إذا عملت المستحاضة بواجبها، ثمّ انقطعت قبل خروج الوقت فلا تعيد الصلاة بزعم أنّها صلّت و هي غير متطّهرة ـ لافتراض وجود الدم ـ و ذلك لأنّ الظاهر من الأدلّة أنّ ما أتت به من الوضوء والغسل، كانا طهوراً في حقّها، و أنّها صارت متطهرة في هذه الحالة، فإذا انطبق عليه العنوان سقط الأمر.(1)
(1) الجواهر:5/333.
( 459 )
الفصل الرابع
في مقدّمة الواجب
لقد طرح المحقّق الخراساني في هذا البحث أُموراً سبعة بعنوان المقدّمة، نذكرها إجمالاً، حتّى يقف القارئ على البحوث الآتية على وجه الإجمال، وبعد انهائها، دخل في صلب الموضوع و هو وجوب المقدّمة وعدمه و هذه الأُمور هي:
الأمر الأوّل: في تحرير محلّ النزاع.
الأمر الثاني: المسألة عقلية أُصولية.
الأمر الثالث: في تقسيمات المقدّمة.
1ـ تقسيمها إلى داخلية و خارجية.
2ـ تقسيمها إلى عقلية و شرعية وعادية.
3ـ تقسيمها إلى مقدّمة الوجود، و مقدّمة الصحّة، و مقدّمة الوجوب و مقدّمة العلم.
4ـ تقسيمها إلى السبب والشرط و المعدّو عدم المانع.
5ـ تقسيمها إلى متقدّمة، و مقارنة، و متأخّرة.
الأمر الرابع: في تقسيمات الواجب
1ـ تقسيمه إلى مطلق و مشروط.
( 460 )
2ـ تقسيمه إلى منجّز و معلّق.
3ـ تقسيمه إلى نفسي وغيري.
4ـ تقسيمه إلى أصلي وتبعي.
الأمر الخامس: ما هو الواجب في باب المقدّمة؟
الأمر السادس: ثمرات القول بوجوب المقدّمة.
الأمر السابع: تأسيس الأصل في المسألة عند الشكّ.
وإليك الكلام فيها واحداً بعد واحد.
***
( 461 )
4ـ مقدّمة الواجب
الأمر الأول
في تحرير محلّ النزاع
يحتمل أن يكون النزاع في وجوب مقدّمة الواجب في أحد الأُمور التالية:
1ـ الوجوب العقلي الذي يدركه العقل و يعبّر عنه باللابديّة. فإنّ العقل يدرك بوضوح أنّ التوصل إلى ذي المقدّمة لا يتحقّق إلاّبالإتيان بها. والوجوب بهذا المعنى، يساوق كون الشيء مقدّمة عند العقل. والتصديق بكون شيء مقدّمة عنده، عبارة أُخرى عن هذا الوجوب، فلا معنى لوقوع النزاع فيه. فهو أمر متّفق عليه، و ليس بموضع نقاش.
2ـ الوجوب العرضي بمعنى أنّ هنا وجوباً واحداً ينسب إلى ذي المقدمة بالأصالة، و إلى المقدّمة بالعرض، كالجريان المنسوب إلى الماء والميزاب، والبحث على هذا النمط يناسب الأبحاث الأدبية لا الأُصولية.
3ـ الوجوب الشرعي الغيري الأصلي. أمّا كون الوجوب شرعياً، فللاحتراز عن وجوبها العقلي الذي ليس مورداً للانكار، و أمّا كونه غيرياً، فلأنّ المقدّمة ليست مطلوبة بالذات، بل مطلوبة لأجل ذيها، فيكون وجوبها غيرياً، بخلاف ذيها، فانّه مطلوب بالذات، فيكون وجوبه نفسياً.
أمّا كونه أصلياً، فلأنّ المقدّمة متعلّقة للإرادة على وجه الاستقلال، للالتفات إليها استقلالاً، فيكون وجوبها أصلياً. نعم لو لم تكن المقدّمة متعلّقة للإرادة بالاستقلال، بل كانت مرادة بتبع إرادة غيرها ـ للتلازم بين الإرادتين ـ فانّ وجوبها يكون غيرياً تبعياً كما سيوافيك .
4ـ الوجوب الشرعي الغيري التبعي، بالمعنى المتقدّم. أي لو التفت إلى
( 462 )
المقدّمة، لأمر بها، و لكنّه لم يلتفت، ولكن كانت هناك ملازمة بين الوجوبين عند الالتفات إلى الأمرين.
ولا يخفى أنّ المسألة على الوجهين: الثالث والرابع، قاعدة فقهية لا مسألة أُصولية كسائر القواعد الفقهية وقد مرّالفرق بين المسائل الأُصولية والقواعد الفقهية في الأمر الأوّل في المقدّمة و على هذا فلا معنى للبحث عنه في علم الأُصول ، كما لا وجه لجعله بحثاً استطرادياً، مع إمكان عقد البحث أُصولياً.
5ـ وجود الملازمة بين الإرادتين أو وجودها بين الوجوبين، سواء أفسر وجوب المقدّمة، بالغيري الأصلي، أم بالغيري التبعي. وعلى ذلك تخرج المسألة عن كونها قاعدة فقهية، وأمّا انسلاكها في المسائل الأُصولية، فسيوافيك البحث عنه في الأمر الثاني.
