http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 299 ـ 329 ص

( 299 )

 

المقصد الأوّل


في الأوامر

وفيه الفصول التالية:

1. مادة الأمر

2. صيغة الأمر

3. الإجراء

4. مقدمة الواجب

5. أحكام الضدّ

6. الأمر مع العلم بانتفاء الشرط

7. متعلّق الأوامر والنواهّي

8. بقاء الجواز عند نسخ الوجوب

9. الواجب التخييري

10. الواجب الكفائي

11. الواجب المضيق

12. الأمر بالأمر

13. الأمر بعد الأمر


( 300 )

 


( 301 )

الفصل الأول:

في مادّة الأمر وفيه مباحث

المبحث الأوّل

في معنى الأمر في اللغة

في معنى مادة الأمر لغة، و فيه أقوال:

1ـ الأمر مشترك لفظي بين الفعل والطلب، و هذا هو المختار.

2ـ مشترك لفظي بين الشأن والطلب، و هو خيرة صاحب الفصول.

3ـ مشترك لفظي بين الشيء والطلب، وهو خيرة المحقّق الخراساني.

4ـ مشترك لفظي بين الشيء بوجه خاص، و الطلب. و هو خيرة المحقّق الخوئي في بعض دوراته الأُصولية.والحقّ هو القول الأوّل: أي كونه مشتركاً بين الطلب والفعل لا غير. أمّا كونه بمعنى الطلب ضدّ النهي، أي الطلب من الغير، فلم يختلف فيه اثنان و يكفي في إثباته قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلَيمٌ) (1) و هذا الاستعمال في الكتاب العزيز ليس بعزيز و كثرة الاستعمال فيه بغير قرينة تعرب عن كونه حقيقة فيه.

إنّما الكلام في المعاني الثلاثة الباقية.

1ـ الفعل 2ـ الشأن 3ـ الشيء.

وظاهر كلمات اللغويين، هو كون الأوّل من معانيه و يكفي في المقام نقل بعض كلماتهم.

1ـ قال الخليل:

ــــــــــــــــــــــ
(1) النور:63.


( 302 )

2ـ قال صاحب المقاييس للأمر أُصول خمسة، قال: «الأمر: من الأُمور، و الأمر: ضدّ النهي. الأمر: النماء. والأمر: المعْلَم. و الأمر: العجب. ثمّ قال: «فأمّا الواحد من الأُمور، فقولهم: هذا أمر رضيتُه ، وأمر أرضاه».(1)

فلو أغمضنا النظر عن المعاني الثلاثة الأخيرة الخارجة عن محطّ البحث، يتلخّص أنّه يستعمل تارة في الأمر الذي جمعه «أُمور»، و أُخرى في «الأمر» الذي ضدّه النهي. والمقصود من الأمر هوالفعل بقرينة ذيل كلامه:«هذا أمر رضيته» وهو إلى تفسيره بالفعل أقرب من تفسيره بالشيء و يؤيّده ما في اللسان.

3ـ وقال في اللسان: «الأمر معروف، نقيض النهي» وقال: «الأمر واحد الأُمور: يقال أمر فلان مستقيم، و أُموره مستقيمة. والأمر: الحادثة، والجمع أُمور».(2)

و لو فسّرنا عبارة المقاييس بما ذكر في اللسان يكون المراد من المعنى الأوّل في المقاييس هو الحادثة و لعلّ عدم ذكر الاقطاب الثلاثة: الشانَ و الشيء من معانيه يعرب عن عدم كونهما منها عندهما.

هذا في اللغة وأمّا الكتاب فظاهره العزيز أنّه من معانيه كقوله سبحانه: (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ) (3) و قوله سبحانه: (وَ قُضِيَ الأَمْرُوَإِلَى اللّهِ تُرجَعُ الأُموُرُ) (4) وقوله سبحانه: (وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) (5) إلى غير ذلك من الآيات.

وأمّا جمعه على الأوامر أو الأُمور، فإذا كان بمعنى الطلب ـ الذي يراد منه الطلب الخاص المتعلّق بفعل الغير لا فعل النفس (كطلب العلم والرزق) يجمع على أوامر. كما أنّه إذا كان بمعنى الفعل أو الحادثة، يجمع على أُمور. والأوّل يتصرّف فيأتي منه اسم الفاعل و المفعول وغيرهما، بخلاف المعنى الثاني فانّه معنى جامد. فلفظ الأمر مشترك لفظي، ولا يصحّ جعله مشتركاً معنوياً، لعدم الجامع

ــــــــــــــــــــــ
(1) المقاييس:1/129.
(2) لسان العرب، مادة أمر.
(3) آل عمران:154.
(4) البقرة:210.
(5) آل عمران:159.


( 303 )
بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد.

هذا هوالمختار.

و أمّا سائر الأقوال:

فاختار صاحب الفصول كونه حقيقة في الشأن أيضاً، و اختار صاحب الكفاية كونه حقيقة في الشيء أيضاً. و الظاهر عدم صحّة كلا النظرين.(1)

أمّا الأوّل، فانّه استدل له بقولهم: «شَغَله أمر كذا، أي شأن كذا و لكنّه أوّل الكلام إذ الظاهر أنّ المراد، الفعل والحادثة.

وأمّا الثاني: فقد استدلّ له بقولهم: «رأيت اليوم أمراً عجيباً»، أي شيئاً عجيباً. ولكنّه غير صحيح، لعدم صحّة استعمال لفظ الأمر مكان «الشيء»، فانّ«الشيء» من المفاهيم العامة الشاملة للواجب، والجوهر، والعرض، والفعل. و لا يصحّ توصيف الثلاثة الأُولى بأنّها أمر، فلا يقال: «الله أمر»، أو: «العقل أمر»، أو : «البياض أمر» مثلاً إذا رأى أحدنا إنساناً عجيباً، لا يقول: «رأيت أمراً عجيباً» و أمّا المثال فلو صحّ، فلفظ الأمر فيه ليس إلاّ بمعنى الفعل، ولو أُريد منه الشيء لكان استعماله مجازاً.

ثمّ إنّ صاحب المحاضرات لما رأى أنّ الأمر لا يرادف معنى «الشيء» ، عدل عنه ،و قال: إنّه حقيقة في أمرين:

1ـ في الطلب في إطار خاص.

2ـ في الشيء الخاص، و هو الذي يتقوّم بالشخص من فعل أو صفة أو نحوهما، في مقابل الجواهر و بعض أقسام الأعراض، وهو بهذا المعنى قد ينطبق على الحادثة و قد ينطبق على الشأن، و قد ينطبق على الغرض.(2)

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأصول: 1/89.
(2) المحاضرات: 2/7، وقد عدل عنه في الدورة الأخيرة لا بشكل جوهري، فقال في جانب المعنى الأوّل: إنّ مادة الأمر لم توضع للطلب الخاص بل وضعت لإبراز الأمر الاعتباري النفساني.


( 304 )

يلاحظ عليه: أنّه لم يثبت استعماله في معنى الصفة أو الشأن أو الغرض، و إنّما استعمل في معنى الفعل وهو أن يكون ذا شأن و متعلقاًللغرض ومصداقاً له.

بقيت في كلام المحقّق الخراساني ملاحظة و هي أنّه استند في استعمال الأمر في معنى الفعل أو الفعل العجيب بآيتين.

الأُولى، قوله تعالى: (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشيد) .(1)

الثانية، قوله سبحانه:(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا) .(2)

والظاهر أنّ المراد من الأمر فيهما هو الطلب الخاص، أمّا الآية الأُولى فبقرينة قوله قبل ذلك: (وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِ آياتِنا وَسُلْطان مُبين* إِلى فِرْعَونَوَمَلاَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَفِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَونَ بِرَشيد *يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَورَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَورُودُ) .(3) و الظاهر أنّ المراد من «الأمر» في كلا الموردين هو الطلب الخاص.

