http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 17 ـ 32 ص


( 17 )

الإجابة عن الإشكال السابق

تقرير الاشكال لو كان الملاك في كون المحمول ذاتياً، مساواته للموضوع، للزم خروج كثير من المسائل عن كونها مسائل للعلم، ففي الفن الأعلى نقول:«الموجود واجب»، و المحمول أخصّ من الموضوع لا يوضع بوضعه.

و لكن الإجابة عنه واضحة، إذ ليس المحمول خصوص الواجب، بل المحمول هو القضية المنفصلة المرددة المحمول مثل قولنا: «الموجود واجب أو ممكن». و كما في علم الهندسة، فيقال:«الكمُّ المتصل خط أو سطحٌ أو جسم تعليميّ» و ليس المحمول خصوص الخط، بل هو مع أقسامه.

و منه يظهر أنّ المحمول على الموجود بواسطة الواجب أو الممكن، أيضاً عرض ذاتي كقولنا:«واجب الوجود بسيط» و «الممكن مركب من الوجود والماهية». فإنّ الموضوع للبساطة هو «الموجود الواجب» و هو يساوي البساطة العقلية، كما أنّ الموضوع، هو الموجود الممكن و هو يساوي التركّب العقلي.

وإلى ما ذكرنا يشير الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي قدَّس سرَّه بقوله :«إنّ كلاًّ منهما (الواجب والممكن)ذاتيٌّ لحِصَّة خاصة من الأعم المذكور، لأنّ المأخوذ في حدّكلّ منهما هوالحِصَّة الخاصة به، و في حَدّ المجموع المردد، الموضوع الأعمّ بنفسه».(1)

مقصوده أنّا إذا قلنا : «واجب الوجود بسيط » فالموضوع ليس مطلق الوجود الأعم، بل الحصة الخاصة التوأمة للواجب، و تكون البساطة من أعراضه الذاتية لمساواتها له، كما إذا قلنا:«الموجود إمّا واجبٌ أو ممكن» ، فالموضوع هو مطلق الوجود الأعم، ليصحّ تقسيمه إلى القسمين:

و بذلك يتبين انّ مساواة العوارض مع موضوع العلم، شرط في المحمولات

ــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق.


( 18 )
الأولية كقولنا: الموجود إمّا واجب أو ممكن و أمّا المحمولات الثانوية كالبساطة و التركب فلا تشترط المساواة مع موضوع العلم، بل تكفي مساواتها، مع موضوعها ، أي الموجود المتحصص بالوجوب، أو الإمكان، و هكذا سائر الموارد، لكفاية هذا المقدار في حصول اليقين بالنسبة كما عرفت.

تشخيص العرض الذاتي عن الغريب

ثمّ إنّ تشخيص العرض الذاتي عن غيره يتعيّن بأمرين، أحدهما راجع إلى مقام الثبوت، و الآخر إلى مقام الإثبات.

أمّا الأوّل: فهو المساواة بين المحمول والموضوع كما عرفت بالتفصيل.

وأمّا الثاني: فحيث كان المحمول الذاتي ـ بما هو محمول ـ قائماً بموضوعه بالضرورة، و واصفاً و ناعتاً له، كان الموضوع من علل وجود المحمول الذاتي، فوجَب أن يؤخذ في حدّ المحمول، كما هو مبين في المنطق.(1)

فالعرض الذاتي يجب أن يؤخذ في حدّه، موضوعه. فلو فرض للمحمول، محمول، و لمحموله محمول، وجب أن يؤخذ الموضوع الأوّل في حدّه حتى ينتهي إلى آخر محمول مفروض، وكان الجميع ذاتيات للموضوع الأوّل، كما أنّ كلاً منها ذاتي لموضوع قضيته، فلو قلنا:«الإنسان متعجب» و «المتعجِّب ضاحك» و «الضاحك بادي الأسنان» ، كان الجميع أعراضاً ذاتية للإنسان و لموضوع قضيته، لأخذ الإنسان في حدّالجميع.

