http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 511 ـ 541 ص

( 511 )

إذا كان القيد راجعاً إلى المادة، لماذا لا يجب تحصيله؟

إنّ هاهنا سؤالاً يتوجّه إلى الشيخ، وهو أنّه إذا كان الطلب فعليّاً مطلقاً، و كان القيد قيداً للواجب، فلماذا لا يجب تحصيل القيد ـ كالاستطاعة ـ مع إطلاق الوجوب و فعليته؟

وقد أجاب قدَّس سرَّه عن هذا السؤال، قائلاً بأنّ الفعل المقيّد قد يكون ذا مصلحة ملزمة على وجه يكون الفعل والقيد مورداً للإلزام، و قد يكون متعلّق التكليف ذا مصلحة، لكن على تقدير وقوع القيد، لا على وجه التكليف. ففي كلّ هذه الصور ينبغي للحاكم أن يعبّر عن المقصود بلفظ يكون وافياً بمقصوده.(1)

وإلى ذلك ينظر قول المحقّق الخراساني في تقرير رجوع القيد إلى المادة لبّاً: «قد يكون القيد مأخوذاً فيه على نحو يكون مورداً للتكليف، و قد لا يكون كذلك، على اختلاف الأغراض الداعية إلى طلبه والأمر به».(2)

وقوله أيضاً: «فإنّه جعل الشيء واجباً على تقدير حصول ذاك الشرط. فمعه، كيف يترشح عليه الوجوب ويتعلّق به الطلب»؟(3)

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق المادة و إن كان مرتفعاً بورود القيد عليها، لكن إطلاق الوجوب باق بحاله و هو يقضي بلزوم تحصيله، سواء أكان القيد جزء أم شرطاً، غاية الأمر أنّ الطلب يتعلّق بالقيد والتقيّد معاً في الأوّل، و بنفس التقيد في الثاني. والعقل يحكم بلزوم تحصيل القيد لأجل حصول التقيد، لو لم نقل بوجوب المقدمة، و إلاّ يكون القيد والتقيد واجبين. وما أفاده الشيخ إنّما يصحّ لو علم من الخارج أنّ المطلوب حصوله لا تحصيله.

ــــــــــــــــــــــ
(1) مطارح الأنظار: 49.
(2) كفاية الأُصول:1/153.
(3) كفاية الأُصول:1/158.


( 512 )

وعلى ما ذكره الشيخ ، فالأصل في الشروط، لزوم تحصيلها إلاّ ما علم من الخارج خلافه. و هو خلاف ما هو المسلّم عند الفقهاء في الواجبات المشروطة. و ما ذكره قدَّس سرَّه من أنّه يعلم من الخارج كون حصوله مطلوباً لا تحصيله، لا يدفع الإشكال.

فاتّضح من هذا البحث الضافي إمكان كون القيد راجعاً إلى مفاد الهيئة، حسب القاعدة، وحسب تفاهم العرف.

مسائل ثلاث

بقي في المقام ثلاث مسائل:

الأُولى:على القول برجوع القيد إلى الهيئة، هل الوجوب فعلي أو إنشائي؟

الثانية: على القول بعدم فعليته، ما هي فائدة هذا الوجوب، وما حكم مقدّماته المفوِّتة؟

الثالثة: إذا شكّ في كون القيد قيداً للمادة أو الهيئة، فما هو المرجع؟

و فيما يلي نبحث عن المسألتين، الأُوليين، و نؤخّر البحثَ عن الثالثة إلى موضع آخر.

المسألة الأُولى: الوجوب فعليّ أو إنشائي

الحقّ ـ على القول برجوع القيد إلى الهيئة ـ عدم كون الحكم فعلياً، فإنّ المراد من البعث الفعلي، هو البعث على كلِّ تقدير والمفروض أنّ البعث في المقام معلّق على تقديرخاص لا على كلّ تقدير وبعبارة أُخرى: إذا كان نفس البعث و الطلب مقيّداً و معلَّقاً على حصول شيء، فلا يكون هناك بعث حقيقي، فإنّه عبارة عن البعث على كلّ تقدير، والبعث على تقدير ليس بعثاً على كلّ تقدير. و ما ليس بعثاً على كلّ تقدير، فليس ببعث حقيقي. فينتج أنّ البعث على تقدير،


( 513 )
ليس بعثاً حقيقياً و هو يساوق عدم كونه فعلياً.

ولكن يظهر من المحقّق العراقي أنّ البعث فعلي قبل حدوث شرطه، مع الاعتراف برجوع القيد إلى الهيئة.

أمّا الثاني(رجوع القيد إلى الهيئة)، فقد اعترف به حيث قال: «الفرق بين قيود الوجوب وقيود الواجب في مرحلة الثبوت، تكويني ماهوي، لا يختلطان».(1)

وأمّا الأوّل، فقد قال فيه ماهذا حاصله: إنّ الآمر إذا التفت إلى كون فعل غيره ذا مصلحة على تقدير خاص، أراده منه على ذاك التقدير فإن لم يجد مانعاً من إظهار إرادته المذكورة، أظهرها بما يجده مُظهراً من قول أو فعل. فإذا أظهر إرادتَه التشريعية، اعتبر العرف هذا الإظهار حكماً و طلباً، وقالوا: حكم الشارع مثلاً على كذا، بكذا. لأنّ جميع ما يمكن أن يصدر و يتأتى من الآمر قد حصل منه، من : شوقه، و إرادته،و إظهاره إرادته المتعلّقة بالفعل، الذي علم اشتماله على المصلحة إمّا مطلقاً أو على تقدير دون تقدير.

فالوجوب مطلقاً ـ في المشروط وا لمطلق ـ حكم فعلي، حصلَ شرطه أم لم يحصل. ولا يعقل أن يكون للحكم نحوانِ من الوجود ليكون إنشائيّاً قبل تحقّق شرطه، و فعلياً بعده.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ الإرادة المظهرة بنحو من الأنحاء يعتبره العرف حكماً و طلباً له، ليس بتام و ذلك لأنّ الإرادة من مبادئ الحكم و مقدّماته، وليست نفس الحكم ولا جزء منه ألا ترى أنّه إذا بعث المولى عبده ينتزع منه الحكم من دون لزوم ملاحظة أنّه ناش عن إرادة أو لا فليست الإرادة داخلة في مفهوم الحكم، لا على نحو دخول القيد والتقيّد معاً، و لا على نحو خروج القيد،

ــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الأفكار:1/347.
(2) بدائع الأفكار:1/340.


( 514 )
و دخول التقيّد.

ويوضح ذلك أنّ الأحكام الوضعية، من ملكية و زوجية وغيرهما، حصيلة الإنشاء اللفظي أو الفعلي ولا تنتزع إلاّ من نفس الإنشاء، من دون ملاحظة كونها ناشئة عن إرادة. و مثلها القضاء، حيث لا يحصل إلاّبنفس الإنشاء من دون لزوم ملاحظة مبادئه. فما أفاده من أنّ ظهور الإرادة التشريعية، بنحو من الأنحاء، يعتبره العرف حكماً و طلباً له، غير تام.

وثانياً: سلّمنا أنّ الحكم عبارة عن الإرادة المظهرة بفعل أو قول، لكن إذا تعلّقت بالفعل على كلّ تقدير، و ظهرت بفعل أوقول، يعتبرها العرف حكماً فعلياً و أمّا إذا تعلّقت بالشيء على تقدير خاص و ظهرت بهذا النحو، لايعتبرها العرف غير فعلي، و المراد من الفعلي في المقام هو البعث والتحريك وبما أنّ المعلَّق عليه غير حاصل لا يكون هناك بعث وتحريك اللّهمّ إلاّ أن يكون للمحقّق العراقي اصطلاح خاص في فعلية الحكم و إنشائيته، و أنّ ما تمّ بيانه فهو فعلي، و إن لم يكن باعثاً فعلاً، وما لم يبيّن فهو إنشائي، كالأحكام المخزونة عند صاحب الأمر ـ عجّل الله تعالى فرجه الشريف ـ.

فإن قلت: هل الإرادة المظهرة، فعلية أو تقديرية؟ على الفرض الأوّل، كيف تكون المبادئ فعلية مع عدم كون الحكم فعلياً؟ وعلى الفرض الثاني، يلزم التعليق في الوجود التكويني، و التعليق في الوجود الحقيقي غير ممكن.

قلت: الإرادة فعلية، و ما تعلّقت به أيضاً فعلي، و هو إنشاء البعث إلى شيء بشرط خاص، و مع ذلك لا ينتزع منه الوجوب الفعلي، لأنّ البعث إنّما يكون فعلياً لو لم يكن معلّقاً على حصول شيء غير حاصل. و بعبارة أُخرى: لم تكن فيه حالة انتظارية لدفع المكلَّف إلى القيام بالمأمور به، و المفروض خلافه. و كون انشاء البعث فعليّاً، لا يلازم كون البعث فعليّاً كما هو ظاهر.


