أمراً أخصّ من مطلق المقدّمة، يعني الموصلة منها. والمحقّق العراقي يحاذر عن التصريح بذلك، فيكنّي عنه، فراراً عن توجّه الإشكالات ـ المتوجهة إلى المقدّمة الموصلة ـ إليه ، وقد عرفت ض آلتها. وهذا يثبت كون الواجب هو المقيّد، و لكن يشار إليه بالتوأمية.
ولو افترضنا أنّ النزاع راجع إلى عالم الاثبات، فبما أنّ الدليل على الوجوب ليس من قبيل القضايا الخارجية بل من قبيل القضايا الحقيقية فلابد أن يعتمد الدليل على العنوان، فما هو، أهو مطلق المقدّمة أو الموصلة منها، أو التوأمة مع ذيها و الأوّل خلاف الفرض و الأخيران، سيّان في المفاد.
هذا في جانب العلّة الفاعلية، وأمّا العلّة الغائية، فلمّا كانت العلّة الغائية علّة لفاعلية الفاعل، بحيث لولاها لما اتّصف الفاعلُ بالفاعلية، صارت الغاية بمنزلة العلة بالنسبة إلى بروز الإرادة، و الإرادة بمنزلة المعلول. و عند ذلك يقال: إنّ الإرادة ، و إن لم تكن مقيّدة بالغاية التي هي الإيصال ـ لكونها و إن كانت متقدّمة على الإرادة تصوّراً و لحاظاً، لكنّها متأخّرة عنها وجوداً، ولا يعقل تقييد المتقدّم (الإرادة) بالمتأخّر (الغاية) وجوداً ـ إلاّأنّها ليست أوسع من الغاية التي هي علة لفاعلية الفاعل، و سبب لبروز الإرادة في لوح النفس، وإلاّلزم أن تكون الإرادة بلا غاية، و هو مساوق لفقدان الإرادة، لا وجودها بلا غاية. بل بما
أنّ الغاية علّة لفاعلية الفاعل، يلزم مع انتفاء الغاية، انتفاء الفاعلية، وهو مساوق أيضاً لعدم الإرادة.
وعلى هذا تكون الإرادة غير مقيدة بالغاية و لكنّها ليست بأوسع منها، فالواجب ليس مطلق المقدّمة، ولا المقيدة بالإيصال، بل ما لا ينطبق إلاّ على المقيد.(1)
الأوّل: إنّا لا نسلّم امتناع تقييد المعلول بعلّته، لا لتأخّر رتبته، لأنّ التأخّر مع التقارن الزماني غير مضرّ، و إنّما المضرّ للتقييد هو التأخّر الوجوديّ، فإذا قلنا: حركت اليد فتحرك المفتاح، فحركة اليد و المفتاح متقارنان زماناً، غير متخلّفين في الوجود، و إن كان بينهما اختلاف في الرتبة العقلية، حيث يرى العقل حركة المفتاح مفاضة من حركة اليد، و لأجل ذلك تتخلل بينهما لفظة «فـ». و ما هو الشرط في التقييد، هو المعية في ظرف الوجود، وهو حاصل.
و إنّما يمتنع التقييد لأجل أمر آخر، وذلك أنّ التقييد المذكور بما أنّه ليس في عالم المفاهيم و إنّما هو تقييد في متن الخارج و صفحة الوجود و لازم تجويز ذلك التقييد تحقّق المعلول، قبل التقييد على وجه الإطلاق الوجودي، ثمّ تضيّقه تكويناً ثمّ تقيد ذلك الإطلاق من جانب علّته، و هذا محال، لاستلزامه وجود المعلول على وجه السعة، ثمّ تضييقه.
وبعبارة أُخرى: التقييد إنّما يجري في المفاهيم الكلية الذهنية، كما في قولك: «اعتق رقبة مؤمنة» لا في الأُمور التكوينية الخارجية، فإذا كان ظرف الأمرين هو متن الخارج، فيمتنع أن يكون الشيء موجوداً وسيعاً، ثمّ يُتقيد و يُضيق بل الموجود يتولّد مضيّقاً من أوّل الأمر.
(1) هذا البيان أخذه سماحة الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ عن مجموعة فوائد ألّفها الإمام الخميني ـ دام ظلّه ـ و كانت تشمل على مجموعة تقريرات لدروس شيخه العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه، و هي بعد لم تطبع.
( 606 )
الثاني: إنّ القول بتضييق الإرادة من جانب علّتها الغائية، تضييقاً ذاتياً، فلا إرادة في غير إطار ودائرة غايتها، عبارة أُخرى عن القول الخامس المتقدّم، وهو أنّ الفاعل لا يريد سوى المقدّمة الموصلة. والاختلاف إنّما هو في كيفيّة التقرير.
***
4ـ مقدّمة الواجب
الأمر السادس
ثمرات القول بوجوب المقدّمة
قبل الخوض في أدلّة القول بالوجوب، نذكر ثمرات المسألة، وهي سبع:
الثمرة الأُولى
ما ذكره المحقّق الخراساني و هو أنّه على القول بالملازمة بين الوجوبين، يستنتج وجوب المقدّمات في الواجبات، وحرمتها في المحرّمات. والملاك في المسألة الأُصولية وقوعها كبرى لاستنباط حكم شرعي.