وأمّا الثانية فلأنّ هذا اللفظ ورد في القرآن في الموارد التالية:

(حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ ) .(4)

(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) .(5)

(فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).(6)

(فَلَمّا جاءَأَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سِافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها) .(7)

(وَلَمّا جاءَأَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) .(8)

والمراد في الجميع ، هو أمره التكويني الصادق على العذاب، لا الفعل العجيب. نعم أمره هنا منطبق على الفعل، لكنّه مصداقه لا مفهومه فهو من قبيل خلط المصداق بالمفهوم. نعم صرّح في المقاييس أنّ الإمر ـ بكسر الهمزة ـ يستعمل

ــــــــــــــــــــــ
(1) هود:97.
(2) هود:58.
(3) هود:96ـ98.
(4) هود:40
(5) هود:58
(6) هود:66
(7) هود:82.
(8) هود:94.


( 305 )
بمعنى العجيب، مستدلاً بقوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) .(1)

فالظاهر أنّ لفظ الأمر ـ بفتح الهمزة ـ لا يستعمل إلاّ في الطلب والفعل (2) مضافاً إلى المعاني الثلاثة الأخيرة التي هي خارجة عن بحثنا.

هذا معناه اللغوي، وأمّا المعنى المصطلح بين الأُصوليين فقد قيل إنّه حقيقة في القول المخصوص (صيغة «افعل)» وبما أنّّه بهذا المعنى غير قابل للتصرّف، فسره المحقّق الخراساني بأنّ المراد منه الطلب بها. والظاهر عدم ثبوت اصطلاح خاص لهذا اللفظ ، و من القريب بقاؤه على معنى الطلب الذي يعبّر عنه في اللغة الفارسية بـ«فرمان» و «الطلب» بالصيغة المخصوصة من مصاديقه كالطلب بالإشارة والكتابة وغيرهما.

هذا حال المعنى اللغوي، فلو ورد في القرآن والحديث لفظ وعلم ظهوره في أحد المعنيين (الفعل والطلب)، فيتّبع ظهوره، وإلاّ يتوقّف في تفسير الأمر و أمّا من حيث العمل فيرجع إلى الأُصول العملية(3).

1ـ مادّة الأمر

المبحث الثاني

في اعتبار العلو و الاستعلاء في معنى الأمر و عدمه

هل يعتبر في صدق مادة الأمر وجود العلوّ في الأمر، فلا يصدق الأمر إذا كان عن المساوي أو السافل، أو لا يعتبر استعلاؤه، فيكون الطلب من العالي أمراً،

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكهف:71.
(2) و أمّا استعماله في معنى الشيء في الكتب العلمية مثل قولهم: ينبغي التنبيه على أُمور، أو بقيت أُمور فهو اصطلاح حادث.
(3) والظاهر أنّه ليس في الكتاب والسنّة مورد يتوقّف فيه في معنى الأمر فلا ثمرة عملية للبحث.


( 306 )
وإن كان مستخفض الجناح، كما اختاره المحقّق الخراساني؟(1)

أو يعتبر كلاهما، فلا تعدّ مكالمة المولى عبده على طريق الاستدعا، أمراً كما اختاره سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ؟

أو يكفي أحدهما باعتبار تقبيح الطالب السافل المستعلي، عمّن هو أعلى منه، وتوبيخه بمثل: «أتأمره!» كما عليه البعض؟.

أو لا يعتبر واحد منهما، كما اختاره المحقّق البروجردي؟

الظاهر هوالثاني، أمّا اعتبارالعلو، فلتبادره من لفظ «الأمر» في اللغة العربية، و من لفظة «فرمان» في الفارسية. وصحّة سلب «الأمر» من طلب السافل، و لذا يذم خطاب الداني للعالي أو للمساوي بلفظ «إفعل» و ذلك آية أخذه فيه.

والمراد من العلو، هو العلو الاعتباري الذي يختلف حسب الأوضاع الاجتماعية، فربّ عال في زمان ماض، سافل في اليوم الحاضر، وأمّا العلو الحقيقي الذي لا يتغيّر، فليس مراداً هاهنا.

وأمّا اعتبار الاستعلاء فلعدم صدق الأمر إذا كان طلب العالي من السافل بلسان الاستدعاء، وانكاره مكابرة.

ويشهد له قول بريرة: «أتأمرني يا رسول الله؟» قال: «لا بل أنا شافع»(2) فلو كان مجرّد العلو كافياً لما انفكّ طلبه عن كونه أمراً.

دليل القول بعدم اعتبارهما

استدل المحقّق البروجردي على عدم أخذ واحد منهما في صدق الأمر

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/91.
(2) روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس: «لما خُيِّرتْ بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة و دموعه تسيل على لحيته، فكلّم العباس ليكلّم فيه النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لبريرة أنّه زوجكِ، فقالت تأمرني يا رسول الله، قال إنماأنا شافع. قال: فخيّرها، فاختارت نفسها»(مسند أحمد:1/215).


( 307 )
بقوله:«إنّ حقيقة الطلب على قسمين: قسم يطلب فيه انبعاث المطلوب منه من نفس الطلب، بحيث يكون داعيه و محرّكه إلى الامتثال صرف هذا الطلب، و هذا ما يسمّى أمراً. و قسم يقصد فيه انبعاث المطلوب منه من الطلب منضمّاً إلى بعض المقارنات التي توجب وجود الداعي في نفسه، كطلب المسكين من الغني، و هذا القسم من الطلب يسمّى التماساً. والقسم الأوّل يناسب العالي. ولا يراد منه كون الطالب عالياً، مأخوذاً في مفهوم الأمر، حتّى يكون معنى «آمرك بكذا»، أطلب منك و أنا عال فعلى هذا حقيقة الطلب على قسمين غاية الأمر أنّ القسم الأوّل منه حقّ من كان عالياً و مع ذلك لو صدر عن السافل بالنسبة إلى العالي كان أمراً أيضاً و لكن يذمّه العقلاء على طلبه بالطلب الذي ليس شأناً له فيقولون أتأمره ، كما أنّ القسم الثاني يناسب شأن السافل ولو صدر عن العالي أيضاً لم يكن أمراً فيقولون لم يأمره بل التمس منه و يرون هذا تواضعاً منه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تقسيم الطلب إلى قسمين، و إن كان تقسيماً صحيحاً، لكن الكلام في كيفية وضع لفظ الأمر للقسم الأوّل فما هو المخصِّص لعدم شموله للقسم الثاني فلابدّ أن يضمّ إلى معنى الطلب شيء آخر، حتّى يصدّه عن الشمول للقسم الآخر، فما هو ذاك القيد؟ فهل هو:

1ـ ما يكون الانبعاث من نفس الطلب، و هو كما ترى.

2ـ ما يكون الطالب، عالياً بالنسبة إلى المطلوب منه.

ولا ثالث، والثاني هوالمتعيّن، ولا يعنى دخول العلو بالمعنى الاسمي في مدلول الأمر حتّى يكون معنى قوله: «آمرك» أي أطلب منك و أنا عال و لو فسّر بذلك فهو من قبيل زيادة الحدّ على المحدود، بل يراد دخوله على وجه الإجمال.

بقي هنا قولان:

ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول:1/75ـ 76 بتلخيص.


( 308 )

الأوّل : قول المحقّق الخراساني بلزوم العلو دون الاستعلاء، لصدقه على ما إذا كان الطالب عالياً و كان مستخفضاً لجناحه.

