http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 53 ـ 76 ص

( 53 )

الجهة السادسة: في أنّ الدلالة لا تتوقّف على فناء اللفظ في المعنى

ربّما يقال إنّ دلالة اللفظ على المعنى تتوقّف على دعوى الاتّحاد بين اللفظ و المعنى، و فناء الأوّل في الثاني، فناء الآلة في ذيها، والمعنى الحرفي في الاسمي.

لكنّه من الغرابة بمكان فانّ الألفاظ و إن كانت مغفولة عنها أحياناً، لكنّها ليست كذلك في أحايين أُخر، كما إذا أراد المتكلّم أن يتكلّم بغير لغة الأُمّ، أو بلغة الأُمّ لكنّه أراد أن يكون كلامه على وجه فصيح و بليغ، فيتوجّه إلى الألفاظ و يختار ما هو الأنسب، فيلقيه على وجه يكون مؤثّراً و نافذاً.

***

الجهة السابعة: في أقسام الوضع

إنّ القوم قسّموا الوضع إلى أقسام أربعة، اتّفقوا على إمكان ثلاثة منها واختلفوا في إمكان الرابع والثلاثة الأُول عبارة عن كون الوضع و الموضوع له، خاصّين، أو عامّين، أو كون الوضع عامّاً و الموضوع له خاصّاً. وأمّا المختلف فيه فهو عكس القسم الثالث أعني: كون الوضع خاصّاً و الموضوع له عامّاً.

ثمّ إنّ كون الوضع خاصّاً أو عامّاً يتبع كون الملحوظ حين الوضع خاصّاً أو عامّاً إذ الوضع يحتاج إلى ملاحظة لفظ و ملاحظة معنى، فإن كان المعنى الملحوظ خاصّاً فالوضع خاص، وإلاّفالوضع عام.

ثمّ إنّ الموضوع له قد يكون نفس الملحوظ الخاص أو نفس الملحوظ العام فعندئذ يتحقّق القسمان الأوّلان و مثالهما وضع الأعلام وأسماء الأجناس.

وأمّا القسم الثالث فهو عبارة عمّا يكون الملحوظ فيه عامّاً، ولكن اللفظ يوضع على ما يصدق عليه ذلك الملحوظ العام فيكون الوضع (باعتبار عمومية الملحوظ) عامّاً، و الموضوع له خاصّاً. لأنّ اللفظ لم يوضع للمفهوم المعرّى بل


( 54 )
لمصاديق ذلك المفهوم. فلابدّ من تركيز البحث على القسم الثالث والرابع. لوضوح إمكان القسمين الأوّلين و وقوعهما.

تقرير إمكان القسم الثالث

ثمّ إنّهم قرروا إمكان القسم الثالث بوجوه:

التقرير الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني في الكفاية ، قال: «إنّ العام(1) يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، فانّه من وجوهها، ومعرفة وجه الشيء معرفته بوجه، بخلاف الخاص، فانّه بما هو خاص لا يكون وجهاً للعام ولا لسائر الأفراد. فلا يكون معرفته و تصوّره معرفة له و لا لها أصلاً ولو بوجه.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره غير تامّ، لأنّ كون الشيء وجهاً و مرآةً لشيء آخر، يرجع مفاده إلى كونه حاكياً عنه. فلو كان هذا العام من قبيل المفاهيم الموضوعة فالحكاية فرع الوضع و المفروض أنّ العام (كالحيوان الناطق) لم يوضع إلاّلنفس الحقيقة المعرّاة عن كلّ قيد و شرط، و عندئذ كيف يمكن أن يكون مثله وجهاً للأفراد، و مرآة و معرّفاً لها و إن كان أمراً ذهنياً منتزعاً من الأفراد باعتبار القدر المشترك بينها، فالحكاية فيه و إن لم يكن فرع الوضع، لكن عدم الحكاية لأجل أنّ المنتزع هو القدر المشترك لا الخصوصيات فكيف يصلح أن يحكى عنها.

و ماذكره من أنّ العام يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك، يحتمل أمرين:

الأوّل: أن يكون العام حاكياً عن الخصوصيات والمشخّصات الفردية، لكنّه

ــــــــــــــــــــــ
(1) المراد من العام إمّا المفهوم الموضوع أي العام الذي يكون آلة لوضع اللفظ على مصاديقه (كالحيوان الناطق) أو الأمر المشترك الذي ينتزعه الذهن من مشاهدة أفراد نوع واحد و إن لم يكن مفهوماً موضوعاً بل أمراً ذهنياً مرآةً إلى الجامع فلاحظ.
(2) كفاية الأُصول:1/10.


( 55 )
أمر ممتنع و يعلم بمقايسته مع الخاص إذ كما أنّ الخاص لأجل تشخّصه و اقترانه بالخصوصيات، لا يصلح أن يكون مرآة للعام ولا لسائر الأفراد لأنّ تقيّد الفرد بالقيود المشخصة، يمنعه عن حكاية المعنى العام الوسيع الكلّي، كذلك المعنى العام بما هو عام و معرى من جميع الخصوصيات، لا يصلح لأن يكون مرآة للمصاديق و الخصوصيات و حاكياًعنها لكونه معرّى عنها و غير موضوع لها و الحكاية فرع الوضع.

الثاني: أن يكون العام من غير فرق بين كونه مفهوماً موضوعاً أو أمراً ذهنياً منتزعاً من التكوين، آلة و سبباً للانتقال من العام إلى الأفراد، بمعنى أن تكون ملاحظة العام سبباً لانتقال الذهن بنحو من الأنحاء إلى تصوّر الأفراد و هذا صحيح، لأنّه لا يشترط في كون الشيء وسيلة للانتقال إلى شيء كون السبب موضوعاً له حتى تكون حينئذ حكاية العام عن الخاصّ كحكاية اللفظ عن معناه، و ذلك لانّ للانتقال أسباباً، و ربّما يكون التضادّ أو التقارن سبباً له.

فإذا صحّ هذا الوجه في القسم الثالث يصحّ في القسم الآخر أيضاً مع أنّ المحقّق الخراساني حكم بامتناع القسم الرابع، فانّ الخاصّ مع تقيّده ربّما يكون آلة للانتقال إلى العام كالانتقال من المصاحب إلى مثله، و من المقارن إلى شبيهه.فالشخص الخارجي الملحوظ و إن كان غير حاك عن العام، لكنّه ربّما يوجب الانتقال إليه. فتجويز إمكان أحد القسمين دون الآخر، غير صحيح.

و منه يظهر عدم تمامية ما ذكره أبو المجد في وقايته إذ صار بصدد تصويره بالبيان الثاني قال:«لو رأى شبحاً من بعيد، ولم يعلم انّه جماد أو حيوان، أو نبات و على كلّ منها، لم يُدرَ انّه من أيّ نوع فوضع اللفظ بازاء ما هو نوع له بحسب الواقع و متّحد معه في الصورة النوعية، ولا شكّ في انّ الموضوع له من هذه الصورة ملحوظ إجمالاً و ليس وجهه إلاّ الجزئي المتصور.(1)

ــــــــــــــــــــــ
(1) أبو المجد الاصفهاني:وقاية الأذهان/66.