نعم، هنا بحث آخر، وهو أنّ الملازمة ـ على القول بها ـ هل هو بين وجوب ذيها ووجوب المقدّمة الواقعية، سواء أوقف عليها المولى أم لا، أو أنّ الملازمة بين وجوبها ووجوب ما يراه المولى مقدّمة؟
ذهب إلى الوجه الثاني سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ قائلاً بأنّ الإرادة من الفاعل إنّما تتعلّق بالشيء بعد تصوّره و الإذعان بفائدته، و يمتنع تعلّق الإرادة بما هو مقدّمة في نفس الأمر إذا كان غافلاً عنها. وعلى ذلك فالملازمة هي بين إرادة ذيها و إرادة ما يراه مقدّمة. والحاصل أنّ الإرادة وليدة العلم، ولا يعقل تعلّقها بشيء إلاّ بعد العلم به و عرفانه مقدمة للشيء.(1)
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في تعلّق الإرادة، كون المقدّمة ملحوظة بالإجمال. فإذا وقف المولى على أنّ لمطلوبه مقدّمة أو مقدّمات ـ و إن لم يعلم خصوصياتها ـ فعند ذلك تنقدح في نفسه إرادة خاصة متعلّقة بما يتوقّف الواجب عليه حسب
ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول:1/153.
( 463 )
نفس الأمر، و إن لم يعلم خصوصياته. فيصحّ ادّعاء الملازمة بين إرادة الشيء و إرادة ما هو مقدّمة له حسب نفس الأمر، وعند ذاك يتّحد ما هو مقدّمة في الواقع مع ما يراه المولى مقدّمة إجمالاً. والحاصل أنّ الإرادة وليدة العلم، و لكن يكفي العلم الإجمالي، ولا يشترط العلم التفصيلي.
4ـ مقدّمة الواجب
الأمر الثاني
المسألة عقلية أُصولية
هل البحث في المسألة لفظيّ أو عقليّ، فقهي أو أُصوليّ؟
الظاهر أنّ المسألة عقلية أُصولية.
أمّا كونها عقليّة، فلما عرفت من أنّ البحث ليس إلاّعن وجود الملازمة بين الإرادتين ثبوتاً، و الوجوبين إثباتاً.وهو بحث عقلي.
فإن قلت: الظاهر أنّ البحث بين القدماء لفظي، حيث إنّه مركّز على أنّ الأمر بالشيء هل يدلّ بنحو من الدلالات الثلاث على وجوب المقدّمة أو لا، و من المعلوم أنّه لا يدل بالنحو المطابقي أو التضمني فإن دلّ فإنّما يدلّ بالدلالة الالتزامية و هي من شُعَبِ الدلالة اللفظية.
قلت أوّلاً: أنّ البحث غير مختصّ بما إذا كان وجوب الشيء مدلولاً للفظ، بل يكفي كونه أمراً إجماعياً أو جرت على وجوبه السيرة، و عندئذ لا يمكن عدّالمسألة لفظية لافتراض عدم اللفظ على وجه الإطلاق.
وثانياً: أنّ عدّ الدلالة الالتزامية من الدلالات اللفظية، غير صحيح، بل هي من الدلالات العقلية فانّ الانتقال فيها من نفس المعنى المدلول بالمطابقة، إلى لازمه، لا من اللفظ إليه. نعم الانتقال إلى المدلول إنّما هو بواسطة اللفظ، و أمّا إلى
( 464 )
ملازِمه فهو من ناحية المدلول، لأجل ملازمة عقلية أوعرفية بين المدلولين. و هذا لا يوجب عدّالدلالة الالتزامية من المداليل اللفظية، أو عدّاللازم مدلولاً للفظ حقيقة.
والذي يوضح ذلك أنّ كلّ لفظ لا يَحكي إلاّعن معناه الذي وضع له، و المفروض أنّه موضوع لنفس المعنى المطابقي، لا له و للازمه، فكيف يمكن أن يكون حاكياً عنه؟
نعم، عدّعلماء المنطق الدلالة الالتزامية من المداليل اللفظية قال السبزواري في منظومته:
دلالة اللفظ بدت مطابقة * حيث على تمام معنى وافقه
و ماعلى الجزء تضمّناً وُسم * وخارجِ المعنى، التزام، إن لزم(1)
و في مقابلهم جعل علماء البيان كلتا الدلالتين(التضمنية والالتزامية) من الدلالات العقلية فلاحظ.(2)
وأمّا كونها أُصولية، فلما أوضحناه في الأمر الأوّّل من مقدّمة الكتاب من أنّ الميزان في كون الشيء مسألة أُصولية، كونها صالحة لأن تقع كبرى الاستنباط، والمفروض أنّ الملازمة بين الإرادتين أو الوجوبين، على القول بها، صالحة لأن تقع كبرى الاستنباط حيث إنّه يستنبط بها وجوب المقدمة الشرعي. فتصير المسألة عقلية أُصولية.
نعم، ليست الملازمة في المقام، من الملازمات العقلية المستقلة التي يُستنبط
ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح المنظومة، لناظمها الحكيم السبزواري، قسم المنطق، ص 13.
(2) لاحظ مفتاح العلوم للسكاكي، ص 140ـ 141. وقال محمّد بن عبد الرحمان القزويني في تلخيص المفتاح في أوائل علم البيان: ودلالة اللفظ إمّا على ما وضع له أو على جزئه أوعلى خارج عنه. و يسمّى الأوّل وضعية وكلّ من الأخيرين عقلية (المطول، للتفتازاني، ص 301ـ 203)و سيوافيك توضيح أوفر عند البحث عن المنطوق والمفهوم.
( 465 )
منها الحكم بالاستقلال من دون حاجة إلى حكم شرعي، كقبح الظلم عند العقل، الذي تستنبط منه حرمته بلا واسطة حكم شرعي، بل من الملازمات غير المستقلّة التي يتوقف استنباط الحكم الشرعي منها، على وجود حكم شرعي آخر، أعني: وجوب ذيها، فلو لم يكن هناك دليل على وجوب ذيها، لما أمكن الاستدلال بالملازمة على وجوب المقدّمة.