يلاحظ عليها: أنّه لا يترتّب على هذه الثمرة أثر عملي، لأنّ الوجوب المقدّمي على فرض ثبوته إمّا غير محتاج إليه، أو غير صالح للباعثية والداعوية، لأنّ المكلّف إمّا أن يكون بصدد امتثال الأمر بذي المقدّمة، فهو آت بالمقدّمة، سواء أكانت واجبة أم لا. أو لا يكون بصدده لكون الدواعي صارفة عنه، فلا يصلح الأمر المقدّمي للباعثية والداعوية، لأنّه إذا كان الأمر الذي يترتّب عليه الثواب والعقاب غير باعث فما ظنّك بالأمر المقدّمي التوصّلي الذي لا يترتّب على الإتيان به ثواب، ولا على مخالفته عقاب؟
وهذا هو الذي قلناه من أنّ الأمر المقدّمي إمّا غير محتاج إليه أو غير صالح
( 607 )
للباعثية. و سيوافيك أنّ هذا هو الأساس لإنكار وجوب المقدّمة مطلقاًفترقب.
الثمرة الثانية
إذا تعلّق النذر بالإتيان بالواجب، فلو قلنا بوجوب المقدّمة، يكفي الإتيان بها، و إلاّ فلابدّ من الإتيان بواجب نفسي.
يلاحظ عليها أوّلاً: أنّ عدّمثل هذا ثمرة لمسألة أُصولية، غير خال عن الإشكال.
وثانياً: أنّ الوفاء بالنذر تابع لكيفية النذر. فإن كان متعلّقه هو الواجبُ النفسي، لا يحصل الفراغ بالإتيان بالمقدّمة، وإن قلنا بوجوبها. وإن كان متعلّقه مطلق الواجب ـ الأعمّ من الشرعي والعقلي ـ يحصل الفراغ و إن قلنا بعدم وجوبها شرعاً و بل قلنا وجوبها العقلي، فليس حصول الفراغ وعدم حصوله، ثمرة مطلقة لوجوب المقدّمة وعدمه، كما لا يخفى.
نعم لو كان متعلّقه خصوصَ الواجب الشرعي الأعمّ من النفسي والغيري وأتى بالأخير يتوقف الوفاء على وجوب المقدّمة شرعاً.
وإن شئت قلت: بين الوفاء بالنذر (الفراغ) ووجوب المقدّمة، عموم وخصوص من وجه. فإن كان المتعلّق هو الواجبُ النفسي، لما تحقّق الفراغ، وإن كانت المقدّمة واجبة. و إن كان المتعلّق هو الأعمّ من الشرعي والعقلي، لحصل الفراغ و إن قلنا بعدم وجوبها. و ربّما يجتمعان، كما إذا نذر الأعمّ من النفسي والغيري، فانّ الفراغ يتحقّق بالإتيان بالمقدّمة، و إن لم ينحصر بالإتيان بها.
أضف إلى ذلك أنّه أنّما يتم على القول بوجوب مطلق المقدّمة، وأمّا على القول بوجوب الموصلة، أو في حال الإيصال، فحصول وصف الإيصال لا ينفكّ عن الإتيان بذيها، و معه يحصل الوفاء سواء أقلنا بوجوب المقدّمة أم لا.
( 608 )
الثمرة الثالثة
إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات ثمّ انصرف الآمر فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء أمر بمقدّمته، يصير ضامناً لها، فيجب على الآمر دفع أُجرة المقدّمات و إن انقطع العمل بعدها.
يلاحظ عليها: مع ما في عدّ هذا ثمرة لمسألة أُصولية من التعسف:
أوّلاً: أنّ الآمر ضامن، وإن لم يكن الأمر بالشيء أمراً بالمقدّمة، لأنّه لما أمر بذيها، وصار ذلك الأمر مبدأ لاشتغال العامل بالمقدّمات صار ضامناً، و يكفي في الضمان كون الأمر بذيها سبباً للاشتغال بالمقدّمة و إن كان الأمر به فاقداً للدلالة على الإتيان بمقدِّمته.
وثانياً: أنّه لا يتمّ على القول بوجوب المقدّمة الموصلة، لعدم الإتيان بالواجب، فلا يكون القول بوجوبها ملازماً للضمان.
وثالثاً: ما عرفت من أنّ الاشتغال بما يسمّى بالمقدّمات، اشتغال بنفس الواجب النفسي فيما إذا كانت المقدمات داخلية، كالمثال، إذ ليس لبناء البيت معنى سوى القيام به على نحو التدريج و إن لم يكن الحال في المقدّمات الخارجية كذلك.
الثمرة الرابعة
حرمة أخذ الأُجرة على المقدّمة لو قلنا بوجوبها كما إذا أخذ الأُجرة على تطهير الثوب الذي يريد الصلاة فيه، لما تقرّر من عدم جواز أخذ الأُجرة على الإتيان بالواجبات، وأنّ بين الوجوب والاستيجار تناف.