( 56 )

وذلك، لأنّه لا يتجاوز عن كون الصورة الجزئية المبهمة، سبباً للانتقال إلى الجامع الحقيقي للأفراد المشتركة مع هذه الصورة ، معنا و قد علمت انّه جائز و إنّما الكلام في المرآتية.

التقرير الثاني: إنّ المحقّق الخوئيـدامظلّهـ قرّر إمكان القسم الثالث (1) بما هذا خلاصته: إنّ الفرق بين القضية الخارجية و الحقيقية، هو أنّ الحكم في الأُولى مقصور على الأفراد الموجودة في ظرف الخطاب والحكم. مثل قولك: «قُتل من في العسكر»، «ونُهب ما في الدار» و أمّا الحقيقية فالحكم فيها مجعول على الأفراد المحقّقة ، و المقدّرة في الأزمنة الآتية. مثل قولك: «كلّ إنسان كاتب بالقوّة»، فالإنسان الموجود في ظرف الحكم والموجود في الأزمنة الآتية المقدّرة في ظرفه، مشمول لهذا الحكم، وليس هذا إلاّلأجل أخذ الطبيعة في موضوع الحكم على وجه تكون سارية في أفرادها، و جارية في مصاديقها، فيشمل كلّ فرد محقّق في ظرفه. و ما قيل: من أنّ العام لا يحكى عن المصاديق والأفراد فانّه إنّما يصحّ إذا كانت القضية طبيعيّة أو خارجية وأمّا إذا كانت مأخوذة على نحو القضية الحقيقية التي تكون فيها الطبيعة متّحدة مع المصاديق و سارية فيها، فانّها تحكي عن الجميع حسب سريانها.

يلاحظ عليه: أنّ معنى سريان الطبيعة في مصاديقها، لا يستلزم أكثر من اتّحادها مع مصاديقها، و لكن الاتّحاد ليس مناط الحكاية بل مناطها كون المحكي عنه داخلاً في مفهوم الحاكي، و يكون نفس معناه أو جزءه، و المفروض عدمه، أما ترى أنّ العرض متّحد مع الجوهر في الخارج، مع أنّ أحدهما لا يحكي عن الآخر أبداً، وإلاّفليكن الخاص أيضاً حاكياً عن العام لكونه متّحداً معه في

ــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر الأُستاذ ـ دام بقاؤه ـ قد سمع هذا التقرير منه ـ دام ظلّه ـ في درسه الشريف في النجف الأشرف عام 1270 من الهجرة النبوية. وكانت الدورة التي حضرها ، هي الدورة الثالثة من دوراته الأُصولية ـ حفظه الله و حياه ـ ولاحظ أيضاً المحاضرات:1/54.


( 57 )
الخارج.

أضف إلى ذلك أنّ السبب لشمول الحكم لكلّ فرد محقّق أو مقدّر ليس أخذ الطبيعة سارية في مصاديقها، بل لأجل كلمة «كل» أو اللام القائمة مقامها، أو لفظ «البعض»الذي يشار به إلى الأفراد إجمالاً، أو نتيجة الإطلاق الثابت، بمقدّمات الحكمة على مبنى القوم في مفاد الإطلاق. ولولا هذه الأُمور لما أجزأ أخذ الطبيعة على نحو القضية الحقيقية في شمول الحكم. وملاحظتها مقترنة بواحد من هذه الدوال يرجع إلى التقريب الثالث الذي سنذكره.

التقرير الثالث: قد جاء المحقّق العراقي بتقريب آخر لتصحيح هذا القسم و تبعه المحقّق الخوئي على ما في تقريراته فقال ما هذا خلاصته: إنّ العناوين العامة المنتزعة على أنواع:

1ـ العنوان المنتزع من الجامع الذاتي بين أفراده، المتّحد وجوداً مع خصوصيات الأفراد، والمعرّى عنها تصوّراً و حقيقة كالحيوان والإنسان.

2ـ العنوان المنتزع من الأفراد باعتبار اتّصافها بخصوصية خارجة عن ذاتها و ذاتياتها سواء كان ما بحذائها شيء كالأبيض أو لا كالممكن. و هذان القسمان لا يحكيان عن شيء من خصوصيات أفراده بل يحكيان عن الجامع الساري.

3ـ العنوان العام الذي يحكي إجمالاً عن الخصوصيات التي يكون بها التشخّص خارجاً.

والأوّل والثاني يحكيان عن الجامع والمعنون الموجود في الفرد، دون الخصوصيات. والثالث يحكي عن نفس الخصوصيات التي بها يكون التشخّص خارجاً، مثل مفهوم «الشخص» و «الفرد» و «المصداق» فهذه عناوين كلّية منتزعة من الأفراد و الخصوصيات الخارجية. و نظيرها لفظ «كل» و «بعض» والموصولات مثل «من» و«ما». و عندئذ يصحّ أن يوضع لفظ «الإنسان» لكلّ من ينطبق عليه


( 58 )
لفظ الإنسان(1) فانّ لفظ الكلّ، حاك عن الأفراد إجمالاً، أو يقال لفظ «هذا» موضوع لكلّ مفرد مذكّر.(2)

تقرير امتناع القسم الرابع

وأمّا القسم الرابع فالمعروف بين المنطقيين و الأُصوليين أنّه ممتنع و علّله المحقّق الخراساني بما حاصله:

«أنّ الخاص لا يكون مرآة للعام، لأنّه إذا لوحظت الخصوصية فيه حينَ الوضع يكون الموضوع له كالوضع، خاصّاً. وإن جرّد عن الخصوصية يكون الوضع عامّاً و يرجع إلى القسم الثالث.(3)

ثمّ بعض المتأخّرين حاولوا أن يصحّحوا هذا النوع من الوضع و لهم في المقام تقريبات نذكر منها ما يلي:

1ـ ما ذكره شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري في درره، قال ما هذا لفظه: إذا تصوّر شخصاً جزئياً خارجياً من دون أن يعلم تفصيلاً بالقدر المشترك بينه و بين سائر الأفراد و لكنّه يعلم إجمالاً باشتماله على جامع مشترك بينه و بين باقي الأفراد مثله ، كما إذا رأى جسماً من بعيد ولم يعلم أنّه حيوان أو جماد فوضع لفظاً بازاء ما هو متّحد مع هذا الشخص في الواقع (أي على الجامع الموجود بينه و بين غيره) فالموضوع له لوحظ إجمالاً و بالوجه و ليس الوجه عند هذا الشخص إلاّالجزئي لأنّ المفروض أنّ الجامع ليس متعقّلاً عنده إلاّبعنوان ما هو متّحد مع هذا الشخص.(4)

ــــــــــــــــــــــ
(1) الأُولى أن يقال: لفظ «الحيوان الناطق».
(2) لاحظ بدائع الأفكار:1/38ـ 39.
(3) كفاية الأُصول:1/10.
(4) المحقّق الشيخ عبد الكريم الحائري: الدرر: 1/5، الطبعة الحديثة.