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر عدم صدقه إذا كان بلسان الاستدعاء وكان الكلام خارجاً عن دائرة المولوية والعبودية. و قدعرفت كلام «بريرة».

الثاني: كفاية أحدهما لا بعينه ، أمّا كفاية العلو، فلما ذكره المحقّق الخراساني من صدق الأمر و إن لم يكن هناك استعلاء.

يلاحظ عليه بما مرّ من عدم صحّته بشهادة حديث بريرة.

وأمّا كفاية الاستعلاء و إن لم يكن عالياً فلتوبيخ الطالب السافل المستعلي على العالي بمثل «لِمَ تأمره؟».

ويلاحظ عليه: أنّ التوبيخ لاستعلائه على المخاطب لا على أمره وأمّا إطلاق لفظ الأمر فمن باب المشاكلة لأنّ استعلائه كاشف عن تخيّل علوّه فيطلق عليه لفظ الأمر من منظاره لا أنّه أمر حقيقة وواقعاً.

1ـ مادّة الأمر

المبحث الثالث

في دلالة مادة الأمر على الوجوب

كان الأولى البحث عن مفاد مادة الأمر و صيغته في مقام واحد روماًللاختصار، و لأجل ذلك نجمل الكلام هنا، ونشرحه عند البحث عن صيغة الأمر فنقول:

لا شكّ أنّ الإنسان ينتقل من سماع لفظ «الأمر» إلى لزوم الامتثال وعدم جواز الترك الذي نعبّر عنه بالوجوب و يؤيد هذا الانسباق والتبادر (1) أُمور:

ــــــــــــــــــــــ
(1) سيوافيك أنّ الانسباق مستند إلى ضابطة عقلائية بين الموالي والعبيد وأنّه يجب على العبد في دائرة المولوية والعبودية الإتيان بالمأمور به حتّى يقوم الدليل على أنّه مرخّص في تركه، ووجود التبادر مسلّم ، لكن كون اللفظ مصدراًله غير ثابت إذ يحتمل أن يكون الانسباق نتيجة الإطلاق أو وجود ضابطة بين العقلاء من أنّ البعث لا يترك بلا جواب وهو إمّا الانبعاث أووجود الدليل على جواز الترك كما سيوافيك.


( 309 )

1ـ التحذير من مخالفة أمر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله سبحانه:(فَلْيَحْذَرِالّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ).(1)

2ـ توبيخ إبليس ـ لعنه الله ـ على مخالفة أمره سبحانه، قال:( ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) .(2)

3ـ مدح الملائكة بأنّهم لا يعصون أمر الله سبحانه في قوله: (عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ) .(3)

4ـ الإخبار عن أنّ الأمر بالسواك يلازم المشقّة، في قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسواك».(4)

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات التي تدلّ على أنّ مطلق الأمر يلازم الحذر، و صحّة التوبيخ، وأنّ مخالفته عصيان، والأمر بالشيء يلازم المشقة، أو السجن على المخالفة كما في قول امرأة العزيز: (وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرهُ لَيُسْجَنَنَّ).(5)

إنّما الكلام في منشأ هذا التبادر، و أنّه هل هو مدلول لفظي وضعي لذاك اللفظ، أو مدلول إطلاقه أو أنّه يستفاد من دليل آخر.

وإن شئت قلت: أهو بدلالة اللفظ عليه بأن يكون اللفظ موضوعاً للوجوب؟ أو هو مقتضى الإطلاق وأنّ الطلب يساوق الوجوب، و غيره يحتاج إلى

ــــــــــــــــــــــ
(1) النور:63.
(2) الأعراف:12.
(3) التحريم:6.
(4) وسائل الشيعة، كتاب الطهارة ، أبواب السواك، الباب 3 ، الحديث 4.
(5) يوسف:32.


( 310 )
الدليل، كما أنّ مقتضاه كون الوجوب نفسياً و عينياً و تعييناً، لأنّ غيرها، أي كونه غيرياً كفائياً تخييراً، يحتاج إلى الدليل، كما سيوافيك بيانه. أو هو مقتضى العقل؟ احتمالات ثلاثة.

لا سبيل إلى الأوّل و ذلك لأنّ الظاهر أنّ الوجوب و الندب ليسا من مداليل لفظ الأمر أو صيغته بل هما من المفاهيم الانتزاعية، المنتزعة من الطلب المقارن بما يدلّ على شدّة علاقة المولى بالإتيان بالمأمور به وعدمها. ومادة الأمر وضعت لمعنى ضدّ النهي و يعبّر عنه في اللغة الفارسية بـ «فرمان» كما أنّ هيئة «إفعل» وضعت للبعث، و هيئة «لا تفعل» للزجر، و إنّما ينتزع الوجوب والندب من المقارنات، فإن أمر المولى بشيء واقترن الأمر بما دلّ على عدم رضاه بتركه انتزع منه الوجوب. كما أنّه إذا أمر به و اقترن به يدلّ على رضاه بتركه في عين رجحانه، انتزع منه الندب. فإذاً، ليس الوجوب والندب من مداليل لفظ الأمر أوهيئة « إفعل» بل كلاهما من المفاهيم الانتزاعية، فكيف يمكن استظهار واحد منهما من حاق اللفظ.

والاحتمال الثاني قريب جدّاً و سيوافيك بيانه عند البحث في كون مقتضى الإطلاق كون الأمر بالصيغة نفسياً، عينياً، تعيينياً باعتبار أنّ المخالف في نظر العرف يحتاج إلى بيان زائد دون الثلاثة و في المقام نقول إنّ الوجوب في نظر العرف يساوق الطلب و الندب يتوقّف على بيان زائد.

و الاحتمال الثالث هو الأقرب لأنّ العقل يحكم بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقوبة و أنّه ليس له تركه باحتمال أنّ المولى راض بتركه، ولا يعني من الوجوب إلاّ حكم العقل بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقوبة.

وعلى هذا: إذا بعث المولى و لم يدلّ دليل على ترخيصه الترك، تصحّ عقوبته إذا تركه باحتمال ترخيصه إذا كان غير مرضيّ الترك عند المولى، هذا مجمل القول و سيوافيك تفصيله عند البحث في صيغة الأمر.


( 311 )

وعلى كلّ تقدير فدلالة مادة الأمر على الوجوب، لا تستلزم دلالة الصيغة عليه أيضاً، لإمكان وجود السعة في الصيغة دون المادة، بأن يجوز استعمال الصيغة في الندب والإرشاد دون المادة و لذلك عقد الأُصوليون في المقام بابين: باباً لمادة الأمر، و باباً لصيغته.

1ـ مادة الأمر

المبحث الرابع

في وحدة الطلب والإرادة وعدمها

كان الأولى تأخير البحث فيها، عن البحث في مفاد هيئة الأمر الذي عقد له الفصل الثاني و على كلّ تقدير فالمناسب للبحث الأُصولي هو البحث عن حقيقة الطلب والإرادة و وحدتهما أو تعدّدهما. وأمّا البحث في الجبر والتفويض فهو بحث كلامي أو فلسفي انتهى بحث المحقّق الخراساني إليه و نحن نفرّد لكلّ بحث باباً خاصاً حتّى لا يختلط البحثان ونقدّم البحث عن حقيقة الطلب والإرادة و اتّحادهما على البحث الآخر فنقول:

إنّ الفتوحات الإسلامية أوجبت اختلاط المسلمين بأصحاب المذاهب المنتحلة لغير الإسلام، و صار ذلك سبباً لدخول عدّة من المسائل الفلسفية والكلامية في الأوساط الإسلامية و لذلك نرى أنّ لكثير من الأبحاث الكلامية المعنونة في كتب المسلمين جذوراً في كتب الأُمم السالفة من اليهود والنصارى وغيرهم خصوصاً ما يرجع إلى الله سبحانه و أسمائه و صفاته و النفوس والعقول.