و من ذلك يُعلم أنّ تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن، والممكنِ إلى الجوهروالعرض، و الجوهرِ إلى العقل و النفس و الهيولى و الصورة والجسم، و العرضِ إلى الكم و الكيف ... الخ، كلّها أعراض ذاتية بالنسبة إلى الموجود، لوجود الشرطين: المساواة، بالمعنى الذي عرفت، وكون الموجود مأخوذاً في حدّ كلِّ

ــــــــــــــــــــــ
(1) منطق الشفاء، كتاب البرهان، ص 127.ولاحظ شرح الاشارات للمحقّق الطوسي: 1/58.


( 19 )
واحد من هذه المحمولات.

هذا هو الغالب: أي أخذ الموضوع في حدّ العارض. و لكن الشيخ ذكر أقساماً أُخر، و قال: «أن يُؤخذ ما يقوم الموضوع في حدّالعارض، فذلك على أقسام:

1. أن يؤخذ موضوع المعروض في حدّالعارض.

2. أن يؤخذ جنس الموضوع في حدّالعارض.

3. أن يؤخذ موضوع جنسه في حدّالعارض».

ثمّ ذَكَرلكل واحدأمثلة، فلاحظها.(1)

وقد أحسن العلامة المُظَفّر في منطقه، تبعاً للشيخ أبي علي حيث أتى بعبارة جامعة، فقال:«المحمول الذاتي للموضوع ما كان موضوعه أو أحد مقوماته واقعاً في حدّه، لأنّ جنس الموضوع مقوّم له، وكذا معروضه (الموضوع)، لأنّه يدخل في حدّه و كذا معروض جنسه كذلك».(2)

وهناك قسم آخر، و إن شئت فاجعله رابع الأقسام، وأشار إليه الشيخ أيضاً، وهو أن يؤخذ المحمول في حدّالموضوع ، كما في قولنا:«الواجب موجود»، فالمحمول مأخوذ في حدّ الواجب الذي هو الموضوع، فإنّ الواجب عبارة عن الموجود الذي يمتنع عليه العدم.

ولأجل ذلك قال الشيخ في كتاب البرهان: «فما كان من المحمولات لا مأخوذاً في حدّالموضوع، ولا الموضوع أو ما يقوّمه مأخوذاً في حدّه، فليس بذاتي، بل هو عَرَض مطلق غير داخل في صناعة البرهان، مثل البياض للققنس».

فتلخص ممّا ذكر أمران:

ــــــــــــــــــــــ
(1) المنطق للمظفر، ج3، ص 326، طبعة بيروت 1400هـ.
(2) منطق الشفاء، كتاب البرهان، ص 127.


( 20 )

الأوّل: إنّ العرض الذاتي يجب أن يكون مساوياً لموضوعه، لا أعمّ منه ولا أخص على ما مرّ، إذ لو كان أعمّ من الموضوع للزم لغوية القيد المأخوذ في الموضوع، ولو كان أخص، للزم عدم إفادة اليقين.

الثاني: أنّ العرض الذاتي الذي يعرض الموضوع بواسطة أمر مساو، عرض ذاتي بشرط أن يكون الموضوع مأخوذاً في حدّالواسطة كالبساطة العارضة للموجود بواسطة الواجب، فهي عَرَضٌ ذاتيٌّ للموجود لأنّ الموجود مأخوذ في حدّ الواجب على ما عرفت.

وأمّا إذا كان الموضوع غير مأخوذ في حدّالواسطة، فما يعرضه بها لا يكون عرضاً ذاتياً، كعروض السواد للغراب بواسطة ريشه.

هذا خلاصة القول في العرض الذاتي، غير أنّ هنا نكتة يجب التنبيه عليها و هي أنّ ما ذكرناه من أنّ شرط كون القضايا يقينية هو أن يجتمع فيها شروط أربعة: كون النسبة ضرورية أوّلاً، و دائمة الصدق ثانياً، و كلية الصدق ثالثاً، و كون المحمول من العوارض الذاتية للموضوع رابعاً; إنّما يختص بالعلوم الحقيقية (1) ولا يعم العلوم الإعتبارية، لأنّ الاعتباريات قائمة بلحاظ المعتبر، و تتغيّر بتغيير الاعتبار، ولا يمكن أن تكون ضرورية الصدق و دائمته و كليته.