يلاحظ عليها: أنّ الوجوب سواء كان نفسياً أو غيرياً غير ملازم لحرمة أخذ الأُجرة، بل جواز الأخذ وعدمه تابعان لكيفية إيجاب الواجب أمّا الواجبات
( 609 )
التوصلية فانّها على قسمين:
1ـ ما يطلب وجوده بالمجّان، بحيث تكون المصلحة قائمة به، كتغسيل الميّت و تكفينه و دفنه. وفي مثله لا يجوز أخذ الأُجرة.
2ـ ما يطلب أصل وجوده، سواء أكان بالمجّان أم بازاء عوض، وهذا كالصناعات التي يقوم عليها النظام فالواجب هو إقامة النظام، وهو لا يتوقّف إلاّ على أصل الإتيان، لا على الإتيان بالمجّان.والتفصيل في محلّه.
وأمّا الواجبات التعبدّية، فأخذ الأُجرة على الواجب على الأجير بالذات، غير صحيح لأمرين:
1ـ عدم تمشي قصد القربة فلا يتمكّن من إيجاد ما استأجر له على الوجه الصحيح.
2ـ عدم عود منفعة عائدة إلى المستأجر فلواستأجر الوالد ولده لصلاة نفسه، أو الحاكم للمتساهلين بها، يكون باطلاً، لأنّ الأجير لا يقدِّم شيئاً إلى الموجر في مقابل الأُجرة، وأمّا أنّه سبحانه يثيبه فلا صلة له بالأجير. وأمّا أخذ الأُجرة على الواجب على غيره، كقضاء صلوات الغير نيابة بالإجارة فقد أجاز لفيف من الفقهاء أخذ الأُجرة بوجوه مذكورة في محلّها، وقد أشار المحقّق الخراساني إلى بعض الوجوه و هو أنّ أخذه الأجر من باب الداعي إلى الداعي.
و ربّما يستدل على صحّة هذاا لنوع من الإيجار بما ورد في باب الحجّ حيث يجوز تأجير الشخص على الحجّ. و لكنّه غير تام، لما استوفينا الكلام فيها في أبحاثنا الفقهية و نأتي بموجزة في المقام وهو الفرق بين الاستئجار على الحجّوالاستئجار على باقي الأعمال العبادية، بأنّ الحجّ عمل عبادي لا ينفك القيام به عن بذل مال كثير في حصوله، فلأجل ذلك يصحّ الاستئجار عليه لأنّ ماهية العمل، ماهية عبادية مالية، و لذلك تضافرت الروايات على صحّة الاستنابة فيه وصحّ عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «انّه أعطى ثلاثين ديناراً يُحجّ بها عن
( 610 )
إسماعيل و لم يترك شيئاً من العمرة إلى الحجّ إلاّ اشترط عليه، حتى اشترط عليه أن يسعى في وادي محسر، ثمّ قال: يا هذا إذا أنت فعلت هذا كان لإسماعيل حجّة بما أنفق من ماله، وكانت لك تُسع بما اتعبت من بدنك.
(1)
إلى غير ذلك من الأحاديث ولا يمكن التجاوز عن باب الحجّ إلى سائر الأعمال خصوصاً مثل الصلاة والصوم من الأعمال التي تعدّ عبادة محضة و لم يكن الاستئجار على تلك الأعمال أمراً رائجاً في عصر الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، وحتى الأعصار القريبة من عصرهم ، وإنّما هو أمر حدث في الأعصار المتأخرة و لم نقف على تاريخه و لأجل ذلك يشكل الإفتاء بصحّة هذه الأعمال النيابية و الاستئجار عليها ضرورة أنّ من شروط صحّة الإجارة قدرة الأجير على الإتيان بالمتعلّق ـ و هو الصلاة خالصاً لله ـ مع أنّه غير مقدور على الأجير.
فالأولى في تلك الموارد المعاملة مع الأجير معاملة الإمام مع القاضي وكلّ من يقوم بمصالح المسلمين فكما أنّ الإمام يقوم بقضاء حوائج القاضي و يسدُّ حاجتَه فكذا كلّ من أراد استئجار الغير للصلاة يجب عليه القيام بقضاء حوائج النائب إلى مدّة تكفي للقيام بالعمل فالمستأجر يسدّحاجة الأجير و هوأيضاً يقوم بنفس ما يتوخاه الطرف الآخر، فلو قمنا بنشر تلك الفكرة في المجتمع الإسلامي لكان أوفق بالقواعد فإنّ العطاء والعمل ليسا من باب المعاوضة و المعاملة بل من قبيل جزاء الإحسان بالإحسان وأنّ هذا يهب شيئاً والآخر يقوم بحاجته و كان ألصق بالقلوب وأبعد عن الإشكال.(2)
الثمرة الخامسة
حصول الفسق بترك واجب واحد له مقدّمات كثيرة، لصدق الإصرار على
ــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: الجزء 8، الباب 1 من أبواب النيابة في الحجّ، ص 115، الحديث 1.
(2) لاحظ «المواهب في تحرير أحكام المكاسب» تقريراً للبحوث الفقهية لسماحة الأُستاذ.
( 611 )
الحرام، بذلك. كما في مورد الحجّ إذا ترك أخذ جواز السفر، او جواز الطائرة، و... .