( 515 )

المسألة الثانية: فائدة الوجوب المشروط، و حكم المقدّمات المفوِّتة

أمّا فائدة هذا الإنشاء ، فقد بيّنها صاحب الكفاية بقوله: كفى فائدة له أنّه يصير بعثاً فعلياً بعد حصول الشرط، بلا حاجة إلى خطاب آخر، بحيث لولاه لما كان فعلاً متمكّناً من الخطاب، هذا مع شمول الخطاب كذلك للإيجاب فعلاً بالنسبة إلى الواجد للشرط، فيكون بعثاً بالنسبة إليه.(1)

وأورد عليه المحقّق العراقي بقوله: إنشاء التكليف من المقدّمات التي يتوصل بها المولى إلى تحصيل المكلّف به في الخارج. والواجب المشروط، على مبنى المشهور، ليس بمراد المولى قبل تحقّق شرطه في الخارج، فكيف يتصوّر أن يتوصّل العاقل إلى تحصيل مالا يريده فعلاً، فلابدّ أن يلتزم المشهور في دفع هذا الإشكال بوجود غرض في نفس إنشاء التكليف المشروط قبل تحقّق شرطه، و هو كما ترى.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الإنشاء أمر يجب أن يترتّب عليه غرض عقلائي حتّى يخرج عن اللغوية، و كفى في رفعها ما ذكره المحقّق الخراساني، و لم يقم دليل على أنّ الإنشاء إنّما يصحّ إذا توصل به المولى إلى طلب ما يريده فعلاً مطلقاً. بل الإنشاء هو ما يتوصل به إلى طلب الشيء، فإن كانت شرائط الطلب موجودة حين الإنشاء، يطلبه منجَّزاً، أو يصير الخطاب عندئذ منجَّزاً، وإن كانت غير موجودة، متوقعاً وجودها في المستقبل، يطلبه معلّقاً، راجياً حصول الشرط في المستقبل.

أضف إليه أنّ ما أورده على المحقّق الخراساني يرد على مختاره أيضاً، لأنّه فسّر الحكم في الواجب المشروط بالإرادة المظهرة المتعلّقة بالإنشاء، و زعم أنّ الحكم فعلي، لأنّه قد تمّ بيان ما يرجع إلى الأمر. فحينئذ نسأله: ما فائدة هذا الحكم الفعلي، فهل يريد أنّ المولى يطلبه على كلّ تقدير، حصل الشرط أو لا، فهو

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/157.
(2) بدائع الأفكار:1/346.


( 516 )
خلاف الفرض. و إن أراد أنّه يطلبه بعد حصوله، فيعود الإشكال: ما فائدة هذا الإنشاء؟ ولا يسعى العاقل إلى تحصيل مالا يريده فعلاً.

والأولى أن يجاب عن الإشكال بوجه آخر، وهو أنّ السؤال يتوجّه إلى الخطابات الشخصية. ولابدّمن توجيه الصحّة بما ذكره المحقّق الخراساني. و أمّا الخطابات الكليّة القانونية المتوجّهة إلى عامة المكلّفين أو عامة المواطنين فلا، لأنّهم لمّا كانوا بين واجد و فاقد، صحّ الخطاب المشروط ليكون باعثاً فعلياً بالنسبة إلى الطائفة الأُولى، و حكماً إنشائياً بالنسبة إلى الطائفة الثانية، و يصير فعلياً عند ما صاروا واجدين. هذا كلّه في فائدة الإنشاء.

وأمّا المقدّمات المفوِّتة في الواجب المشروط، فالمراد منها المقدّمات التي لو لم يحصِّلها المكلّف قبل حصول الشرط، لما قدر على تحصيلها بعده و في الحقيقة يعدّوجوبها قبل أيّام الحجّ وعدم و جوبها، الثمرة البارزة في هذا النزاع فعلى مذاق الشيخ تجب بوجوب ذيها دون على مبنى المشهور و لذلك فقد بحث عنه المحقّق العراقي في المقام(1) و تبعه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ (2) غير أنّ المحقّق الخراساني بحث عنه في ذيل البحث عن الواجب المنجَّز والمعلَّق، و نحن أيضاً نقتفى أثره.

وأمّا المسألة الثالثة، و هي بيان الأصل عند الشكّ في رجوع القيد إلى الهيئة أو المادة، فسيأتي البحث فيها عند البحث عن المنجَّز والمعلَّق، اقتداءً بالمحقّق الخراساني في نظام البحث.

إكمال: إنّ النزاع في وجوب المقدّمات الوجودية لا يختصّ بمقدّمات الواجب المطلق بل يشمل مقدّمات الواجب المشروط أيضاً غاية الأمر يكون وجوب المقدّمة في الإطلاق والاشتراط تابعا لوجوب ذيها كأصل الوجوب بناءً على

ــــــــــــــــــــــ
(1) بدائع الأفكار:1/349.
(2) تهذيب الأُصول:1/227ـ228، الطبعة الثانية.


( 517 )
الملازمة، نعم خرج عن محلّ النزاع «المعلّق عليه» في الواجب المعلّق على كلا القولين، فلايجب تحصيله، لأنّه على القول المختار، مقدّمة وجوبية، و أمّا على مختار الشيخ فلأنّه علّق عليه الواجب على فرض الحصول، لا على فرض التحصيل.

***

التقسيم الثاني : تقسيمه إلى منجَّز و معلَّق

وقد نشأ هذا التقسيم من صاحب الفصول، قال: إنّ الوجوب إذا تعلّق بالمكلَّف به، و لم يتوقّف حصول الواجب على أمر غير مقدور، كالمعرفة، يسمّى منجَّزاً، و إن تعلّق به و توقّف حصول الواجب في الخارج على أمر غير مقدور، كالوقت في الحجّ، يسمّى معلَّقاً.فانّ وجوبه يتعلّق بالمكلّف به من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجيئ وقته و هو غير مقدور.(1)

وحاصله: أنّه إذا لم يكن وجوب الواجب، ولا نفس الواجب، متوقّفين على حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المنجَّز، كالمعرفة. و إن كان وجوبُه غير متوقّف على شيء لكن كان الواجب متوقفاًعلى حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المعلَّق، أي عُلِّق الإتيان به على مجيء زمنه، كما هو الحال في المستطيع عند تحصيل جميع المقدّمات قبل حلول أيّام الحجّ. فالوجوب في كلتا الصورتين فعليّ، غير أنّ الواجب في الأوّل فعلي دون الثاني، فإنّ الواجب فيه استقبالي.

وقد أنكر الشيخ الأعظم هذا التقسيمَ الثلاثي على (2) صاحب الفصول (3) وقال بأنّ ما سمّاه واجباً معلّقاً إنّما هو نفس الواجب المشروط على مختاره، فعاد

ــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول:81 بتلخيص.
(2) تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط و المطلق إلى معلَّق و منجَّز.
(3) هوالشيخ محمد حسين ابن الشيخ محمد رحيم الاصفهاني الحائري، توفي عام 1254هـ.


( 518 )
التقسيم ثنائياً.

ولا يخفى أنّ الشيخ و إن أنكر المعلَّق في ظاهر كلامه، لكنّه قد أنكر الواجبَ المشروط على مصطلح المشهور.

إشكالات الواجب المعلَّق

قد أُورد على الواجب المعلَّق وجوه من الإشكالات نحلّلها فيما يلي:

الأوّل: ما أورده المحقّق الخراساني ـ قائلاً بأنّه : لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقّف حصوله على أمر غير مقدور، بل ينبغي تعميمه إلى أمر مقدور متأخّر أُخذ على نحو يكون مورداًللتكليف و يترشّح عليه الوجوب من الواجب أولا».(1)

يلاحظ عليه: أنّ صاحب الفصولقدَّس سرَّه لم يخصَّه بغير المقدور، بشهادة أنّه قال بعد العبارة المتقدّمة: «واعلم أنّه كما يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير حصول أمر غير مقدور، كذلك يصحّ أن يكون وجوبه على تقدير أمر مقدور، فيكون بحيث لا يجب على تقدير عدم حصوله»(2) فلاحظ.

و سيوافيك ثمرة التقسيم إلى المنجَّز والمعلَّق مع كونهما من أقسام الواجب المطلق وهي أنّه يجب تحصيل جميع المقدّمات الوجودية في المنجَّز، دون المعلَّق و إن كان الوجوب فعليّاً بل يجب تحصيله في غير ما علِّق عليه، لأنّه أخذ على نحو لا يترشح عليه الوجوبُ من ذيه لأنّ المطلوب هو حصوله لا تحصيله كما ستعرف.

الثاني: ما أورده هوأيضاً من أنّ الداعي إلى تصوير الواجب المعلَّق إنّما هو دفع الإشكال عن المقدّمات المفوِّتة، حيث أطبق القوم على وجوب الغُسْل على الجنب قبل طلوع الفجر و قطع المسافة على المستطيع. ولا يتعلّق الوجوب

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/164.
(2) الفصول: 81.