وبذلك يتضح أنّ الأُمور الإعتبارية لا يقام عليها البرهان العقلي بالشكل الذي يقام في العلوم الحقيقية . فإنّ الموضوع فيها ليس من علل وجود المحمول حقيقة إلاّبالإعتبار والمواضعة، و تدوم العلية مادام الاعتبار قائماً (2)فإذا زال، زالت

ــــــــــــــــــــــ
(1) العلوم الحقيقية لاتتبدّل في زمان ولاحال، لاحظها اللاحظ أم لا، مثلاً، قولنا: «كل معلول يحتاج إلى علة» ، أو «زوايا المثلث تساوي 180 درجة، فانّ الشروط الثلاثة مجتمعة فيها، ضرورة الصدق و دائميته و كليته.
(2) مثل كون القيام لشخص عند قدومه احترام، و الدخول عليه من دون نزع القبعة إهانة، و نحو ذلك فانّ هذه الاعتباريات تتبدل بتبدل الاعتبارات.


( 21 )
العليّة.

كما أنّه لا يعتبر كون المحمول عرضاً ذاتياً (الشرط الرابع) لأنّ العلوم الإعتبارية تدوّن لتحقيق غرض اجتماعي كالعلوم الأدبية، فإنّ الملاك في كون شيء من مسائل تلك العلوم كونه واقعاً في دائرة الغرض المطلوب من ذلك العلم سواء أكان العروض بلا واسطة أو معها، و سواء أكانت الواسطة مساوية أو أعمّ أو أخصّ أو مبائنة، وسواء عُدّ عرضاً ذاتياً أو غريباً، فإنّ اشتراط واحد من هذه الأُمور من قبيل لزوم مالا يلزم ،بل إنّ استعمال الذاتي و الغريب في مسائل تلك العلوم من باب التشابه، و إلاّفلا عرض حقيقة فضلاً عن كونه ذاتياً أو غريباً.

***

الجهة الرابعة: النسبة بين موضوع العلم و موضوعات مسائله

قال المحقّق الخراساني: «إنّ موضوع كلّ علم هو نفس موضوعات مسائله عيناً و ما يتّحد معها خارجاً و إن كان يغايرها مفهوماً، تغايرَ الكلّي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده».

نقول:

لمّا كانت محمولات مسائل العلم تعرض موضوعاتها أوّلاً بلا واسطة، وتعرض موضوع العلم بواسطة موضوعات مسائلها، وكان ذلك موجباً لكون محمولات المسائل من العوارض الغريبة لموضوع العلم، لكون موضوعات المسائل ـ عندئذ ـ واسطة في عروض محمولاتها على موضوعه، وقد اشترطوا أن تكون محمولات المسائل من العوارض الذاتية ، أي العارضة لموضوع العلم بلا واسطة في العروض.

ـ لمّا كان الأمر كذلك ـ انبرى المحقّق الخراساني لدفع هذا الإيراد، فقال: بأنّ التغاير بين موضوعي العلم والمسألة، في المفهوم دون الخارج، فموضوع العلم


( 22 )
هو عين موضوعات المسائل، فلا واسطة في عروض المحمولات على موضوع العلم، مثلاً:

ما يعرض لفرد الإنسان يعرض لنفس الإنسان، لأنّ المباينة بين الفرد والكلّي في المفهوم لا في الخارج فانّ ظرف العروض هوالخارج لا عالم المفهوم.

وأورد سيّدنا الأُستاذـدام ظلّهـ على هذا الجواب بانتقاضه بعلمي الهيئة و الجغرافيا، فانّ النسبة بين الموضوعين فيهما و موضوعات مسائل كلّ منهما، نسبة الكلّ إلى أجزائه.

و لكنّه قابل للدفع، بأنّ الموضوع للأوّل، هو البحث عن أوضاع الكواكب و طباعها، ثابتها و سيّارها. فالبحث عن كلّ واحد من الكواكب، بحث عن جزئيات الموضوع لا عن أجزائه.

كما أنّ الموضوع للثاني، هو القارّات والبحار. فالبحث عن كلّ واحد من المناطق، بحث عن جزئيات الموضوع لا عن أجزائه.

نعم ما أفاده المحقّق الخراساني غير مفيد، فانّ الاتّحاد مصداقاً لا ينفي الواسطة، إذ لا شكّ أنّ الخصوصية الموجودة في موضوع المسألة دخيلة، في عروض العرض لموضوع العلم، بحيث لولا تلك الخصوصية لما صحّ حمله عليه، فإذا قلنا:

إنّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين، فالمساواة تعرض الكمّ المتّصل الذي هو موضوع علم الهندسة بواسطة الخصوصية الموجودة في موضوع المسألة، أعني: المثلثية.

