(2) البقرة:284.
( 321 )
إلى هنا اتضح انّ تفسير وصفه سبحانه بالمتكلّم، بجعله صفة ذاتية، غير معقول، وأنّ ما ذكره المحقّق الطوسي من أنّ الكلام النفسي غير معقول، ومثله صاحب القوانين، واضح جدّاً.
إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:
1. المراد من الكلام النفسي.
2. دلائل الأشاعرة عليه.
3. فساد تلك الأدلّة.
وحدة الطلب والإرادة و تعدّدهما عند غير الأشاعرة
إذا علمت بطلان الكلام النفسي فلنرجع إلى وحدة مفهومي الطلب والإرادة أو تعدّدهما مع غضّ النظر عن الكلام النفسي، إذ على القول به يكون الطلب غير الإرادة قطعاً، و إلاّ لم يتحقّق الكلام النفسي. وعلى ذلك القول فانّ مصداق الطلب، هو الكلام النفسي، و مفاد الأمر هو الإرادة. وأمّا عند غيرهم فالمعروف عند الكثير من الأُصوليين هواتّحادهما. و إن كان الحقّ خلافه كما سيتضح.
فنقول: ذهب المحقّق الخراساني إلى اتّحادهما في المراحل الثلاث أعني:
اتّحادهما مفهوماً، و إنشاءً و خارجاً.
والبحث على الأوّل لغوي أي أنّ ما وضع له لفظ الطلب هو الذي وضع له لفظ الإرادة فيصير الكلام في ترادفهما، كالكلام في ترادف لفظي الإنسان والبشر.وعلى الثاني أُصولي، أي المنشأ بلفظ «افعل» هو الطلب الانشائى والإرادة الإنشائية. وعلى الثالث عقلي، أي انّ المصداق للطلب الحقيقي في النفس هو مصداق الإرادة، و أنّ ما هو بالحمل الشائع طلب، هو أيضاً بالحمل الشائع إرادة.
( 322 )
و لما اختار وحدتهما في جميع المراحل، زعم انصراف الطلب إلى الإنشائي، و انصراف الإرادة إلى الحقيقية.
ثمّ زعم أنّه يتحقّق، بذلك، الإصلاح بين الطرفين، و أنّ القائل بالتغاير، يريد تغاير الطلب الإنشائي مع الإرادة الحقيقية ، والقائل بالاتّحاد، يريد عينيتهما مفهوماً، وإنشاءً، و خارجاً، هذا كلامه.(1)
نقد اتحادهما في المراحل الثلاث
أمّا المرحلة الأُولى: أي وحدتهما مفهوماً فيرد عليها أنّ ادّعاء وحدة الطلب والإرادة مفهوماً، و أنّ المتبادر من أحدهما هو المفهوم من الآخر، غيرتام، بدليل أنّه لا يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، فلا يقال مكان: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) : «إنّ الله يطلب منكم اليسر و لا يطلب منكم العسر»، ولا مكان: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»: «إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم»، كما لا يصحّ وضع الإرادة مكان الطلب في قولك: «فاطلب الرزق لعيالك» و هذا يكشف عن أنّ الموضوع له فيهما مختلف،وأنّ بينهما فرقين:
1ـ أنّ الإرادة تستعمل فيما إذا كان المراد قريب الحصول غير محتاج إلى مقدّمات كثيرة، بخلاف الطلب فانّه السعي الذي يتوقّف على مقدّمات وحركات كثيرة توصل الإنسان إلى المقصد.
2ـ أنّ الإرادة أمر قلبي جوانحي، والطلب أمر خارجي جوارحي.
أمّا المرحلة الثانية: فيرد عليها: أنّ وحدتهما إنشاءً، غير تام من أصله. فانّ الإرادة من الصفات النفسانية الحقيقية، غير قابلة للإنشاء، فانّ الأُمور الحقيقية والانتزاعية غير قابلة للإنشاء و إنّما الصالح له هي الأُمور الاعتبارية.
توضيح ذلك: إنّ الإرادة الحقيقية من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل
ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ جملة كلامه في كفاية الأُصول:1/95ـ96.
( 323 )
الإنشائى كسائر الأُمور الحقيقية و انّما القابل له، هو الأُمور الاعتبارية التي لا واقع لها سوى اعتبار المعتبر، ككون زيد رئيساً للعائلة أو للجمعية، أو كونه زوجاً لهند، أو مالكاً لما اصطاده من البحر وعلى ذلك فالإرادة الحقيقية الظاهرة في لوح النفس التي تتحقق بعد تحقّق مباديها، لا تقبل الجعل و إنّما تتبّع في الوجود مبادئها فإن كانت موجودة تتحقق بعدها و إلاّفلا.