( 519 )
بالأمرين إلاّ بجعل الوجوب فعلياً والواجب استقبالياً. فعندئذ وجوب المقدّمة إنّما هو من آثار إطلاق الوجوب و حاليته، لا من استقبالية الواجب. فلا ثمرة لهذا التقسيم، لأنّ الذي يميّز المعلَّق عن المنجَّز إنّما هواستقبالية الواجب في الأوّل دون الثاني، و ليس لذلك القيد أثر عملي.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ صاحب الفصول لم يُرتِّب الثمرة على المعلَّق في مقابل المنجّز حتى يقال بأنّ الثمرة مشتركة بينهما، بل على المعلّق في مقابل الواجب المشروط، فلا يرد أنّ الثمرة من ثمرات إطلاق وجوبه، لا من ثمرات استقبالية الواجب، لما قلنا من أنّه رتّب الثمرة على إطلاق وجوب المعلَّق في مقابل اشتراط وجوب المشروط.

وثانياً: أنّ هنا ثمرة لهذا التقسيم وهي أنّ المنجَّز يجب تحصيل جميع مقدّماته، و المعلَّق لا يجب تحصيل ما يتوقف عليه الواجب إذا كان مقدوراً، كالاستطاعة، لما عرفت من اعتبار حصوله في الواجب، دون تحصيله. و قد عرفت أنّه عمّم المعلَّق للمقدور وغير المقدور، وهذا كاف في صحّة التقسيم الثلاثي.

الثالث: ما أورده المحقّق ملا علي النهاوندي قدَّس سرَّه (2) ونسب إلى السيّد العلاّمة الفشاركي، و حاصله: أنّوزان الإرادة التشريعية وزان الإرادة التكوينية، غير أنّ الثانية تتعلَّق بفعل النفس، و الأُولى بفعل الغير. فكما أنّ الإرادة في الثانية لا تنفكّ عن التحريك، الذي لا ينفكّ عن الحركة، فكذلك الأُولى، فهي لا تنفكّ عن الإيجاب الذي لا ينفكّ عن حركة العبد إذا كان مطيعاً ولازم ذلك استحالة الواجب المعلّق، لأنّه يستلزم انفكاك الإيجاب عن حركة العبد، وهو مستحيل فالإيجاب بمنزلة التحريك، وحركة العبد نحو المراد، بمنزلة حركة الشخص نحو المراد في الإرادة التكوينية كلمة بكلمة.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/161، قوله: «نعم يمكن أن يقال...» الخ.
(2) هوالمحقّق الشيخ علي النهاوندي، المتوفى عام 1317هـ مؤلّف كتاب تشريح الأُصول.


( 520 )

وبالجملة: الإرادتان متساويتان في جميع المقدّمات، فكلتاهما متوقّفتان على العلم والتصديق والميل والشوق، كما هما مشتركتان فيما يترتّب عليهما، غير أنّه كما يترتّب على التكوينية، التحريك والحركة، بلا تأخّر زماني، كذلك يترتّب على التشريعية الإيجاب و الحركة، إذا كان مطيعاً، مع أنّ الحركة متخلفة عن الإيجاب في الواجب المعلَّق.

ولا يخفى أنّ ما ذكره يتركّب من أمرين:

1ـ الفرق بين الإرادتين، و هو أنّ التكوينية تتعلّق بفعل النفس، و التشريعية بفعل الغير.

2ـ الوجه المشترك بين الإرادتين، و هو امتناع انفكاك الإرادة عن المراد.

وبالنتيجة لا تتعلّق الإرادة بأمر استقباليّ.

أقول: أمّا الأمر الأوّل، فهو خاطئ جدّاً. لأنّ الإرادة لا تتعلّق إلاّبالفعل الاختياري، و هو ليس إلاّ فعل النفس، وأمّا فعل الغير، فخارج عن حيطة الاختيار، فلا تتعلّق به الإرادة تكويناًو أمّا الأوامر المولوية، فالإرادة فيها متعلّقة ببعث المولى عبدَه بالقول أو بالفعل، وهو أمر اختياري. و ليست متعلّقة بعمل العبد و فعله. فالعبد إن كان مطيعاً، ينبعث، و إلاّفلا.(1)

وأمّا الأمر الثاني، أعني: امتناع انفكاك الإرادة عن المراد في التكوينية و التشريعية، مع لزوم الانفكاك على القول بالواجب المعلَّق، فيلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ المراد غير منفكّ عن الإرادة التشريعية في الواجب المعلَّق، و ذلك لأنّ الإرادة إنّما تعلّقت في التشريعية بالبعث و إنشاء الطلب، و هو مقترن بالإرادة دائماً. و أمّا انبعاث العبد فليس تحت سلطان المولى و قدرته، حتى يبحث عن انفكاكه و عدمه، فلو كان عاصياً و فاقداً لملكة الطاعة فهو لا ينبعث أبداً، و إن

ــــــــــــــــــــــ
(1) تقدّم التنبيه على هذا الأمر عند البحث في الطلب و الإرادة ، فلاحظ.


( 521 )
كان مطيعاً، فانبعاثه تابع لكيفية بعث المولى، فإن بعثه إلى أمر حالي، ينبعث من فوره، و إن بعثه إلى أمر استقبالي، ينبعث في ظرفه.

وثانياً: أنّ عدم انفكاك المراد عن الإرادة إنّما هو في الإرادة المتعلَّقة باعمال العضلات أي المطلوب بالعرض إذا لم يكن هناك مانع في الواقع.(1) وأمّا الإرادة المتعلّقة بنفس الشيء المراد، فلا ملازمة بينهما، بل هو على قسمين.

توضيح ذلك: إنّ في الأفعال الصادرة عن الإنسان بالمباشرة مطلوبين، تتعلَّق بكلّ منهما إرادة مستقلّة، ويكون أحدهما مطلوباً بالذات، و هو نفس العمل، والثاني مطلوباً بالتبع، وهو تحريك العضلات لغاية حصول المطلوب بالذات. فإذا تمّت مبادئ الإرادة ، تتعلّق بنفس المطلوب بالذات.

لكن تعلّقها بالمطلوب بالذات على قسمين:

1ـ تارة تتعلّق به، حالّياً.

2ـ وأُخرى تتعلّق به، استقبالياً.

فعلى الأوّل تتعلّق إرادة أُخرى بإعمال العضلات، وعلى الثاني فلا يوجد في الضمير إلاّ إرادة واحدة، إلى أن تساعد الظروفُ على تحقّق المراد، فعند ذاك تتعلّق إرادة أُخرى بإعمال العضلات.

فالإرادة التي لا تنفكّ عن المطلوب، إنّما هي الإرادة المتعلّقة بإعمال العضلات، دون الإرادة المتعلَّقة بنفس المراد، و وجه ذلك أنّ تعلّق الإرادة بإعمال العضلات يكشف عن عدم وجود مانع من تحصيل المراد التبعيّ.

فالشبهة نشأت من خلط الإرادة المتعلّقة بالمطلوب الذاتي، بالإرادة المتعلّقة بتحريك العضلات، فالتي لا تنفك عن مرادها هي الثانية لا الأُولى.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كما إذا أراد المفلوج أن يقوم من مكانه مع جهله بفلجه أو غفلته عنه فانّه يريد، و لكن لا يتحقّق القيام و حركة العضلات.


( 522 )

والدليل على أنّ هنا إرادتين، إحداهما متعلّقة بالمطلوب بالذات، و الأُخرى بالعضلات أمران:

1ـ لو لم يكن المطلوب متعلّقاً للإرادة ، لما صدق عليه أنّه فعل اختياري. وذلك آية تعلّق الإرادة به.

2ـ إنّ تشخّص الإرادة بالمراد فإذا كان المرادُ متعدّداً، فهي أيضاً متعددة. و ذلك كالعلم المتعلّق بأُمور متعددة، و إن كانت واقعة تحت عنوان واحد.

والذي يرشدك إلى انفكاك الإرادة عن المراد هو ما حرّر في محلّه من أنّه تعلّقت إرادته سبحانه أزلاً على صدور الحوادث على نحو الترتيب السببي والمسببّي، بإرادة واحدة إجمالية بسيطة، من دون أن يتطرّق إلى ذاته تعالى التجدّد والحدوث.

ثمّ إنّ بعض القائلين بانفكاك الإرادة عن المراد يصحِّحونه عن طريق تفسير إرادته سبحانه بالعلم، وأنّه لا مانع من تعلّق العلم بالمعلوم المتأخّر وجوداً.

ولكنّها محاولة غير صحيحة، لأنّ تفسير الإرادة في الله تعالى بالعلم، غير صحيح، لاختلافهما مفهوماً و واقعية لانّواقع العلم هو الكشف و واقع الإرادة ، هو الاختيار. أضف إليه أنّه يستلزم أن يكون سبحانه فاعلاً غير مختار، و هو يستلزم تصوّر من هو أتمّ منه تعالى، إذ الفاعل المريد أتمّ من غير المريد، وليس فوقه سبحانه موجود أتم.