وأورد عليها المحقّق الخراساني بأنّه لا يكاد يحصل الإصرار على الحرام بترك واجب، ولو كانت له مقدّمات غير عديدة لحصول العصيان بترك أوّل مقدّمة لا يتمكّن معه من الواجب (وعندئذ يسقط وجوب المقدّمات) فلا يكون تركها بحرام أصلاً لسقوط التكليف حينئذ.(1)
وحاصله; أنّ ترك المقدّمة الأُولى، يوجب سقوط وجوب ذيها ، ومع سقوط وجوب ذيها، لا تكون الثانية والثالثة من المقدّمات واجبة حتى يكون تركها حراماً.
و على كلّ تقدير: إنّه لا ملازمة بين ترك مطلق الواجب والمعصية، وإنّما التلازم بين ترك الواجب النفسي والمعصية، وهو غير متحقّق، لما عرفت من أنّها ليست بمحبوبة، ولا تركها بمبغوض، والأمر الشرعي بها لأجل اللابديّة. بحيث لو تمكّن المكلّف من الإتيان بالواجب النفسي بدونها، لما أمر المولى بها، و مثله لا تعدُّ مخالفته معصية، كما لا يخفى.
الثمرة السادسة
إذا قيل بوجوب المقدّمة، و كانت المقدّمة محرّمة ، يكون المورد صغرى لمسألة اجتماع الأمر والنهي، بخلاف مالو قيل بعدم وجوبها، فليس هناك إلاّ النهي، وأورد عليه المحقّق الخراساني بوجوه.(2)
الإشكال الأوّل
قال قدَّس سرَّه ماهذا توضيحه: إنّ كون المورد من باب اجتماع الأمر والنهي رهن
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/197.
(2) كفاية الأُصول: 1/198.
( 612 )
كون المتعلّقين من العناوين التقييدية كالصلاة و الغصب، وأمّا المقام فأحد العنوانين و إن كان تقييديّاً كالغصب لكن العنوان الآخر، أي المقدّمة عنوان تعليلي، و بما أنّ الحكمَ المتعلّق بالعنوان التعليلي، لا يستقّر عليه، بل يسري إلى المصداق يكون الواجب بالوجوب الغيري هو ذاتُ المقدّمة أعني الوضوء والغسل و الركوب فيكون متعلّق الأمر والنهي شيئاً واحداً يختلف بالإطلاق و التقييد، فالغصب حرام، والوضوء بالماء المغصوب أو السير بالدابّة المغصوبة حرام، و ما هو كذلك لا يُعدّ من باب اجتماع الأمر والنهي بل من باب النهي في العبادات والمعاملات كقولك: صلّ، ولا تصلّ في الحمام.
فإن قلت: إنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية، جهات تقييدية، فينطبق الحكم على المصداق بهذاالعنوان، كانطباق الصلاة على الفرد الخارجي بعنوان الصلاة.
قلت: ما ذكرته صحيح في الأحكام العقلية، وأمّا في الأحكام الشرعية فانّ الموضوع فيها مغاير للجهة التعليلية. فانّ العلّة فيها للوجوب هي عنوان المقدّمة، بينما الموضوع ـ في المثال ـ هو غَسل الثوب، و إن وجب بما أنّه مقدّمة. و لذلك لا تكون المسألة من صغريات مسألة جواز الاجتماع وامتناعه. هذا غاية توضيح لمقاصده.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من أنّ المقدّمة عنوان تعليلي، و يسري الحكمُ منه إلى المصداق و إن كان صحيحاً، لكنّه بعد السريان يكون المتعلّق عنواناً تقييديّاً أيضاً، إذ بعد السريان ، يكون المتعلّق للوجوب هو الوضوء والسير والغسل، و الجميع من العناوين التقييدية، و النسبة بين الغصب وكلّواحد من هذه العناوين، عموم و خصوص من وجه كالصلاة والغصب.
الإشكال الثاني: إنّ المقدّمة إمّا منحصرة بالحرام أو لا، فعلى الأوّل يقدّم ـ من الأمر والنهي ـ ما هو أقوى ملاكاً، فلا موضوع للاجتماع، و بالنتيجة:
( 613 )
الموجودإمّا الحرمة ولا وجوب، أو الوجوب ولا حرمة.
وأمّا إذا كانت غير منحصرة، فالعقل يرى التلازم بين وجوب المقدّمة المباحة و وجوب الواجب، ولا يحكم بالتلازم بين مطلق المقدّمة و وجوب الواجب حتى تكون المقدّمة المحرمة و اجبة ،و على ذلك فالمقدّمة المحرّمة باقية على حرمتها و ليست بواجبة.