بل الأمر كذلك حتّى في العلوم الاعتبارية، فالوجوب لا يعرض فعل المكلّف إلاّبعد تقييده بالصلائية والصومية. فالتغاير مفهوماً و الاتّحاد وجوداً لا ينفي الواسطة.

فالجواب الصحيح على مختار المحقّق السبزواري هو أنّ الواسطة لا تضرّما


( 23 )
لم تكن واسطة في العروض، كما هو كذلك في المقام. فإنّ الكمّ المتّصل يتّصف حقيقة بالمساواة إذا كان متحداً مع المثلث. كما أنّ الجسم الطبيعي، يتّصف بالحرارة والبرودة إذا كان متحداً مع النار والماء وغير ذلك.(1)

وأمّا على مختار الحكماء في معنى العرض الذاتي، فالحقّ ما قلناه من أنّ العرض الذاتي(المحمول) ما يؤخذ في حدّه الموضوع، فلو كان للمحمول محمول، و لمحموله محمول أيضاً، فالموضوع مأخوذ في حدّ الجميع كما قلنا في مورد: «الإنسان المتعجّب، ضاحك فالموضوع للضاحك ليس هو المتعجّب فقط كما هو الظاهر من قولنا:«بعض المتعجّب ضاحك» بل الموضوع هوالإنسان المتعجّب الموصوف بأنّه ضاحك. فالإنسان جزء الموضوع لبّاً، وإن لم يكن كذلك ظاهراً. فكما أنّ كلاً منها ذاتي لموضوع قضيّته، كذلك هو ذاتي، للموضوع الأوّل.

و بذلك يعلم حال محمولات المسائل في العلوم . فانّ موضوعات المسائل من محمولات موضوع العلم و أقسامه و إن صارت بعد، موضوعات لمحمولات أُخر. و على ذلك فموضوع العلم داخل في حدّ موضوعات المسائل.

و بالتالي، فالمحمول على موضوعات المسائل، محمول على موضوع العلم.

فإذا قلنا:«الموجود إمّا واجب أو ممكن»، ثمّ قلنا: «الواجب بسيط أو الممكن مركّب»، فكأنّما نقول: «الموجود الواجب بسيط أو الموجود الممكن مركّب» و هكذا سائر المسائل فنّ الأعلى وغيره من العلوم.

ــــــــــــــــــــــ
(1) ولك أن تجري هذا في العلوم الاعتبارية فتقول: إنّ بين موضوع علم النحو ـ مثلاً ـ و هو الكلمة، و محمول المسألة، وهو الرفع ـ مثلاً ـ العارض للفاعل، واسطة، إلاّ أنّها واسطة غير مضرّة، لأنّها واسطة في الثبوت لا في العروض. وذلك لأنّ الفاعل ـ و هو موضوع المسألة ـ كما هو مرفوع حقيقة ، كذلك الكلمة مرفوعة حقيقة، لكن الكلمة المضيّقة بالضيق الفاعلي. و هكذا الصلاة، فكما أنّها واجبة واقعاً وحقيقة، كذلك فعل المكلّف ـ المضيّق بالضيق الصلاتي ـ واجب واقعاً و حقيقة.


( 24 )

اجابة المحقّق النائيني

ثمّ إنّ المحقّق النائيني أجاب عن الإشكال: بأنّ الموضوع لعلم النحو ليس هو الكلمة من حيث لا بشرط، بل الكلمة من حيث لحوق الإعراب و البناء فيتّحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ الموضوع في قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» هوالكلمة من حيث لحوق الإعراب والبناء لها،والمفروض أنّها من هذه الحيثية تكون موضوعاً لعلم النحو. فيتّحد موضوع العلم مع موضوعات المسائل، لأنّ كلاًّ من موضوع العلم مع موضوعات المسائل ملحوظ بشرط شيء و هو قيد الحيثية.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم، غير القيد المأخوذ في ناحية موضوع المسألة ، فالقيد المأخوذ في ناحية موضوع العلم هوالقابلية للحوق الإعراب والبناء كما صرّح به في ذيل كلامه، وأين هو من قيد الفاعلية و المفعولية المأخوذ في ناحية موضوع المسألة. وادّعاء الوحدة بينهما، عجيب جدّاً.