والمقام نظير المفاهيم، فانّ الحاكم بالمفهوم هو العقل، غير أنّ حكمه يتوقف على وجود منطوق صادر من المولى حتى يستدلّ، بحكم العقل على ارتفاع الحكم المنطوق عند ارتفاع قيده.
وبذلك يظهر أنّ وجه ذكر تلك الملازمات والمفاهيم في باب الألفاظ، إنّما هو لأجل توقف الاستدلال ـ بالملازمة أو بحكم العقل ـ على وجود خطاب شرعي. و إلاّفلا وجه لذكرهما في ذاك الباب.
هل المسألة من المبادئ الأحكامية
ثمّ إنّ سيد مشايخنا العلاّمة البروجردي قدَّس سرَّه عدّالمسألة من مبادئ الأحكام، قائلاً: إنّ القدماء كانوا يبحثون عن معاندات الأحكام وملازماتها و يسمّونها بالمبادي الأحكامية و منها هذه المسألة و المراد منها المسائل التي تكون محمولاتها من عوارض الأحكام التكليفية أوالوضعية من التضاد وغيره.(1)
يلاحظ عليه: أنّ جعل القدماء لها من المبادي الأحكامية لا يخرج المسألة عن كونها أُصولية بعد وجود ملاكها فيها، كما عرفت.
ثمّ إنّ صاحب المحاضرات ردّ على كون المسألة من المبادئ الأحكامية بقوله: انّ المبادي لا تخلو إمّا أن تكون تصورية أو تصديقية، ولا ثالث لهما.
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول:1/142.
( 466 )
والمبادي التصورية هي لحاظ ذات الموضوع والمحمول و ذاتياتهما في كلّ علم. و من البديهي أنّ البحث عن مسألة مقدّمة الواجب لا يرجع إلى ذلك.والمبادئ التصديقية هي المقدّمات التي يتوقف عليها تشكيل القياس، و منها المسائل الأُصولية، فانّها مبادئ تصديقية بالإضافة إلى المسائل الفقهية.
ثمّ قال: ولا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية. نعم قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته و آثاره إلاّ أنّه داخل في المبادئ التصديقية و ليس شيئاً آخر في مقابلها. كما أنّ تصوّر الحكم بذاته و ذاتياته داخل في المبادئ التصورية.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المبادئ الأحكامية من خصائص علم الفقه. فقد أضاف المحقّقون إلى علم الفقه مبادئ خاصة تسمّى بالمبادئ الأحكامية، وهي فرع من المبادئ التصورية لذلك العلم، فانّ المبادئ التصورية تدور بين أُمور ثلاثة:
1ـ تصوّر الموضوع بذاته و ذايتاته.
2ـ تصوّر محموله بذاته و ذاتياته.
3ـ تصوّر ما يعانق محمول العلم ـ أعني الحكم ـ و يلازمه، أو يضادّه و يباينه.
وهذا القسم الثالث هو المبادئ الأحكامية. فهي في الوقت نفسه مبادئ تصورية.
وإنّما نسمّي هذه المباحث بالمبادئ التصورية، مع أنّه ربّما تتشكل القضية منها، خصوصاً عند التعرّف على ملازماته و معانداته مثلاً نقول يلازم وجوب الشيء، وجوب مقدّمته ، لأجل أنّ هذه القضايا كلّها ليس إلاّللتعرف على مفهوم مفرد تصوري هوالوجوب أو الحرمة. فهذه القضايا بما أنّها تخدم معرفة المفردات
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:2/295.
( 467 )
تسمّى مبادئ تصورية.
وبذلك تقف على ضعف ما جاء في كلامه أعني: «يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره إلاّ أنّه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية و ليس شيئاً آخر في مقابلها».
لما عرفت أنّه يكون من المبادئ التصورية لكون البحث راجعاً إلى حالات المحمول(الحكم) من: ذاته و ذاتياته و لوازمه و معانداته.
وعلى كلّ تقدير: فكونها من المبادئ التصورية، لا يمنع عن عقدها مسألة أُصولية إذا كان فيها ملاكها.
***
ثمّ إنّ سيّد مشايخنا العلاّمة البروجردي، نفى كون المسألة أُصولية قائلاً بأنّ الموضوع لعلم الأُصول هوالحجّة في الفقه، و البحث عن تعيّناتها و تشخصّاتها بخبر الواحد وغيره من مسائلها و أمّا المقام فمحط النظر في المسألة هو إثبات الملازمة أو نفيها، لا الحجّية. و بعبارة أُخرى بعد ثبوت الملازمة لا معنى للبحث عن الحجّية لأنّوجود أحد المتلازمين حجّة على الآخر، و مع عدمها، لا معنى لحجّية وجوب شيء على وجوب شيء آخر بالضرورة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ مسائل علم الأُصول على قسمين: قسم يكون المحمول في الظاهر نفس الحجّية، كالبحث عن حجيّة أخبار الآحاد والظهورات و أقوال اللغويين والشهرات، و قسم يكون المحمول شيئاً آخر يؤول إلى تعيّن الحجّة في الفقه به ، كدلالة الأمر على المرّة والتكرار، أو الوجوب والندب أو الفور والتراخي، فروح البحث هل هناك حجّة شرعية على أحدهما أو لا، أو أنّ الحجّة في الفقه هل يتعيّن بالأمر في هذه المجالات أو لا، و مثله باب مقدّمة الواجب، فيبحث عن
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول/142.
( 468 )
تعيّن الحجّة في الفقه على وجوب المقدّمة، بالملازمة وعدمها. ولو صحّ ما ذكره من التعليل لعمّ هذه المسائل فلاحظ، و لكن التحقيق أنّ البحث في الجميع عن تعيّن الحجّة الكليّة فيما ذكر.