نعم الإرادة الحادثة غير متصوّرة فيه سبحانه، لكونه منزّهاً عن التجدّد و التغيّر، و إنّما يوصفُ بها بلا وصمة الحدوث. و لأجل ذلك قلنا إنّ إرادته سبحانه إجمالية، لا تفصيلية، فانّها ملازمة للحدوث والتجدّد، كما لا يخفى.

ثمّ إنّ العلاّمة الطباطبائي نصر المحقّق النهاوندي في عدم تفكيك الإرادة عن المراد بأنّها نسبة تكوينية يستحيل تعلّقها بأمر موجود في الاستقبال و معدوم


( 523 )
في الحال، سواء أكانت علّة تامة أم ناقصة أو مرتبطة بأيّ نحو من أنحاء الارتباط الخارجي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إنّمايصحّ لو كانت النسبة دائرة بين الإرادة والمراد بوصف كونه مراداً خارجياً، و الحال أنّها نسبة بينها وبين الصورة الذهنية منه، و إن كانت الصورة طريقاً إلى الخارج. وهذا كالعلم فإنّه إضافة بين العالم و المعلوم بالذات، لا المعلوم بالعرض، كما لا يخفى و قد ثبت في محلّه أنّ النفس لا تنال الخارج إلاّبواسطة الصورة المعلومة أو المرادة بالذات.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات فصّل في إمكان تعلّق الإرادة بأمر استقبالي بأنّه إن كان المراد من الإرادة هوالشوق، فلا شكّ في تعلّقها بأمر استقبالي، كتعلّقها بأمر حالي، و هذا لا يحتاج إلى إقامة برهان، بل هو أمر وجداني. و إن أُريد منها الاختيار و إعمال القدرة ، فهي لا تتعلّق بفعل الإنسان نفسه إذا كان في زمن متأخّر، فضلاً عن فعل غيره و لذا لا يمكن تعلّقها بالمركّب من أجزاء طولية، كالصلاة، دفعة واحدة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الإرادة ليست نفس الشوق و لا إعمال القدرة، بل الثاني من آثارها و نتائجها، كما أنّ الأوّل من مقدّماتها في بعض الموارد لا جميعها. بل هي عبارة عن إجماع النفس وتصميمها و جزمها، بحيث لا يرى المريد في نفسه، أيّ تردّد في الإتيان بالعمل. فحينئذ، إذا كان المقتضي موجوداً و المانع مفقوداً، تتعقّبها إرادة أُخرى بتحريك العضلات. و إن كانت هناك موانع، لا تكون هناك إلاّ إرادة واحدة متعلّقة بالمطلوب بالذات، إلى أن يرتفع المانع، فتنقدح إرادة أُخرى بتحريك العضلات.

ثمّ إنّ القاضي عبد الجبّار (المتوفى عام 415هـ)، قد طرح مسألة جواز تقدّم

ــــــــــــــــــــــ
(1) تعليقة الكفاية، للعلاّمة الطباطبائي رحمه الله : 114.
(2) المحاضرات:2/352. ولاحظ أجود التقريرات:1/136.


( 524 )
الإرادة على المراد في موسوعته الكبيرة «المغني» فقال: فأمّا جواز تقدّمها على المراد فواضح، لأنّ الواحد منّا يعلم من نفسه أنّه يريد الفعل في المستقبل، ويعزم على ذلك، و يريد المسبّب أيضاً في حال السبب، و يريد جمل الحروف في حال وجود الحرف الأوّل، ويعزم على ما يلزمه في المستقبل.(1)

الرابع: ما حكاه المحقّق الخراساني من عدم القدرة على المكلّف به في حال البعث، مع أنّها من الشرائط العامة.(2)

وهذا أوهن الإشكالات، لأنّ الشرط في صحّة التكليف هو قدرة المكلّف على الواجب في زمان الامتثال، لا في زمان الإيجاب.

الخامس: ما ذكره المحقّق النائيني في كلام مفصّل، ونذكر حاصل كلامه في ضمن أُمور ثلاثة:

1ـ إنّ كلّ حكم في القضايا الحقيقية، مشروط بوجود الموضوع بما له من القيود، من غير فرق بين أن يكون الحكم من المؤقّتات أو غيرها. غايته أنّه في المؤقّتات يكون للموضوع قيد آخر سوى القيود المعتبرة في موضوعات سائر الأحكام من العقل و البلوغ و القدرة، و هذه القضية إنّما يكون إنشاؤها أزلياً، و فعليتها تكون بوجود الموضوع خارجاً.

2ـ نحن نسأل القائل بالواجب المعلَّق: أية خصوصية في الوقت حتّى يتقدّم الوجوب عليه، مع أنّا لم نقل بذلك في سائر القيود من البلوغ والاستطاعة، مع اشتراك الكلّ في كونه مأخوذاً قيداً للموضوع، فأيّ فرق بين الوقت والاستطاعة، بحيث يتقدّم الوجوب على الأوّل دون الثاني؟

3ـ إنّ الأمر في الوقت أوضح، لأنّه لا يمكن أخذه إلاّمفروض الوجود، لأنّه

ــــــــــــــــــــــ
(1) المغني:6/90.
(2) كفاية الأُصول: 103، س9.


( 525 )
أمر غير اختياري ينشأ من حركة الفلك، و يكون فوق دائرة الطلب، و يكون التكليف بالنسبة إليه مشروطاً، وإلاّ يلزم تكليف العاجز.(1)

يلاحظ على ما ذكره أوّلاً: أنّ إرجاع كلّ القيود إلى الموضوع من الغرائب، فقد عرفت أنّ القيود على قسمين، قسم له مدخلية في انقداح الإرادة في لوح النفس، و قسم له مدخلية في كون المتعلّق ذا مصلحة كالوضوء في الصلاة، و الوقت في الصيام. وما يصحّ إرجاعه إلى الموضوع إنّما هو القسم الأوّل دون الثاني إلاّ بتكلّف، كقولنا: المكلّف العاقل البالغ المتوضئ المدرك للفجر أو الدلوك، وهو خلاف ظاهر الأدلّة كما لا يخفى.

وعلى ما ذكره ثانياً: وهو قوله: «ما الفرق بين الاستطاعة في الحجّ والوقت في الصيام، حيث إنّ وجوب الحجّ مشروط بالاستطاعة، بحيث لا وجوب قبلها، بخلاف الوقت بالنسبة إلى الصيام، حيث يتقدّم الوجوب على الفجر، على القول بالواجب المعلَّق» ـ أنّ الأوّل (الاستطاعة) دخيل في انقداح الإرادة التي هي منشأ البعث، فلا تنقدح الإرادة في لوح النفس بدونها و لا مدخلية لها في اتصاف المادة أي الحجّ بالمصلحة بل هو مقرون بها في كلتا الحالتين غاية الأمر وجود الحرج في الإيجاب مطلقاً أي سواء كانت استطاعة شرعية أولا، منع عن انقداح الإرادة على وجه الإطلاق. وأمّا الثاني (الوقت) فهو دخيل في اتصاف المادة بالمصلحة، ولا دخالة له في انقداح الإرادة المستتبعة للحكم.

وعلى ضوء ذلك، فما يكون دخيلاً في ظهور الإرادة، تتوقف عليه فعلية الحكم، ولا معنى لفعلية الحكم قبل انقداح الإرادة. و هذا بخلاف ما كان دخيلاً في اتصاف المتعلَّق بالمصلحة، فانّه ليس من شروط انقداح الإرادة، ولا مانع من فعلية الحكم قبل تحقّقه. وهذا هوالفرق بين الشرطين.

كما يظهر أنّ ما يقع فوق دائرة الطلب، إنّما هو القسم الأوّل الذي هو شرط

ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ فوائد الكاظمي:1/187، وأجود التقريرات:1/141.


( 526 )
لانقداح الإرادة، ولا يصحّ أن يقع تحت دائرته ويتعلّق به البعث الناشئ عن الإرادة، لكون المفروض أنّه شرط لظهور الإرادة و بمنزلة العلّة، فكيف يكون متأخّراً عنها، بخلاف القسم الثاني، كالضوء والزمان.

فإن قلت: كيف يمكن أن يقع الزمان تحت دائرة الطلب، مع أنّه أمر خارج عن الاختيار، وهو كما قال: أشبه بتكليف العاجز.

قلت: هذا هو ما ذكره ثالثاً، و لكن ليس الواجب هو نفس الزمان حتى يرد عليه ما ذكر، و إنّما الواجب هو إيقاع الفعل في الوقت. و ما هوالجزء، هو التقيّد دون القيد، و الأوّل أمر ممكن دون الثاني، و هورحمه الله خلط بين الجزء وشرطه.