وإن شئت قلت: إنّ كلاً من قيدي الفاعليّة والمفعوليّة قيد تقييدي، يميّزه عن موضوع العلم، و مع ذلك كيف يصحّ أن يعدّ عارض موضوع المسألة، عارضاً لموضوع العلم مع أنّ الثاني فاقد لذلك القيد.

والأُولى أن يكتفي بما في صدر كلامه من أنّه لمّا لم تكن الواسطة، واسطة في العروض، فلا يضرّ كون العرض ذاتياً لموضوع العلم.

والأصحّ أن يقال: إنّ الالتزام بكون موضوع كلّ مسألة متّحداً مع موضوع العلم، التزام بما لا يجب الالتزام به، لأنّه لا يشترط في العلوم الاعتبارية وجود موضوع للعلم فضلاً عن اشتراط كون موضوع مسائله من مصاديق موضوع العلم . فما قيل من السؤال و الجواب ساقط في هذا المجال، فلاحظ.

ــــــــــــــــــــــ
(1) فوائد الأُصول للكاظمي: 1/23ـ24 بتلخيص.


( 25 )

الجهة الخامسة: في لزوم وجود الموضوع للعلوم

قداستقرّت آراء المتأخّرين على أنّ كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل متشتّتة يجمعها اشتراكها في حصول غرض واحد، ولا يحتاج وراء ذلك، إلى وجود موضوع يبحث عن أعراضه الذاتية.

وقال المحقّق الاصفهاني: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعدّدة يجمعها غرض واحد.(1) ولكنّ الظاهر من التعاريف التي ذكرها المتقدّمون لموضوع العلم، أعني قولهم: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، اتّفاق كلمتهم على لزوم أن يكون لكلّ علم موضوع يبحث فيه عن عوارضه. واستدل بعضهم على ذلك بأنّ ترتّب الغرض الواحد على مجموع المسائل، يتوقّف على وجود جامع بينها و إلاّيلزم صدور الواحد عن الكثير.

و لكن هذا الاستدلال غير صحيح، لأنّ القاعدة أصلها و عكسها ـ حسب ما يعطيه برهانها ـ مختصّة بالواحد البحت البسيط الذي ليست فيه رائحة التركيب.

فقولهم: لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد.

أو قولهم: لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد.

راجعان إلى الواحد البسيط، سواء كان مُصدِراً ، أو صادراً. و حاصل برهانها; أنّه لو لم يكن كذلك لزم انقلاب الواحد إلى الكثير، و ذلك للزوم وجود الرابطة الظلّية بين العلّة والمعلول، فلو صدر من الواحد شيئان مختلفان، لزم وجود رابطتين في العلّة البسيطة بالنسبة إلى معلوليهما، و هذا لا يجتمع مع وحدتها كما أنّه لو صدر الواحد البسيط من شيئين، للزم وجود حيثيتين في المعلول أخذاً بلزوم

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/7.


( 26 )
الرابطة، وهو يستلزم انقلاب المعلول البسيط من البساطة إلى الكثرة.

وهذا كما ترى يُخصِّصُ برهانَ القاعدة و موردَها بالبسيط من جميع الجهات، و ليس له مصداق في جانب العلّة إلاّ الله سبحانه.

وأمّا الغرض المترتّب على المسائل فليس غرضاً واحداً شخصياً بسيطاً حتّى يتوقّف صدوره على تصوير جامع بين المسائل الكثيرة، بل هو غرض نوعي يتكثّر بتكثّر المسائل، فالغرض المترتّب على مسألة حجّية خبر الواحد غيرالغرض المترتّب على مسألة دلالة الأمر على الوجوب وعدمه. و الغرض المترتّب على أبواب النواسخ، غير الغرض المترتّب على باب الفاعل والمفاعيل، و مثل هذا لا يلزم أن يصدر من الواحد بل قد يصدر من الكثير لأنّه أيضاً كثير.

فإن قلت: إنّ الغرض في العلوم و إن كان نوعياً لا شخصياً، لكن الغرض النوعي يحتاج إلى جهة جامعة نوعية، لامتناع ترتّب الغرض الواحد النوعي على الأُمور المتباينة التي لا تسانخ بينها.