4ـ مقدّمة الواجب
الأمر الثالث
تقسيمات المقدّمة
تنقسم المقدّمة إلى أقسام كثيرة ، بعدة تقسيمات، نبحث عنها فيما يلي:
التقسيم الأوّل: تقسيمها إلى داخلية و خارجية(1)
أ : المقدّمة الداخلية
في المقدمة الداخلية اصطلاحان:
الأوّل: ما يكون فيه القيد والتقيّد داخلين في ماهية الواجب، فتختصّ حينئذ بالأجزاء، و يخرج كلّ من الشرط وعدم المانع والمعدّ عن كونه مقدّمة داخلية. و هذا ما يطلق عليه«الداخلية بالمعنى الأخص».
الثاني: ما يكون التقيد داخلاً فيه، سواء كان القيد داخلاً أو خارجاً. وعلى ذلك يكون الشرط وعدم المانع داخلين في الداخلية. و هذه ما يطلق عليه «الداخلية بالمعنى الأعم».
ــــــــــــــــــــــ
(1) الملاك في هذا التقسيم، تقسيم المقدّمة باعتبار ذاتها و نفسها، بخلاف سائرا لتقسيمات الآتية فانّ الملاك فيها أمر آخر، كما سيوافيك.
( 469 )
ولا شكّ في دخول غير الأجزاء من المقدّمات الداخلية بالمعنى الأعمّ في محلّ النزاع، وإنّما الكلام في دخول الأجزاء فيه. وتوضيح الكلام فيه يتوقّف على البحث في مقامات ثلاثة:
1ـ هل يصحّ وصف الأجزاء بالمقدّمية؟
2ـ إذا صحّ الاتصاف، فهل هناك ملاك لاتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري أو لا؟
3ـ على القول بوجود الملاك فيها، هل تتصف بالوجوب، أو لا تتصف لأجل وجود مانع عن ذاك الاتصاف و هو اجتماع وجوبين في مورد واحد؟
وفيما يلي نبحث في هذه المقامات الثلاثة.
المقام الأوّل
ذهب صاحب هداية المسترشدين (1) إلى عدم صحّة توصيف الأجزاء بالمقدّمية، لأنّ الأجزاء ليست إلاّنفس الشيء، وليس بينهما مغايرة وجودية.
وإن شئت قلت: المقدّمة تطلق على ما يقع في طريق وجود الشيء، والشيء لا يمكن أن يقع في طريق نفسه.
ولعلّه انتقل إلى هذا الإشكال في المقام ممّا يتخيّل في عدّ المادة و الصورة من أجزاء العلّة التامّة مع أنّ المعلول هو نفس المادة والصورة، فتتّحد العلّة والمعلول.
وقد أُجيب عمّـا ذكره بوجوه:
ــــــــــــــــــــــ
(1) هوالشيخ محمد تقي الاصفهاني النجفي أحد أركان علم الأُصول في القرن الثالث عشر توفي عام 1248هـ. و هو أخو صاحب الفصول الشيخ محمد حسين الغرويّ المتوفى عام 1254 هـ.و المقدمة الداخلية في كلام العلمين الإصفهاني، و الخراساني هي الأجزاء، لا كلّ جزء. بخلافها في نظر المحقّق البروجردي حيث جعل المقدمة كلّ جزء بحياله، فلا يختلط عليك الأمر في تقرير كلماتهم.
( 470 )
الوجه الأوّل
ما ذكره الشيخ الأعظم على ما في تقريراته حيث قال: إنّ الجزء له اعتباران. أحدهما اعتباره لا بشرط، و هو بهذا الاعتبار عين الكلّ، و متّحد معه، إذ لا ينافي ذلك انضمام سائر الأجزاء إليه فيصير مركّباً منها، و يكون هوالكلّ. و ثانيهما اعتباره بشرط لا ، وهو بهذا الاعتبار يغاير الكلّ.(1)
ولعلّهقدَّس سرَّه انتقل إلى هذا الفرق ممّا ذكره أهل المعقول عند بيان الفرق بين المادّة والصورة، والجنس و الفصل، بأنّه إذا لوحظ الجزءان على نحو اللابشرط بحيث يندكّ أحدهما في الآخر يسميان جنساً و فصلاً و يُحمل أحدهما على الآخر. وأمّا إذا لوحظا على نحو البشرط لا، كما إذا لوحظت المادة والصورة بما أنّهما أمران فعليان: المادة بماأنّها قوّة،والصورة بما أنّها فعلية تلك القوّة، فيفترقان و لا يصحّ حمل أحدهما على الآخر.
وإذا أردت التوضيح الكامل فلاحظ ما يلي:
الجزء الملحوظ بشرط لا هو المقدّمة
الجزء الملحوظ لا بشرط هو الكلّ و ذوالمقدّمة
و يرد عليه إشكالان:
1ـ إذا كان الجزء كالركوع ملحوظاً بشرط لا فمعناه أن يكون منفصلاً عن كلّ شيء و لا يكون معه شيء، فالجزء مع هذا القيد المصحِّح لمقدّميته، لا يكون مقدّمة أبداً، لأنّ لازم المقدمة في الجزء كونه مع الغير وفي خدمة سائر الأجزاء حتّى يتحصّل ذوها و إذا كان منطق المقدمة أنّه «لا مساس»(2) فلا يصلح مثل هذا
ــــــــــــــــــــــ
(1) مطارح الأنظار، ص 40، السطر الرابع.
(2) اقتباس عن قوله سبحانه حاكياً عن السامري: انّه ابتلى بمرض الوحشة و كان يقول لا مساس قال سبحانه:(فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) (طه/97).