غير أنّ أكثر ما بأيدينا من الكتب خلت من الإشارة إلى جذور المسائل و أُصولها و كيفية ورودها إلى الأوساط الإسلامية.

ومن تلك المسائل وصفه سبحانه بكونه متكلّماً و هل هو وصف ذاتي له أو


( 312 )
فعلي؟ و قد انتهى البحث في كونه متكلّماً إلى البحث الدارج بين النصارى، من كون كلامه قديماً أوحادثاً فبما أنّ المسيح عندهم هو الله المتجسّد، وفي الوقت نفسه هو كلمة الله، ذهبوا إلى كون كلامه قديماً، فاغترّالمسلمون (كأهل الحديث و الأشاعرة) فذهبوا إلى كون كلامه كالقرآن قديماً و لم يقفوا على أنّ القديم عند النصارى هو كلمته أي المسيح الذي هو الله. و أين ذلك من القرآن النازل من عنده إلى رسوله و هو فعله. و قد بلغت تلك الأبحاث، خصوصاًما يرجع إلى خلق القرآن وقدمه القَّمة في عصر العباسيين حتّى أُريقت لأجلها الدماء المحرّمة.

وحاصل البحث أنّ صفاته تعالى على قسمين: صفة ذات، و صفة فعل. والأُولى هي القائمة بذاته ولا يصحّ سلبها عنها أبداً، كعلمه و قدرته و حياته، فلا يقال: يعلم و لا يعلم. والثانية، ما تنتزع من فعله سبحانه، ككونه رازقاً و خالقاً، وغيرهما فإنّها صفات تنتزع من فعله أعني: إيجاد العالم و رزقَ عباده بمواهبه الأرضية والسماوية، و هذه يصحّ ورود السلب عليها، فيقال: يرزق فلاناً ولا يرزق آخر، و يخلق كذا ولا يخلق كذا.

وقد وقع الكلام في تكلّمه سبحانه: هل هو من صفات فعله، أو من صفات ذاته. ذهبت المعتزلة و الإمامية إلى الأوّل، وأهل الحديث وتبعهم الأشاعرة إلى الثاني.

فقالت المعتزلة: كلامه تعالى أصوات وحروف يخلقها سبحانه في غيره كالشجر و الجبل، كما هو الحال في تكليمه سبحانه موسى، قال تعالى: (فَلَمّا آتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئ الْوادِ الأَيْمَنِ فِي البُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنّي أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمين) .(1)

وقال أهل الحديث: كلامه تعالى حروف و أصوات تقوم بذاته، و هوقديم. و قد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً: الجلد والغلاف أيضاً قديمان ، فضلاً عن

ــــــــــــــــــــــ
(1) القصص:30.


( 313 )
المصحف.

وقالت الكرامية: إنّ كلامه حروف وأصوات و أنّها حادثة قائمة بذاته، لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى.(1)

وكان هذا الرأي هو النظر السائد بين أهل الحديث، ولما التحق بهم الشيخ أبو الحسن الأشعري(2) وتاب من الاعتزال، أخذ بإصلاح عقيدتهم بقدر ما يمكن، و لمّا رأى أنّ القول بقدم الحروف والكلمات في غاية السخافة، قال بحدوثها وأنّ القديم من كلامه سبحانه هو الكلام النفسي، و هو صفة قائمة بذاته، وهو غير العلم في الجمل الخبرية، وغير الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية كالأوامر والنواهي.

وبما أنّ سخافة نظرية أهل الحديث واضحة، نركِّز البحث حول رأي الفريقين: المعتزلة والأشاعرة، ثمّ نأتي بما هو الحقّ في توصيفه سبحانه بالتكلّم فنقول:

إنّ اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في صفة تكلّمه يرجع إلى قبول أحد القياسين التاليين فالأشاعرة نظرت إلى أنّ كلامه صفة له تعالى، و كلّ ما هو صفة له فهو قديم، فينتج: أنّ كلامه قديم. و لمّا كانت الحروف والأصوات أُموراً حادثة، والأُمور الحادثة لا تليق بذاته ذهبوا إلى أنّ كلامه ليس من جنس الحروف والأصوات بل معنى قائم بذاته يسمّى الكلامَ النفسي، وهو مدلول الكلام اللفظي المركّب من الحروف والأصوات.

والمعتزلة نظرت إلى أنّ كلامه تعالى مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود، و كلّما كان كذلك فهو حادث، فقالوا : إنّ صفة تكلّمه عبارة عن خلقهما في الأجسام كشجرة موسى وغيرها. قالوا بأنّ كلية الكبرى، وهي أنّ كلّ ما هو

ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح التجريد، للقوشجي، ص 416.
(2) اقرأ حياته و آراءه في الجزء الثالث من كتاب بحوث في الملل و النحل.


( 314 )
صفة له فهو قديم ممنوعة، لكون صفاته على نوعين: صفة ذات و صفة فعل. و ما هو قائم بذاته و قديم، إنّما هو صفة الذات لا صفة الفعل.

ما هو المقصود من الكلام النفسي؟

المشكلة كلّها هي في توضيح ما هو المقصود من الكلام النفسي القائم بذاته، الذي هو ـ في الوقت نفسه ـ غير العلم في الإخبار، و غير الإرادة و الكراهة في الإنشاء. وقد حاول متأخّروا الأشاعرة توضيحه، و إليك فيما يلي نصوص أعلامهم:

1ـ قال السيد الشريف في شرح المواقف : «هذا الذي قالته المعتزلة لا ننكره نحن بل نقوله و نسمِّيه كلاماً لفظياً ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى و لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، و هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبَّر عنه بالألفاظ، وهو الكلام حقيقة و هو قديم بذاته تعالى، وأنّه غير العبارات ، و تختلف العبارات ولا يختلف المعنى، و ليس تنحصر الدلالة عليه، إذ قد يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة، و لأجل ذلك قيل:

إنّ الكلام لفي الفــؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

و الطلب الذي هو معنى قائم بالنفس لا يتغيّر مع تغيير العبارات.(1)

و بهذا البيان حاولت الأشاعرة إثبات وصف ذاتي له سبحانه وراء العلم في الإخبار و وراء الإرادة و الكراهة في الإنشاء.

2ـ و قال متكلّم الأشاعرة القوشچي في تقريب مقاصدهم: «إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبّر عنها بالألفاظ التي يسميّها بالكلام الحسّي. فالمعنى الذي يجده في نفسه و

ــــــــــــــــــــــ
(1) المواقف، ص 77، ولاحظ إحياء العلوم للغزالي، ج1، في صفاته سبحانه.


( 315 )
يدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات و يقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه الكلام النفسي».(1)

وقال الفضل بن روزبهان في ردّه على العلاّمة في كتاب نهج الحق، :«إذا أراد المتكلّم بالكلام، فهل يفهم من ذاته أنّه يزور ويرتّب المعاني فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فانّه يرتّب معاني و أشياء و يقول في نفسه سأتكلّم بهذا؟ فالمنصف يجد في نفسه هذا البتّة».(2)

وما ذكره القوشجي وابن روزبهان أوضح ما قيل في تفسير الكلام النفسي، و أمّا غيرهما فقد تحدثوا عنه فلم يأتوا بشيء واضح.

