http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 627 ـ 634 ص

( 627 )

تفصيلان في مقدّمة الواجب

ذكر عن بعضهم في مقدّمة الواجب تفصيلان:

الأوّل: التفصيل بين السبب والشرط.

الثاني: التفصيل بين الشرط الشرعي كالطهارات الثلاث وغيره.

أمّا التفصيل الأوّل: فقد قيل في بيانه، إنّ السبب واجب عند الأمر بالمسبب، لأنّ المقدور هو السبب دون المسبّب فانّه غير مقدور للمكلّف. مثلاً: المقدور هو الإلقاء دون الإحراق. وعلى ذلك ينصرف الأمر به إلى السبب.

وفيه منعان واضحان:

أوّلهما: أنّ المسبّب مقدور مثل السبب، غاية الأمر أنّه مقدور بالواسطة، و السبب مقدور بلا واسطة.

وثانيهما: أنّ لازم ما ذكر، كون السبب واجباً نفسياً، وهو خارج عن محطِّ البحث، لأنّ البحث في الوجوب الغيري.

وأمّا التفصيل الثاني: فقد قيل في بيانه: إنّ الواجب هوا لشرط الشرعي دون غيره، لأنّه لولا وجوبه لما كان شرطاً. وليس من قبيل الشرائط العرفية التي لابدّمنها عقلاً و عادة.

ويلاحظ عليه: أنّه استدلال مجمل. فانّه إمّا أن يريد أنّه لولا الوجوب لما كان شرطاً ثبوتاً، أو يريد أنّه لولا الوجوب لما علمت شرطيّته و مقدميّته.

ويتوجه على الأوّل، أنّه يستلزم الدور، لأنّ الوجوب يتوقّف على كونه شرطاً ومقدّمةً في حدّ نفسه حتى يتعلّق به الوجوب. فلو توقفت شرطيته على وجوبه، للزم الدور الواضح.

ويتوجّه على الثاني، أنّ العلم بالشرطية لا يتوقف على الوجوب بل يعلم


( 628 )
بالأمر الإرشادي أوّلاً، وبالتصريح بالشرطية ثانياً، وبالأمر بالمقيّد ـ مثل قوله: صلّ متطهراً ـ ثالثاً.

إلى هنا استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي عدم الملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها، وأنّ الأمر بالمقدّمة إمّا غير محتاج إليه، أو غير باعث و داع.

***

إكمال

في حكم مقدّمة المستحب والمكروه و الحرام

إذا قلنا بأنّ ملاك وجوب مقدّمة الواجب هو المدخلية في تحقّق الواجب، يكون كلّ مقدّمة له مدخلية في تحقّق المستحب كالمشي إلى زيارة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو أحد الأئمة الأطهار ـ عليهم السَّلام ـ مستحبّاً و إن قلنا بأنّ الملاك هو كونه واقعاً في طريق المطلوب بالذات و منتهياً إليه، يكون المقدّمة الموصلة بعامة أجزائها، مستحبّة.

في مقدّمة المكروه

ومنه يظهر، حال مقدّمة المكروه كالمشي إلى الطلاق، فهي أيضاًبأجمعها مكروهة و ذلك لأنّ لها مدخلية في تحقّق المبغوض، فيسري إليها البغض كسريان الحب إليها في مقدّمة الواجب، وعلى القول بوجوب المقدّمة الموصلة، يكره الموصل منها إلى ذيها أخذاً بالملاك فالحكم سعة و ضيقاً يدور حول سعة الملاك و ضيقه.

في مقدّمة الحرام

إنّ الإمعان في الموضوع يطلب أن لا يكون هناك اختلاف بين مقدّمة


( 629 )
الواجب والحرام، سعة و ضيقاً، لأنّ الملاك إمّا هو المدخلية، أو كونه في طريق المطلوب أو المبغوض بالذات فعلى الأوّل يحرم كلّ مقدّمة من مقدّمات الحرام ولو كان شرطاً أو معدّاً أو غير ذلك لمكان المدخلية و على الثاني يحرم كلّ مقدّمة واقعة في طريق المبغوض بالذات.