قلت: ما ذكرته صحيح، لكن لا يفيد في المقام، لأنّ المقصود إثبات وجود الموضوع للعلم في الخارج حتّى يكون مؤثّراً ومصدراً للأثر و مصداقاً للقاعدة و الجهة الجامعة النوعية غير موجودة في الخارج، لأنّ الخارج ظرف التعيّنات والتشخّصات لا ظرف العناوين الكلّية. نعم يستطيع الذهن من انتزاع وجود جامع انتزاعي ذهني من عدّة من المسائل فلا مانع من استكشافه بوحدة الغرض كما لا يخفى، لكنّه بما أنّه أمر ذهني لا يكون مؤثّراً في الشيء ولا مصدراً له.

فالحقّ هوالتفصيل في لزوم وجود الموضوع بين العلوم الحقيقية و الاعتبارية و ذلك:

أنّ البحث في العلوم الحقيقيّة، بحث عن التكوينيات والأُمور الخارجة عن إطار الذهن و الغرض فيها غرض واقعي، لا اعتباري، و ما هذا شأنه يطلب لنفسه في هويّته و تحقّقه موضوعاً واقعياً، هذا من جانب.


( 27 )

و من جانب آخر قد عرفت أنّ العرض الذاتي، عبارة عن المحمول المساوي للموضوع ولو باستيفاء أقسامه المتعاطفة، حتّى يصحّ تعلّق اليقين به. و كلّ واحدة من محمولات المسائل، و إن كانت أخصّ من موضوع العلم، لكنّها بضميمة ما يقابلها من المحمولات تكون مساوية له. كالحركة والسكون، فانّ كلّ واحد منهما ليس مساوياً للجسم الطبيعي، لكنّه بانضمام الآخر ، يكون مساوياً له.

و في ضوء هذين الأمرين تبيّن لزوم وجود الموضوع في كلّ علم حقيقي، أخذاً بماهية الغرض التي لا تنفكّ ـ في التحقّق ـ عن معروض. و يكون مجموع الأعراض مساوياً للموضوع، فيطلب الكلّ موضوعاً لنفسه، حتّى يعرض عليه.

و هذا هوالذي دعى إلى الحكم بأنّ العلوم الحقيقية لاتستغني عن الموضوع.

وهذا بخلاف العلوم الاعتبارية التي تُدوَّن لتأمين غرض واحد اعتباري، فموضوعية الموضوع، ومحمولية المحمول ، وكونها ذا غرض، أُمور فرضية لا صلة لها بتكوين، بل الكلّ قائم بالاعتبار. و في مثله يكفي اشتراك عدّة من المسائل في تأمين الغرض الواحد ، سواء أكان لها موضوع أم لا.

***

الجهة السادسة: في تمايزالعلوم

هل تمايز العلوم بتمايز الأغراض، أو بتمايز الموضوعات أو بتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها أو تمايز كلّ علم بنفس ذاته . وجوه أو أقوال:

أمّا الأوّل، فقد ذهب إليه المحقّق الخراساني فقال: بأنّ تمايز العلوم، إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لأن يكون من


( 28 )
الواحد.(1) (إذا كان الغرض متعدّداً).

يلاحظ عليه: أنّ المراد من التمايز هل هو التمايز في مقام الثبوت، أو في مقام الإثبات.

فعلى الأوّل، فكلّ علم يتميّز عن غيره بخصوصية موجودة فيه، وهي إمّا متحقّقة في موضوعه أو محموله الذي نُعبّر عنه بجهة البحث، و ليس هناك أيّ أثر من التدوين حتّى يكون الميز بغرضه.

وعلى الثاني : فانّما يصحّ التميّز به بشرطين:

1ـ أن لا يسبقه الميز بالموضوع، حتّى في مقام التدوين كما في معرفة النفس، ومعرفة البدن، فانّ مسائل العلمين تنادي بالتمايز في رتبة الذات فلا تصل النوبة إلى التميّز بالغرض.