نقد النظرية

لا يخفى أنّ ما ذكروه لا يفيد شيئاً، فإنّ ترتيب المعاني في الذهن لا يقتضي أكثر من تصوّرها قبل النطق، فلو كان المعنى من مقولة الإخبار، فيرجع الكلام النفسي إلى صفة العلم بالمعنى، مع أنّهم يريدون أن يثبتوا وصفاً غيره، و يسمّونه بالكلام النفسي. و إن كان من مقولة الإنشاء، فالموجود في الذهن هو الإرادة والكراهة في مورد الأمر و النهي أو مقدّماتهما كتصوّر المرجّحات والتصديق بها، و ليس هناك شيء آخر وراءهما و وراء مقدّماتهما نسمّيه بالطلب النفسي، كما لا يخفى.

استدلالهم على وجود الكلام النفسي في مورد الإخبار

إذا وقفت على مقصودهم من الكلام النفسي، يقع الكلام في استدلالهم على وجوده في الإخبار ـ و هو غير العلم فيه، وفي الإنشاء ـ و هو غير الإرادة والكراهة

ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح التجريد للقوشجي، ص 420.
(2) المحقق الشيخ محمد حسين المظفر: دلائل الصدق:1/146.


( 316 )
ـ فيه. و إليك نقل دلائلهم في المجالين من دون خلط أحدهما بالآخر.

استدل السيدالشريف شارح المواقف، وتبعه الفضل بن روزبهان على أنّ الكلام النفسي غير العلم في الإخبار، بأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه. فالإخبار عن الشيء، غير العلم به.

يلاحظ عليه: أنّ مقصود المخالف من رجوع الكلام النفسي إلى العلم، هو رجوعه إلى التصوّر دون التصديق. فالمخبر الشاكّ يتصوّر الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية، ثمّ يخبر. وهذا من أقسام العلم بمعنى التصوّر ، و إن لم يكن التصديق موجوداً، فالمستدلّ لم يفرق بين العلم بمعنى التصوّر و العلم بمعنى التصديق، فجعل عدم التصديق دليلاً على انتفاء العلم مطلقاً، تصوّراً كان أم تصديقاً.

وبالجملة : إنّ الموجود في الجملة الخبرية لا يخرج عن إطار العلم، إذ هي مشتملة على تصوّر مفرداتها ومعانيها، وهيئاتها و معانيها، والتصديق بمطابقتها للواقع، و كلّها من مقولة العلم، الأعم من التصوّر والتصديق. و المستدل خلط العلم الذي هو المقسم للتصور والتصديق والعلم بمعنى التصديق الجازم الذي هو قسم من مطلق العلم والإخبارات: مفرداتها وقضاياها و نسبها كلّها من مقولة العلم، غاية الأمر أنّها إذا كانت مقترنة بالجزم و اليقين، تتحقّق جميع عناصر العلم من التصوّر والتصديق، ولا تنحصر بالتصوّر.

استدلالهم على الكلام النفسي في مورد الإنشاء

استدلّت الأشاعرة على وجود الكلام النفسي المعبّر عنه بالطلب في الجمل الإنشائية بوجوه:

الأوّل: ما ذكره شارح المواقف من أنّ الرجل قد يأمر بما لا يريده، كأمره للاختبار، فهنا طلب ولا إرادة.


( 317 )

والجواب عنه واضح، فانّ الأوامر الاختبارية على قسمين: قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدّمة و إن كان نفس الفعل غير مراد. كما في الأمر بذبح إسماعيل، فانّ المقصود هوتزكية إبراهيم بهذا العمل حيث يؤثر رضا ربِّه على عواطفه النفسانية، وهو يحصل بالتهيّؤ للعمل، بالإتيان بالمقدّمات.

ولذلك لمّا أتى بها إبراهيم، أوحى الله إليه: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا). (1) وقسم تتعلق الإرادة فيه بنفس الإنشاء، دون المقدّمة و ذيها كما في أمر الوالد، ولده بالأمر، حتى يجرّبه هل هو يستطيع للأمر أو لا. وفي كلا القسمين لاينفكّ الطلب عن الإرادة.

الثاني: أنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان. وتكليفهم لا يكون ناشئاً من إرادة الله سبحانه، وإلاّ لزم تفكيك إرادته عن مراده، فلابدّ أن يكون هناك مبدأ آخر للتكليف وهو الطلب . وهذا يدلّ على تغاير الإرادة والطلب أوّلاً، ووجود صفة أُخرى في ذاته غير الإرادة.

وحاصل الاستدلال: أنّ الأمر في مورد العصاة والكفّار لا يخلو من حالتين:

1ـ إمّا أن تكون هناك إرادة من الله بالنسبة إليهما.

2ـ أو لا تكون إرادة منه إليهما.

فعلى الأوّل يكون هؤلاء مكلّفين لكن يلزم تفكيك المراد من الإرادة، بشهادة المخالفة.

و على الثاني، يلزم عدم كونهم مكلّفين، فلا يصحّ العقاب.

وأجاب عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه إنّما لا تنفك لو تعلّقت بفعل نفسه، قال سبحانه: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (2) لا ما إذا تعلّقت بفعل الغير المطلوب منه، صدوره عنه عن حرّية واختيار، فلا محالة يكون الفعل

ــــــــــــــــــــــ
(1) الصافات:105.
(2) يس:82.


( 318 )
مسبوقاً باختيار العبد و انتخابه، وعندئذ يتوسّط بين إرادته سبحانه و نفس الفعل، انتخاب العبد واختياره و إرادته، فإن أراد العبد، يتحقّق الفعل، وإن لم يرد، لم يتحقّق و هذا ما يسمّى بالإرادة التشريعية.

فإذا توافقتا فلابدّ من الإطاعة و الإيمان و إذا تخالفتا فلا محيص عن أن يختار الكفر والعصيان.(1)

يلاحظ عليه: أنّ تعلّق الإرادة بفعل الغير لا معنى له، فانّها إنّما تتعلّق بالأفعال الواقعة تحت اختيار المريد. و ما يقع تحت اختياره، إنّما هو أفعال نفسه، لا أفعال الغير، فتفسير الإرادة التشريعية بتعلّق الطلب بفعل العباد ممّـا لا أساس له، بل الإرادة، تكوينية كانت أو تشريعية، تتعلّق بفعل نفسه سبحانه، غاية الأمر تارة يكون المتعلّق إيجاد شيء في الخارج و في صحيفة التكوين، و أُخرى يكون المتعلّق نفس الإنشاء والبعث، و الكلّ فعل له سبحانه، و ليست الإرادة في كلا القسمين منفكّة عن المراد، غير أنّ المراد في الأُولى هو الإيجاد، وفي الثانية هو البعث الإنشائي والمراد في كلا القسمين متحقّق.

وبذلك يتّضح الجواب عن استدلال الأشاعرة من أنّه لولا التعدّد والتغاير للزم إمّا أن لا تكون في مورد العصاة والكفّار إرادة فيلزم عدم كونهما مكلّفين أو تكون إرادة فيلزم انفكاك الإرادة عن المراد. فانّا نختار الشق الثاني، ولا يلزم التفكيك، لأنّ متعلّق الإرادة في التشريعية هو البعث الإنشائي، و هو محقّق، لا تحريك العبد تكويناً، نعم أراد تحريكه عن اختيار ه، فإن امتثل حصل المطلوب، وإن لم يمتثل حصل المطلوب الآخر، وهو إتمام الحجّة.

والفرق بين الجوابين(2) واضح بعد اشتراكهما في كون الكفّار والعصاة مكلّفين لكن الإرادة عند المعتزلة على قسمين: قسم تتعلّق بفعل النفس ولا تنفكّ هذه

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/99، والجواب للمعتزلة.
(2) جواب المعتزلة ، وجوابنا عن استدلال الأشاعرة.


