http://www.imamsadeq.orgسلسلة المسائل الفقهية / 3 الأذن تشريعاً وفصولاً على ضوء الكتاب والسنّة للاستاذ جعفر السبحاني من ص 41 ـ 79 ص

( 41 )

 

7

روايات الأذان في غير الكتب الستّة

قد عرفت من الحاكم انّ الشيخين : البخاري ومسلماً لم يخرّجا حديث عبد اللّه بن زيد لاختلاف الناقلين في أسانيدهما وإنّما أخرجه من أصحاب الكتب الستة; أبـو داود والترمذي وابن ماجة أصحاب السنن، وقد عرفت وجود التناقض في مضامينها والضعف في أسانيدها، فهلم معي ندرس ما رواه أصحاب المسانيد وغيرهم ممّن تعدّ كتبهم دون الكتب الستة في الإتقان والصحّة.

ألف : ما رواه الإمام أحمد في مسنده

روى الإمام أحمد رؤيا الأذان في مسنده عن عبد اللّه


( 42 )
ابن زيد بأسانيد ثلاثـة(1):

1. قد ورد في السند الأوّل زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّـى 203 هـ).

وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة. (2)

كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد ابن عبد ربّه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ رواية واحدة وهي هذه، وفيها فضيلة لعائلته، ولأجل ذلك يقلُّ الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن إسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.

واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الإمام أحمد: المسند: 4/42ـ 43.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال: 2/100 برقم 2997.


( 43 )
التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد اللّه ابن زيد، وهو قليل الحديث جداً.

وقد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الرؤيا وتعليم الأذان لبلال:

إنّ بلالاً أتى رسول اللّه فوجده نائماً، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر. وكفى في ضعف الرواية ما في ذيلها.

ب : ما رواه الدارمي في مسنده

روى رؤيا الأذان الدارمي في مسنده بأسانيد، وكلها ضعاف، وإليك الأسانيد وحدها:

1. أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدّثني محمد ابن إسحاق وقد كان رسول اللّه حين قدمها... الخ.

2. نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث


( 44 )
التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، عن أبيه بهذا الحديث.

3. أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن ابن إسحاق... والباقي نفس ما جاء في السند الثاني. (1)

والأوّل منقطع، والثاني مشتمل على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، والثالث مشتمل على ابن إسحاق وقد عرفت حاله.

ج : ما رواه الإمام مالك في الموطأ

روى الإمام مالك رؤيا الأذان في موطّئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما .... (2)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الدارمي: السنن: 1/268 ـ 269 باب بدء الأذان.
2 . مالك: الموطأ : 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.


( 45 )

والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود قبل عام 70 وتوفّـي بالهاشمية سنة 143هـ. (1)

د. ما وراه ابن سعد في طبقاته

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (2) موقوفة لا يحتجّ بها:

الأوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّي في عشر التسعين وقيل سنة 99هـ.

والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 وتوفّـي عام 93هـ.

والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّـي عام 136هـ.

والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّـي

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . سير أعلام النبلاء: 5/468 برقم 213.
2 . الطبقات الكبرى: 1/246ـ247.


( 46 )
عام 94، وإلى عبد الرحمان ابن أبي ليلى الذي توفّـي عام 82، أو 83هـ.

وقال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب وعبد الرحمان بن أبي ليلى ولم يلقه. (1)

وروى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدّثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الأنصار يقال له عبد اللّه بن زيد، وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... ـ إلى أن قال: ـ فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.

فقد اشتمل السند على:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . سير أعلام النبلاء: 2/376 برقم 79، وسيوافيك تفصيله في المقام الثاني.


( 47 )

1. مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين.

وقال علي بن المديني: ليس بشيء.

وقال البخاري: منكر الحديث.

وقال النسائي: ليس بالقوي.

وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر. (1)

2. محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (51ــ123هـ).

قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطي الكتاب فلا يقرأه ولا يقرأ عليه، فيقال له: نروي هذا عنك، فيقول: نعم.

وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 27/508 برقم 5925.