( 471 )
للمقدّميّة.
2ـ أنّ الجزء الملحوظ على نحو اللا بشرط، لا يكون عين الكل، فإنّه يجتمع مع ألف شرط:يجتمع مع الوحدة والكثرة، و مع الانضمام وعدمه و من الشرائط حالة الوحدة فلو قورن معها كيف يكون عين الكل، و إنّما يكون عينه إذا لوحظ بشرط شيء و بشرط الانضمام.
وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ ما ذكروه من حديث «اللا بشرط» و «البشرط لا» إنّما هو عند التمييز بين نفس الأجزاء الخارجية (الهيولى والصورة) والتحليلية(الجنس والفصل) وأنّ الماهية إذا أُخذت «بشرط لا» تكون هيولى أو صورة، وإذا أُخذت «لا بشرط» تكون جنساً أو فصلاً، لا بالإضافة إلى المركّب كما هو المبحوث عنه في المقام.(1)
الوجه الثاني
ما ذكره المحقّق الخراساني من أنّ المقدمة هي نفس الأجزاء بالأسر، و ذا المقدمة هوالأجزاء بشرط الاجتماع، فتحصل المغايرة بينهما. وعلى ذلك يلزم في اعتبار الجزئية، أخذ الأجزاء بلا شرط كما أنّه لا بدّفي اعتبار الكلية من أخذه بشرط الاجتماع.(2)
والفرق بين الجوابين واضح، فانّ المقدّمة عند الشيخ هي الجزء بشرط لا، وهي عند المحقّق الخراساني الأجزاء لا بشرط. كما أنّ الكل عند الشيخ هو الجزء لا بشرط، المندك في الكلّ، وهي عنده الأجزاء بشرط شيء.
ويظهر ضعف هذا الجواب من بيان الوجه الثالث التالي.
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/140.
(2) كفاية الأُصول:1/140.
( 472 )
الوجه الثالث
ما ذكره سيّد مشايخنا العلاّمة البروجردي (1) وأوضحه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ ، و حاصله: أنّ المأمور به إذا كان مركّباً عن أُمور، كالركوع والسجود وغيرهما، فليست هنا مقدّمة واحدة باسم الأجزاء حتى نبحث عن الفرق بينها و بين ذيها، بل هناك مقدّمات كثيرة، بعدد الأجزاء. فالركوع مقدّمة، و السجود مقدّمة أُخرى، و هكذا. وا لفرق بينهما و بين الصلاة، واضح لا يحتاج إلى البيان.
ومنشأ تخيّل وحدة المقدّمة و ذيها هو تصوّر أنّ هنا مقدّمة واحدة هي الأجزاء بالأسر، وهي عين ذيها، فلم يبق هناك ملاك للمقدميّة. و لكنّه غفلة عن أنّ المقدّمة هي الركوع ـ مثلاً ـ و هو مغاير للصلاة . والسجود مقدمة أُخرى، وهو مغايرة لها، و إن كان الركوع و السجود وغيرهما مجتمعة، عين الصلاة.
وإن أردت التوضيح: فقس الإرادة الآمرية، بالإرادة الفاعلية، واستوضح حال الأُولى بالثانية ففيما إذا أراد الفاعل صنعَ أمر مركب من أجزاء ، يجد في نفسه أنّه لا محيص في إيجاد المركّب، من إيجاد كلّ جزء يتركّب الكلّ الصناعي منه، ففي كلّ جزء عندئذ ملاك الإرادة الفاعلية الغيرية، كما أنّ في الكلّ المركّب، ملاك الإرادة النفسية.
هذا حال الإرادة الفاعلية و منها تعلم حال الإرادة الآمرية فإذا أمر بصنع مكينة أو بناء بيت، يجد في نفسه أنّ إيجاد المركّب رهنُ إيجاد كلّ جزء يتوقّف عليه ذاك المركّب، فيكون في كلّ جزء ملاك الإرادة الآمرية الغيرية.
ومثل ذلك المركّبات الاعتبارية كالعسكر عند فتح مدينة أو حصن فإنّ فتحهما ، وإن كان لا يحصل إلاّ بفرقة عسكرية كبيرة، إلاّ أنّ القائد حيث يعلم أنّ هذه الفرقة لا تتشكل إلاّباستدعاء هذا الفرد و ذاك الفرد واحضار هذا المِدْفَع و
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول:1/143، تهذيب الأُصول:1/204.
( 473 )
تلك القاذفة، يقع إحضار كلّ فرد و آلة مورداً لإرادته، ليتحقّق بمجموعها ما هوالمطلوب، أعني تكوّن الفرقة.
وبذلك يظهر ضعف كلام المحقّق الخراساني ـ المتقدّم ذكره ـ حيث تصوّر أنّ هنا مقدمة واحدة هي الأجزاء بالأسر، فالتجأ إلى تصحيح المغايرة بينها وبين ذيها بمالا يخلو عن تكلّف. فانّه لو قال بما قلناه لما كانت له حاجة إلى ذلك التكلّف.
الوجه الرابع
ما ذكره صاحب المحاضرات، وحاصله: أنّ المقدمة قد تطلق و يراد بها ما يكون وجوده في الخارج غير وجود ذيه، بأن يكون هناك وجودان. وقد تطلق و يراد بها مطلق ما يتوقّف عليه وجود الشيء، وإن لم يكن وجوده في الخارج غير وجود ذيه.
أمّا المقدّمة بالإطلاق الأوّل، فلا تصدق على الأجزاء، بداهة أنّ وجود الأجزاء ليس مغايراً لوجود الكلّ، بل وجوده عينُ وجود أجزائه بالأسر. والتغاير لحاظاً، لا يثبت التغاير الخارجي.