فإن قلت: ليس المقصود ، جعل الفرد الحقيقي من الإرادة، حتّى يقال إنّها تتبّع وجود مقدّماتها في لوح النفس و إنّما المقصود، جعل مصداق لها في عالم الاعتبار، كما هو الحال في جميع الأُمور الاعتبارية فانّها ليست إلاّ جعل مثال ومصداق اعتباري لأُمور تكوينية، كما هو الحال في المسألتين الماضيتين، فانّ الرأس التكويني الذي يدبّر البدن لا يقبل الإنشاء. نعم الفرد الاعتباري منه يقبله كما في رئيس العائلة والجمعية، فبما أنّه يدبّر أمرهما، كان بمنزلة الرأس فهو رأس اعتباري، و مثله مالكية الإنسان، لما اصطاده من البحر أو جنت يداه من الأشجار، فهو يملكه ، كما يملك يده و رجله، و بصره و سمعه مالكية تكوينية فالمجعول هو مثال التكوين لا نفسه.
قلت: ما ذكرته صحيح لا غبار عليه فانّ إيجاد مثال للإرادة في عالم الاعتبار، وإن كان ممكناً ـ فانّ الاعتبار على ما قلناه هو إيجاد مثال للتكوين في عالم الاعتبار ـ لكنّه بعيد في هذا المقام و ذلك لأنّ الأُمور الاعتبارية أُمور عرفية، و ترجع حقيقتها إلى جعل مثال للأمر التكويني الملموس كالزوجية والملكية وغيرهما من الصفات الموجودة في الأعيان الخارجية، فيتخيّل العقلاء مثالاً لها في الأُمور الاجتماعية، كاعتبار الزوجية بين الزوجين، والمالكية بين الإنسان و ما اكتسبه.وأمّا الأُمور النفسانية الحقيقية البعيدة عن الحس، القائمة بالنفس فلا تمسّ الحاجة فيها إلى جعل فرد اعتباري يسمّى بالإرادة الإنشائية أو بالترجّي والتمني الإنشائيين بل غاية ما يطلبه العقلاء هو إظهارها.
( 324 )
وأمّا الطلب فلا مانع في تصوير فرد إنشائي له و ذلك للفرق الواضح بين الإرادة والطلب فانّ الأولى اسم لأمر جانحيّ مغمور في النفس فلا يصلح لأن يجعل له مثال و هذا بخلاف الطلب فإنّه اسم لعمل خارجي فبما أنّه من الأُمور الجوارحية لا الجوانحية كما هو الظاهر من استعمالاته، (في مثل قولك:«طلبت زيداً فما وجدته»، «طلبت ضالتي» أو «طالبته» أو «أُطلب لي من فلان شيئاً)» فيصحّ جعل مثال اعتباري له في مقام المحاورة، وجعل فرد اعتباري في مقابل الفرد الخارجي فكانَ أمر المولى، بمنزلة طلبه بيده ورجله و سعيه وراء حاجته.
مثلاً: الإنسان قد يطلب خروج زيد من بيته فتارة يقوم به بالتكوين فيخرجه بيده و أُخرى ينشيء مثالاً للطلب الخارجي في عالم الاعتبار، فتكون الإشارة باليد أو الحاجب، أو الكتابة أوالتلفّظ بالأمر، قائمة مقام الطلب التكويني.
و بذلك يتضح أنّ الإرادة الإنشائية لا واقعية لها. وأمّا الطلب فله وجود تكويني ووجود إنشائي. ومعه كيف يمكن أن يقال إنّهما متّحدان في مقام الإنشاء. مع أنّه ليس للإرادة إلاّفرد تكويني فقط.
وأمّا المرحلة الثالثة: أي عدم اتّحادهما مصداقاً فقد اتضح ممّا قلناه من أنّ الطلب من الأُمور القائمة بالجوارح، والإرادة من الأُمور القائمة بالجوانح، فظرف وجودهما مختلفة، فلا وجه للاتّحاد.
وبذلك تبيّن أنّ الحقّ مغايرة الطلب للإرادة ، ولكن المغايرة ليست بمعنى تصحيح مقالة الأشعري من القول بالكلام النفسي، بل الكلام النفسي باطل، و إن كانت المغايرة بين الإرادة و الطلب، صحيحة على ما عرفت.
أضف إلى ذلك: أنّ إرجاع النزاع القائم على قدم و سابق، طوال قرون، إلى النزاع اللفظي من أعجب العجائب، كيف و فيهم المفكّرون الواقفون على أنّ الطلب الإنشائي غير الإرادة الحقيقية النفسانية.