السادس: ما ذكره تلميذه الجليل من أنّ الواجب المعلَّق ليس من أقسام الواجب المطلق في مقابل المشروط بل هو قسم منه، و ذلك لأنّ وجوب الحجّ مثلاً إمّا مشروط بيوم عرفة أو مطلق و بما أنّ التكليف لم يتعلّق بذات الفعل على الإطلاق و إنّما تعلّق بإيقاعه في زمن خاص فعلم من ذلك أنّ للزمان دخلاً في ملاكه و إلاّفلا مقتضى لأخذه في موضوعه، وعليه فبطبيعة الحال يكون الوجوب مشروطاً به غاية الأمر على نحو الشرط المتأخّر.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبنيّ على عدم وجود الضابطة في تعيين أنّ أيّ قيد يصلح لأن يكون قيد الطلب، وأيّاً منه يصلح لأن يكون قيد المادة أي الحجّ، و على ذلك فالزمان كما يصلح لأن يكون قيداًللمادة، يصلح أن يكون قيداً للطلب، واستظهر هو ـ دام ظلّه ـ كونه شرطاً للوجوب غير أنّ الضابطة التي أوعزنا إليها سابقاً يوجب جعل الزمان قيداًللحجّ لأنّه يُضفي للمادة صلاحاً و ملاكاً كالتوضوء، و لأجله يكون الإتيان بأعمال الحجّ في غير هذا الظرف فاقداً للمصلحة و مثل ذلك لا يصلح أن يكون قيداً للطلب و لو بنحو شرط متأخّر. فما ذكره في ذيل كلامه من «أنّ المشروط بالشرط المتأخّر على نوعين قد يكون متعلّق

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:2/348.


( 527 )
الوجوب فيه أمراً حالياً، و قد يكون أمراً استقبالياً كالحجّ في يوم عرفة و إن كان صحيحاً. لكنّه لا يوجب جعل الشرط قيداً للطلب، مع كونه مؤثراًفي اتصاف المتعلّق بالملاك.

فتلخّص من هذا البحث الضافي إمكان الواجب المعلّق، ووقوعه كما في فريضة الحجّ.

المقدّمات المفوتة أو ثمرات الواجب المعلّق 

المشهور أنّ فعلية وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها، و مع ذلك فقد وقع في الشريعة الإسلامية موارد توهم خلاف ذلك ، منها:

1ـ أنّ الفقهاء أفتوا بوجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت، بل أفتى بعضهم بوجوب تحصيل الماء قبل الوقت حينئذ.

2ـ أفتوا بوجوب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر.

3ـ أفتوا بوجوب تحصيل المقدّمات الوجودية قبل وقت الحجّ.

4ـ أفتوا بوجوب تعلّم الأحكام للبالغ، قبل مجيء وقت الوجوب إذا ترتّب على تركه فوت الواجب في ظرفه.

5ـ بل أفتوا بوجوب تعلّم الأحكام على الصبي، إذا علم عدم تمكّنه منه بعد بلوغه.

وكلّ ذلك يستلزم تقدّم وجوب المقدّمة و فعليته، على وجوب ذيها. و لأجل ذلك اختار كلّ مهرباً:

فقد تخلّص الشيخ الأعظم من ذلك، بجعل القيد قيداً للمادة، لا للوجوب.

كما تفصى صاحب الفصول بكون الواجب في خصوص هذه الموارد، من


( 528 )
قبيل الواجب المعلّق. و بالنتيجة قد تخلّص هو والشيخ الأعظم عن الإشكال بالقول بفعلية وجوب ذي المقدّمة و إن كان الواجب استقبالياً.

وذهب المحقّق الخراساني إلى كون هذه الموارد من قبيل الواجب المشروط بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد. فيكون وجوب ذيها فعلياً، ولا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها، و إنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به. قالقدَّس سرَّه: لا إشكال في لزوم الإتيان بالمقدّمة قبل زمان الواجب إذا لم يقدر عليه في الموارد الثلاثة:

1ـ فيما إذا كان منجَّزاً و كان الوجوب والواجب حاليين.

2ـ فيما إذا كان معلّقاً و كان الوجوب حالياً دون الواجب.

3ـ أو مشروطاً بشرط متأخّر كان معلوم الوجود فيما بعد ضرورة فعلية وجوبه و تنجّزه بالقدرة عليه بتمهيد مقدّمته فيترشح منه الوجوب عليها على الملازمة ولا يلزم منه محذور وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها و إنّما اللازم الإتيان بها قبل الإتيان به».(1)

و مرجع الشرط المتأخّر عنده إلى الشرط المقارن، لما ذهب إليه من أنّ الشرط في الحقيقة هو علم المولى و تصوّره وجود الشرط في ظرفه.

وهناك وجه رابع اختاره المحقّق الأردبيلي في مسألة لزوم التعلّم، وهو القول بالوجوب النفسي التهيؤي في الجاهل البالغ الذي يعلم عدم تمكّنه من التعلّم بعد دخول الوقت. فهو واجب نفسيّ لا غير، فلا يستشكل بلزوم تقدّم وجوب المقدّمة على وجوب ذيها.

ويلاحظ على هذه الأجوبة الأربعة ; أنّها إنّما تكفي، إذا ثبت فعلية ذي المقدمة و أمّا إذا علم عدم فعليته، و مع ذلك كان بعض مقدّماته واجباً، كالتعلّم

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/165ـ166.


( 529 )
قبل البلوغ، فلا.

وهناك وجه خامس و هوالقول بالوجوب العقلي الإرشادي من باب حفظ غرض المولى، لأنّ العقل لا يفرق في القبح بين مخالفة التكليف العقلي، و تفويت الملاك الملزِم في موطنه. إذ المفروض أنّ المكلّف يعلم بأنّه تعلّق بالحجّ غرض لازم الاستيفاء، وأنّه لو لم يأت بمقدّماته، لفات. فيستقلّ بلزوم الإتيان بها قبل وجوب ذيها. و قد أشار إليه المحقّق الخراساني. قال: «بل لزوم الإتيان بها عقلاً و لو لم نقل بالملازمة».

وهذا هوالحقّ الذي يدفع الإشكال عن جميع الموارد، حتى مورد لزوم تعلّم الصبي قبل بلوغه.

وهنا وجه سادس، و هو تعلّق الوجوب المولوي غير الناشئ عن وجوب ذيها، بالمقدّمات، وحاصله أنّه لا مانع من فعلية وجوب المقدّمة دون فعلية وجوب ذيها، فإنّ الملازمة متوهمة من تخيّل كون إحدى الإرادتين ناشئة و متولدة من إرادة أُخرى، فيقال: كيف صارت المقدمّة مرادة دون ذيها. و لكنّه غير تام، لأنّ لكلّ إرادة مبادئ خاصة، منها تتولّد، لا من إرادة أُخرى.

وعلى ماذكر، يبطل القول المعروف من أنّ فعلية وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها، حدوثاً و بقاءً، فإنّ ذلك مبني على القول بنشؤ إرادة من أُخرى، لا على ما ذكرناه من استقلال إرادتها.

وكون المقدّمة واجباً غيرياً، لا يثبت نشؤ إرادتها و وجوبها، من إرادة ذيها ووجوبه. بل المراد، أنّ المولى لما رأى توقّف مطلوبه الذاتي عليها، أرادها وأوجبها لذلك. وحينئذ لا مانع من إيجاب المقدّمة قبل إيجاب ذيها، فيكون وجوب المقدّمة«لازماً أعمّ»لوجوب ذيها، لا لازماً مساوياً.

وهذا الوجه متين، إلاّ أنّه لا يدفع الإشكال في مورد الصبي، لعدم تكليفه


( 530 )
قبل البلوغ.

و بما تقدّم يظهر الخلل فيما أفاده المحقّق الخراساني حيث قال: إنّوجوب المقدّمة يكشف بطريق الإنّ عن سبق وجوب الواجب، و إنّما المتأخّر هو زمان الإتيان به، ولا محذور فيه أصلاً. ولو فرض العلم بعدم سبقه، لاستحال اتصاف مقدّمته بالوجوب الغيري. فلو نهض دليل على وجوبها، فلا محالة يكون وجوبها نفسياً، ولو تهيئياً، ليتهيأ بإتيانها، و ليستعدّ لإيجاب ذيها.(1)

فيلاحظ عليه: أنّ وجوب المقدّمة إنّما يكشف بطريق الإنّ عن سبق وجوب ذيها، لو كان وجوبها ناشئاً عن وجوبه، و إرادتها ناشئة من إرادته. و لكنّك عرفت خلافه، و إنّما وجوب ذيها و إرادته بمنزلة العلّة الغائية التي لا يعتبر إلاّتقدّمها ذهناً لا خارجاً. و يكفي في المقام العلم بأنّه سوف يأمر به المولى.