وأمّا المقدّمة بالإطلاق الثاني، فتشمل الأجزاء أيضاً، لوضوح أنّ وجود الكلّ يتوقّف على وجود أجزائه، وأمّا وجودها فلا يتوقّف على وجوده. و ذلك كالواحد بالنسبة إلى الاثنين، فانّ وجود الاثنين يتوقف على وجود الواحد، دون العكس.(1)
يلاحظ عليه: إذا كانت المقدّمة عنده ـ دام ظلّه ـ هو الجزء بحياله، فالمغايرة و التوقف كلاهما حاصلان، فإنّ الجزء وجوداً و مقدمةً غير وجود الكل و في الوقت نفسه، موقوف عليه.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:2/297ـ 298.
( 474 )
وأمّا إذا كانت المقدّمة عنده هي الأجزاء بالأسر فليست هنا مغايرة و لا توقف فإنّ الأجزاء بالأسر، بمعنى برمّتها و جميعها هي نفس الكل، فيكون الأمران كلاهما منتفيين.
والعجب أنّه ـ دام ظلّه ـ عندما أراد سلب صدق إطلاق المقدّمة بالمعنى الأوّل، جعل المقدمة نفس الأجزاء وعندما أراد إثبات إطلاق المقدمة بالمعنى الثاني، جعل المقدمة نفس الجزء، حتّى مثّل بالواحد بالنسبة إلى الاثنين.
إلى هنا تبيـّن صحّة الإطلاق المقدّمة على الجزء بلا إشكال.
المقام الثاني
إذا صحّ وصفُ الأجزاء بالمقدّمية، فهل هناك ملاك لاتصافها بالوجوب المقدّمي ، أو لا؟
ذهب صاحب الكفاية ـ في هامش كتابه ـ إلى عدم وجود ملاك مقتض لاتّصاف الأجزاء بالوجوب الغيري، قال: إنّه لا يكون فيه(الجزء) أيضاً ملاك الوجوب الغيري، حيث إنّه لا وجود له غير وجوده في ضمن الكلّ حتّى يتوقف على وجوده، وبدونه لا وجه لكونه مقدّمة كي يجب بوجوبه أصلاً.(1)
ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المقدّمة هي نفس الجزء لا الأجزاء بالأسر، وهي غير الكلّوجوداً. ويوضح ذلك قياس الإرادة الآمرية بالإرادة الفاعلية، فكما أنّه ـ في الإرادة الفاعلية ـ إذا أراد الإنسان بناء بيت أو أيّ مصنوع مركّب من أجزاء، تتعلّق إرادته بالإتيان بكلّ جزء مستقلاً، فهكذا الحال في الإرادة الآمرية، فانّ إرادته الغيرية صالحة (2) لأن تتعلّق بالإتيان بكلّ جزء جزء يتوقّف عليه
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/141، الهامش.
(2) قلنا صالحة و لم نقل تتعلق بالفعل لما سيوافيك من عدم الحاجة إلى الإرادة الغيريّة.
( 475 )
الواجب.
المقام الثالث
إذا ثبت وجود المقتضي لتعلّق الوجوب بالأجزاء، فهل هناك مانع عن اتصاف الأجزاء بالوجوب الغيري، و هواستلزامه اجتماع المثلين ، أو لا؟
ذهب إلى الأوّل المحقّق الخراساني، قائلاً بأنّ الأجزاء بالأسر عين المأمور به ذاتاً، و إن كانت المغايرة بينهما اعتباراً، فتكون واجبة بعين وجوبه، و مبعوثاً إليها بنفس الأمر الباعث إليه، فلا تكون واجبة بوجوب آخر ، لامتناع اجتماع المثلين.(1)
فإن قلت: لا مانع من اجتماع الأمرين بتعدّد الجهة فالأجزاء بما هي صلاة واجبة بالوجوب النفسي و بما هي مقدمة واجبة بالوجوب الغيري.
قلت: إنّ تعدّد الجهة إنّما يجدي إذا كان العنوان، تقييدياً كالصلاة والغصب لا تعليلياً كما في المقام فانّ الواجب بالوجوب الغيري، هو ذات الأجزاء، و كونها مقدّمة علّة لعروض الحكم واتصافها به و إلى ما ذكرنا ينظر قول المحقّق الخراساني «بأنّ الواجب بالوجوب الغيري لو كان إنّما هو نفس الأجزاء لا عنوان مقدّميّتها والتوصل بها إلى المركّب المأمور به، ضرورة أنّ الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشايع مقدّمة لأنّه المتوقّف عليه لا عنوانها.(2)
فإذا كانت المقدّميّة علة للحكم لا موضوعاً، يكون الشيء الواحد بعنوان واحد موضوعاً للوجوبين.
لا يقال: إنّ التماثل و التضادّ من الأحوال الخارجية بحسب وقوعها في ظرف الخارج، والوجوب والحرمة أمران اعتباريان و ليسا من المقولات التي لها نحو من الوجود في الخارج حتى يتحقّق فيهما حديث التماثل و التضاد.
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/140ـ141.
(2) كفاية الأُصول:1/140ـ141.
( 476 )
لأنّا نقول: إنّ الوجوب، وإن كان من الأُمور الاعتبارية ، إلاّ أنّه كاشف عن تعلّق الإرادة الحقيقية بالشيء. فتعلّق الوجوبين الاعتباريين، كاشف عن تعلّق الإرادتين الحقيقيّتين بشيء واحد فهو غير ممكن، كعدم إمكان تعلّق العلمين بمعلوم واحد مالم يكن هناك تعدّد في ناحية المراد و المعلوم، كما هو المفروض.
إلى هنا تمّ توضيح وتحقيق وجود المانع عن تعلّق الإرادة الغيرية.