( 325 )
إنّ جنوح الأشعري إلى مغايرة الطلب للإرادة لم يكن إلاّلأجل إصلاح عقيدة أهل الحديث بقدم القرآن و أنّ التكلّم وصف ذاتي له سبحانه، قديم مثل سائر الصفات، و هو غير العلم و الإرادة. و لمّا كان القول بذلك بظاهره باطلاً بالبداهة لأنّ القرآن كلمات و حروف و أصوات وهي كلّها أُمور تدريجية، حادثة بالذات، ذهب الشيخ الأشعري إلى تصحيح القول بقدم كلامه باختراع الكلام النفسي أو بأخذه من الكُلاّبيين(1)، في مقابل الكلام اللفظي، فقال بحدوث اللفظي، وقدم النفسي، و هو غير العلم في الإخبار وغير الإرادة والكراهة في الإنشاء، لأنّ المفروض أنّ التكلم وصف له وراء كونه مريداً وعالماً فلابدّأن يكون غيرهما، و لأجل إفهام أنّ وراء الإرادة شيء في الإنشاء، التجأ إلى القول بمغايرة الطلب للإرادة، و لما لم يجد اسماً خاصاً له في الإخبار، ولا في النواهي ولا في سائر أقسام الإنشاء من التمنّي والترجّي والاستفهام، اكتفى منها بالكلام النفسي. فتصوير مثل هذا النزاع لفظياً، عجيب جدّاً، منشؤه عدم الرجوع إلى مظانّ المسألة في كتب القوم.
ما معنى كونه متكلّماً
قد عرفت مذهب الأشاعرة و المعتزلة في معنى كونه تعالى متكلّماً، ولا بدّ من
ــــــــــــــــــــــ
(1) ابن كلاب من نابتة الحشوية و هو عبد الله بن محمد بن كُلاّب القطّان و له مع عباد بن سلمان مناظرات و كان يقول: إنّ كلام الله هو الله، و كان عباد يقول: إنّه نصراني بهذا القول، قال أبو العباس البغوي دخلنا على «فثيون» النصراني و كان دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى ان سألته عن ابن كلاب فقال: رحم الله عبد الله كان يجيئني فيجلس تلك الزاوية وأشار إلى ناحية من البيعة، وعنّي أخذ هذا القول ولو عاش لنصّرنا المسلمين (الفهرست لابن النديم:230).
و من يعلم أنّ غائلة كون التكلم من صفات الذات أو من الفعل قد تسرّب إلى المسلمين من النصرانيين و العامل له هو عبدالله بن كلاب.
والعجب انّ ابن النديم ذكر أبا الحسن الأشعري و تلميذيه « الدمياني» و «حمويه» بعد ابن كُلاّب مشعراً بوجود الصلة بين الرجلين في التفكر و الرأي.
( 326 )
إكمال البحث ببيان مذهب أهل الحقّ، فنقول:
لا شكّ أنّ الكلام هو المؤلَّف من الألفاظ، الصادر عن المتكلّم، القائم به، الحاصل من تموّج الهواء واهتزازه، بحيث إذا زال التموّج، زال الكلام.
لكن الإنسان الاجتماعي توسع في إطلاقه، فأطلق الكلام على الخطبة المنقولةوالشعر المروي عن شخص، فيقول إنّه كلام علي ـ عليه السَّلام ـ و إنّه شعر «لبيد» ، مع أنّ كلامه الحقيقي زال مع زوال التموّج والاهتزاز، و ما هذا إلاّ من باب التوسّع في الإطلاق و مشاهدة ترتّب أثر الكلام الواقعي على المنقول الثاني، و يكفي ذلك في التوسّع.
ثمّ لمّا كان الأثر الحقيقي للكلام هو إنباؤه عن ما يقوم في ذهن المتكلّم من الأسرار والمعاني، فلوترتّب ذاك الأثر على غير الكلام ، صحّ إطلاق الكلام عليه حقيقة. مثلاً انّ المعلول، من حيث إنّه يكشف عن كمال علّته و قدرتها وعلمها، فهو كلام، كاشف عمّا في العلة من القدرة و الكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على المراد اعتبارية، ودلالة المعلول على ما عليه العلة من الكمال تكوينية.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ وصفه سبحانه بالكلام يقع في مرحلتين:
الأُولى: إذا أراد سبحانه أن يكلّم شخصاً من أنبيائه، كما في قوله سبحانه: (وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكليماً)(1) فطريقة ما أشار إليه سبحانه في آخر سورة الشورى بقوله: (وَ ما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْمِنْ وَراءِ حِجاب أَوْ يُرسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُإِنَّهُ علِيٌّ حَكِيمٌ).(2) والوحي هو الصوت الخفي الذي يسمعه الموحى إليه ولا يسمعه غيره. والمراد من (وراء حجاب)ما إذا سمع الكلام مع عدم رؤية المتكلّم كتكلّمه سبحانه مع موسى في الطور، والمراد من الثالث إرسال الملك إلى الناس أو انباء الرسول الناس.
ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء:164.
(2) الشورى: 51
( 327 )
فلو كان المراد من وصفه تعالى بالتكلّم ، تكلّمه مع فرد أو أفراد، فهذه هي الطرق المعيّنة في القرآن.
الثانية: إذا أردنا وصفه بالكلام على وجه الإطلاق ، فالعالم كلّه كلام له، قال سبحانه: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَكَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(1) وقال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الأَرضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)(2) وقال سبحانه في المسيح: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ). (3)
وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه»(4) ونقل عنه ـ عليه السَّلام ـ قوله:
وأنت الكتاب المبين الذي * بأحرفه يظهر المضمر
إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:
1ـ ما هوالمراد من الكلام النفسي.
2ـ ما هي دلائل الأشاعرة عليه.
3ـ فساد تلك الأدلة.
4ـ اختلاف مفهومي الطلب والإرادة ، من دون أن يعنى تصحيح الكلام النفسي.
5ـ ما معنى كونه تعالى متكلّماً؟
بقي هنا الإشارة إلى أنّ محلّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة، في قدم كلامه أو حدوثه ناش عن أنّ هذا الوصف هل هو وصف ذاتي أو وصف فعلي، فالأشاعرة
ــــــــــــــــــــــ
(1) الكهف:109.
(2) لقمان:27.
(3) آل عمران:45.
(4) نهج البلاغة: الخطبة181، طبعة عبده.
( 328 )
على الأوّل والمعتزلة على الثاني. و لأجل ذلك التجأت الأشاعرة إلى القول بثبوت صفة في ذاته سبحانه وراء العلم و الإرادة، سمّتها في الإنشائيات بالطلب، و في غيرها بالكلام النفسي، و ربّما يطلق الثاني على الإنشائيات والإخباريات جميعاً.
وبذلك اتّضح أنّ النزاع في اتّحاد مفهومي الطلب والإرادة ليس لغوياً، كما يتنازع في وحدة مفهومي البشر والإنسان، بل أنّ وراءه هدفاً آخر و هو أنّه هل توجد هناك صفة وراء الإرادة و العلم في ذاته سبحانه، تسمّى بالطلب تارة، و بالكلام النفسي أُخرى، أو لا؟
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسر الإرادة التشريعية بالعلم بالمصلحة، و من جانب آخر قال بتعلّق إرادته التكوينية بأفعال العباد، غاية الأمر أنّه إذا وافقت إرادته التكوينية مع التشريعية يختار العبد الطاعة و إلاّ العصيان.
وعند ذاك أورد على نفسه بوجهين:
1ـ إذا كان الكفر والعصيان والطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تتخلف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار.
فأجاب عنه بأنّه تعلّقت إرادته على صدورها عن العبد عن اختياره و لو لم يصدر كذلك، تخلفت الإرادة عن المراد.
و لو كانقدَّس سرَّه مقتصراً على هذا الحدّ ـ لكان خيراً له لكنّه أورد إشكالاً ثانياً و لم يستطع على حلّه و حاصله:
أنّ الكفر والعصيان مسبوقين بإرادة العبد، لكنّها منتهية إلى إرادته سبحانه الأزلية فيعود الإشكال.
فأجاب عنه بمالا يليق بساحته و حاصله: أنّ إرادة الكافر والعاصي تابعة للشقاء الذاتي، مستدلاً بما روي من أنّ الشقي شقي في بطن أُمّه.(1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/99ـ 100.
( 329 )
و لمّا كان ما ذكره، غير حاسم للإشكال بل مؤكّداً له قام غير واحد من المحقّقين بعده بالبحث عن الجبر والاختيار وأفرده بعضهم بالتأليف و نحن أيضاً نقتفي إثرهم و إن لم نكن منهم ـ لكن أحبّ الصالحين و لست منهم ـ فنطرح مسألة الجبر والاختيار على طاولة التحقيق بإذنه سبحانه و لمّا صار البحث طويل الذيل مترامي الأطراف أفردناه بالتدوين.
***