هذا كلّه حسب الثبوت، وأمّا الإثبات فيمكن أن يقال في باب الصوم أنّه من باب الواجب المعلّق، استظهاراً من قوله سبحانه:(وَ مَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(2)، فإنّ المراد من شهود الشهر هو رؤية الهلال، أو كون الصائم حاضراً لا مسافراً. و الآية ظاهرة في وجوب الصوم بمجرّد الشهود (فليصمه) ، و إن كان الواجب متأخّراً حسب تدرّج الأيّام.

وأمّا الصلاة، فالظاهر من صحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ :«إذا دخل الوقت، وجب الطهور والصلاة،ولا صلاة إلاّبطهور».(3)، كون وجوب الصلاة مشروطاً بدخول الوقت، بحيث لا وجوب قبل الزوال وعلى ذلك يجب أن يوجّه وجوب التعلّم، أو الاحتفاظ بالماء، بأحد الوجوه الماضية كما لا يخفى.

وأمّا الحجّ، فالظاهر من قوله سبحانه: (وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/166، قوله:«فانقدح بذلك...».
(2) البقرة:185.
(3) الوسائل: ج1، الباب 4 من أبواب الوضوء، الحديث 1.


( 531 )

اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (1)، هو فعلية الوجوب عند الاستطاعة، و إن كان ظرف الواجب متأخّراً. فيجب تحصيل سائر المقدّمات بعد حصولها، قبل بلوغ ظرفه و زمانه.

بقي هنا إشكال، وهو أنّه أيّ فرق بين إراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم إمكان تحصيله بعده، و إجناب الرجل نفسه اختياراً بمواقعة أهله قبل الوقت مع علمه بعدم تمكّنه من الطهارة المائية بعده، حيث أفتوا بعدم جواز الأوّل، و جواز الثاني. فهذا التفريق لا يصحّ على أيّ وجه من الوجوه المذكورة.

قلت: هذا الإشكال ذكره صاحب الكفاية، وأجاب عنه بما حاصله: إنّ الواجبات الشرعية مختلفة من ناحية المقدّمة، فقد تكون القدرة المعتبرة قدرة مطلقة، فعندئذ يجب تحصيلها أو حفظها، و قد يكون الواجب قدرة خاصة، وهي القدرة على الصلاة مع الطهارة المائية إذا لم يقدم على مواقعة أهله. فالتجويز من الفقهاء كاشف عن كون المعتبر هوالقدرة الخاصة، لا العامة.(2)

هذا تمام الكلام في الواجب المعلّق، و بقي هاهنا بحث آخر أشرنا إليه فيما سبق، و هو ما هو الأصل عند الشكّ في كون القيد قيداً للهيئة أو للمادة، وهو ما نبحثه فيما يلي.

تتمة

تردّد القيد بين رجوعه إلى الهيئة أو المادة

إذا تردّد أمر القيد بين كونه راجعاً إلى الهيئة أو إلى المادة، فهل في مقام الإثبات ثمة دليل يُرجع إليه، أو لا؟ و قبل الخوض في البحث نذكر نكات:

ــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران:97.
(2) كفاية الأُصول:1/167، قوله: «قلت: لا محيص عنه...».


( 532 )

1ـ ليس البحث بحثاً علمياً صرفاً، بل له ثمرة عملية، و ذلك; إن دلّ الدليل على كونه راجعاً إلى الأُولى، فلا يجب تحصيله، بخلاف ما إذا كان راجعاً إلى الثانية، فانّ إطلاق الدليل يقضي بوجوب تحصيله، لفعلية وجوبه، اللّهمّ إلاّإذا علم من الخارج أنّ المطلوب حصوله لا تحصيله.

2ـ إنّ نتيجة البحث تظهر في القيود الاختيارية، و يقع الكلام عند ذاك في وجوب تحصيلها وعدمه. بخلاف غير الاختيارية منها، كطلوع الفجر، و زوال الشمس، فلا تظهر فيها ثمرة أصلاً.

3ـ إنّ هذا البحث إنّما يصحّ عند من يرى إمكان رجوع القيد إلى واحد منهما. وأمّا من ذهب ـ مثل الشيخ ـ إلى امتناع أحد الأمرين، أعني تقييد الهيئة ، فالبحث ساقط عنده من أساس.

والعجب أنّ الشيخ، مع أنّه ذهب إلى امتناع رجوعه إلى الهيئة، عقد فصلاً لهذا البحث، و استظهر بوجهين كونه راجعاً إلى المادة. و لعلّه رجوع عن مختاره السابق أو بحث تقديري منه، أو محلّ البحث فيما إذا كان الوجوب مستفاداً من الجملة الخبرية.

4ـ إنّ محطّ البحث هو ما إذا كان القيد منفصلاً، وأمّا إذا كان متّصلاً، و دار بين رجوعه إلى المادّة أو الهيئة، فيكون الكلام مجملاً، شأنُ كلّ كلام يحتف بما يصلح للقرينية، مع عدم وجود ظهور لغوي، أو انصراف، أو قرينة.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع تارة في مقتضى الأُصول اللفظية، و أُخرى في مقتضى الأُصول العملية، و هاك بيان كلّ منهما.

أ: مقتضى الأُصول اللفظية

استدل الشيخ الأعظم على ترجيح رجوع القيد إلى المادة دون الهيئة،


( 533 )
بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ مفاد الهيئة إطلاق شمولي، فإنّ معناه ثبوت الوجوب على كلّ تقدير، أي تقدير حصول القيد وعدم حصوله. و مفاد المادة إطلاق بدليّ، فانّ معناه طلبُ فرد من الطبيعة التي تعلّق بها الوجوب على سبيل البدل. وإذا دار الأمر بين تقييد أحد الإطلاقين، فتقييد البدلي أولى.

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ المحقّق في محلّه ، هو تقديم العام الشمولي على الإطلاق البدلي، لا تقديم مطلق ما يفيد الشمول ولو بالإطلاق، على ما يفيد البدل و لو كان بالعام اللفظي، فالملاك هو تقديم العام على الإطلاق، لا تقديم الشمولي على البدلي.(1)

توضيح ذلك: أنّه لو كان كلّ من الشمولي والبدلي مستفاداً من إطلاق اللفظ و مقدّمات الحكمة التي هي معلَّقة على عدم البيان، فلا معنى للزوم حفظ أحدهما و تقييد الآخر، وجعل أحد الإطلاقين ـ معيّناً ـ بياناً للآخر، و رافعاً لليد عنه، لأنّ مقوّم كلّ من الإطلاقين ، هو عدم البيان في مقامه، فكما يستلزم صيانة الإطلاق الشمولي، تقييد البدلي، فهكذا يصحّ العكس. و هذا كما في المقام، فإنّ دلالة الهيئة على الوجوب على كلّ تقدير في قولنا: أكرم زيداً، أي سواء أجاءك زيد أم لا، إنّما هو بالإطلاق، فلو دلّ دليل منفصل على شرطية المجيء، و دار الأمر بين أحد التقييدين، فصيانة إطلاق المادة ـ وهو أنّ الواجب هو مطلق الإكرام، لا الإكرام المقيّد بالمجيء ـ يستلزم توجّه القيد إلى الهيئة، و نظيره العكس. وحفظ إطلاق الهيئة و القول بالوجوب على كلّ تقدير، يستلزم توجّه القيد إلى المادة و أنّ الواجب هوالإكرام المقيّد بالمجيء. ولا ترجيح لحفظ أحدهما على الآخر، مع كون الإطلاق في كلّ واحد متقوّماً بعدم البيان، و الشرط صالح لأن يكون بياناً لكلّ واحد منهما.

ــــــــــــــــــــــ
(1) . كفاية الأُصول:1/169.


( 534 )

نعم، لو كان أحدهما مستفاداً من الوضع والآخر مستفاداً من الإطلاق، يكون الوضع مقدّماًعلى الإطلاق، من غير فرق بين الشمولي والبدلي، و هذا كما في المثالين التاليين:

1ـ لو قال: «أكرم كلّ العلماء»، ثمّ قال: «أهن فاسقاً»، و دار الأمر بين دخول «العالم الفاسق» تحت العام أو تحت الإطلاق، يقدّم العام الوضعي هنا، وهو الشمولي، على الإطلاق، وهوالبدلي، لأنّ دلالة العام اللفظي الوضعي أقوى، فإنّ العام ذو لسان و ذو بيان، فيقدّم على ما تتقوّم دلالته بعدم البيان، فلا تجري مقدّمات الحكمة في الإطلاق البدلي. و لأجل ذلك يحكم بلزوم إكرام العالم الفاسق، وعدم جواز إهانته.

وبالجملة، العام ـ بحكم كلمة «كل»، و «اللام»، وغير ذلك ـ يدلّ بالدلالة الوضعية، على العموم، ولا حالة انتظارية في دلالته على المقصود، فينعقد ظهوره في العموم، و يحتجّ به المولى، بخلاف دلالة الإطلاق، فانّها متقوّمة بعدم ورود البيان على الخلاف في مظنّته، وهو منتف مع الوقوف على العام الوضعي.