وبالجملة، يجب على القائل بالملازمة أن يعطف مقدّمة الحرام على مقدّمة الواجب و يركز البحث على وحدة الملاك و هو إمّا، المدخلية في حصول المطلوب والمبغوض بالذات أو الوقوع في طريقهما ، على وجه يكون موصلاً إلى المطلوب أو المبغوض بالذات وعلى هذا لا يصحّ التفصيلات الآتية، و يكون جميع مقدّمات الحرام محرّمة أو قسم الموصلة منها حراماً.

لا يقال: فرق بين الواجب والحرام، فانّ الفعل الواجب لمّا كان متوقّفاًعلى كلّ جزء من أجزائه يسري الحبّ إليها كلّها و توصف بالوجوب. بخلاف الحرام فانّه يتوقف على محقِّق المبغوضية، و بما أنّ جميع الأجزاء ليس محقّقاً بل المحقّق هو المخرج للمبغوض إلى حيّز الوجود لا يسري إلى كلّ جزء من أجزاء المقدّمة، بل يتعلّق بخصوص المخرج للمبغوض عن العدم إلى الوجود.

لأنّا نقول: إنّ ملاك السريان إذا كان هوالتوقّف والمقدّمية، فهو موجود في كلتا المقدّمتين، فكما أنّ الواجب متوقف على كلّ جزءجزء، فهكذا الحرام وجوده متوقّف على كلّ جزء جزء. وعلى هذا، فكما يسري الحب من ذيها إلى جميع الأجزاء، فهكذا يسري البغض من ذيها إلى جميع أجزاء مقدّمة الحرام، من غير فرق.

ومثله ما إذا قلنا بأنّ الواجب و المحرّم هو المقدّمة الموصلة أي ما يقع في طريق المحبوب والمبغوض، وعندئذ فلا فرق بين المقدّمتين.

نعم، فرق بين امتثال الواجب وامتثال المحرّم، فانّ امتثال الأوّل يتوقف على الإتيان بعامّة المقدّمات، وأمّا امتثال الثاني فانّه يتوقف على ترك واحدة منها إذا لم تكن المقدّمات متحقّقة، وعلى ترك الأخيرة إذا كانت متحقّقة و لكن البحث ليس


( 630 )
في كيفية الامتثال و إنّما في سريان الحبّ والبغض في مقام تعلّق الأحكام فبما أنّ سبب السريان هو المدخلية أو الوقوع في الطريق فمقدّمات الواجب والحرام سيّان في السريان.

هذا هو المختار في باب مقدّمة الحرام، فإن قلنا بالحرمة، فلا فرق بين جزء وآخر، إلاّأنّك عرفت عدم الملازمة أصلاً بين الإرادتين، لا في الواجب، و لافي غيره ولكن لو قلنا بالملازمة لا فرق في مقدّمات الحرام بين الجزء الأوّل والأخير والمتوسط بينهما.

آراء وتفاصيل

ثمّ إنّ هاهنا تفاصيل في ما هو المحرّم في مقدّمة الحرام ، نشير إليها.

الأوّل: ما ذكره صاحب الكفاية من سراية التحريم إلى العلل التوليدية، أعني: مالا يتمكّن المكلّف معه من الترك المطلوب، فلا محالة يترشح من طلب الترك، طلب ترك خصوص هذه المقدّمة، وأمّا غيرها فلا، لأنّ غير الجزء الأخير (الإرادة) منها يتمكّن المكلّف مع الإتيان به، من ترك الحرام، فلا يترشّح التكليف إليه، وأمّا الجزء الأخير و إن كان لا يتمكّن من ترك الحرام لكنّه خارج عن الاختيار ولا يتعلّق التكليف به.

توضيحه : إنّ المقدّمة على قسمين:

1ـ ما يتمكّن معه من ترك الحرام والمكروه عن اختيار، كما كان متمكّناً قبله كالمشي إلى الطلاق وأكل الربا وفي مثله لا يسري الحكم من ذيها إلى مقدّمتها.

2ـ مالا يتمكّن معه من ترك الحرام فيكون مطلوب الترك، و يترشّح من طلب ترك ذيها، طلب ترك خصوص هذه المقدّمة.

ومثال القسم الثاني ينحصر في العلل التوليدية و إلى هذا القسم يشير


( 631 )
بقوله: «نعم مالم يتمكّن معه من الترك المطلوب لا محالة يكون مطلوب الترك، و يترشّح من طلب تركهما، طلب ترك خصوص هذه المقدّمة.

