل».
قال أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين» في مقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : أنّه استولى على المدينة، وصعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند موضع الجنائز، فقال للمؤذّن: أذّن بـ «حي على خير
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . علاء الدين القوشجي (المتوفّـى عام 879 هـ بالقسطنطينية): شرح التجريد : 484 . اقرأ ترجمته في كتابنا «بحوث في الملل والنحل ج2 ـ ط. بيروت.
( 79 )
العمل» ...
(1).
وقال الحلبي:ونقل عن ابن عمر وعن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد «حيّ على الفلاح» : «حيّ على خير العمل» .(2)
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . أبو الفرج الاصفهاني (284 ـ 356 هـ): مقاتل الطالبيين : 297.
2 . برهان الدين الحلبي: السيرة: 2/ 305.
3 . الأنعام:90.