ولأجل أنّ ملاك التقديم، هو تقديم الدلالة اللفظية الوضعية على الدلالة العقلية، لا مجرّد الشمول والبدل، فلو فرض العكس، و صار الشمول مدلولاً للإطلاق، و البدلي مدلولاً للدلالة اللفظية، يقدّم الثاني على الأوّل.

2ـ لو قال: «أكرم أيّ واحد من العلماء»، بصورة العام البدلي المستند إلى الوضع، و قال:«لا تكرم فاسقاً»، يقدم البدلي على الشمولي، و يحكم بخروج العالم الفاسق من تحت الدليل الثاني، و دخوله تحت الدليل الأوّل. و ذلك لأنّ دلالة الأوّل بالوضع، و ليست دلالته متقوّمة بشيء سواه، ولا معلّقة على عدم البيان فيما بعد، بخلاف الثاني، فانّ دلالته متقوّمة بعدم ورود بيان على خلافه. فالعام بدلالته الوضعية ـ و إن كان بدلياً ـ يرفع موضوع الإطلاق، و يقول: ها أنا البيان.

والعجب أنّ الشيخ الأعظم قد صرّح بذلك في فرائده عند البحث عن


( 535 )
الجمع الدلالي و لكنّه غفل عنه في المقام، فلاحظ.(1)

وأمّا المقام ، فإذا كان كلّ من الشمول والبدل مفهوماً من الإطلاق يكون كلاهما سيّان في الأقوائية، و ليس أحدهما أقوى من الآخر، كي يقدّم على الآخر.والحاصل أنّ الملاك للتقديم هو الأقوائية و المفروض عدم أقوائية الشمولي من البدلي. فالعلم الإجمالي بورود قيد لواحدمن الإطلاقين يوجب إجمال الدليلين و سقوط كلا الإطلاقين كما هو محرّر في محلّه.

الوجه الثاني: الذي ذكره الشيخ الأعظم أيضاً لتقديم إطلاق الهيئة على إطلاق المادّة و حاصله: أنّ تقييد الهيئة يوجب بطلان محلّ الإطلاق في المادة و يرتفع به مورده، بخلاف العكس و كلّما دار الأمر بين تقييدين كذلك، كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى.

توضيحه: إنّ إرجاع القيد إلى الهيئة يوجب رفع اليد عن إطلاق المادّة، بخلاف العكس.

أمّا الأوّل: فلأنّه إذا فرض تقييد الوجوب بالشرط، لا يكون هناك وجوب قبل تحقّق الشرط، و بطبيعة الحال يكون الواجب أيضاً مقيّداً بهذا الشرط.

فإذا قلنا: «أكرم زيداً إن جاءك يوم الجمعة» فبما أنّه لا وجوبَ قبل مجيء يوم الجمعة، لا يكون مطلق الإكرام أيضاً واجباً، بل الواجب هو الإكرام التوأم مع مجيء زيد. و مثل ذلك إذا قال: «حجّ إن استطعت» فبما أنّه لا وجوب قبل الإستطاعة، لا يكون مطلق الحجّ ـ ولو في غير ظرف الاستطاعة ـ واجباً، بل يكون الواجب هوالحجّ التوأم معها.

وأمّا الثاني: فلوضوح أنّه إذا كان القيد راجعاً إلى المادة، بأن يكون الإكرام

ــــــــــــــــــــــ
(1) الفرائد، ص 457، طبعة رحمة الله، بحث التعادل و الترجيح، عند قوله:«ومنها تعارض إلاطلاق والعموم...».


( 536 )
المقيّد بالمجيء يوم الجمعة، واجباً، فلا يسري التقيّد إلى الوجوب، لجواز أن يكون الوجوب حاليّاً قبل يوم الجمعة، غاية الأمر أنّ المطلوب يكون استقباليّاً، وهو الإكرام المقيّد بمجيئه يوم الجمعة.

وإذا دار الأمر بين رفع اليد عن إطلاق أو إطلاقين، فالأوّل مقدّم.

يلاحظ عليه: بما ذكره المحقّق الخراساني من أنّه إنّما يتمّ، إذا كان القيد منفصلاً، بحيث ينعقد لكلّ من الهيئة و المادة إطلاق، فيدور الأمر بين التصرّفين والتصرف الواحد.وأمّا إذا كان القيد متّصلاً فبما أنّه لم ينعقد للكلام أيّ ظهور و إطلاق، فلو رجع القيد إلى الهيئة، فهو لا يستلزم تقييد المادة، بل يستلزم إبطال محلّ الإطلاق، و إلغاء القابلية، و هو ليس أمراً مخالفاً للأصل.

فلو دار الأمر بين تقييد واحد كالمادة، و تقييد واحد و إبطال محلّ الإطلاق في الآخر، بمعنى أنّه لا ينعقد الإطلاق فيه من أوّل الأمر، فلا دليل على الترجيح.(1)

ثمّ إنّ في المقام أمرين يجب التنبيه عليها.

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق النائيني في ذيل كلامه و هو أنّه لو فرضنا ثبوت أقوائية الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، فلا يوجب ذلك تقديمه عليه، لأنّ الأقوائية إنّما توجب التقديم، لو كان التخالف والتكاذب بينهما بالذات، كما في المثالين«لا تكرم فاسقاً»، «أكرم عالماً»، والأوّل يفيد الشمول والثاني يفيد البدلية، فإنّ كلّ واحد منهما يكذب الآخر، إذ لا تجتمع حرمة إكرام الفاسق على إطلاقه، و لو كان عالماً مع وجوب إكرام مطلق العالم ولو كان فاسقاً. ففي مثله يقدّم الأقوى على الأضعف،وهذا هو محلّ الكلام في مبحث التعادل والترجيح، لا في المقام، إذ ليس بين إطلاق الهيئة و المادة في أنفسهما تكاذب في المقام، إذ لا مانع من كونهما مطلقين غير مقيّدين، و إنّما جاء التعارض لأجل علم إجمالي بطرؤ القيد على

ــــــــــــــــــــــ
(1) راجع كفاية الأُصول:1/169ـ170.


( 537 )
أحدهما مع تساويه بالنسبة إلى الأقوى والأضعف. وفي مثله ، لا وجه لتقديم الأقوى على الأضعف لما ذكرناه من تساوى العلم الإجمالي.(1)

هذا توضيح لكلامه، وهو في غاية المتانة.

الثاني: إنّ ما ذكره الشيخ من الوجهين و ما ذكره المحقّق النائيني من الوجوه الثلاثة(2) إنّما هي وجوه استحسانية لا ينعقد بها الظهور العرفي حتى يكون موجباً لتقديم ما هوالأقوى دلالة و ظهوراً على الأضعف كذلك. و بالجملة المتّبع هو الظهور العرفي لدى أهل اللسان، و هذه الوجوه العقلية التي لا يلتفت إليها إلاّ الأوحدي من الناس لا تؤسس ظهوراً،ولا دلالة، ولووقف أهلُ اللسان على ورود قيد بأحد الأمرين، يتوقّف في المراد، ولا يتمسّك بهذه الوجوه لتقديم حفظ أحد الظهورين على الآخر.

مقتضى الأصل العملي

ما تقدّم كان في مقتضى الأُصول اللفظية، و قد عرفت أنّه لا أصل لفظي في المقام يعتمد عليه، و أنّ القيد إذا كان متّصلاً، يلزم منه الإجمال في الكلام، و إن كان منفصلاً، فالعلم الإجمالي بتقييد أحد الإطلاقين يمنع عن الأخذ بأحدهما. فإذا فقد الدليل الاجتهادي، فلابدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه الأُصول العملية.

وأمّا مقتضاها، فلو شككنا في وجوب نفس القيد و لزوم تحصيله، فالأصل عدم وجوبه. كما أنّنا لو شككنا في وجوب سائر مقدّماته غير هذا القيد، فالأصل عدم وجوبها أيضاً. و بالجملة الأصل العملي، لا يُثبت واحداً من الظهورين، و إنّما يجيب على الشكّ في الحكم الشرعي، فلو كان القيد، قيداً للهيئة، يكون مقدّمة وجوبية، ولا يكون واجباً، و إذا كان قيداً للمادة يقع تحت دائرة الطلب فيكون

ــــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات:1/163ـ 164.
(2) المصدر السابق:160ـ162.


( 538 )
واجباً فالشكّ في رجوع القيد إلى أي ّ واحد منهما يؤكد شكّاً في وجوب القيد فالمرجع هوالبراءة.

***

التقسيم الثالث: تقسيمه إلى نفسي و غيري

عرّف القوم الواجب النفسي بأنّه ما أمر به لنفسه، و الغيريّ ما أمر به لغيره.