( 59 )

يلاحظ عليه: أنّه ناش عن الخلط بين الحكاية والانتقال، فالمرئي من بعيد بحكم أنّه جزئي و متقيّد بقيود، و متخصّص بخصوصيات لا يكون حاكياً عن الجامع المشترك بينه و بين غيره من الأفراد. نعم، يكون آلة للانتقال منه إلى الجامع، و هو خارج عن محلّ البحث كما سيوافيك بيانه.

هذا و يمكن توضيحه بمثال آخر: إذا ابتكر شخص كمّاً متّصلاً الذي نسمّيه اليوم بمائة سانتيمتر. و حاول التسمية ، فيأخذ ما أحدث و يقول سمّيت الجامع بين هذا و غيره متراً، فالفرد الموجود من هذا المقدر لا يحكي عن الجامع المشترك بينه و بين سائر الأفراد لتضيّقه بالخصوصيات، وملاحظته معرّى عنها يوجب كون الوضع عامّاً و الموضوع له كذلك و لكنّه في الوقت نفسه يصلح لأن يكون سبباً للانتقال إلى الجامع و ربّما يمكن أن يقال :إنّه لا دليل على شرطية الحكاية في تحقّق الوضع بل يكفي ما يصلح لإحضار الموضوع له في الذهن.

2ـ ما نقله المحقّق الاصفهاني عن المحقّق الرشتي من تنزيل المقام على منصوص العلّة الموضوع للحكم الشخصي و مع ذلك يسري إلى كلّ ما فيه العلّة، وكذلك إذا وضع لفظ لمعنى باعتبار ما فيه من فائدة فانّ الوضع يسري إلى كلّ ما فيه تلك الفائدة فيكون الموضوع له عامّاً مع كون آلة الملاحظة خاصّاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هنا قضايا ثلاثة:

1ـ الخمر حرام 2ـ لأنّه مسكر 3ـ كلّ مسكر حرام، فالقضية الأُولى ليست بكاشفة ولا ناقلة: والثانية بحكم ضيق الموضوع ليست كاشفة، لكنّه بحكم العقل: العلّة تعمِّم و العلة تخصِّص، تسبّب انتقال الإنسان إلى القضية الثالثة و هو خارج عن البحث.

3ـ ما أفاده سيّدنا الأُستاذ في المقام من التسوية بين الثالث و الرابع و أنّهما

ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية: 1/15.


( 60 )
على وجه جائزان. وعلى وجه ممتنعان ولا وجه للتفكيك بينهما و إليك نصّ ما أفاده.

والحقّ أنّهما مشتركان في الامتناع على وجه و الإمكان على نحو آخر، إذ كلّ مفهوم لا يحكى إلاّ عمّا هو بحذائه و يمتنع أن يكون حاكياً عن نفسه وغيره، و الخصوصيّات و إن اتّحدت مع العام وجوداً إلاّ أنّها تغايره عنواناًو ماهيّة، فحينئذ إن كان المراد من لزوم لحاظ الموضوع له في الأقسام هو لحاظه بما هو حاك عنه و مرآة له فهما سيّان في الامتناع، إذ العنوان العام كالإنسان لا يحكى إلاّ عن حيثيّة الإنسانية دون ما يقارنها من العوارض والخصوصيات لخروجها من حريم المعنى اللاّبشرطي، والحكاية فرع الدخول في الموضوع له، وإن كان المراد من شرطية لحاظه، هو وجود أمر يوجب الانتقال إليه فالانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس بمكان من الإمكان، و الظاهر كفاية الأخير بأن يؤخذ العنوان المشير الإجمالي آلة للوضع لأفراده، ولا يحتاج إلى تصوّرها تفصيلاً، بل ربّما يمتنع لعدم تناهيها.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما أفاده صحيح في القسم الرابع إذ الفرد المضيّق، لا يمكن أن يحكى عن الجامع الموسّع، إلاّبنحو الانتقال، وأمّا القسم الثالث فيمكن أن يحكى العام بنحو من الخاص إذا انضمّ إليه ما يشير إلى الفرد، مثل ما تقدّم في كلام المحقّق العراقي من ضمّ لفظ «كلّ» و «من» وغيرهما . فكونهما متساويين في جميع المراحل غير تامّ بل هما في مجال الانتقال متساويان و في مجال الحكاية يفترقان، إذ يصحّ للعام الحكاية بضمّ ما يدلّ على الخصوصية، إليه، بخلاف الخاص فانّه لا يصلح للحكاية مطلقاً إلاّ بالتعرية و عندئذ ينقلب إلى الوضع العام و الموضوع له العام.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ القسمين الأوّلين لا غبار عليهما وأمّا الثالث فيصحّ أن

ــــــــــــــــــــــ
(1) الإمام الخميني: تهذيب الأُصول: 1/8.


( 61 )
يكون العام حاكياً و ناقلاً بضم كلمة «كل» و أمّا الرابع فيصحّ إذا جعل الخاص سبباً للانتقال، لا وجهاً حاكياً كما لا يخفى.

وعلى ما أوضحناه في أوّل البحث، فالأوّل ممكن و واقع كالأعلام، و الثاني غير واقع لما عرفت من أنّ أسماء الأجناس وضعت أوّلاً للشيء الخارجي ، ثمّ سرت إليه الكلّية عرضاً.

وأمّا القسم الثالث فلا بأس به إمكاناً، ولكن وقوعه مشكل، لما عرفت في أوّل البحث من أنّ المفاهيم العامّة لا تقع في أُفق الذهن خصوصاً بالنسبة إلى الإنسان البدائي، فكيف ينسب إليه هذا الوضع؟!

وأمّا الرابع فعلى فرض إمكانه، غير واقع لما عرفت.

***

الجهة الثامنة: في معاني الحروف و وضعها

يقع البحث في الحروف في موضعين:

1ـ ما هو معانيها و مضامينها.

2ـ ما هو كيفية وضعها.

والنظر في كيفية الوضع و أنّه خاص أو عام يتبع اتّخاذ النظر في الموضع الأوّل والبحثان مختلطان في كلام القوم.

ونحن نركّز البحث على الموضع الأوّل و نبحث عن الموضع الثاني في الجهة التاسعة.

التعريف المعروف لكلّ من الاسم والحرف، هو ما ذكره ابن الحاجب صاحب الكافية حيث قال:

«الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، والحرف ما دلّ على معنى في غيره، و


( 62 )
المراد من الموصول هوالكلمة. والضمير في كلّ من «نفسه» و «غيره» يرجع إلى المعنى. وأنّه في حدّذاته على قسمين، قسم يكون مفهوماً محصَّلاً في نفسه، لا يحتاج في تحصيله في الذهن إلى معنى آخر، و قسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن يتبع غيره.