2ـ إذا كان هناك علمان مختلطان ـ مدوّنان بصورة علم واحد، لكن كان يحمل غرضين متعدّدين، يترتّب كلّ على بعض مسائله فيصحّ بوجه أن يقال: إنّ التمايز بالأغراض و هذا كما إذا افترضنا أنّ علمي النحو والصرف، كانا يدرّسان بصورة واحدة، و لمّا كانت صيانة اللسان عن اللحن في الإعراب والبناء غير صيانته عن اللحن من حيث الصحّة والاعتلال، صار ذلك موجباً لتفكيك ذاك عن آخر، و جعلهما علمين متمايزين. و مع ذلك كلّه ، فالغرض ، صار محرّكاً للإفراد و التفكيك، لكن مسائل العلمين متمايزة بالموضوع ، أو بالمحمول أي جهة البحث فنسبة التمايز إلى جواهر العلم أولى من نسبته إلى الغرض المحرّك للإفراد في التدوين.

و ربّما يتقوّى غرض في ذهن الإنسان و يكون سبباً، للتفتيش عن المسائل التي تحصّل ذلك الغرض و تصير المسائل المبعثرة لأجل تأمين غرض واحد علماً ـ

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/5.


( 29 )
بعد مالم يكن منه عين ولا أثر ـ و لكن بعد التدوين، ترى المسائل المجتمعة في دفتر، يتمايز بأحد الأمرين: الموضوع و المحمول ـ عن سائر العلوم و إن كان الغرض محرّكاً للإفراد، بجمع تلك الشتات في كتاب واحد، فإن أُريد من التمايز بالأغراض ذلك فلا مشاحة في الاصطلاح و إن أُريد كونه المؤثّر دون الخصوصية الموجودة في مسائل العلم ، فلا نسلِّمه.

وأمّا القول الثاني: فلا غبار عليه إذا كان موضوع كلّ علم داخلاً تحت نوع خاص، كعلمي الحساب و الهندسة فانّ الموضوع في الأوّل من مقولة الكمّ المنفصل، و يبحث فيه عن أحوال الأعداد و الموضوع في الثاني من مقولة الكمّ المتّصل، ويبحث فيه عن أحكام الخطوط والسطوح و الأجسام التعليمية. و مع هذا المائز الذاتي، لا تصل النوبة إلى المائز بالغرض.

ولكن ليس جميع العلوم كذلك، فانّ العلوم ربّما تتّحد موضوعاً و تتعدّد وصفاً و تأليفاً حسب الجهات الملحوظة فانّ البدن الإنساني موضوع لكلّ من علم الطبّ، والتشريح، ووظائف الأعضاء، فبما أنّه يبحث عنه من جهة عروض الصحّة و المرض عليه يكون موضوعاً لعلم الطبّ، وبما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة أعضائه و أجزائه. فهو موضوع لعلم التشريح،

و بما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة وظيفة كلّ عضو، فهو موضوع لعلم الأعضاء، فالعلوم متعدّدة و الموضوع واحد، فالميز هنا بالمحمولات لا بالموضوع.

فإن قلت: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و تمايزها بتمايز الحيثيات والجهات التي توجب الكثرة في ناحية الموضوع. فالتمايز يحصل بتلك الحيثيات منضمّة إلى الموضوعات فلا يصحّ النقض بهذه العلوم للضابطة (تمايز العلوم بالموضوعات).

قلت: إنّ هذه الحيثيات، ليست إلاّ أُموراً منتزعة من المحمولات المختلفة في هذه العلوم الثلاثة فما هو المحمول في علم الطبّ غير المحمول في علم التشريح،


( 30 )
والمحمول فيهما غير المحمول في علم وظائف الأعضاء وإذا لاحظها الخبير، يرى بينها اختلافاً ذاتياً و ينتزع من كلّ واحد حيثيّة خاصّة يتّصف بها الموضوع في كلّ علم و يتخيّل أنّ تمايز العلوم، بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات، غافلاً عن أنّ هذه الحيثية منتزعة من محمولات العلوم، متأخّرة عنها. وعلى ذلك فنسبة الميز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد، أولى من نسبته إلى الحيثيات.

ومثلها الحال في العلوم العربية، فانّ المعروف كون التمايز بينها بالحيثيات مع وحدة الموضوع فانّ البحث عن الكلمة من حيث البناء والإعراب غير البحث عنها من حيث الاعتلال. و لكن هذه الحيثيات منتزعة من محمولات المسائل، فهناك ميز متقدّم على الميز بالحيثيات.