وأورد عليه الشيخ الأعظم بأنّ تعريف النفسي غير جامع، كما أنّ تعريف الغيري غير مانع.(1)

أمّا الأوّل، فلأنّه يخرج عنه كلّ الواجبات النفسية سوى معرفة الله، إذ غيرها إنّما أُمر به لأجل مصالح مترتّبة عليه، كالصلاة، فانّها أمر بها لكونها قربان كلّ تقي، و كالصوم فانّه إنّما أمر به لأنّه جُنّة من النار، و هكذا غيرهما.

وأمّا الثاني، فغير المعرفة من الواجبات النفسية، داخل تحته، لأنّه أمر به لغيره من المصالح، كما ذكرنا في الصلاة والصوم.

ولكن مع ذلك، يمكن الذبّ عن الإشكال بتوضيح المراد من لفظي«لنفسه» و «لغيره» و إليك البيان:

إنّ المراد من الأمر بالشيء لنفسه، هو الأمر به لغاية موجودة في نفسه لا لأمر آخر، كما أنّ المراد من الأمر بالشيء لغيره، هو الأمر به لغاية بعث آخر هو غيره، و على ذلك فالمقيس عليه في تسمية الأمر نفسياً أوغيرياً، هو ملاحظة الأمر بالنسبة إلى البعث الآخر، فإن أُمر لأجل نفسه لا لملاحظة بعث آخر، يكون الوجوب نفسياً، و إن أُمر به لأجل بعث آخر، يكون الوجوب غيرياً.

وبعبارة أُخرى، الملاك في كون الواجب نفسياً، أن يتعلَّق به البعث بملاك

ــــــــــــــــــــــ
(1) مطارح الأنظار، ص 66.


( 539 )
فيه، لا لأجل بعث آخر. كما أنّ الملاك لكون الواجب غيرياً، أن يكون تعلّق البعث به لأجل التوصل إلى بعث آخر.

وعندئذ، فلا تخرج الواجبات النفسية من تحت التعريف الأوّل، فإنّها وإن وجبت لأجل مصالح وأغراض، إلاّأنّ ذلك لا يخرجها عن النفسية، إذ الميزان في كون الواجب نفسياً، تعلّق البعث بملاك نفسه، لا بملاك بعث آخر في البين، و إن كانت هناك مصالح، والواجبات النفسية كلّها كذلك.

كما لا تدخل تلك الواجبات في إطار الواجبات الغيرية، إذ المفروض أنّ الملاك في الغيري، تعلّق البعث به، لأجل تعلّق بعث آخر بشيء آخر و الواجبات النفسية ليست كذلك، إذ المفروض تعلّق البعث بها لنفسها، لا مقدمة لبعث آخر.

تعريف ثان للنفسي والغيري

ثمّ إنّ الشيخ لمّا لم يرتض بالتعريف المذكور حاول أن يعرّفهما بوجه آخر وقد نقله، المحقّق الخراساني في كفايته، وهو أنّه إذا كان الداعي في الواجب هوالتوصل إلى واجب آخر بحيث لا يكاد يمكن التوصل إليه بدونه، لتوقفه عليه، فالواجب غيري، و إلاّفهو نفسي، سواء كان الداعي محبوبية الواجب بنفسه، كالمعرفة بالله، أو محبوبيته بماله من فائدة مترتبة عليه، كأكثر الواجبات.(1)

وأورد عليه في الكفاية بأنّه لو كان الداعي، اشتماله على الفائدة المترتبة عليه، كان الواجب في الحقيقة غيرياً، فانّه لولا هذه الفائدة، لما كان له داع إلى إيجاب ذي الفائدة.(2)

و الإمعان في عبارة الشيخ يدفع هذا الإشكال عن تعريفه حيث قال:«إذا

ــــــــــــــــــــــ
(1) مطارح الأنظار، ص 66.
(2) كفاية الأُصول:1/171.


( 540 )
كان الداعي إلى الأمر، التوصل إلى واجب آخر» ، لا التوصل إلى الغايات و الأغراض التي ربّما تكون محبوبة بالذات و لكنّها لا تكون واجبة في الشريعة بالأمر والطلب، و الذي يحدّد الواجب الغيري، هو كون الداعي التوصلُ إلى واجب آخر دلّ الدليل على وجوبه في الشريعة الإسلامية، فمثل هذا التوصل يجعل الوجوب، غيرياً، لا مطلق التوصل إلى غايات وأغراض لم يدلّ دليل في الشريعة على وجوبها و على هذا فالداعي إلى الأمر بالصلاة و إن كان محبوبيتها لما يترتّب عليها من الفوائد، لكنّها لا تجعلها واجباً غيرياً إذ ليس الإيجاب لأجل التوصل إلى واجب آخر نصّ الشارع بوجوبه بالطلب والبعث اللفظيّ وإن كان وجوبها لإحراز تلك الفوائد فلاحظ.

ثمّ إنّه أجاب عمّا أورد على الوجه الثاني (1) بقوله:«إنّ الأثر المترتّب عليه و إن كان لازماً، إلاّ أنّ ذا الأثر لمّا كان معنوناً بعنوان حسن يستقلّ العقل بمدح فاعله بل و يذمّ تاركه صار متعلّقاً للإيجاب بما هو كذلك و لا ينافيه كونه مقدّمة لأمر مطلوب واقعاً، بخلاف الواجب الغيري لتمحض وجوبه في أنّه لكونه مقدّمة لواجب نفسي، وهذا أيضاً لا ينافي أن يكون معنوناً بعنوان حسن في نفسه إلاّ أنّه لا دخل له في إيجابه الغيري»(2)، حاصله أنّ ملاك الواجب النفسي، كون وجوبه لأجل حسنه في حدّذاته، سواء أكان مع ذلك مقدّمة لواجب آخر أم لم يكن. وملاك الواجب الغيري، كون وجوبه لأجل حسن غيره سواء أكان في نفسه أيضاً حسناً، كالطهارات، أم لم يكن.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر كلامه أنّ الواجبات النفسية بعامّتها معنونة بعنوان حسن ـ مع قطع

ــــــــــــــــــــــ
(1) وهو عدم الفرق في النفسي بين أن يكون الداعي فيه محبوبيته بنفسه أو بماله من الفائدة.
(2) المصدر السابق، ص 172.


( 541 )
النظر عن كونها مقدّمة لأمر مطلوب واقعاً ـ و لكن إثباته أمر مشكل ، إذ لم يدل دليل على كون كلّواجب نفسي، حسن في حدّذاته ـ مع قطع النظر عن آثاره، غاية الأمر، يكون حسناً بالنظر إلى آثاره و غاياته المترتبة عليه، والاعتراف بالحسن بهذا المعنى يستلزم عود الإشكال الذي أورده على الشيخ الأعظم، إذ عندئذ يكون الواجب هو الغاية التي توجب الحسن للعمل، لا نفسه.

وإن شئت قلت: إنّ ما ذكره مبني على كون كلّ الواجبات النفسية ذات حسن ذاتي كالعدل والإحسان. و إثبات ذلك في جميع الواجبات النفسية، دونه خرط القتاد. فأيّ حسن ذاتي في الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا و المروة سبعة أشواط. و اشتمالها على مصالح معيّنة ، كإحياء ذكرى زوجة إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ في سعيها بين الجبلين، لا يستلزم كونهما حسنين بالذات.

والحقّ في تمييز النفسي عن الغيري، ما ذكرناه من أنّه إذا كان البعث إلى الشيء لأجل بعث آخر، فهو غيريّ و إلاّفهو نفسي.

فإن قلت: فما تقول في الظهر والمغرب، ففيهما كلا الملاكين: النفسية والغيرية، و كأفعال الحجّ، فانّ المتقدّم منها واجب نفسي و مقدّمة للمتأخّر.

قد تقدّم منّا، أنّ الشرط هو تقدّمه على العصر، لا نفس الصلاة و هكذا أجزاء الحجّ بعضها إلى بعض فالواجب نفسياً، هو نفس العمل، والواجب غيرياً هو تقدّمه على البعض الآخر.

توهم قسم آخر

و ربّما يتوهّم وجود قسم آخر للواجب، ليس نفسياً ولا غيرياً،و هو المقدّمات المفوّتة، كغُسل من أجنب نفسه ليلاً، لصوم الغد، على القول بكونه من قبيل الواجب المشروط فوجوبه ليس وجوباً غيرياً، إذ المفروض أنّ الصوم ليس بواجب قبل الفجر، فكيف تجب مقدّمته؟، ولا نفسياً، لعدم استلزام تركه، العقاب، بل العقاب على ترك الصوم.

والجواب عنه واضح، إذ ليس الواجب الغيري ما يكون وجوبه مترشّحاً من

وجوب آخر، لما تقدّم في بحث المقدّمات المفوّتة من أنّه يصحّ إيجاب المقدّمة قبل إيجاب ذيها، إذ ليس وجوبها مترشحاً من وجوب ذي المقدّمة، بل أنّ إيجابها بملاك وجوبها و هو رفع الإحالة و هو موجود قبل إيجاب الصوم و بعده.

../../../IMAG/9.gif (18250 bytes)