وأورد عليه في المحاضرات بأنّ الأمر في صورة انحصار المقدّمة بالمحرّمة صحيح إلاّ أنّه لا يتمّ في صورة غير الانحصار و السبب فيه هو أنّه لا موجب لتخصيص الوجوب في هذه الصورة بخصوص المقدّمة المباحة بعد ما كانت المقدّمة المحرّمة مثلها في الواجديّة للملاك و هو توقف الواجب عليها ووفائها بالغرض، ومجرّد كون المقدّمة محرمة من ناحية انطباق عنوان المحرم عليها لا يُخرجها عن واجديّة الملاك.(1)
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «لا موجب لتخصيص الوجوب في هذه الصورة بخصوص المقدّمة المباحة» قابل للتأمّل وذلك، لأنّ الاشتمال على الملاك غير كاف في نظر العقل في الحكم بالوجوب عند اقترانها بالمانع مع وجود المندوحة، فإذا كان العقل متوقفاً أوحاكماً بعدم وجوب المحرّمة من المقدّمة معها، فلا يمكن استكشاف الحكم الشرعي منه و إلاّ يلزم أن يكون الحكم الشرعي أوسع من علّته و كاشفه، و هو حكم العقل في مقام الإثبات.
وبذلك يعلم ضعف قياس المقام بالوجوب والحرمة النفسيين كقولنا: صلّ و لاتغصب وذلك لأنّ الخطابين في هذا المفروض موجودان فلا مانع من اجتماعهما على العنوانين على القول بالاجتماع وأمّا المقام فأصل الخطاب الشرعي مشكوك،لأجل قصور حكم العقل عن الحكم بوجوب المقدّمة المحرّمة، مع وجود المندوحة.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:2/432.
( 614 )
الإشكال الثالث: إنّ القول «بالملازمة وعدمها»(1) غير مؤثر في الغاية المطلوبة في المقدّمة وهو التوصل إلى ذيها و ذلك لأنّ المقدّمة المحرّمة إمّا أن تكون توصليّة، فتحصل الغاية سواء وجبت المقدّمة أو لا فليس لوجوبها دور في حصول الغاية.
أو تكون تعبّدية كالطهارات الثلاث وقلنا بجواز اجتماع الأمر والنهي، فانّ تصحيح العبادة و سقوطها عن الذمة لا يتوقف على وجوبها، بل يكفي اشتمالها على الملاك أوحسنها الذاتي.
أو يكون تعبديّة و قلنا بعدم جواز الاجتماع فانّ العمل محكوم بالبطلان سواء كانت واجبة أو لا.
وعلى الجملة لا يترتّب على الوجوب ثمرة عملية في المقدّمة المحرّمة إذ على الأوّل أي كونها توصلية، تدور صحّة العمل حول كونها توصلية و يحصل الغرض حتى بالمقدّمة المحرّمة، لا على وجوب المقدّمة المحرّمة.
وعلى الثاني، صحّة العمل رهن اشتمالها على الحسن الذاتي سواء كان العمل واجباً أو لا.
وعلى الثالث، ،يكون الوجوب مطروداً مع تقديم النهي.
فأيّ ثمرة تترتب على هذا الوجوب إذاكانت المقدّمة محرّمة.
إلى هنا تمّت الثمرات الخمس التي ذكرها المحقّق الخراساني و قد أضفنا إليها ثمرة سادسة، مرّت ضمن الثمرة الثالثة.
ونضيف الآن ثمرة سابعة وهو تصحيح بعض العبادات الغيرية كالطهارات الثلاث بالأمر الغيري و قد تقدّم منّا، أنّ محور التقرب ليس، كون الأمر نفسياً، أو كون المتعلّق محبوباً بالذات، بل الموجب لكون الشيء عبادة ـ وراء
ــــــــــــــــــــــ
(1) وفي الكفاية: انّ القول بجواز الاجتماع و عدمه مكان قولنا«القول بالملازمة وعدمها» و ما ذكرناه ألصق بمرامه فلاحظ.
( 615 )
اشتماله على ملاك يصلح لأن يتقرّب به ـ هو كون الحركة لإطاعة الأمر الإلهي سواء كان الأمر غيرياً أو نفسيّاً فعلى القول بوجوب المقدّمة، يكون قصد أمرها مصححاً لعباديتها و مسقطاً لوجوبها.
***
4ـ مقدّمة الواجب
الأمر السابع
تأسيس الأصل في المسألة
قبل الخوض في أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة، يجب تأسيس الأصل فيهما ليكون معوّلاً عليه عند الشكّ و عدم ثبوت إحدى النظريتين. وهذا هو الأثر المترتّب على تأسيس الأصل فنقول:
قد يقال: إنّ مجرى الأصل إمّا أن يكون نفس المسألة الأُصولية ـ أعني الملازمة بين الوجوبين ـ أو يكون نفس المسألة الفقهية ـ أعني وجوب الوضوء مثلاً فيقع الكلام في المقامين:
1ـ إجراء الأصل في المسألة الأُصولية
لا أصل في مورد المسألة الأُصولية و ذلك بوجهين:
الأوّل: إنّه لا حالة سابقة للملازمة من حيث الوجود والعدم حتى يستصحب أحدهما، بل الملازمة أو عدمها، أزلية، لا يتوقّف وجودها على وجود الوجوبين، بل العقل يحكم حكماً كلّياً بأحد أمرين، إن لم يكن هناك تشريع و إيجاب.
فإن قلت: يمكن استصحاب عدم الملازمة بالنحو التالي: لم تكن ملازمة بين
( 616 )
وجوب الصلاة و وجوب مقدّمتها عند ما لم يكن أيّ تشريع بالنسبة إليها، و نشكّ بعد تشريع الوجوب لها في الملازمة وعدمها والأصل بقاء عدم الملازمة على ما كان.