( 48 )
سمعت سفيان الثوري يقول: أتيت الزهري فتثاقل عليّ، فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا; فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً، فقال: خذ هذا فاروه عنّي، فما رويت عنه حرفا. (1)

هـ : ما رواه البيهقي في سننه

روى البيهقي رؤيا الأذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت، وإليك الإشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:

الأوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، وأنّه قال فيه ابن عبد البر: وإنّه مجهول لا يحتجّ به(2) يروي عن مجاهيل (3) باسم العمومة، ولا دليل على كون هؤلاء من

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المصدر نفسه: 26/439ـ440.
2 . البيهقي: السنن: 1/390.
3 . ابن حجر: تهذيب التهذيب: 12/188 برقم 868.


( 49 )
الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم، لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة، إذ لا علم بأنّه روى عن النبي.

الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:

1.محمد بن إسحاق بن يسار.

2. محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3. عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على الجميع.

الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّـى عام 94هـ عن عبد اللّه بن زيد.(1) وقد عرفت أنّهما لم يدركا عبد اللّه بن زيد.

و: ما رواه الدارقطني في سننه:

روى الدارقطني رؤيا الأذان بأسانيد، إليك بيانها:

1. حدّثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدّثنا أبو

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . البيهقي: السنن: 1/390.


( 50 )
داود، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد، ثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد اللّه، عن عمِّه عبداللّه ابن زيد.

2. حدّثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو داود، ثنا عبيد اللّه ابن عمر، ثنا عبد الرحمان بن مهدي، ثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد اللّه بن محمد، قال: كان جدي عبد اللّه ابن زيد بهذا الخبر. (1)

وقد اشتمل السندان على محمد بن عمرو، و هو مردّد بين الأنصاري، الذي ليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف; وبين محمد ابن عمرو أبو سهل الأنصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، وابن معين وابن عدي. (2)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الدارقطني: السنن: 1/245 برقم 56 و 57.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال: 3/674 برقم 8017 و 8018; جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 26/220 برقم 5516; ابن حجر: تهذيب التهذيب: 9/378 برقم 620.


( 51 )

3. حدّثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا الحسن بن يونس، ثنا الأسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار، عبد اللّه بن زيد، ـ يعني إلى النبي ـ فقال: يا رسول اللّه إنّي رأيت في النوم .... (1)

وهذا السند منقطع، لأنّ معاذ بن جبل توفّـي عام 20 أو 18هـ وتولّد عبد الرحمان بن أبي ليلى، سنة 17هـ; مضافاً إلى أنّ الدارقطني ضعّف عبد الرحمان وقال: ضعيف الحديث سيّئ الحفظ، وابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد اللّه بن زيد. (2)

إلى هنا تم الكلام في المقام الأوّل، واتّضح أنّ الأذان انّما شرع بوحي إلهي، لا برؤيا عبد اللّه بن زيد ولا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الدارقطني: السنن: 1/242 برقم 31.
2 . الدارقطني: السنن: 1/241 .


( 52 )
برؤيا عمر بن الخطاب ولا غيرهما كائناً من كان، وانّ هذه الأحاديث، متعارضة جوهراً، غير تامّة سنداً، لا يثبت بها شيء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي، فلاحظ.

وحان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، وهذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:

 


( 53 )

 

المقام الثاني:

1

دراسة تاريخ دخول التثويب

في أذان صلاة الفجر

 

التثويب من ثاب يثوب: إذا رجع فهو بمعنى الرجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فانّ المؤذّن إذا قال: «حيّ على الصلاة» فقد دعاهم إليها، فإذا قال: «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلام معناه: المبادرة إليها.

وفسّـره صاحب القاموس: بمعان منها: الدعاء إلى الصلاة، وتثنية الدعاء، وأن يقول في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ».

وقال في المغرب: التثويب: القديم، هو قول المؤذن


( 54 )
في أذان الصبـح: «الصـلاة خـير من النوم ـ مرتين ـ» والمحـدَث «الصـلاة الصـلاة» أو «قامت قامت».(1)

والظاهر أنّه غلب استعماله بين أئمّة الحديث في القول المذكور أثناء الأذان، ربّما يطلق على مطلق الدعوة بعد الدعوة، فيعمّ ما إذا نادى المؤذِّن بعد تمام الأذان بالقول المذكور أيضاً أو بغيره ممّـا يفيد الدعوة إليها بأيّ لفظ شاء.

قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: التثويب هو العود إلى الإعلام بعد الإعلام، وقول المؤذِّن «الصلاة خير من النوم» لا يخلو عن ذلك . فسمّي تثويباً.(2)

فالمقصود في المقام تبيين حكم قول المؤذِّن أثناء الأذان لصلاة الفجر: «الصلاة خير من النوم»، فهل هو

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . البحراني: الحدائق: 7/419. ولاحظ النهاية في غريب الحديث: 1/226، لسان العرب مادة «ثوب»، و القاموس مادة «ثوب».
2 . السنن: 2/14 قسم التعليقة.


( 55 )
مشروع، أو بدعة حدثت بعد النبي لما استحسنه بعض الناس من إقراره في الأذان، سواء أكان هو التثويب فقط أو عمَّ مطلق الدعوة إلى الصلاة ولو بعد تمام الأذان، بهذا اللفظ أو بغيره؟

فنقول: التثويب بهذا المعنى ورد تارة في خلال أحاديث رؤية الأذان، وأُخرى في غيرها، أمّا الأوّل فقد ورد في ما يلي:

1. ما رواه ابن ماجة (الرواية الرابعة) وقد عرفت نصَّ الشوكاني على ضعفها. (1)

2. ما رواه الإمام أحمد: وقد عرفت ما في سنده من الضعف حيث جاء فيه: محمد بن إسحاق، وعبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه. (2)

3. ما رواه ابن سعد في طبقاته: وفي سنده: مسلم

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ الرواية الرابعة ص 25 وكلمة الشوكاني ص 39 من هذه الرسالة.
2 . لاحظ ما نقلناه عن الإمام أحمد، بعد أحاديث السنن ص41.


( 56 )
ابن خالد بن قرقرة وقد عرفت ضعفه. (1)

وأمّا الثاني ـ أي نقل التثويب في غير رؤية الأذان ـ فقد نقله أصحاب السنن، وإليك النصوص:

4. ما رواه ابن ماجة: بالسند التالي: حدّثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، ثنا محمدبن عبد اللّه الأسدي، عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن بلال، قال: أمرني رسول اللّه أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء.(2)

وفي هذه الرواية دلالة على أنّ التثويب يستعمل في مطلق الدعوة إلى الصلاة، وإن لم يكن بلفظ «الصلاة خير من النوم» بشهادة النهي عن التثويب في العشاء، لأنّ التثويب فيه لا يتحقّق إلاّ بلفظ آخر، مثل «الصلاة جامعة»، أو «قد قامت الصلاة» وغيرهما.

5. حدثنا عمر بن رافع، ثنا عبد اللّه بن المبارك، عن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ ص 47 من هذا الكتاب.
2 . ابن ماجة: السنن: 1/237 برقم 715.


( 57 )
معمر ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن بلال: أنّه أتى النبيّ يؤذِنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأُقرّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. (1)

والسندان منقطعان أمّا الأوّل: فابن أبي ليلى ولد عام 17 ومات بلال عام 20 أو21 بالشام وكان مرابطاً بها قبل ذلك من أوائل فتوحها، فهو شامي وابن أبي ليلى كوفي، فكيف يسمع منه مع حـداثة السـن وتباعد الديار؟! (2)

ورواه الترمذي مع اختلاف في أوّل السند، وقال: حديث بلال لا نعرفه إلاّ من حديث أبي إسرائيل الملاّئي، وأبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم (ابن عتيبة) قال: إنّما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم.

وأبو إسرائيل اسمه: إسماعيل بن أبي إسحاق،

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . ابن ماجة: السنن: 1/237 برقم 716.
2 . الشوكاني: نيل الأوطار: 2/38.


( 58 )
وليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث. (1)

أمّا الثاني فقد قال فيه ابن ماجة نقلاً عن الزوائد: اسناده ثقات إلاّ أنّ فيه انقطاعاً (لأنّ) سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال .(2)

6. ما رواه النسائي: أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد اللّه، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أُؤذّن لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه. (3)

وفي سنن البيهقي (4) وسبل السلام (5) مكان «أبي

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الترمذي: السنن: 1/378 ، برقم 198.
2 . ابن ماجة: السنن: 1/237، برقم 716. ولد سعيد بن المسيب عام 13 وتوفّـي عام 94هـ.
3 . النسائي: السنن: 2/ 13 باب التثويب في الأذان .
4 . البيهقي: السنن: 1/422; الصنعاني: سبل السلام: 1/221.
5 . البيهقي: السنن: 1/422; الصنعاني: سبل السلام: 1/221.


