قداستقرّت آراء المتأخّرين على أنّ كلّ علم عبارة عن عدّة مسائل متشتّتة يجمعها اشتراكها في حصول غرض واحد، ولا يحتاج وراء ذلك، إلى وجود موضوع يبحث عن أعراضه الذاتية.
وقال المحقّق الاصفهاني: إنّ العلم عبارة عن مركّب اعتباري من قضايا متعدّدة يجمعها غرض واحد.(1) ولكنّ الظاهر من التعاريف التي ذكرها المتقدّمون لموضوع العلم، أعني قولهم: «موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية»، اتّفاق كلمتهم على لزوم أن يكون لكلّ علم موضوع يبحث فيه عن عوارضه. واستدل بعضهم على ذلك بأنّ ترتّب الغرض الواحد على مجموع المسائل، يتوقّف على وجود جامع بينها و إلاّيلزم صدور الواحد عن الكثير.
و لكن هذا الاستدلال غير صحيح، لأنّ القاعدة أصلها و عكسها ـ حسب ما يعطيه برهانها ـ مختصّة بالواحد البحت البسيط الذي ليست فيه رائحة التركيب.
فقولهم: لا يصدر من الواحد إلاّ الواحد.
أو قولهم: لا يصدر الواحد إلاّ من الواحد.
راجعان إلى الواحد البسيط، سواء كان مُصدِراً ، أو صادراً. و حاصل برهانها; أنّه لو لم يكن كذلك لزم انقلاب الواحد إلى الكثير، و ذلك للزوم وجود الرابطة الظلّية بين العلّة والمعلول، فلو صدر من الواحد شيئان مختلفان، لزم وجود رابطتين في العلّة البسيطة بالنسبة إلى معلوليهما، و هذا لا يجتمع مع وحدتها كما أنّه لو صدر الواحد البسيط من شيئين، للزم وجود حيثيتين في المعلول أخذاً بلزوم
(1) المحقّق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/7.
( 26 )
الرابطة، وهو يستلزم انقلاب المعلول البسيط من البساطة إلى الكثرة.
وهذا كما ترى يُخصِّصُ برهانَ القاعدة و موردَها بالبسيط من جميع الجهات، و ليس له مصداق في جانب العلّة إلاّ الله سبحانه.
وأمّا الغرض المترتّب على المسائل فليس غرضاً واحداً شخصياً بسيطاً حتّى يتوقّف صدوره على تصوير جامع بين المسائل الكثيرة، بل هو غرض نوعي يتكثّر بتكثّر المسائل، فالغرض المترتّب على مسألة حجّية خبر الواحد غيرالغرض المترتّب على مسألة دلالة الأمر على الوجوب وعدمه. و الغرض المترتّب على أبواب النواسخ، غير الغرض المترتّب على باب الفاعل والمفاعيل، و مثل هذا لا يلزم أن يصدر من الواحد بل قد يصدر من الكثير لأنّه أيضاً كثير.
فإن قلت: إنّ الغرض في العلوم و إن كان نوعياً لا شخصياً، لكن الغرض النوعي يحتاج إلى جهة جامعة نوعية، لامتناع ترتّب الغرض الواحد النوعي على الأُمور المتباينة التي لا تسانخ بينها.
قلت: ما ذكرته صحيح، لكن لا يفيد في المقام، لأنّ المقصود إثبات وجود الموضوع للعلم في الخارج حتّى يكون مؤثّراً ومصدراً للأثر و مصداقاً للقاعدة و الجهة الجامعة النوعية غير موجودة في الخارج، لأنّ الخارج ظرف التعيّنات والتشخّصات لا ظرف العناوين الكلّية. نعم يستطيع الذهن من انتزاع وجود جامع انتزاعي ذهني من عدّة من المسائل فلا مانع من استكشافه بوحدة الغرض كما لا يخفى، لكنّه بما أنّه أمر ذهني لا يكون مؤثّراً في الشيء ولا مصدراً له.
فالحقّ هوالتفصيل في لزوم وجود الموضوع بين العلوم الحقيقية و الاعتبارية و ذلك:
أنّ البحث في العلوم الحقيقيّة، بحث عن التكوينيات والأُمور الخارجة عن إطار الذهن و الغرض فيها غرض واقعي، لا اعتباري، و ما هذا شأنه يطلب لنفسه في هويّته و تحقّقه موضوعاً واقعياً، هذا من جانب.