قلت: إنّ استصحاب بقاء عدمها إمّا بصورة السلب التام فهو مثبت، لأنّ عدم الملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب المقدّمة، عندما لم يكن للصلاة أيّ وجوب، لا يُثبت عدمََ وجوبها إذا صارت الصلاة واجبة. و إمّا بصورة السلب الناقص، فليست له حالة سابقة كما هو واضح، بأن يقال: كانت الصلاة واجبة و لم تكن هناك أيّة ملازمة بين وجوبها ووجوب مقدّمتها. و من المعلوم عدم وجود حالة سابقة لهذا الأمر.
الثاني: إنّ الملازمة ليست حكماً شرعياً ولا مبدأ لحكم الشرعي حتى يصحّ استصحاب عدمها، مع أنّ المستصحب يجب أن يكون حكماً شرعياً أوموضوعاً لحكم شرعي من غير فرق بين استصحاب وجودها أو عدمها.
فإن قلت: إنّ الملازمة موضوع لحكم شرعي، إذ على القول بالملازمة، يترتّب عليها وجوب المقدّمة، وعلى القول بعدمها، يترتّب عدم وجوبها.
قلت: أجل، و لكن الترتّب هو بحكم العقل، فانّه الحاكم بالملازمة بين حكمي العقل والشرع، فعندئذ يكون ترتّب الحكم الشرعي على الملازمة ببركة العقل، مع أنّه يشترط في صحّة الاستصحابات الموضوعيّة، كون الترتّب شرعياً أيضاً، كترتّب بقاء علقة الزوجية على حياة زيد المستصحبة، فانّ الشرع هو القائل ببقاء الزوجيّة حال حياته مادام لم يطلق.
وبالجملة : إنّ صحّة الاستصحابات الموضوعية موقوفة على وجود كبرى تنطبق على الموضوع المحرز، كما مثّلنا، وليس المقام كذلك، إذ لم يصدر من الشرع ما يدلّ على أنّه كلّما كانت هناك ملازمة بين الوجوبين، فالمقدّمة واجبة شرعاًً، و إنّما الحاكم بذلك هو العقل و هو لا يخرج الأصل عن كونه مثبتاً. و سيوافيك
( 617 )
مزيد التوضيح في باب الاستصحاب إن شاء الله.
2ـ إجراء الأصل في المسألة الفقهية
وأمّا إجراء الأصل في الحكم الفرعي، أعني: وجوب المقدّمة، فالأصل الجاري في مثل وجوب الوضوء المحتمل، هو إمّا البراءة أو الاستصحاب.
أمّا البراءة، فهي إمّا عقليّة أو شرعيّة، و الأُولى غير جارية هنا، لأنّ ملاكها ـ وهو احتمال العقاب ـ ليس بمحتمل هنا، إذ العقاب على الواجب النفسي لا المقدّمي.
والثانية إنّما تجري إذا كان في ثبوت الحكم كلفة، وفي رفعه امتنان، و المقام ليس كذلك، إذ لا كلفة في الثبوت، لعدم العقاب على تركها. كما لا امتنان في رفعه، لحكم العقل بالإتيان بها. فوجوب المقدّمة خارج عن مصبّ حديث البراءة. اللّهمّ إلاّ أن يقال دليل البراءة لا ينحصر بحديث الرفع.
وأمّا الاستصحاب، أعني: استصحاب عدم وجوب المقدّمة، فهو وإن تمّت أركانه، إلاّ أنّه لا يترتّب عليه أثر عملي، لحكم العقل بلزوم الإتيان بها و إن لم يحكم الشرع بوجوبها.
وإن شئت قلت: إنّ الحكم بعدم وجوبها شرعاً بعد حكم العقل بوجوبها، يجعل الاستصحاب عقيماً بلا أثر، والاستصحاب من الأُصول العملية المجعولة لتعيين وظيفة المكلّف من حيث العمل، فإذا لم تكن له فائدة في مورد العمل، فجريانه لغو.
نعم ذكر المحقّق الخراساني إشكالين في المقام وأجاب عنهما، وإليك تقريرهما:
الأوّل: إنّما يصحّ استصحاب عدم وجوب المقدّمة إذا كان متعلّق العدم
( 618 )
موضوعاً لحكم شرعي كالزوجية، أوحكماً مجعولاً شرعياً، و ليس وجوب المقدّمة موضوعاً لحكم شرعي، و هو واضح، و إنّما هو حكم و لكنّه ليس بمجعول شرعي، لأنّه على القول بالملازمة من لوازم جعل الوجوب لذيها ومثل ذلك يعدّمن اللوازم لا من المجعولات، و الحاصل أنّوجوب المقدّمة شرعاً ـ على القول به من لوازم جعل وجوب ذيها، فالشارع بجعل وجوب ذيها حقيقة، يترتّب عليه وجوب مقدّمته فليس وجوب المقدّمة مجعولاً مستقلاً للشارع.
والجواب إنّ وجوب المقدّمة و إن كان غير مجعول بالذات، لكنّه مجعول بالعرض، فجعلُ الوجوب لذيها كاف في كون وجوب مقدّمتها مجعولاً للشارع باعتبار أنّ جعلَ الملزوم، جعل للازمه و هو كاف في جريان الأصل.