وأمّا القسم الأوّل و يُعنى به الأفعال المباشرية فلا يحرم من مقدّماتها شيء، لأنّ الشرط و المعدّ والسبب بأنفسها من دون تعلّق إرادة بذيها ليست علّة تامّة للحرام على وجه لا يتمكّن معها من ترك ذيها، فلا تسري الحرمة إليها، وأمّا مع الإرادة فهي و إن كانت معها علّة تامّة لكن الإرادة بما أنّها خارجة عن الاختيار لا تتعلّق بها الحرمة.

وإلى هذا القسم أشار بقوله: «فلو لم يكن للحرام مقدّمة لا يبقى معها اختيار تركه» (أي علّة تامّة لا يتمكّن معها من ترك ذيها) لما اتصف بالحرمة مقدّمة من مقدّماته.

ثمّ أورد على نفسه و قال:«كيف لا يكون للشيء علّة تامة مع أنّ الوجود، رهن الوجوب، وهو رهن العلّة التامة.

فأجاب بأنّ ما ذكر، و إن كان صحيحاً و لكن ليس المقصود إنكار العلّة التامّة للشيء بل المقصود أنّ العلّة التامة ليست ، ملازمة لجواز التكليف، فالشرطوالمعِّد و السبب مع الإرادة علّة تامّة لحدوث الفعل لكن الإرادة، بما أنّها خارجة عن الاختيار لا تتعلّق بها التكليف و ما يتعلّق به التكليف أعني سائر الأجزاء غير الإرادة، ليس علّة تامّة بحيث لا يتمكّن المكلّف من الإتيان به عن ترك ذيها.(1)

أقول: ما ذكره في مقدّمات الأفعال التوليدية صحيح لا غبار عليه، إنّما الكلام فيما ذكره في مقدمات الأفعال المباشرية أو الإعدادية فعلى ما ذكره، لا توصف مقدّمة أي فعل مباشري بالحرمة لأنّ الناقصة لا تلازم الفعل، و الكاملة لا

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/205.


( 632 )
يتعلّق بها التكليف.

لكن يرد عليه أوّلاً: أنّ الملاك لسريان حكم ذيها إلى المقدّمة أحد أمرين:

1ـ إمّا المدخلية و رفع الإحالة، وهو موجود في جميع المقدّمات.

2ـ إمّا وقوعها في طريق ذيها و كونها منتهية إليه، و هو أيضاً مشترك.

وكون المكلّف متمكناً من الترك معها أو غير متمكّن منه ليس له مدخلية في السريان، فانّه راجع إلى مقام الامتثال و البحث في المقام مركّز في الحرمة المقدّمية.

والحاصل أنّ تعلّق الحكم الغيري بالمقدّمة بملاك واحد في جميع الموارد ولا معنى للتفكيك بينها .

وثانياً: كيف يقول بأنّ الجز ءالأخير ـ يعني الإرادة ـ أمر خارج عن الاختيار، لا يتعلّق به التكليف مع أنّ الفقهاء أجمعوا على وجوب النيّة في الصلاة والصوم و غيرهما على نحو يكون التقيّد داخلاً، والقيد خارجاً. فلولا كونها اختيارية لما وصفت بالوجوب، على أنّك عرفت أنّ الملاك في كون شيء اختيارياً ليس كونه مسبوقاً بالإرادة ، بل الملاك صدور الفعل عن فاعل مختار بالذات سواء كان مسبوقاً بها كالأفعال الجوارحية، أو لا، كنفس الإرادة.

الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني في المقام، وهو التفصيل بين ما لا يتوسّط بين المقدّمة و ذيها اختيار الفاعل وإرادته، فلو أتى بالمقدّمة فذو المقدّمة يقع في الخارج قهراً بحيث لا يتمكّن المكلّف من تركه. كما إذا علم أنّه لو دخل المكان الفلاني لاضطرّ إلى ارتكاب الحرام قهراً، ففي هذا القسم تحرم المقدّمة حرمة نفسية.