وإلى ذلك ينظر المحقّق الشريف في حواشيه على المطوّل حيث قال: «إنّ معاني الأسماء معان مستقلّة ملحوظة بذواتها، و معاني الحروف معان آلية حيث إنّها تُلْحظُبنحو الآلية و المرآتية لملاحظة غيرها. هذا هو المعروف في معنى الحروف و أمّا كيفية الوضع فيأتي البحث عنه.

ثمّ إنّه ظهرت بعد ابن الحاجب (570ـ 648) آراء في معنى الحروف و هي بين الإفراط والتفريط و إليك دراسة هذه الآراء .

1ـ نظرية المحقّق الرضي قدَّس سرَّه (ت686)

إنّ الشيخ الرضي اختار في تفسير التعريف المذكور بأنّ الضمير في كلّ من نفسه و غيره يرجع إلى الموصول الذي أُريدت منه الكلمة و انتهى إلى أنّ مضمون الاسم (الابتداء) مضمون نفسه، و لكن معنى الحرف (من) مضمون لفظ آخر، يضاف ذلك المضمون(مضمون من) إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي و إليك نصّه.

قال الرضي: «إنّ معنى"من" الابتداء، فمعنى "من" و معنى لفظة "الابتداء "سواء إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقة. و معنى "من" مضمون لفظ آخر يضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصلي، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء في قولك "الابتداء خير من الانتهاء" و لم يجز الإخبار عن لفظ "من "لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها، في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه، بل في لفظ غيره. وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقة،


( 63 )
فالحرف وحده لا معنى له أصلاً، إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا أفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى في شيء أصلاً. فظهر بهذا أنّ المعنى الإفرادي للاسم و الفعل في أنفسهما، و للحرف في غيره».(1)

أقول: إنّ بين التفسيرين بوناً شاسعاً إذ على التعريف الأوّل تكون الحروف ذات معان، متحقّقة في غيرها، و على الثاني لا تكون ذات معان أصلاً و إنّما تكون دالّة على خصوصية المعاني الاسمية الّتي تضمّنتها الألفاظ الأُخر، فكلّ من لفظي «من» و «إلى» يبيّن خصوصية السير المحدود من حيث المبدأ و المنتهى. كعلامات الإعراب من الرفع والنصب والجرّ، فكما أنّ الأُولى علامة للفاعلية والثانية علامة للمفعولية والثالثة علامة للمضاف إليه، من دون أن يكون لنفس الرفع و النصب و الجرّ معنى أصلاً، فكذلك الحروف حيث وضعت لمجرّد الإشارة إلى ما أُريد من مدخولها، فلفظ «من» يدلّ على أنّ البصرة لوحظت بما هي مبدأ السير و الكوفة لوحظت بما هي منتهاه فلتفهيم هذا المعنى لابدّ من علامة وهي الحروف.

وعلى هذا تكون الحروف، أشبه شيء بالعلائم المنصوبة في الطرق حيث تحكي عن حالات الطرق من حيث الاستقامة والانحناء، وغيرهما، والحال أنّها لا معنى لها أصلاً تفيده لو كانت في غير مواضعها المتعارفة.

أقول: إنّ هذه النظرية على طرف النقيض ممّا سيأتي من المحقّق الخراساني فلو فرّط الرضي في تفسير الحروف، فقد أفرط المحقّق الخراساني حيث جعلهما مترادفين وموضوعين لمعنى واحد كما سيوافيك.

يلاحظ على نظرية الرضي: أنّه إذا كان المقياس في تبيين المعاني، هو المتبادر، فانّ المتبادر من الحروف عند الاستعمال غير ما هو المتبادر من سماع الإعراب أو مشاهدتها، في آخر الكلام، فانّ الحروف يتبادر منها المعاني المخصوصة من نفس

ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح الرضي لمقدّمة ابن الحاجب (الكافية): ص 4.


( 64 )
الحروف بخلاف الإعراب فلا نتلقّاها إلاّ كالعلائم.

2ـ نظرية المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه

ذهب المحقّق الخراساني إلى أنّ المعاني الحرفية والاسمية متّحدة جوهراً (1) فلا فرق بينهما، وأنّ الاستقلال و الآلية خارجان عن حريم المعنى و حقيقته، و إنّما يعرضان عند الاستعمال. فيكون الوضع عاماًو الموضوع له عامّاً.(2)

وإنّما ذهب إلى هذا القول تخلّصاً من المضاعفات الموجودة في القول بأنّها موضوعة للمعاني الآلية من الابتداء والانتهاء لأنّ أخذ الآلية جزء للمعنى يوجب كون الموضوع له خاصّاً وعندئذ يعود السؤال بأنّه ما هو المراد من كونه خاصّاً فإن أُريد منه الجزئي الخارجي، فربّما يكون المستعمل فيه عامّاً كما إذا قال : سر من البصرة إلى الكوفة، و إن أُريد منه الجزئي الذهني بحيث يكون لحاظ الآلية قيداً له فيترتّب عليه عدّة أُمور:

1ـ لزوم تعدّد اللحاظين عند الاستعمال، لاستلزامه لحاظ المعنى مضافاً إلى اللحاظ الموجود فيه عن طريق الوضع.

2ـ عدم انطباقه على الخارج لكون جزء الموضوع أمراً ذهنياً.

3ـ لزوم كون لحاظ الاستقلالية جزءاً للمعاني الاسمية فيصبح المعنى الاسمي خاصّاً وهو خلاف ما اتّفقوا عليه.

ويلاحظ عليه بأُمور:

الأوّل: أنّ الهدف من الوضع هو تفهيم ما يقع في الضمير من المعاني، فإذا كانت المعاني على قسمين، معان مستقلّة متحقّقة في أنفسها، و معان متدلّية و

ــــــــــــــــــــــ
(1) وربّما ينسب هذا القول إلى الرضي لقوله في العبارة السابقة معنى «من و لفظ الابتداء سواء» لكن الذيل يشهد على خلافه.
(2) كفاية الأُصول: 1/15.


( 65 )
متحقّقة في غيرها، والغرض ربّما يتعلّق بإفهام الأُولى كما ربّما يتعلّق بإفهام الثانية، فلا وجه عند ذاك لأن يترك الواضع الوضع لكلّ من المعنيين اللذين يتعلّق الغرض ببيانهما أكثر من تعلّقه ببيان الجامع بينهما.

الثاني: أنّه إذا لم يكن كلّ من الاسم و الحرف موضوعاً للخصوصية العارضة للجامع، لم يكن حاكياً عنها أبداً، لا قبل الاستعمال و لا بعده، إذ كيف يكون حاكياً عنها مع عدم الوضع، فانّ مجرّد قصد المستعمل لا يكون سبباً للدلالة و الحكاية، مالم يكن دخيلاً في الموضوع له. و قد عرفت أنّ الحكاية فرع الوضع.