الثاني:كيف يجري استصحاب عدم وجوب المقدّمة، مع أنّه لو كانت هناك ملازمة بين الوجوبين، للزم تفكيك اللازم عن الملزوم. واحتمال التفكيك بين المتلازمين، كالقطع بالتفكيك، و كلاهما محال.
وبعبارة أُخرى: إنّا نحتمل أن يكون بين الوجوبين ملازمة. فإن كانت هناك ملازمة، لما انفكّ اللازمُ عن ملزومه، و مع هذا الاحتمال ، كيف يستصحب عدم اللازم مع أنّ فيه احتمال التفكيك بين المتلازمين الذي يعدّ من المحالات. و إن شئت قلت: إنّ الاستصحاب يجري فيما إذا قطع بإمكانه، و ليس هناك قطع به إذ على الملازمة يلزم التفكيك المحال.
وأجاب عنه المحقّق الخراساني بأنّ لزوم التفكيك بين الوجوبين مع الشكّ، لا ينافي الملازمة بين الواقعيين، و إنّما ينافي الملازمة بين الفعليين. نعم ، لو كانت الدعوى هي الملازمة المطلقة حتى في المرتبة الفعلية، لما صحّ التمسك بالأصل، كما لا يخفى.(1)
وأورد عليه المحقّق البروجردي: بأنّ وجوب المقدّمة على فرض ثبوته ليس
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/199ـ200.
( 619 )
وجوباً مستقلاً بملاك مستقلّ حتى يكون تابعاً لملاك نفسه، بل هو من اللوازم غير المنفكة لوجوب ذيها، وعلى هذا فتفكيكهما غير ممكن لا في الفعلية ولا في غيرها من المراتب.
وبعبارة أُخرى: الشاكّ في الملازمة عالم بكون المقدّمة واجباً فعليّاً على فرض، غير واجب على فرض آخر، والاستصحاب بعد جريانه يوجب القطع بفعلية مؤدّاه وعدم فعلية الحكم الواقعي المشكوك فيه على فرض ثبوته، مع أنّ المفروض أنّ الحكم الواقعي فعليّ له إذا كانت هناك ملازمة.
ومن ذلك يعلم وجه إيجاب الاحتياط في الأموال والأعراض، و النفوس و إن كانت الشبهة بدئية وعدم جريان الاحتياط، و ما هذا إلاّ لأجل أنّ الحكم الواقعي على فرض ثبوته، فعلي و معه لا يجري أصل البراءة الذي مرجعه إلى القطع بأنّ الحكم الفعلي هو البراءة من التكليف.(1)
توضيحه: إنّ التلازم إمّا أن يكون جعلياً في مراحل التكليف، أو يكون تكوينياً من دون أن يكون لإرادة المولى دخل فيه. فالأوّل لا بأس بالتفكيك فيه، كما إذا توضّأ بماء أحد الإناءين المشتبهين، فيحكم على الأعضاء بالطهارة، وعلى النفس بالحدثية، مع أنّه تفكيك بين المتلازمين، فانّه إن كان الماء طاهراً فالحدث مرتفع أيضاً، و إن كان غير طاهر فالأعضاء نجسة أيضاً، و لكنّه غير ممنوع، لأنّ التلازم فيه مجعول، يمكن التفكيك فيه. و أمّا المقام، فالتلازم عقلي تكويني، كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فانّه إن كانت هناك ملازمة، فإنّ معناها أنّ الأمر بذي المقدّمة يستتبع الأمر بها، كما أنّ إرادته تستتبع إرادتها، سواء أ رضي به المولى أم لم يرض. وعندئذ فلو كانت هناك ملازمة، فالأمر بالمقدّمة فعليّ منجَّز، لا يمكن جعل حكم مخالف في موردها. و مع احتمال حكم إلزامي فعلي لا يمكن جعل حكم مضادّله، إذ جعل الحكم المخالف فرعُ إحراز إمكانه، وهوبعدُ غير محرز.
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول،ص 181.
( 620 )
ولأجل ذلك استثنى الشيخ الأعظم من موارد البراءة كلّ مورد نعلم بأنّه لو كان هناك إلزام، فهو فعلي، كما في مورد النفوس والأعراض والأموال، فلو شككنا في احترام نفس أو إباحة عرض ومال، فهو محكوم بالاحتياط دون البراءة، و ما ذلك إلاّ لأنّ المورد داخل فيما ذكرنا من القاعدة الكلية من أنّ كلّ مورد نحتمل فيه إلزاماً، و نعلم بأنّه لو كان في نفس الأمر فهو فعليّ، فعند ذلك لا نحرز إمكان جعل الحكم المخالف، و معه لا يمكن تطبيق قوله: «رفع» أو «لا تنقض» عليه.
وفي المقام «نحتمل الملازمة»، ونعلم أنّه على فرض وجودها، الإلزام بالمقدّمة فعليّ، و مع هذا كيف يجري استصحاب عدمُ الوجوب الذي يعود إلى القطع بعدم الوجوب فعلاً، مع احتمال وجوبه فعلاً لأجل احتمال الملازمة.