ثمّ إنّ المحقّق النائيني صار بصدد رفع المانع ببيان ذكره صاحب المحاضرات وحاصله:أنّ اجتماع الحكمين المذكورين، في شيء واحد، لا يُؤدّي إلى اجتماع المثلين، بل يؤدِّي إلى اندكاك أحدهما في الآخر، فيصيران حكماً واحداً مؤكّداً، كما في كلّ واجب نفسي وقع مقدمة لواجب آخر، كصلاة الظهر بالإضافة إلى صلاة العصر، حيث إنّها واجب نفسي، و في الوقت نفسه واجب غيري باعتبار كونها مقدمة لصلاة العصر. و مثله ما لو نذر النافلة في المسجد، فالوجوب الآتي من قبل النذر يندكّ في الاستحباب النفسي.(1)
ولا يخفى ما فيه من الضعف.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الاندكاك فرع إمكان التعلّق، فإذا كان التعلّق غير ممكن لاستلزامه اجتماع المثلين فلا يصل الدور إلى الاندكاك والحاصل أنّ الاندكاك مرحلة العلاج، فلابدّ من تصحيح الاجتماع قبله.
وثانياً: فانّ الأمر النفسي تعلّق بنفس الظهر، وأمّا الغيري فقد تعلّق بتقدّم الظهر على العصر أو بتأخّرها عن الظهر. وعلى كلّ تقدير، يكفي تعدّد العنوان في تعدّد الأمر، و إن كانت الصلاة الواحدة مصداقاً للعنوانين.
وأوضح من هذا ما ذكره من المثال، فإنّ الأمر الوجوبي تعلّق بنفس الوفاء بالنذر، كقوله تعالى:(وَ لْيوفُوا نُذورَهُم) (الحج/29). والأمر الاستحبابي تعلّق
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:2/299ـ 301، لاحظ أجود التقريرات:1/216.
( 477 )
بنفس الصلاة. نعم، الصلاة الخارجية مصداق لكلا العنوانين، ولا يلزم اجتماع الأمرين فيها، لأنّ الأوامر متعلّقة بالعناوين، لا بالمصاديق، كما سيأتي بيانه.
والأولى في الإجابة عن إشكال اجتماع المثلين أن يقال: إنّ الأمر الغيري تعلّق بكلّ واحد واحد من الأجزاء، وأمّا الأمر النفسي فهو متعلّق بالجامع المسمّى بالصلاة، وهو غير الجزء عنواناً. و يكفي في تعدّد الأمر، تعدّد العنوان، و إن كان المصداق واحداً، على ما سيأتي.
هذا كلّه في إمكان تعلّق الأمر الغيري بالأجزاء الداخلية، وأنّه لا استحالة في تعلّق الوجوبين و الإرادتين.
ولكن الحقّ أنّ المولى في غنى عن إيجاب الأجزاء بأمر غيري، بل يكفي في ذلك مجرّد الأمر النفسي المتعلّق بالمركّب، فإنّ هذا الأمر بنفسه يدعوا إلى الإتيان بالأجزاء، من غير حاجة إلى الأمر الغيري. فانّ المولى إذا أمر المكلّف ببناء بيت في مكان ما، فحفرُ الأرض، ونصبُ الأعمدة، ورصفُ الأحجار، و غير ذلك من المقدّمات الداخلية، فهو كلّه شروع في امتثال ذلك الأمر النفسي، فلا حاجة إلى أمر غيري أو انحلالي.
ويوضح ذلك قياس الإرادة الفاعلية بالإرادة الآمرية، فانّه إذا أراد إنسان بناء بيت أو إيجاد مصنوع، فانّ نفس الإرادة المتعلّقة بالمركّب تدعوه إلى الإتيان بالأجزاء من دون حاجة إلى إرادة أُخرى. وهكذا الحال في الإرادة الآمرية، فانّ الأمر ببناء بيت، يدعوا المأمور إلى الإتيان بالأجزاء، لأنّ امتثال أمر البناء لا يتحقّق إلاّ بالإتيان بهذا الجزء و ذاك الجزء. فهو عندما يقوم بإعداد المقدّمات والإتيان بها واحدة بعد أُخرى، يمتثل الأمر المتعلّق بالمركّب، لا أنّه يمتثل أمراً غيره. و إذا تمّ البناء يحصل امتثال الأمر النفسي.
هذا كلّه في المقدّمات الداخلية.
***
( 478 )
ب: المقدّمة الخارجية
كما أنّ المقدمة الداخلية تنقسم إلى داخلية بالمعنى الأخص و داخلية بالمعنى الأعم فهكذا المقدمة الخارجية تنقسم إلى القسمين فلو فسّـرنا الخارجية بما يكون القيد والتقيد خارجين عن حقيقة الواجب و إن كان متوقفاًعليه كالمكان في الصلاة، تكون المقدّمة، خارجية بالمعنى الأخص.
ولو فسّـرناها بما يكون القيد خارجاً عن حقيقة الواجب سواء كان التقيد أيضاً خارجاً كالمكان، أو لا كالشرائط تكون مقدمة، خارجية بالمعنى الأعمّ لشمول هذا القسم الشرائط دون القسم الأوّل فشرائط المأمور به مثل طهارة البدن للصلاة و طهارة الثوب، واستقبال القبلة والطهارة من الحدث و ما شاكل ذلك فانّها خارجة عن ذات الصلاة و حقيقتها قيداً و لكنّها داخلة فيها تقيداً. وعلى ضوء هذا فالشرائط داخلية بالمعنى الأعم كما هي خارجية أيضاً بهذا المعنى فلاحظ لكن المهم هوالتعرّف على الأقوال.