الثالث: أنّ لازم ما ذكره جواز استعمال كلّ مكان الآخر، وهو كما ترى. و ما أجاب به بأنّه لا مانع لكنّه مخالف للشرط الذي جعله الواضع. حيث شرط عند ما وضع الاسم للجامع، أن يراد منه عند الاستعمال معناه بما هو وفي نفسه وشرط عند وضع الحرف أن يراد منه المعنى بما هو حالة لغيره، غير تامّ، لعدم لزوم اتّباع شرط الواضع، وإن شرطه في ضمن وضعه، فيلزم أن يكون الاسم و الحرف مترادفين يفرّقهما شرط الواضع و هو غير لازم الاتّباع و يترتّب عليه جواز استعمال كلّ مكان الآخر و هو كما ترى.

الرابع: أنّه لو أراد خروج واقع الاستقلال والتبعية لا مفهومهما ولحاظهما عن حريم المعنى، فهو عين القول بارتفاع النقيضين، فانّ المعاني كما سيوافيك على ضربين، إمّا متحقّقة في نفسها أو لا، فكيف يمكن القول بخروجهما عن ذواتها.

وإن أراد خروج لحاظ الاستقلالية و الآلية كما هو ظاهر كلامه، فهو وإن كان صحيحاً و غير موجب لارتفاع النقيضين في الواقع غير أنّه يرد عليه أنّ الآلية ليست مقوّمة للمعنى الحرفي و إلاّلعادت الأسماء معان حرفية إذا أخذت آلات للحاظ الغير، كالعناوين الكلّية من القضايا الحقيقية المشيرة إلى الأفراد، مثل قولك: «كلّ إنسان ناطق» بل تكون المصادر معان حرفية إذا لوحظت أوصافاً و حالات لموصوفاتها، مثل قولك: «طلع زيد بغتة» والنتيجة أنّ خروج الآلية عن


( 66 )
الموضوع له ليس دليلاً على وحدة معاني الأسماء و الحروف. والحقّ تمايز المعنى الاسمي عن الحرفي بجوهره و حقيقته، كما سيوافيك بيانه بإذنه سبحانه.

وأمّا ما ذكره من المضاعفات الثلاثة على القول بدخول الآلية في الموضوع فنرجع إليها في الجهة التاسعة فانتظر حتى لا يختلط بحوث الجهتين.

3ـ نظرية المحقّق الشيخ محمد تقي قدَّس سرَّه (ت 1248)

ذهب المحقّق الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية إلى أنّ معاني الحروف على قسمين: إخطاريّة و إيجاديّة. والمراد من المعاني الإخطارية ما يكون استعمال ألفاظها في معانيها موجباً لخطور معانيها في ذهن السامع واستحضارها لديه. مثل معاني الأسماء حيث إنّ المفاهيم الاسمية لها نحو تقرّر و ثبوت في وعاء العقل الذي هو وعاء الإدراك، فيكون استعمال ألفاظها موجباً لإحظار تلك المعاني في الذهن. و المراد من الإيجادية مالا يكون لمعانيها نحوُ تقرّر و ثبوت مع قطع النظر عن الاستعمال، بل توجد في موطن الاستعمال، نظير المعاني الإنشائية.

و من الحروف ما تكون معانيها إيجادية ككاف الخطاب، و ياء النداء وما أشبه ذلك. بداهة أنّه لولا قولك يا زيد، و إيّاك ، لما كان هناك نداء ولا خطاب، ولا يكاد يوجد معنى «ياء» النداء و «كاف» الخطاب إلاّبالاستعمال، فيكون الحرفان موجدين لمعنى لم يكن له سبق تحقّق بل يوجد بنفس الاستعمال.

و من الحروف ما تكون معانيها إخطارية مثل «من» و «إلى» و «على» وغير ذلك من الحروف حيث كان استعمالها موجباً لإخطار ما وقع في الخارج من نسبة الابتداء والانتهاء ففي قولك«سرت من البصرة إلى الكوفة» يكون لفظ «من» و «إلى» حاكيين عمّـا وقع في الخارج كحكاية لفظ «زيد» عن معناه.(1)

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق الشيخ محمد تقي: هداية المسترشدين، الفائدة الثانية من الفوائد التي وضعها في تتمة مباحث الألفاظ، ص 22.


( 67 )

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم معاني الحروف إلى إيجادية و إخطارية، تقسيم بديع، يبتني عليه كون الموضوع له خاصّاً لكونه أمراً إيجادياً لا ينفكّ عن الجزئية. و كان على صاحب الحاشية أن يركّز على أنّ الإيجاد والإخبار، يتحقّقان بما لهما من المعاني و ما هو حقيقة تلك المعاني ـ مع انّه أهمله ـ و مع غضّ النظر عنه لا يتحقّق واحد منهما أبداً.

4ـ نظرية المحقّق النائيني قدَّس سرَّه (ت1355)

اختار المحقّق النائيني أنّ معاني الحروف كلّها إيجادية حتّى القسم الأخير، وأنّ شأن أدوات النسبة ليس إلاّإيجاد الربط بين جزئي الكلام، فإنّ الألفاظ بمالها من المفاهيم متباينة بالهوية والذات، فلفظ «زيد» بما له من المعنى مبائن للفظ «قائم» بما له من المعنى . و كذا لفظ «السير»مباين للفظ «الكوفة» و« البصرة» بما لهما من المعنى. وأدوات النسبة إنّما وضعت لإيجاد الربط بين جزئي الكلام بما لهما من المفهوم على وجه يفيد فائدة تامّة يصحّ السكوت عليها فكلمة «من» و «إلى» إنّما جيء بهما لإيجاد الربط و إحداث العلقة بين «السير» و «البصرة» و «الكوفة» الواقعة في الكلام بحيث لولا ذلك لما كان بين هذه الألفاظ ربط و علقة أصلاً.(1) و سيوافيك نظرنا عند دراسة نظرية تلميذه الجليل و هي الآتي:

5ـ نظرية المحقّق الخوئي ـ دامظلّه ـ

اختار في تعاليقه على أجود التقريرات أنّ الحروف وضعتْ لتضييق المعاني الاسمية وتقييدها بقيود خارجة عن حقائقها ومع ذلك لا نظر لها إلى النسب الخارجية بل التضييق إنّما هو في عالم المفهوم، ثمّ مثّل بمثال و قال: الصلاة في المسجد حكمها كذا، فانّ الصلاة لها إطلاق إلى الخصوصيات المنوّعة و المصنّفة والمشخّصة، فغرض المتكلّم قد يتعلّق ببيان المفهوم على إطلاقه و سعته و يقول :

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق النائيني : فوائد الأُصول: 1/42، ولاحظ أجود التقريرات: 1/18.