( 319 )
الإرادة عن المراد، و قسم تتعلّق بفعل الغير (كما في مورد الكفّار والعصاة) فربّما تنفكّ عنه و أمّا على المختار فللإرادة قسم واحد و هو أنّها تتعلّق بفعل النفس أي فعل المريدو هي دائماً لا تنفكّ عن المراد و في موردهما تعلّقت الإرادة بالبعث و هو غير منفكّ عنها لا صدور الفعل عنهما.

الثالث: ما ذكره الفضل بن روزبهان، قال: إنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، و خالق الكلام لا يقال إنّه متكلّم، كما أنّ خالق الذوق لا يقال إنّه ذائق،، فيجب أن يكون كلامه قائماً بنفسه و ذاته، و ليس هو إلاّ الكلام النفسي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه مبني على أنّ الهيئة موضوعة للدلالة على القيام الحلولي وعلى ذلك فلابدّ أن يكون الكلام حالاً في ذاته. و بما أنّ الأصوات والحروف غير قابلة للحلول، فلابدّ أن يكون اتّصافه بالتكلّم على نحوالكلام النفسي، أي المعاني القائمة بذاته.

و لكنّه مردود، لأنّها موضوعة على قيام المبدأ بالذات بنحو من الأنحاء، والقيام قد يكون على نحو الصدور والإيجاد كما في الضارب، و قد يكون على نحو الحلول كالحيّ والميّت، و قد يكون لأجل الممارسة بالمبدأ كالتمّار لبائع التمر واللبّان لبائع اللبن. و ليس صدق المشتقّات بإحدى هذه الملابسات، قياسياً، فربّ مشتق يستعمل مع مناسبة ولا يستعمل آخر معها، و لأجل ذلك يصدق عليه سبحانه: المتكلّم، بملابسة الإيجاد، ولا يصدق عليه الذائق، بهذه الملابسة مع كونه خالقاً للذوق، ولا يصدق عليه القائم والساكن باعتبار إيجاد القيام والسكون في غيره.

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الشيخ محمد حسين المظفر: دلائل الصدق:1/147 . اعلم أنّ الأدلة السابقة كانت مسوقة لبيان تعدّد الطلب و الإرادة، بخلاف هذا الدليل و ما بعده، فانّهما مركّزان على أن تتبيّن كيفية تكلّمه وأنّه ليس إلاّ النفسي. و ليس له صلة بوحدة الطلب والإرادة.


( 320 )

و يمكن أن يقال: إنّ اختلاف المبادئ من حيث التعدية و اللزوم يوجب صدق بعض المشتقّات عليه دون بعض. فما كان منها متعدّياً، يكفي فيه الإيجاد والصدور، ويستند إليه سبحانه، كالقابض والباسط والمتكلّم. و ما كان من قبيل اللازم، يشترط فيه الحلول، فلا يطلق عليه سبحانه، كالنائم والذائق والقائم.

أضف إليه النقض بتكليمه سبحانه موسى فانّه يصدق عليه أنّه متكلّم في هذه المرحلة بإيجاده الأصوات والحروف في الشجرة والجبل، فكيف لا يصحّ إطلاق هذا الاسم أو الوصف عليه بملابسة الإيجاد.

الرابع: أنّ الكلام كما يصحّ إطلاقه على الكلام اللفظي كذلك يصحّ إطلاقه على الكلام الموجود في النفس كما في قوله سبحانه: (وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور) .(1) فأطلق «القول» على الموجود في الذهن. و قوله: (إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ) .(2)

والإجابة عن هذا الاستدلال واضحة، فالآية الثانية راجعة إلى نيّة السوء كما عليه المفسّرون، و لاصلة لها بالكلام، و إطلاق القول في الآية الأولى على الموجود في الضمير من باب العناية، فانّ القول من التقوّل باللسان فلا يطلق على الصورة المتصوّرة، وهذا نظير ما يقال: إنّ في نفسي كلاماً، أو أنّ قلبي كتاب كتبت فيه الأسرار، إلى غير ذلك.

والحاصل: ماذا يعنى الأشاعرة من الكلام النفسي؟ أيريدون المعاني المنتظمة في النفس التي يعبّر عنها بالألفاظ، فهي إمّا تصوّر، أو تصديق، أو إرادة أو كراهة، و الجميع لا تخرج عن مقولة العلم و الإرادة و الكراهة. وهم يدّعون أنّ الكلام النفسي وراءها. أم يريدون الألفاظ الذهنية المطابقة للألفاظ الخارجية فهي أيضاً من الصور الذهنية الداخلة تحت مقولة العلم.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الملك:13.
(2) البقرة:284.


( 321 )

إلى هنا اتضح انّ تفسير وصفه سبحانه بالمتكلّم، بجعله صفة ذاتية، غير معقول، وأنّ ما ذكره المحقّق الطوسي من أنّ الكلام النفسي غير معقول، ومثله صاحب القوانين، واضح جدّاً.

إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:

1. المراد من الكلام النفسي.

2. دلائل الأشاعرة عليه.

3. فساد تلك الأدلّة.

وحدة الطلب والإرادة و تعدّدهما عند غير الأشاعرة

إذا علمت بطلان الكلام النفسي فلنرجع إلى وحدة مفهومي الطلب والإرادة أو تعدّدهما مع غضّ النظر عن الكلام النفسي، إذ على القول به يكون الطلب غير الإرادة قطعاً، و إلاّ لم يتحقّق الكلام النفسي. وعلى ذلك القول فانّ مصداق الطلب، هو الكلام النفسي، و مفاد الأمر هو الإرادة. وأمّا عند غيرهم فالمعروف عند الكثير من الأُصوليين هواتّحادهما. و إن كان الحقّ خلافه كما سيتضح.

فنقول: ذهب المحقّق الخراساني إلى اتّحادهما في المراحل الثلاث أعني:

اتّحادهما مفهوماً، و إنشاءً و خارجاً.

والبحث على الأوّل لغوي أي أنّ ما وضع له لفظ الطلب هو الذي وضع له لفظ الإرادة فيصير الكلام في ترادفهما، كالكلام في ترادف لفظي الإنسان والبشر.وعلى الثاني أُصولي، أي المنشأ بلفظ «افعل» هو الطلب الانشائى والإرادة الإنشائية. وعلى الثالث عقلي، أي انّ المصداق للطلب الحقيقي في النفس هو مصداق الإرادة، و أنّ ما هو بالحمل الشائع طلب، هو أيضاً بالحمل الشائع إرادة.


( 322 )

و لما اختار وحدتهما في جميع المراحل، زعم انصراف الطلب إلى الإنشائي، و انصراف الإرادة إلى الحقيقية.

ثمّ زعم أنّه يتحقّق، بذلك، الإصلاح بين الطرفين، و أنّ القائل بالتغاير، يريد تغاير الطلب الإنشائي مع الإرادة الحقيقية ، والقائل بالاتّحاد، يريد عينيتهما مفهوماً، وإنشاءً، و خارجاً، هذا كلامه.(1)

نقد اتحادهما في المراحل الثلاث

أمّا المرحلة الأُولى: أي وحدتهما مفهوماً فيرد عليها أنّ ادّعاء وحدة الطلب والإرادة مفهوماً، و أنّ المتبادر من أحدهما هو المفهوم من الآخر، غيرتام، بدليل أنّه لا يجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، فلا يقال مكان: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) : «إنّ الله يطلب منكم اليسر و لا يطلب منكم العسر»، ولا مكان: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»: «إرادة العلم فريضة على كلّ مسلم»، كما لا يصحّ وضع الإرادة مكان الطلب في قولك: «فاطلب الرزق لعيالك» و هذا يكشف عن أنّ الموضوع له فيهما مختلف،وأنّ بينهما فرقين:

1ـ أنّ الإرادة تستعمل فيما إذا كان المراد قريب الحصول غير محتاج إلى مقدّمات كثيرة، بخلاف الطلب فانّه السعي الذي يتوقّف على مقدّمات وحركات كثيرة توصل الإنسان إلى المقصد.