1ـ ما نسب إلى السيّد المرتضيرحمه الله التفصيل بين السبب والشرط، و لكن النسبة في غير محلّها كما استظهره صاحب المعالم، حيث إنّ ظاهر كلامه هو أنّ وجوب الواجب لا يمكن أن يكون مشروطاً بالنسبة إلى سببه، لاستلزامه طلبَ الحاصل، بخلاف غيره من المقدّمات، فانّوجوبه بالنسبة إليها يمكن أن يكون على قسمين: مطلق و مشروط.
2ـ ربّما يقال بأنّ الواجب النفسي هو السبب و إن كان الوجوب في الظاهر متعلّقاً بالمسبّب، لكونه هو المقدور دون المسبب.
والإجابة عنه واضحة، لكون المسبّب أيضاً مقدوراً، بالقدرة على سببه.
3ـ فصّل المحقّق النائيني بين ما يكون وجود أحدهما مغايراً لوجود الآخر في الخارج، كشرب الماء و رفع العطش. و ما يكون عنوانين لموجود واحد، مثل
( 479 )
الإلقاء في النار والإحراق، والغسل والتطهير ففي مثل ذلك يمتنع وجودُوجوبين دون القسم الأوّل، لاستلزامه اجتماعَ المثلين في مورد واحد.
(1)
يلاحظ عليه: أنّ المقسم في كلامه هو ما يسمّى علة و معلولاً، و إذا كان بين العنوانين وحدة حقيقية فلا تأثير ولا تأثر. وعند ذاك، كيف يصحّ أن يطلق عليهما العلّة والمعلول؟
على أنّ ما ذكره من المثالين غير صحيح، لتغاير الإلقاء والإحراق، بل الغَسْل والتطهير الشرعي، كما لا يخفى.
ثمّ اعلم أنّ ملاك التقسيم هنا هو تقسيمها، بلحاظ نفسها و ذاتها لأنّها إمّا داخلة في المأمور به أو خارجة عنه فليكن هذا في ذكرك يفيدك في التقسيم الآتي.
التقسيم الثاني: تقسيمها إلى عقلية وشرعية و عادية
من التقسيمات الدارجة للمقدّمة: تقسيمها إلى هذه الأقسام الثلاثة، لأنّ دخالة الشيء (المقدّمة) في آخر (ذي المقدّمة) بحيث يتوقّف الآخر عليه، إمّا بحكم العقل، فهي عقليّة، أو بحكم الشرع، فهي شرعية، أو بحكم العادة، فهي عادية.
و مُثّل للأُولى بتوقف المعلول على علّته، و للثانية بالطهارة التي هي شرط الصلاة شرعاً، و للثالثة بتوقّف الكون على السطح على نصب السلَّم.
وأورد في الكفاية على هذا التقسيم، بأنّ الثانية ترجع إلى الأُولى، لأنّ امتناع المشروط بدون شرطه بعد أخذه فيه من جانب الشارع، عقليّ. و أمّا العادية، فلو أُريد منها ما جرت العادة على الإتيان بذي المقدمة بواسطتها، و إن كان وجوده غير متوقّف عليها لا واقعاً ولا حالياً إلاّ أنّه جرت العادة باستخدامها في قضاء
ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أجود التقريرات:1/219.
( 480 )
الحوائج كالسيّارة فيما إذا كانت هنا وسيلة أُخرى من الخيل، فليست محلّ نزاع. وإن كان المراد منها ما يتوقف ذي المقدمة عليها فعلاً و إن كان غير متوقّف عليها حسب الواقع، كنصب السلّم لمن يفقد الطيران أو القوّة الخارقة للعادة، فترجع إلى العقلية أيضاً، ضرورة استحالة الصعود والحال هذه، و إن كان غير ممتنع بالذات. فكأنّ المقدمة هي الجامع بين الطيران و نصب السلّم، فإذا امتنع الأوّل تعيّن الثاني بحكم العقل.
(1)
يلاحظ عليه بأمرين:
1ـ الظاهر أنّ التقسيم بحسب الحاكم، لابحسب ما يتوقّف عليه الشيء فيرتفع الإشكال الأوّل لأنّ التقسيم إذا كان باعتبار الحاكم. فالحاكم بأنّ الوضوء مقدمة هوالشرع لا العقل نعم بعد حكم الشرع بكونه مقدّمة تصل نوبة العقل بأنّه جزء من العلّة، و المعلول متوقّف على العلّة و أجزاءها.
2ـ المراد من المقدّمة العادية، ما يحكم العرف والعادة بالإتيان بها، و إن كانت طبيعة الإتيان بذي المقدّمة غير متوقّفة عليها لا واقعاً ولا حالياً. وما أورده عليه من أنّها حينئذ خارجة عن محلّ النزاع، غير صحيح، لأنّ الهدف تقسيم المقدّمة سواء أكانت محلّ نزاع أم لا، لا خصوص ما وقع النزاع في وجوبه وعدم وجوبه. غاية ما في الباب عدم صحّة التمثيل للعادية بنصب السلّم على ما هو المعروف، لما عرفت من أنّه راجع إلى العقلية، بل الأولى التمثيل بالمواصلات الدارجة في هذه الأيّام، مع إمكان تركها و ركوب سائر المراكب.
وما أورده عليه صاحب المحاضرات من أنّ الشرعية هي المقدّمة الداخلية بالمعنى الأعمّ، والعقلية هي الخارجية بالمعنى الأخص.(2) غير تام، لما عرفت من أنّ التقسيم ليس بلحاظ نفسها، بل بلحاظ الحاكم، فلا مانع من تقسيم الشيء تارة بلحاظ نفسه ، و أُخرى بلحاظ الحاكم بكونه مقدّمة.
ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الكفاية:1/143.
(2) المحاضرات:2/303.