وبالجملة: الاستصحاب على فرض جريانه يفيد القطع بالحكم الفعلي، وهذا القطع لا يجتمع مع احتمال فعلية وجوب المقدّمة، كما هو مقتضى احتمال وجود الملازمة في الواقع.
وإن شئت قلت: إنّ مفاد جريان الاستصحاب هو نفي الوجوب الفعلي، حتى على فرض الملازمة بين الوجوبين، وهو خلف.
هذا غاية توضيح لما أفاده المحقّق البروجردي رحمه الله . ولكن للمناقشة فيه مجالاً، فانّ ما ذكره مبنيّ على شرطية إحراز الإمكان الذاتي في جريان الأصل، أو الإمكان الوقوعي، وهومساوق للقطع بعدم فعلية الحكم الواقعي، مع أنّه غير لازم بل يكفي الإمكان الاحتمالي، وهو أعمّ من الإمكان الذاتي. و المقام من هذا القبيل، فانّه على القول بالملازمة، لا يصحّ جعل حكم ظاهري على خلاف مقتضى الملازمة، بخلاف ما إذا قيل بعدمها، فانّه يصحّ بلا إشكال. و بما أنّ الملازمة غير محرزة، فالإمكان الاحتمالي موجود، وهو كاف في إجراء الأصل كما لا يخفى.
وإن شئت قلت: لا يجوز رفع اليد عن عموم «لا تنقض» بمجرّد احتمال
( 621 )
الامتناع، بل لا يرفع إلاّإذا احرز الامتناع، وهوغير محرز.
و ما يظهر من الشيخ الأعظم من لزوم الاحتياط في الموارد الثلاثة لعلمنا بأنّه لو كان هناك إلزام فهو فعلي، فصحيح، و لكن الفرق بين المقامين واضح، لأنّ المانع من إجراء البراءة هناك ليس هو كون الحكم فعلياً على فرض الوجود، كي تكون العلّة مشتركة بين المقامين، لما عرفت من أنّ الإمكان الاحتمالي كاف في جريان الأصل، ولا يحتاج إلى إحراز الإمكان الذاتي أو الوقوعي، بل المانع هو العلم بمذاق الشارع في عظائم الأُمور، وهوعدم التهجم على الدماء والأعراض والأموال بصرف الاحتمال، فكأنّه أخرج الموارد المذكورة من تحت الأُصول، لوجود العناية منه فيها.
و إن شئت قلت: إنّ إجراء الأصل في الموارد، ينافي صيانة المصالح العامة التي لا يرضى الشارع بتركها. و هذا المناط مفقود في المقام، لأنّه لم يعلم عدم رضا الشارع بنفي وجوب المقدّمة بصرف الاحتمال كما لا يلزم من إجراء الأصل عدم الاعتناء بمقاصد الشارع، لأنّ إجراء البراءة لا يضرّمع وجوبها واقعاً، لأجل حكم العقل بوجوبها، كما لا يخفى.
أدلّة القائلين بوجوب المقدّمة
قد عرفت حكم القاعدة الأوّلية، وأنّه لا أصل هنا يعوّل عليه عند الشكّ، على تفصيل عرفته. و لنذكر هنا حكم المقدّمة حسب الأدلّة الاجتهادية.
و ينبغي تحرير محل النزاع، فهو يحتمل وجوهاً في بادئ النظر.
1ـ الوجوب العقلي، بمعنى اللابديّة العقلية.
ولا تخفى سخافته، إذ لا يليق هذا أن يقع مورداً للبحث، نظير الوجه الثاني.
2ـ الوجوب العرضي، بمعنى أن ينسب وجوب ذيها إلى المقدّمة مجازاً، كما
( 622 )
ينسب الجريان إلى الميزاب.
3ـ الوجوب الاستقلالي في عرض وجوب ذيها بملاك المقدّمية.
وفيه أنّه فرع التوجّه إلى المقدّمة، و ربّما يغفل المولى عن مقدّمات الواجب، أو لا يعرف أنّ له مقدّمات. فلو كان موضع النزاع هو الوجوب الاستقلالي، للزم خلوّ هذه الموارد عن الوجوب.
4ـ الوجوب التبعي الذي لا يدور مدار الالتفات . بمعنى أنّ المولى لو توجّه إلى المقدّمة لأوجبها بوجوب آخر تبعاً لوجوب ذيها.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ القائلين بوجوب المقدّمة، استدلوا على ذلك بوجوه:
الوجه الأوّل
وهو ما نقل عن أبي الحسين البصري (1)وهو كالأساس لبعض الاستدلالات، وحاصله: لو لم تجب المقدّمة، لجاز تركها، وحينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه، لزم التكليف بمالا يطاق، و إلاّ خرج الواجب المطلق عن كونه واجباًمطلقاً.
الكلام في استدلال أبي الحسن البصري
ولا يخفى أنّ الاستدلال مركب من قياس اقتراني شرطي، و قياس استثنائي. والأوّل مذكور في العبارة. و الثاني محذوف منها لأجل القرينة، وصورته: و لكن التكليفَ بمالا يطاق، أو خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً، باطل، فينتج: أنّ عدم وجوب المقدّمة باطل.
ــــــــــــــــــــــ