( 68 )
الصلاة خير موضوع، وقد يتعلّق بإفادة حصّة خاصّة منه و يقول: الصلاة في المسجد حكمها كذا، حتى تدلّ على انّ المراد ليس الطبيعة السارية إلى كلّ فرد بل خصوص حصّة منها.(1)

وفيه أوّلاً: أنّ التضييق ليس من خواص الحروف فقط، بل يحصل من ضمّ كلمة إلى كلمة أو جملة إلى جملة مثل قولك : جاء زيد راكباً فإنّ الحال يقيد إطلاق المجيء الشامل لمجيئه راجلاً و راكباً و لا يختص بالحروف.

وثانياً: أنّ ما ذكره لا يتمّ في بعض الحروف مثل قد و واو القسم ، و أدوات التحضيض مثل هلاّ و الا، فأيّ ضيق في مثل قولك: هلاّ قرأت القرآن أو في قولك: قد قامت الصلاة بل الكلّ من قبيل إضافة معنى إلى معنى آخر و لو سمينا الإضافة «ضيقاً» لعمّ الأسماء والأفعال أيضاً.

وثالثاً: إن أُريد أنّ الحروف وضعت للتضييق بالحمل الأوّلي، فيلزم الانقلاب و رجوع المعاني الحرفية إلى المعاني الاسمية و إن اريد إنّهما وضعت له بالحمل الشائع ففيه ، أنّ الضيق يحصل لأجل دلالتها على معاني خاصّة كالظرفية في مثاله، فيجب التحقيق حول تلك المعاني، لا عن التضييق و بالجملة إنّ ما ذكره المحقّق النائيني من كون الحروف موضوعة لإيجاد الربط الكلامي مثلما ذكر تلميذه من أنّها موضوعة لتضييق المعاني الاسمية لا يرجعان إلى تفسير نفس المعاني الحرفية و بيان صميمها،بل يرجعان إلى ما تستبعه تلك المعاني من الربط الكلامي وإيجاد الضيق.

6ـ النظرية المعروفة بين الأعلام(2)

إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء كان بالوضع التعييني أو التعيّني، هي

ــــــــــــــــــــــ
(1) تعاليق أجود التقريرات:1/ 18.
(2) ويرجع أساس هذه النظرية إلى ما حقّقه الحكيم صدر المتألهين (979ـ1050هـ) في باب تقسيم الموجود الإمكاني إلى وجود في نفسه لنفسه، أعني الجواهر، ووجود في نفسه لغيره كالأعراض. و وجود في غيره لغيره، كالحروف، ثمّ أوضحه الحكيم السبزواري ( 1214ـ 1289هـ) حتّى وصلت النوبة إلى أعلام العصر فحقّقوها بالبيان الواضح كالمحقّق الاصفهاني(1296ـ 1361هـ) في نهايته والعلاّمة الطباطبائي (1321ـ 1402هـ) في تعليقته على الكفاية و سيّدنا الأُستاذ (1320ـ 1409هـ) في محاضراته و تقريراته ـ قدّس الله أسرارهم ـ .


( 69 )
رفع الحاجة و إظهار ما يقوم في النفس من المفاهيم و المعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرف الحواس وغيرها من أدوات المعرفة و لمّا كانت النشأة الخارجية على مراتب وأقسام، كانت المفاهيم المتّخذة منها ذات أقسام.

توضيحه: إنّ الإنسان إذا لاحظ صحيفة الوجود والنشأة الخارجية، يجد فيها أقساماً من الحقائق، نشير إلى أهمّها.

الأوّل: ما هو مستقلّ ذاتاً و ماهية، كما هو مستقلّ خارجاً و وجوداً. و إن شئت قلت: مستقلّ في كلتا النشأتين الذهنية والخارجية، فكما له استقلال في صفحة الوجود، له استقلال في صحيفة الذهن و ذلك كالجواهر كلّها، فانّ لها مفاهيم نفسية، ،غير ناعتة لشيء ولا واصفة له، كما هو حالها كذلك في عالم العين و ظرف التحقيق و هذا ما يسمّيه الفلاسفة :«ما وجوده في نفسه لنفسه» فيشير قولهم:« في نفسه» إلى كونها ذات مفاهيم مستقلّة، كما يشير قولهم: «لنفسه»إلى كونها غير ناعتة كالأعراض المتأصلة.

الثاني: ما يكون ذا مفهوم تام في النشأة الذهنية، و لكنّه لا توجد في الخارج إلاّناعتاً لغيره و واصفاً له، فهو مستقلّ في عالم التصوّر دون عالم العين، و ذلك كالكمّ و الكيف و سائر الأعراض النسبية. فانّ البياض الذي هو كيف محسوس، له ماهيّة تامّة يتصوّر مستقلاً بلا ضمّ ضميمة و يقال: إنّه لون مفرِّق لنور البصر، لكنّه غير مستقلّ في عالم العين حيث إنّه لا يوجد إلاّ في الموضوع. و مثله الكمّ ، منفصلاً كان أو متّصلاً.

فإن قلت: إنّ الأعراض النسبية كالأين و المتى و غيرهما ليست كذلك،


( 70 )
فإنّها غير مستقلّة في كلتا النشأتين فانّ الأين عبارة عن كون الشيء في المكان، كما أنّ المتى عبارة عن كونه في الزمان، و قس عليهما البواقي من الأعراض النسبية.

قلت: العرض النسبي ليس هو حصول الشيء في المكان و الزمان، بل هو عبارة عن الهيئة الحاصلة من هذا الكون، و هو مفهوم مستقلّ، غير قائم بشيء في النشأة الذهنية و إن كان قائماً بغيره في النشأة الخارجية.

و يقال للقسم الأوّل : «الوجود النفسي» كما يقال لهذا القسم، «الوجود الرابطي» تمييزاً بينه و بين ما سيأتي من القسم الثالث.

الثالث: ما هو غير مستقلّ في كلتا النشأتين ، لا في الذهن ولا في الخارج و ليس له مفهوم تام، كما ليس له وجود مستقلّ، فهو اندكاكي المعنى، كما هو اندكاكي الوجود. فمفهومه فان في غيره، كما أنّوجوده كذلك.وهذا ما يقال له «الوجود الرابط» و إلى ذلك يشير الحكيم السبزواري في منظومته:

إنّ الوجود رابط ورابطي ثمّة نفسي فهاك فاضبط

فالمعاني الحرفية من هذا القبيل، فهي لا تتصوّر إلاّتبعاً للمعاني المستقلّة و في ظلّها، كما لا تتحقّق إلاّمندكة في الغير و فانية فيه. و إن شئت فاستوضح الأمر من المثال التالي :

تقول: «زيد في الدار» فهناك زيد، ودار، ووقوعه فيها. و الأوّلان مستقلان ماهية ووجوداً. وأمّا الثالث ـ أعني حصوله فيها ـ مثلاً لا يتصوّر إلاّمضافاً إلى زيد و الدار، كما لا يتحقّق إلاّ بهما، ولو أردت استقلال ذاك الحصول و سلب التبعيّة عنهما لأفنيته وأعدمته. فاستقلال تلك المعاني مفهوماً و وجوداً مساو لانعدامها و فنائها من رأس. و هذا نوع وجود، و نوع تحقّق لها، و إن كان أضعف من جميع مراتب الوجود المتقدّمة، حيث لا يمكن وجودها لا في الخارج ولا في الذهن من حيث هي هي مع قطع النظر عن الطرفين.