فالقول بأنّ تمايز العلوم بالموضوعات على وجه الموجبة الجزئية لا مانع منه.

و أمّا القول الثالث: فقد اختاره المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه قال:

1ـ إنّ لكلّ مسألة، خصوصية ذاتية بها تمتاز عن غيرها من مسائل العلم كخصوصية الفاعلية و المفعولية والمضاف إليه في مسائل علم النحو.

2ـ إنّ لمسائل كلّ علم، جهة و خصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم وتكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل و بسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية وا لمنصوبية و المجرورية فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، و بهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.

بل ربّما يكون المحمول في جميع المسائل واحداً كما في العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ كالموجود فانّه المحمول في عامّة المسائل كقولنا: الله موجود، العقل موجود، و الجسم موجود وهكذا.

و ربّما يكون المحمول في المسألتين واحداً و إن لم يكن المحمول في جميعها


( 31 )
واحداً. مثل قولنا: الفاعل مرفوع، والمبتدأ مرفوع.

إذا عرفت ذلك، فامتياز كلّ مسألة عن سائر مسائل علم واحد بموضوعها، و أمّا امتياز كلّ علم عن سائر العلوم فبتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها.(1)

ثمّ إنّه رحمه الله أتعب نفسه بإرجاع ذاك القول إلى القول بأنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فلاحظ.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان الشيء الواحد موضوعاً لعلوم مختلفة كالبدن الإنساني من حيث إنّه موضوع لعلوم ثلاثة تختلف محمولاتها و يتميّز كلّ بمحموله. و مثلها الكلمة والكلام فانّ المايز بين علمي النحو والصرف هوالجهة الجامعة بين مسائل العلمين التي قد تقدّم أنّها المنشأ لانتزاع حيثيات مختلفة و تقييد موضوع كلّ علم بها.

وأمّا إذا لم يكن كذلك أي لم يكن أمر واحد موضوعاً لعلوم مختلفة، فالظاهر أنّ الميز بالموضوع متقدّم رتبة و زماناً على الميز بالجهة الجامعة. فانّ أوّل ما يقع في الذهن في هذه الموارد هو التوجّه إلى الموضوع ثمّ البحث عن أحواله. كعلمي النفس والنبات، و لذلك سمّي العلم بنفس الموضوع، و بذلك يتميّز عن سائر العلوم، ،ومثله علم الهيئة فانّ السماء بكواكبها و شمسها و قمرها لم تزل على مرأى من الإنسان، و كلّ إنسان شائق لحلّ مشاكلها و معضلاتها و تحليل أوضاعها من المقارنة والمقابلة و التثليث والتربيع ولأجل ذلك الشوق، صار كلّ جيل بصدد تفسير هذه الأوضاع و توجيه عللها و معاليلها على حسب ما تصل له مقدرته.

وأمّا القول الرابع: فهو مختار سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ ، وحاصل ما أفاده: أن منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة التي يناسب بعضها بعضاً،

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول:1/5ـ 6.


( 32 )
فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا و حقيقتها، ففي مثله تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها. فقضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذاتها عن قضايا علم آخر.

وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضرّ بما ذكرناه لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر، و إن اتّحدا في بعض.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس قولاً آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل. فانّ قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» و إن كان غير مسانخ لقولنا: «كلّ مثلث تساوى زواياه زاويتين قائمتين، غير أنّ عدم التسانخ إمّا لأجل الاختلاف في الموضوع أو المحمول أو النسبة الحكمية و ليس في المقام وراء هذه الأُمور الثلاثة أمر آخر يكون هو موجباً لعدم التسانخ فلاحظ.

و الحقّ في المقام هو أنّ الميز بالموضوع، فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، و بالجهة المشتركة بين محمولات المسائل، فيما إذا كان الموضوع واحداً كعلمي الصرف والنحو وعلوم الطبّ و التشريح ووظائف الأعضاء.

و أمّا التمايز بالأغراض فقد عرفت تأخّره عن الميز الجوهري الموجود بين المسائل، إذ ترتّب غرض واحد على عدّة من المسائل دون الآخر، كاشف عن تمايز جوهري بين العلمين فلا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض مع وجود التمايز الجوهري.

***

ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول:1/4.