( 59 )
سلمان» : «أبي سليمان» .

قال البيهقي: وأبو سليمان اسمه «همام المؤذن» ولم نجد ترجمة لهمام المؤذّن فيما بأيدينا من كتب الرجال فلم يذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، ولا المزّي في «تهذيب الكمال» ،والرجل غير معروف.

وأمّا أبو محذورة فهو من الصحابة لكنّه قليل الرواية، لا يتجاوز ما رواه عن عشر روايات وقد أذّن لرسول اللّه في العام الثامن، في غزوة حنين. (1)

7. ما رواه البيهقي في سننه بسند ينتهي إلى أبي قدامة، عن محمد بن عبدالملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الأذان، وذكر الحديث وقال فيه: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم...

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . ابن حزم الأندلسي: أسماء الصحابة الرواة:161 برقم 188.


( 60 )

8. ما رواه أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن السائب: أخبرني أبي وأُم عبدالملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نحوه. (1)

ومحمد بن عبد الملك قد تعرّفت على حاله. وعثمان ابن السائب ولداً ووالداً، غير معروفين ليس لهما إلاّ رواية واحدة. (2)

9. ما رواه أبو داود بسند ينتهي إلى الحرث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الأذان ـ إلى أن قال : ـ فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ... (3).

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . البيهقي: السنن: 1/421 ـ 422 باب التثويب في أذان الصبح.
2 . الذهبي: ميزان الاعتدال : 2/114، برقم 3075 (السائب); ابن حجر: تهذيب التهذيب: 7/117 برقم 252 (عثمان بن السـائب).
3 . أبو داود: السنن: 1/136، برقم 500.


( 61 )

والسند مشتمل على محمد بن عبد الملك، قال ابن حجر: قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الاسناد، وقال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه إلاّ الحارث.(1)

وقال الشوكاني في حقّ محمد بن عبد الملك بـن أبـي محذورة: غير معروف الحال، والحـرث بن عبيد وفيه مقـال. (2)

10. روى أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن سائب: أخبرني أبي وأُم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي. نحو هذا الخبر. (3)

وقد عرفت ضعف السند.

11. روى أيضاً بسند ينتهي إلى إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنّه سمع أبا محذورة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . ابن حجر: تهذيب التهذيب :9/317.
2 . الشوكاني: نيل الأوطار: 2/38.
3 . أبو داود: السنن: 1/136 ـ 137 ، باب كيفية الأذان برقم 501


( 62 )
يقول: ألقى عليّ رسول اللّه الأذان حرفاً حرفاً ـ إلى أن قال ـ: وكان يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم .... (1)

وإبراهيم بن إسماعيل له رواية واحدة، وهو بعد لم يوثّق (2) مضافاً إلى احتمال الانقطاع في السند.

وما رواه الدارقطني فعلى أقسام:

12. ما يدلّ على أنّه سنّة فـي الأذان، رواه عـن أنس و عمر من دون أن ينسباه إلى النبي وهي ثلاثة أحاديث. (3)

13. ما يدلّ على أنّ النبي أمر بلالاً بذلك لكن السند منقطع. رواه عبد الرحمان بن أبي ليلى عن بلال (4) مع ضعف في سنده لمكان عبد الرحمان بن الحسن فيه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . أبو داود: السنن: 1/136 ـ 137 ، باب كيفية الأذان برقم 504.
2 . جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 2/44 برقم 147.
3 . الدارقطني: السنن: 1/243 برقم 38ـ39ـ40.
4 . الدارقطني: السنن: 1/243 برقم 41.


( 63 )
المكنّى بـ «أبي مسعود الزجاج» وقد عرّفه أبو حاتم: بأنّه لا يحتج به، وإن ليّنه الآخرون. (1)

14. ما يدلّ على الإعلام قبل الأذان، بأي شكل اتّفق، وهو خارج عن المقصود، وقد ضعّف بعض من جاء في سنده. (2)

ما رواه الدارمي:

15. روى الدارمي بسند ينتهي إلى الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن ... قال حفص: حدّثني أهلي، أنّ بلالاً أتى رسول اللّه يؤذنه لصلاة الفجر فقالوا: إنّه نائم، فنادى بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. فأُقرّت في أذان صلاة الفجر. (3)

والرواية لا يحتج بها لمكان الزهري أوّلاً، وحفص بن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . انظر ميزان الاعتدال: 2/556 برقم 4851.
2 . الدارقطني: السنن: 1/ 244ـ 245 برقم 48، 51، 52، 53.
3 . الدارمي: السنن: 1/270، باب التثويب في أذان الفجر.