فإن قلت: إنّ أهل الأدب يقولون: إنّ«في» للظرفية»، و «على» للاستعلاء و


( 71 )
«من» و «إلى» للابتداء و الانتهاء، وظاهرها أنّها موضوعة للمفاهيم المستقلّة.

قلت: لا يراد منه كونها موضوعات لنفس هذه المفاهيم الاسمية، وإلاّ لانقلبت المعاني الحرفية إلى معان اسمية وهو خلاف مرادهم، بل المراد أنّها موضوعة لما هو ظرف مصداقاً، واستعلاء حقيقة، و ابتداء و انتهاء عيناً، غير أنّه لمّا كان تصوّر هذه المعاني الحرفية محالاً على وجه الاستقلال، لأنّ تصوّرها على هذا الوجه إفناء وإعدام لها، اتخذت المعاني الاسمية، أعني مفهوم الظرفية والاستعلاء، وسيلة لتصوّر المعاني الحرفية، و قيل «في» للظرفية مراداً بها كون الموضوع له مصداق الظرفية لا مفهومها.

و إن شئت قلت: إنّ لفظة «في» ليست موضوعة لما هو ظرف بالحمل الأوّلي، بل هي موضوعة لما هو ظرف بالحمل الشائع، و مثلها سائر الحروف، كما لا يخفى.

تقريب بين الآراء الماضية

ثمّ إنّه يمكن التقريب بين هذه النظرية و ما تقدّم من صاحب الحاشية و المحقّق النائيني و المحقّق الخوئي فانّ الأنظار الثلاثة الأخيرة في طول هذه النظرية و قابلة للجمع معها بيانه:

إنّ كون الحروف ذات معان مندكّة في الغير، قائمة به في كلتا النشأتين، لا يتفاوت فيها الحال بين كونها حاكيات كما مثّلناه، أو إيجاديات كما هو الحال في بعض الحروف ككاف الخطاب ، وياء النداء و حروف التحضيض، و القسم، فانّه لا تراد من الحروف في هذه المقامات، الحكاية عن معنى متحقّق في الخارج مع قطع النظر عن استعمالها كما هو الحال في الحاكيات منها، بل يراد منها معان مندكّة موجودة بنفس الاستعمال، متحقّقة بنفس التلفّظ بها، فالخطاب والنداء ليسا من الأُمور التي لها تحقّق في الخارج حتّى يحكي عنها الخطاب أو النداء بل


( 72 )
المعنيان يوجدان بنفس الاستعمال و إن كان المعنى الموجد مندكّاً في الغير.

وعلى كلّ تقدير فالحروف بمالها من المعاني غير المستقلّة لها دور الإخطار و الإيجاد. فيتّحد الرأيان غير أنّ أحدهما أساس للآخر.

و بعبارة أُخرى انّ تقسيم المعاني الحرفية إلى الإيجاديّة و الإخطارية، غير مانع من أن يكون واقعها، مفاهيم غير مستقلّة في الذهن و الخارج بل في الدلالة كما لا يخفى.

ثمّ إنّ للحروف ـ حاكياتها و إيجادياتهاـ شأن آخر و هو إيجاد الربط، بمالها من المعنى الاندكاكي، فإنّ شأن الحروف إيجاد الربط الكلامي بحيث لولاها لخرج الكلام عن الانسجام.

وبذلك يعلم أنّ الإيجاد بهذا المعنى، أي إيجاد الربط الكلامي، ليس ممّا يغاير كون بعضها حاكيات، بل الحروف سواء كانت حاكيات أو إيجاديات، لها دخالة تامّة في حصول الربط بين أجزاء الكلام كما لا يخفى.(1)

و تضييق المعاني الاسمية بالحروف لا ينافي كونها موضوعة للمعاني المتدلّية فانّها في ظلّ تلك المعاني يقوم بدور التضيق و بذلك يتحقّق التوحيد بين الآراء الأربعة:

فإن قلت: إنّ بعض الحروف ربّما يقوم مقام الأسماء مثل قوله سبحانه:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء) (الشورى /11) فانّ معناه : ليس مثل مثله شيء، و معه كيف تصحّ النظرية الأخيرة من أنّها موضوعة للمعاني غير المستقلّة.

قلت: إنّ الكاف في الآية اسم ليس بحرف و على ذلك يكون مشتركاً لفظياً

ــــــــــــــــــــــ
(1) بذلك يظهر أنّ تعريف الحرف «بما دلّ على معنى قائم بالغير» من أتقن التعاريف لما عرفت من أنّ جوهر المعاني الحرفية مطلقاً هو التدلّي بالغير، لكن بشرط أن يفسر بما ذكرنا لا مطلق المعنى القائم بالغير حتى يعمّ الأعراض النسبية و غيرها بأن يقال: قياماًبالغير تصوّراً ووجوداً.


( 73 )
بين الحرف والاسم و ليس ذلك ببعيد. و له نظائر ذكره ابن هشام في المغني ، نحو:

غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها * تصلّ عن قيض ببيداء مَجْهل

أى صارت ناقته من فوقه ...و البيت لمزاحم بن عمرة العقيلي

و يقول القطري بن الفجاة المازني:

و لقد أراني للرمـاح دريئة * من عن يميني مرّة و أمامي

أي من جانب يميني.

وقال ابن مالك:

و مـذ و منـذ اسمان حيث رفعا * أو أوليا الفعل كجئت مذ دعا.

بقيت هنا نكتة و هي: أنّ ما ذكرنا من التعريف ربّما لا يصدق على بعض الحروف نحو واو الاستيناف، و تاء التأنيث في «ضربت» و «قد» في الماضي إلاّبتكلّف فالأولى المعاملة معها معاملة العلائم .

الجهة التاسعة: في بيان كيفية وضع الحروف

ذهب المحقّق الخراساني إلى عموم الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه فيها قائلاً بأنّ الخصوصية المتوهمة إن أوجبت كون المعنى جزئياًخارجياً فهو منقوض بأنّ المستعمل فيها قد يكون كلّياً مثل قولك: سر من البصرة إلى الكوفة ، والشاهد على كلّية الأوّل، صدق الامتثال إذا سار من أي نقطة منها إلى الكوفة ، وإن أوجبت كونه جزئياًذهنياً للحاظه حالة لمعنى آخر فهي لا توجب أخذه في المستعمل فيه و إلاّلما انطبق على الخارج شيء من الأخبار، و لاستلزم إلغاء الخصوصية عند الأمر بالسير من البصرة إلى الكوفة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على ما سلّمه من وحدة المعنى في الاسم و

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية: 19.


( 74 )
الحرف ثمّ بنى على هذا المبنى ما بنى من الاستدلال.