وبين ما تتوسط فيه بين المقدّمة وذيها، إرادة الفاعل، فعندئذ لو أتى بالمقدّمة بقصد التوصل إلى الحرام، تحرم للتجرّي، أو بالسراية. و أمّا إذا أتى بها


( 633 )
من دون ذلك القصد، فلا دليل على الحرمة.(1)

أقول: ما ذكره في الصورة الأُولى صحيح لا غبار عليه و أمّا الصورة الثانية في كلامه ـ أعني: ما يتوسّط بين المقدّمة و ذيها اختيار المكلّف ـ فقد حكم بالتحريم فيما إذا أتى بها بقصد التوصّل، و الظاهر من كلامه احتمال أنّ الحرمة غيرية لا نفسية، ولكنّه خلاف التحقيق، إذ يكون الإتيان بالمقدّمة حينئذ بقصد التوصل تجريّاً، وعلى القول بحرمته تكون حرمته نفسية لا غيرية.

وأمّا الصورة الثالثة التي التزم فيها بعدم الحرمة لعدم قصد التوصل فيظهر النظر فيه ممّا ذكرنا من سريان البغض إلى كلّواحد واحد من المقدّمات لكونها في طريق المبغوض، بشرط أن تكون المقدّمة موصلة، وكون المكلّف غير قاصد بها للتوصل إلى ذيها، يوجب عدم الحكم بالحرمة ظاهراً لكنّه إذا انتهى العمل إلى ذيها يكشف عن تعلّق الحرمة و إن كان غير واقف عليها.

الثالث: ما ذكره سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ من أنّ الحرام هو الجزء الأخير إذا كانت الأجزاء مترتّبة، أو الواحد من الأجزاء إذا كانت عرضيّة، قائلاً بأنّ الزجر عن الفعل مستلزم للزجر عمّا يخرج الفعل من العدم إلى الوجود، لا إلى كلّ ما هو دخيل في تحقّقه. و المبغوض هو انتقاض العدم بالوجود و السبب لذلك هو الجزءالأخير في المترتّبات، وفي غيرها يكون المجموع هو السبب، وعدمه بعدم جزء منه.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين سريان الحبّ إلى الجميع في الواجب دون الحرام، بلا وجه ، لأنّ الملاك في السريان هو التوقف ـ على القول بوجوب مطلق المقدّمة ـ و الوقوع في مسير المحبوب و المبغوض ـ على القول بالموصلة فعلى كلا

ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أجود التقريرات:1/249. والمحاضرات:2/439. و ما نقلناه مطابق لما في المحاضرات لكونه أوضح ممّا في الأجود، فلاحظ.
(2) تهذيب الأُصول:1/284، ط جماعة المدرسين.


( 634 )
القولين، يكون الواجب أو المحرّم هو جميع الأجزاء، غاية الأمر يكون الموضوع على القول بالموصلة أضيق من القول الأوّل. فالبغض كما يسري إلى ناقض العدم و محقّق وجود المبغوض، أعني الجزء الأخير، كذلك يسري إلى كلّ ما وقع في طريقه و مسيره ، غاية الأمر أنّه يجب الإنتهاء إلى المبغوض على المختار، دون القول الأوّل.

و يعرب عمّا ذكرنا، ما ورد من اللعن على عشرة أصناف في مورد الخمر فعن جابر لعن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الخمر عشرة: غارسها ، و حاربها، وعاصرها، و شاربها، وساقيها و حاملها، و المحمولة إليه، و بايعها و مشتريها وآكل ثمنها.(1)

وقد أفتى الفقهاء بحرمة السفر، إذا كانت الغاية محرّمة و بوجوب الإتمام مع أنّ السفر فيها مقدّمة للحرام و ليس بحرام بنفسه.

وفي نهاية المطاف: ما ذكرناه من حرمة المقدّمة مبني على تسليم الملازمة بين الوجوبين، وإلاّ فلو أنكرنا أصل الملازمة فالمقدّمة مطلقاً على حكمها الأوّلية من الإباحة، لا الوجوب والحرمة.

تمّ الجزء الأوّل ـ وله الحمد ـ

ويليه الجزء الثاني في الملازمة بين الأمر بالشي والنهي عن ضدّه

و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

السيّد محمود الجلالي المازندراني

ــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: الجزء 12، الباب 55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4و5.