( 64 )
عمر الذي ليس له إلاّ رواية واحدة وهي هذه (1) مضافاً إلى كون الأصل الناقل مجهولاً.

16. ما رواه الإمام مالك: انّ المؤذّن جاء إلى عمر ابن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم. فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح. (2)

حصيلة الروايات:

إنّ روايات التثويب متعارضة جداً لا يمكن إرجاعها إلى معنى واحد، وإليك أقسامها:

1. ما يدلّ على أنّ عبد اللّه بن زيد رآه في رؤياه وأنّه كان جزءاً من الأذان من أوّل الأمر.

2. ما يدلّ على أنّ بلالاً زاده فيه وقرّره النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 7/30 برقم 1399، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: 1/560 برقم 2129 : تفرّد عن حفص، الزهري.
2 . الإمام مالك: الموطأ: 78 برقم 8.


( 65 )
على أن يجعله بلال جزءاً من الأذان كما في رواية الدارمي.

3. ما يدلّ على أنّ عمر بن الخطاب أمر المؤذّن أن يجعلها في نداء الصبح كما رواه الإمام مالك.

4. ما يدلّ على أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ علّمها أبا محذورة، كما رواه البيهقي في سننه.

5. ما يظهر أنّ بلالاً ينادي بالصبح فيقول: «حيَّ على خير العمل» فأمره النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يجعل مكانها : «الصلاة خير من النوم» وترك «حيّ على خير العمل» كما رواه المتقي الهندي في كنزه (8/345 برقم 23188).

ومع هذا التعارض الواضح، لا يمكن الركون إليها، وبما أنّ أمرها دائر بين السنّة والبدعة، فتركها متعيـّن لعدم العقاب على تركها، بخلاف ما لو كانت بدعة.

 


( 66 )

 

2

كلمات الأعلام في التثويب

إنّ بين الصحابة والتابعين من يراه بدعة وأنّه لم يأمر به النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإنّما حدث بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،وإليك نصوصهم:

1. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن حفص أنّ سعداً (المؤذّن) أوّل من قال: الصلاة خير من النوم، في خلافة عمر، فقال عمر: بدعة، ثمّ تركه، وانّ بلالاً لم يؤذّن لعمر.

2. وعنه أيضاً: أخبرني حسن بن مسلم أنّ رجلاً سأل طاووساً: متى قيل الصلاة خير من النوم؟ فقال: أما إنّها لم تقل على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولكنّ بلالاً سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقولها رجل غير


( 67 )
مؤذن، فأخذها منه. فأذّن بها فلم يمكث أبو بكر إلاّ قليلاً حتى إذا كان عمر قال: لو نهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث، وكأنّه نسيه وأذّن بها الناس حتى اليوم. (1)

3. روى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ليث عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فسمع رجلاً يثوب في المسجد، فقال: اخرج بنا من (عند) هذا المبتدع. (2)

نعم يظهر ممّا رواه أبو داود في سننه أنّ الرجل ثوب في الظهر والعصر لا في صلاة الفجر. (3)

4. ما روي عن أبي حنيفة كما في جامع المسانيد عنه عن حماد عن إبراهيم قال: سألته عن التثويب؟

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المتقي الهندي: كنز العمال: 8/357 برقم 23252 و 23251; ورواه عبد الرزاق في المصنف: 1/474 برقم 1827 و 1828 و 1829.
2 . عبد الرزاق الصنعاني: المصنف: 1/475 برقم 1832، ورواه أيضاً المتقي الهندي في كنز العمال: 8/357 برقم 23250 .
3 . أبو داود: السنن: 1/148 برقم 538.