و بعبارة أُخرى : لمّا كان المعنى الاسمي و الحرفي عنده متساويين جوهراً و متّحدين ذاتاً، و كان المعنى الاسمي، كلّياً غير جزئي بالذات، أنكر فكرة الجزئية العارضة على المعنى الحرفي بأنّ الجزئية العارضة إمّا أن تجعل المعنى جزئياً خارجياً أو تجعله جزئياً ذهنياً، و لمّا بطل الأمران، ثبتت كلّية المعنى ذاتاً. و لكن صحّة الاستدلال فرع تسليم المبنى، فعلى القول بأنّهما مختلفان جوهراً و تعقّلاً، عيناً وخارجاً، فالاستدلال ساقط من أصله.

فالحقّ أن يقال: إنّ الوضع عام و الموضوع له خاص أمّا في الإيجاديات من الحروف، كحروف النداء و الخطاب، وحروف التحضيض، و التأكيد، فلما عرفتَ من أنّها وضعت لإيجاد معانيها بنفس الاستعمال، والموضوع له هو النداء والخطاب بالحمل الشائع، و هو يساوق الجزئية ـ كما لا يخفى ـ من غير فرق بين كون المنادي واحداً أو أكثر.

و إن شئت قلت: إنّ الواضع لاحظ مفهوم النداء والخطابَ فوضع الحروف على ما هو المصداق، و ما هو بالحمل الشائع خطاب و نداء، ولا يصحّ أن يقال: بأنّها موضوعة لنفس هذه المفاهيم الكلّية ضرورة استلزامه انقلابَ المعاني الحرفية إلى الاسمية، و هو متّفق على بطلانه.

وأمّا الحاكيات من الحروف فلأنّ الموضوع له فيها ليس هو مفهوم الظرفية و الاستعلاء والابتداء والانتهاء، ضرورة كونها معان اسمية، بل الموضوع له ماهو المصداق لهذه المفاهيم بالحمل الشائع، و هو يساوق الجزئية بلا كلام.

وبعبارة أُخرى: إنّ حقيقة المعاني الحرفيّة ترجع إلى الربط و التدلّي و القيام بالغير ذهناً وخارجاً، فهي إذن لا تتقوّم في كلتا النشأتين إلاّ بالوجودات غير المستقلّة مفهوماً و وجوداً. و ما هذا شأنه لا يتصوّر له جامع كلّي ينطبق على أفراده، ويحكي عن مصاديقه، لأنّ الجامع لابدّ من أن يكون من سنخ المعاني


( 75 )
الحرفية، أي يكون ربطاً و تدلّياً بالحمل الشائع، وإلاّ انقلب معنى اسمياً.و ما يكون ربطاً بالحمل الشائع، يصير جزئياً لا كليّاً. و إلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية حيث يقول: إنّ أنحاء النسب الحقيقية في حدّ ذاتها ـ مع قطع النظر عن أحد الوجودين من الذهن أو العين ـ تعليقية، ولا يُعْقل انسلاخها عن هذا الشأن. و حيث إنّ ذات النسبة تعليقية ـ فلا جامع ذاتي بين أنحائها، لأنّ إلغاء التعلّق منها، إخراج لها عن النسبية فلابدّ من الوضع لأنحائها بجامع عنواني يجمع شتاتها.(1)

و بذلك يظهر أنّ المعاني الحرفية لا تدخل تحت مقولة من المقولات بحيث تعدّالمقولة من سنخ المعاني الحرفية، لأنّ المقولة لابدّ أن تكون محمولة، وحملها يساوي استقلالها، وهو يوجب انقلابها إلى المعنى الاسمي.

وبعبارة أُخرى: إنّ المعاني الحرفية هي المعاني المندكّة في هذا الغير، وذاك الغير، و ذلك الغير، فإذاأردتَ تصوير جامع بينهما فلابدّ من الغاء الخصوصيات و الموارد و «الغيريات» حتّى تصبح مفهوماً كلّياً و قطعها عن هذه الإضافات يوجب تبدّلها إلى معاني اسمية. فتبيّن من هذا البحث الضافي أنّه ليس للمعاني الحرفية جامع ذاتي بحيث يعدّ الجامع من سنخ المعاني

الحرفية بل الجامع جامع عنواني و هذا شأن كلّ أمر تعليقي في حدّذاته.

ولأجل ذلك لابدّ للواضع من أن يتوصّل عند الوضع بمفاهيم اسمية لا تكون جامعاً ذاتياً لها ولا تكون ربطاً حقيقياً وتدلّياً واقعياً. كمفاهيم الظرفية والابتداء الآلي وغيرهما. فيضع الحروف لما هو مصداق لها بالحمل الشائع، و يشير بهذه العناوين إلى المصاديق، و بهذه المفاهيم إلى الأفراد.

و ما استدلّ به المحقّق الخراساني على كون معاني الحروف كلّية و عامة بقوله: إنّ المستعمل فيه كثيراً ما يكون كلّياً، كما إذا وقع تحت الأمر، كقوله: «سر من

ــــــــــــــــــــــ
(1) . كفاية الأُصول: 1/16.


( 76 )
البصرة إلى الكوفة»، غير تامّ، لأنّا لا نجد فرقاً بين هذا المثال المدّعى استعمال الحرف فيه في المعني الكلّي، وبين قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» المدّعى استعمال الحرف فيه في المعنى الجزئي، و الظاهر أنّ المتكلّم لاحظ البصرة أمراً واحداً شخصياً و استعمل الحرف في ذلك الواحد الشخصي، وإنّما التكثر جاء من جانب العقل، حيث إنّ العقل بعد ما لاحظ أنّ البصرة واحد ذو أجزاء، يصلح أن يبتدء بالسير من كلّ جزء مصداقاً للامتثال، حكم بأنّ الامتثال يحصل من أيّ جزء تحقّق، و كم فرق بين أن يكون المستعمل فيه أمراً كلّياً من أوّل الأمر، وبين أن يكون واحداً حقيقياً منحلاً إلى كثير بحكم العقل، نظير انحلال الحكم الواحد إلى الكثير، كما لا يخفى.

فتلخّص: أنّ جزئية المعنى الحرفي لازم كونه رابطاً واقعياً بين الشيئين، وقائماً بالطرفين، لا لأجل لحاظ الآلية و التبعية فيه، بل ذات المعنى وسنخه يقتضي ذلك.

كما ظهر أنّه لا جامع ذاتي مقولي بين المعاني الحرفية، إذ لو كان الجامع من سنخ المعنى الحرفي لوجب أن يكون متدلّياً بالذات و هو بهذا الوصف يمتنع أن يكون مقولة، لأنّ المقولة تحمل على مصاديقها و الحمل يستلزم الاستقلال في التصوّر وهو لا يجتمع مع كونه معنى حرفياً غير مستقلّ في المفهوم.

وإن شئت قلت: إنّه لو كان الجامع من سنخ المعاني الاسمية، فهو لا يكون جامعاً للمعاني الحرفية.

***