2ـ أنّ الإرادة أمر قلبي جوانحي، والطلب أمر خارجي جوارحي.

أمّا المرحلة الثانية: فيرد عليها: أنّ وحدتهما إنشاءً، غير تام من أصله. فانّ الإرادة من الصفات النفسانية الحقيقية، غير قابلة للإنشاء، فانّ الأُمور الحقيقية والانتزاعية غير قابلة للإنشاء و إنّما الصالح له هي الأُمور الاعتبارية.

توضيح ذلك: إنّ الإرادة الحقيقية من الأُمور التكوينية التي لا تقبل الجعل

ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ جملة كلامه في كفاية الأُصول:1/95ـ96.


( 323 )
الإنشائى كسائر الأُمور الحقيقية و انّما القابل له، هو الأُمور الاعتبارية التي لا واقع لها سوى اعتبار المعتبر، ككون زيد رئيساً للعائلة أو للجمعية، أو كونه زوجاً لهند، أو مالكاً لما اصطاده من البحر وعلى ذلك فالإرادة الحقيقية الظاهرة في لوح النفس التي تتحقق بعد تحقّق مباديها، لا تقبل الجعل و إنّما تتبّع في الوجود مبادئها فإن كانت موجودة تتحقق بعدها و إلاّفلا.

فإن قلت: ليس المقصود ، جعل الفرد الحقيقي من الإرادة، حتّى يقال إنّها تتبّع وجود مقدّماتها في لوح النفس و إنّما المقصود، جعل مصداق لها في عالم الاعتبار، كما هو الحال في جميع الأُمور الاعتبارية فانّها ليست إلاّ جعل مثال ومصداق اعتباري لأُمور تكوينية، كما هو الحال في المسألتين الماضيتين، فانّ الرأس التكويني الذي يدبّر البدن لا يقبل الإنشاء. نعم الفرد الاعتباري منه يقبله كما في رئيس العائلة والجمعية، فبما أنّه يدبّر أمرهما، كان بمنزلة الرأس فهو رأس اعتباري، و مثله مالكية الإنسان، لما اصطاده من البحر أو جنت يداه من الأشجار، فهو يملكه ، كما يملك يده و رجله، و بصره و سمعه مالكية تكوينية فالمجعول هو مثال التكوين لا نفسه.

قلت: ما ذكرته صحيح لا غبار عليه فانّ إيجاد مثال للإرادة في عالم الاعتبار، وإن كان ممكناً ـ فانّ الاعتبار على ما قلناه هو إيجاد مثال للتكوين في عالم الاعتبار ـ لكنّه بعيد في هذا المقام و ذلك لأنّ الأُمور الاعتبارية أُمور عرفية، و ترجع حقيقتها إلى جعل مثال للأمر التكويني الملموس كالزوجية والملكية وغيرهما من الصفات الموجودة في الأعيان الخارجية، فيتخيّل العقلاء مثالاً لها في الأُمور الاجتماعية، كاعتبار الزوجية بين الزوجين، والمالكية بين الإنسان و ما اكتسبه.وأمّا الأُمور النفسانية الحقيقية البعيدة عن الحس، القائمة بالنفس فلا تمسّ الحاجة فيها إلى جعل فرد اعتباري يسمّى بالإرادة الإنشائية أو بالترجّي والتمني الإنشائيين بل غاية ما يطلبه العقلاء هو إظهارها.


( 324 )

وأمّا الطلب فلا مانع في تصوير فرد إنشائي له و ذلك للفرق الواضح بين الإرادة والطلب فانّ الأولى اسم لأمر جانحيّ مغمور في النفس فلا يصلح لأن يجعل له مثال و هذا بخلاف الطلب فإنّه اسم لعمل خارجي فبما أنّه من الأُمور الجوارحية لا الجوانحية كما هو الظاهر من استعمالاته، (في مثل قولك:«طلبت زيداً فما وجدته»، «طلبت ضالتي» أو «طالبته» أو «أُطلب لي من فلان شيئاً)» فيصحّ جعل مثال اعتباري له في مقام المحاورة، وجعل فرد اعتباري في مقابل الفرد الخارجي فكانَ أمر المولى، بمنزلة طلبه بيده ورجله و سعيه وراء حاجته.

مثلاً: الإنسان قد يطلب خروج زيد من بيته فتارة يقوم به بالتكوين فيخرجه بيده و أُخرى ينشيء مثالاً للطلب الخارجي في عالم الاعتبار، فتكون الإشارة باليد أو الحاجب، أو الكتابة أوالتلفّظ بالأمر، قائمة مقام الطلب التكويني.

و بذلك يتضح أنّ الإرادة الإنشائية لا واقعية لها. وأمّا الطلب فله وجود تكويني ووجود إنشائي. ومعه كيف يمكن أن يقال إنّهما متّحدان في مقام الإنشاء. مع أنّه ليس للإرادة إلاّفرد تكويني فقط.

وأمّا المرحلة الثالثة: أي عدم اتّحادهما مصداقاً فقد اتضح ممّا قلناه من أنّ الطلب من الأُمور القائمة بالجوارح، والإرادة من الأُمور القائمة بالجوانح، فظرف وجودهما مختلفة، فلا وجه للاتّحاد.

وبذلك تبيّن أنّ الحقّ مغايرة الطلب للإرادة ، ولكن المغايرة ليست بمعنى تصحيح مقالة الأشعري من القول بالكلام النفسي، بل الكلام النفسي باطل، و إن كانت المغايرة بين الإرادة و الطلب، صحيحة على ما عرفت.

أضف إلى ذلك: أنّ إرجاع النزاع القائم على قدم و سابق، طوال قرون، إلى النزاع اللفظي من أعجب العجائب، كيف و فيهم المفكّرون الواقفون على أنّ الطلب الإنشائي غير الإرادة الحقيقية النفسانية.


( 325 )

إنّ جنوح الأشعري إلى مغايرة الطلب للإرادة لم يكن إلاّلأجل إصلاح عقيدة أهل الحديث بقدم القرآن و أنّ التكلّم وصف ذاتي له سبحانه، قديم مثل سائر الصفات، و هو غير العلم و الإرادة. و لمّا كان القول بذلك بظاهره باطلاً بالبداهة لأنّ القرآن كلمات و حروف و أصوات وهي كلّها أُمور تدريجية، حادثة بالذات، ذهب الشيخ الأشعري إلى تصحيح القول بقدم كلامه باختراع الكلام النفسي أو بأخذه من الكُلاّبيين(1)، في مقابل الكلام اللفظي، فقال بحدوث اللفظي، وقدم النفسي، و هو غير العلم في الإخبار وغير الإرادة والكراهة في الإنشاء، لأنّ المفروض أنّ التكلم وصف له وراء كونه مريداً وعالماً فلابدّأن يكون غيرهما، و لأجل إفهام أنّ وراء الإرادة شيء في الإنشاء، التجأ إلى القول بمغايرة الطلب للإرادة، و لما لم يجد اسماً خاصاً له في الإخبار، ولا في النواهي ولا في سائر أقسام الإنشاء من التمنّي والترجّي والاستفهام، اكتفى منها بالكلام النفسي. فتصوير مثل هذا النزاع لفظياً، عجيب جدّاً، منشؤه عدم الرجوع إلى مظانّ المسألة في كتب القوم.