( 68 )
فقال: هو ممّا أحدثه الناس، وهو حسن، ممّا أحدثوه. وذكر أنّ تثويبهم كان حين يفرغ المؤذّن من أذانه: إنَّ الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ. قال: أخرجه الإمام محمد بن الحسن (الشيباني) في الآثار فـرواه عن أبـي حنيفة ثمّ قـال محمد: وهو قول أبي حنيفة ـ رضي اللّه عنـه ـ وبه نأخـذ. (1)

وهذه الرواية تدلّ على أنّ التثويب في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو في عصر الخلفاء كان بعد الفراغ عن الأذان ولم يكن جزءاً منه وانّما كان يذكره المؤذّن من عند نفسه إيقاظاً للناس من النوم. ثمّ إنّه أُدرج في نفس الأذان.

5. قال الشوكاني نقلاً عن البحر الزخار: أحدثه عمر فقال ابنه: هذه بدعة. وعن علي ـ عليه السَّلام ـ حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه. ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وبلال: قلنا لو كان لما أنكره علي وابن عمر

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخوارزمي: جامع المسانيد: 1/296.


( 69 )
وطاووس سلمنا فأُمرنا به إشعاراً في حال، لا شرعاً جمعاً بين الآثار. (1)

6. وقال الأمير اليمني الصنعاني (المتوفّـى عام 182هـ): قلت: وعلى هذا ليس «الصلاة خير من النوم» من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضاً عن الأذان الأوّل. ثم قال: وإذا عرفت هذا، هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب هل هو من ألفاظ الأذان أو لا، وهل هو بـدعة أو لا؟ (2)

7. نقل ابن قدامة عن إسحاق أنّه بعد ما نقل رواية أبي محذورة قال: هذا شيء أحدثه الناس، وقال أبو عيسى: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم وهو الذي

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الشوكاني: نيل الأوطار: 2/38.
2 . الصنعاني: سبل السلام في شرح بلوغ المرام: 1/120.


( 70 )
خرج منه ابن عمر من المسجد لما سمعه. (1)

8. ما استفاض من أئمّة أهل البيت من كونها بدعة: روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة؟ فقال: «ما نعرفه».(2)

9. والذي تبيّـن لي من دراسة ما ورد حول الأذان: أنّ عائلتين استغلّتا ما روي عن جدّهم عبد اللّه بن زيد وأبي محذورة فعَمِدتا بنشر ما نُسِبَ إلى جدهما لما فيه من فضيلة للعائلة، ولولا ذلك لم يكن لهذين الأمرين (تشريع الأذان بالرؤيا والتثويب في أذان صلاة الفجر) انتشار بهذا النحو الواسع، ولأجل ذلك ربّما يرتاب الإنسان فيما نقل عن جدهما، وقد عرفت وجود رواة في أسانيد الروايات يُنسَبون إلى هاتين العائلتين.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . ابن قدامة: المغني: 1/420.
2 . الوسائل: 4/650 الباب 22 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 1، ولاحظ أحاديث الباب.


( 71 )

10. انّ الفصل الأوّل والفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الإله في صفحة الوجود وأنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.

وثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسوله، الذي بعثه لإبلاغ رسالاته وإنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل نداؤه وإعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتّصل الانسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل التي تنطوي عليها الصلاة.

وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الأبدية التي صرّح بها في أوليات فصوله ويقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه، لا إله إلاّ اللّه.

هذه هي حقيقة الأذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جمل، تحكي


( 72 )
عن حقائق أبدية، تصدّ الإنسان عن الانكباب في شواغل الدنيا وملاذّها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للأذان، ومتدبّر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاؤها ـ بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب ـ وهو أنّ المؤذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل ـ في أذان صلاة الفجر ـ إلى الإعلان بأنّ الصلاة خير من النوم ، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلام عار عن الرفعة والبداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح ـ بجد وحماس ـ على شيء لا يجهله إلاّ من يجهل البديهيات، لأنّ إعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بمن يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الأربعة.

هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375هـ وأنا أستمع للأذان في الحرمين


( 73 )
الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيّلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي وانّما أُقحم لسبب من الأسباب، بين فصول الأذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع وتأليف هذه الرسالة.

 


( 74 )

 

خاتمة المطاف

بدعة تلو بدعة

 

إنّ تاريخ الأذان والإقامة حافل بالبدع، وقد تصرفت فيه يد المبدعين لغايات استحسانية لا يعرَّج إليها في التشريع، وإليك بعض ما أحدث فيه بعد النبي.

1. الأذان الثاني يوم الجمعة

جرت السيرة في عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والشيخين على إقامة الأذان حينما يصعد الإمام على المنبر لإلقاء الخطابة، ولما كثر الناس في عهد الخليفة الثالث أمر بأذان ثان وهو الأذان عند دخول الوقت على المأذنة، وهذا هو المعروف بالأذان الثاني للخليفة. وقد روي عن الشافعي من أنّه


( 75 )
استحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر.(1)

إذا كان الأذان من الأُمور التوقيفية فليس ليد التشريع البشري التصرف فيه بزيادة أو نقيصة وكان في وسع الخليفة أن يقوم بعلاج الموقف من وجه آخر، وهو إعلام الناس بالوسائل التي لا تمتّ إلى التشريع الإسلامي بصلة مكان أن يأمر المؤذن بأذان آخر لم يكن من ذي قبل.

والعجب انّ الفقهاء أنفسهم اختلفوا فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع الوارد في قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذين آمَنُوا إِذا نُودي لِلصَّلاة مِنْ يَوْمِالْجُمْعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكْرِاللّهِ وَذَرُوا الْبيع).(2)

2. وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفية بعد عهد الصحابة تثويباً آخر، وهو زيادة الحيعلتين ـ أي عبارة «حي على الصلاة، حي على الفلاح» ـ مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدّمو الحنفية في

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المجموع:3/132.
2 . الجمعة:9.


( 76 )
الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصلوات كلّها ـ إلاّ في المغرب لضيق الوقت ـ و ذلك لظهور التواني في الأُمور الدينية، وقالوا: إنّ التثويب بين الأذان والإقامة في الصلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد بالتنحنح أو الصلاة الصلاة أو غير ذلك.

3. استحدث أبو يوسف جواز التثويب لتنبيه كل من يشتغل بأُمور المسلمين ومصالحهم كالإمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذن بعد الأذان:

السلام عليك أيّها الأمير، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك اللّه. وشارك أبا يوسف في هذا الشافعية وبعض المالكية، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان، واستبعده محمد بن الحسن، لأنّ الناس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكية.(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الموسوعة الفقهية:2/361، مادة أذان.


( 77 )

 

5

حذف الحيعلة من الأذان

قد تقدّم منّا أنّ البدعة في الأذان بإدخال التثويب ليس فريداً في بابه، بل له نظير آخر، وهو: حذف «حيّ على خير العمل» من فصول الأذان والإقامة،وذلك لغاية أن لا يكون الإعلان به في الأذان سبباً في تثبيط العامة عن الجهاد، لأنّ الناس إذا عرفوا أنّ الصلاة خير العمل، لاقتصروا عليها وأعرضوا عن الجهاد.

وهذا بعين اللّه إطاحة بالتشريع وتصرّفٌ فيه، بتفلسف تافه. فانّ المشرّع كان واقفاً على هذا المحذور، ومع ذلك أدخله في الأذان.

قال القوشجي ـ وهو من متكلّمي الأشاعرة ـ ناقلاً عن الخليفة الثاني أنّه قال على المنبر:


( 78 )

ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأنا أنهى عنهنّ وأُحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ وهي : متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل. (1)

وقد أطبقت الشيعة على كونه جزءاً من الأذان، وعلى ذلك جروا ، من العهد النبوي إلى يومنا هذا، وصار ذلك شعاراً لهم. وإنّ كثيراً من المؤرّخين يكنّون عن الشيعة بمن يحيعلون أي الذين يقولون: «حيّ على خير العمل».

قال أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين» في مقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : أنّه استولى على المدينة، وصعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند موضع الجنائز، فقال للمؤذّن: أذّن بـ «حي على خير

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . علاء الدين القوشجي (المتوفّـى عام 879 هـ بالقسطنطينية): شرح التجريد : 484 . اقرأ ترجمته في كتابنا «بحوث في الملل والنحل ج2 ـ ط. بيروت.


( 79 )
العمل» ... (1).

وقال الحلبي:ونقل عن ابن عمر وعن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين ـ عليه السَّلام ـ أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد «حيّ على الفلاح» : «حيّ على خير العمل» .(2)

 

 

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(3)

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . أبو الفرج الاصفهاني (284 ـ 356 هـ): مقاتل الطالبيين : 297.
2 . برهان الدين الحلبي: السيرة: 2/ 305.
3 . الأنعام:90.