ما معنى كونه متكلّماً

قد عرفت مذهب الأشاعرة و المعتزلة في معنى كونه تعالى متكلّماً، ولا بدّ من

ــــــــــــــــــــــ
(1) ابن كلاب من نابتة الحشوية و هو عبد الله بن محمد بن كُلاّب القطّان و له مع عباد بن سلمان مناظرات و كان يقول: إنّ كلام الله هو الله، و كان عباد يقول: إنّه نصراني بهذا القول، قال أبو العباس البغوي دخلنا على «فثيون» النصراني و كان دار الروم بالجانب الغربي فجرى الحديث إلى ان سألته عن ابن كلاب فقال: رحم الله عبد الله كان يجيئني فيجلس تلك الزاوية وأشار إلى ناحية من البيعة، وعنّي أخذ هذا القول ولو عاش لنصّرنا المسلمين (الفهرست لابن النديم:230).
و من يعلم أنّ غائلة كون التكلم من صفات الذات أو من الفعل قد تسرّب إلى المسلمين من النصرانيين و العامل له هو عبدالله بن كلاب.
والعجب انّ ابن النديم ذكر أبا الحسن الأشعري و تلميذيه « الدمياني» و «حمويه» بعد ابن كُلاّب مشعراً بوجود الصلة بين الرجلين في التفكر و الرأي.


( 326 )
إكمال البحث ببيان مذهب أهل الحقّ، فنقول:

لا شكّ أنّ الكلام هو المؤلَّف من الألفاظ، الصادر عن المتكلّم، القائم به، الحاصل من تموّج الهواء واهتزازه، بحيث إذا زال التموّج، زال الكلام.

لكن الإنسان الاجتماعي توسع في إطلاقه، فأطلق الكلام على الخطبة المنقولةوالشعر المروي عن شخص، فيقول إنّه كلام علي ـ عليه السَّلام ـ و إنّه شعر «لبيد» ، مع أنّ كلامه الحقيقي زال مع زوال التموّج والاهتزاز، و ما هذا إلاّ من باب التوسّع في الإطلاق و مشاهدة ترتّب أثر الكلام الواقعي على المنقول الثاني، و يكفي ذلك في التوسّع.

ثمّ لمّا كان الأثر الحقيقي للكلام هو إنباؤه عن ما يقوم في ذهن المتكلّم من الأسرار والمعاني، فلوترتّب ذاك الأثر على غير الكلام ، صحّ إطلاق الكلام عليه حقيقة. مثلاً انّ المعلول، من حيث إنّه يكشف عن كمال علّته و قدرتها وعلمها، فهو كلام، كاشف عمّا في العلة من القدرة و الكمال، غير أنّ دلالة الألفاظ على المراد اعتبارية، ودلالة المعلول على ما عليه العلة من الكمال تكوينية.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ وصفه سبحانه بالكلام يقع في مرحلتين:

الأُولى: إذا أراد سبحانه أن يكلّم شخصاً من أنبيائه، كما في قوله سبحانه: (وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكليماً)(1) فطريقة ما أشار إليه سبحانه في آخر سورة الشورى بقوله: (وَ ما كانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْمِنْ وَراءِ حِجاب أَوْ يُرسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُإِنَّهُ علِيٌّ حَكِيمٌ).(2) والوحي هو الصوت الخفي الذي يسمعه الموحى إليه ولا يسمعه غيره. والمراد من (وراء حجاب)ما إذا سمع الكلام مع عدم رؤية المتكلّم كتكلّمه سبحانه مع موسى في الطور، والمراد من الثالث إرسال الملك إلى الناس أو انباء الرسول الناس.

ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء:164.
(2) الشورى: 51


( 327 )

فلو كان المراد من وصفه تعالى بالتكلّم ، تكلّمه مع فرد أو أفراد، فهذه هي الطرق المعيّنة في القرآن.

الثانية: إذا أردنا وصفه بالكلام على وجه الإطلاق ، فالعالم كلّه كلام له، قال سبحانه: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَكَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(1) وقال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الأَرضِ مِنْ شَجَرَة أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ)(2) وقال سبحانه في المسيح: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بنُ مَرْيَمَ). (3)

وقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه»(4) ونقل عنه ـ عليه السَّلام ـ قوله:

وأنت الكتاب المبين الذي * بأحرفه يظهر المضمر

إلى هنا تبيّنت عدّة أُمور:

1ـ ما هوالمراد من الكلام النفسي.

2ـ ما هي دلائل الأشاعرة عليه.

3ـ فساد تلك الأدلة.

4ـ اختلاف مفهومي الطلب والإرادة ، من دون أن يعنى تصحيح الكلام النفسي.

5ـ ما معنى كونه تعالى متكلّماً؟

بقي هنا الإشارة إلى أنّ محلّ النزاع بين الأشاعرة والمعتزلة، في قدم كلامه أو حدوثه ناش عن أنّ هذا الوصف هل هو وصف ذاتي أو وصف فعلي، فالأشاعرة

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكهف:109.
(2) لقمان:27.
(3) آل عمران:45.
(4) نهج البلاغة: الخطبة181، طبعة عبده.


( 328 )
على الأوّل والمعتزلة على الثاني. و لأجل ذلك التجأت الأشاعرة إلى القول بثبوت صفة في ذاته سبحانه وراء العلم و الإرادة، سمّتها في الإنشائيات بالطلب، و في غيرها بالكلام النفسي، و ربّما يطلق الثاني على الإنشائيات والإخباريات جميعاً.

وبذلك اتّضح أنّ النزاع في اتّحاد مفهومي الطلب والإرادة ليس لغوياً، كما يتنازع في وحدة مفهومي البشر والإنسان، بل أنّ وراءه هدفاً آخر و هو أنّه هل توجد هناك صفة وراء الإرادة و العلم في ذاته سبحانه، تسمّى بالطلب تارة، و بالكلام النفسي أُخرى، أو لا؟

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني فسر الإرادة التشريعية بالعلم بالمصلحة، و من جانب آخر قال بتعلّق إرادته التكوينية بأفعال العباد، غاية الأمر أنّه إذا وافقت إرادته التكوينية مع التشريعية يختار العبد الطاعة و إلاّ العصيان.

وعند ذاك أورد على نفسه بوجهين:

1ـ إذا كان الكفر والعصيان والطاعة والإيمان بإرادته تعالى التي لا تتخلف عن المراد فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف لكونها خارجة عن الاختيار.

فأجاب عنه بأنّه تعلّقت إرادته على صدورها عن العبد عن اختياره و لو لم يصدر كذلك، تخلفت الإرادة عن المراد.

و لو كانقدَّس سرَّه مقتصراً على هذا الحدّ ـ لكان خيراً له لكنّه أورد إشكالاً ثانياً و لم يستطع على حلّه و حاصله:

أنّ الكفر والعصيان مسبوقين بإرادة العبد، لكنّها منتهية إلى إرادته سبحانه الأزلية فيعود الإشكال.

فأجاب عنه بمالا يليق بساحته و حاصله: أنّ إرادة الكافر والعاصي تابعة للشقاء الذاتي، مستدلاً بما روي من أنّ الشقي شقي في بطن أُمّه.(1)

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/99ـ 100.


( 329 )

و لمّا كان ما ذكره، غير حاسم للإشكال بل مؤكّداً له قام غير واحد من المحقّقين بعده بالبحث عن الجبر والاختيار وأفرده بعضهم بالتأليف و نحن أيضاً نقتفي إثرهم و إن لم نكن منهم ـ لكن أحبّ الصالحين و لست منهم ـ فنطرح مسألة الجبر والاختيار على طاولة التحقيق بإذنه سبحانه و لمّا صار البحث طويل الذيل مترامي الأطراف أفردناه بالتدوين.

***

../../../IMAG/9.gif (18250 bytes)