( 27 )
و من جانب آخر قد عرفت أنّ العرض الذاتي، عبارة عن المحمول المساوي للموضوع ولو باستيفاء أقسامه المتعاطفة، حتّى يصحّ تعلّق اليقين به. و كلّ واحدة من محمولات المسائل، و إن كانت أخصّ من موضوع العلم، لكنّها بضميمة ما يقابلها من المحمولات تكون مساوية له. كالحركة والسكون، فانّ كلّ واحد منهما ليس مساوياً للجسم الطبيعي، لكنّه بانضمام الآخر ، يكون مساوياً له.
و في ضوء هذين الأمرين تبيّن لزوم وجود الموضوع في كلّ علم حقيقي، أخذاً بماهية الغرض التي لا تنفكّ ـ في التحقّق ـ عن معروض. و يكون مجموع الأعراض مساوياً للموضوع، فيطلب الكلّ موضوعاً لنفسه، حتّى يعرض عليه.
و هذا هوالذي دعى إلى الحكم بأنّ العلوم الحقيقية لاتستغني عن الموضوع.
وهذا بخلاف العلوم الاعتبارية التي تُدوَّن لتأمين غرض واحد اعتباري، فموضوعية الموضوع، ومحمولية المحمول ، وكونها ذا غرض، أُمور فرضية لا صلة لها بتكوين، بل الكلّ قائم بالاعتبار. و في مثله يكفي اشتراك عدّة من المسائل في تأمين الغرض الواحد ، سواء أكان لها موضوع أم لا.
***
الجهة السادسة: في تمايزالعلوم
هل تمايز العلوم بتمايز الأغراض، أو بتمايز الموضوعات أو بتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها أو تمايز كلّ علم بنفس ذاته . وجوه أو أقوال:
أمّا الأوّل، فقد ذهب إليه المحقّق الخراساني فقال: بأنّ تمايز العلوم، إنّما هو باختلاف الأغراض الداعية إلى التدوين لا الموضوعات ولا المحمولات، وإلاّ كان كلّ باب، بل كلّ مسألة من كلّ علم، علماً على حدة، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجباً للتعدّد، كما لا تكون وحدتهما سبباً لأن يكون من
( 28 )
الواحد.
(1) (إذا كان الغرض متعدّداً).
يلاحظ عليه: أنّ المراد من التمايز هل هو التمايز في مقام الثبوت، أو في مقام الإثبات.
فعلى الأوّل، فكلّ علم يتميّز عن غيره بخصوصية موجودة فيه، وهي إمّا متحقّقة في موضوعه أو محموله الذي نُعبّر عنه بجهة البحث، و ليس هناك أيّ أثر من التدوين حتّى يكون الميز بغرضه.
وعلى الثاني : فانّما يصحّ التميّز به بشرطين:
1ـ أن لا يسبقه الميز بالموضوع، حتّى في مقام التدوين كما في معرفة النفس، ومعرفة البدن، فانّ مسائل العلمين تنادي بالتمايز في رتبة الذات فلا تصل النوبة إلى التميّز بالغرض.
2ـ إذا كان هناك علمان مختلطان ـ مدوّنان بصورة علم واحد، لكن كان يحمل غرضين متعدّدين، يترتّب كلّ على بعض مسائله فيصحّ بوجه أن يقال: إنّ التمايز بالأغراض و هذا كما إذا افترضنا أنّ علمي النحو والصرف، كانا يدرّسان بصورة واحدة، و لمّا كانت صيانة اللسان عن اللحن في الإعراب والبناء غير صيانته عن اللحن من حيث الصحّة والاعتلال، صار ذلك موجباً لتفكيك ذاك عن آخر، و جعلهما علمين متمايزين. و مع ذلك كلّه ، فالغرض ، صار محرّكاً للإفراد و التفكيك، لكن مسائل العلمين متمايزة بالموضوع ، أو بالمحمول أي جهة البحث فنسبة التمايز إلى جواهر العلم أولى من نسبته إلى الغرض المحرّك للإفراد في التدوين.
و ربّما يتقوّى غرض في ذهن الإنسان و يكون سبباً، للتفتيش عن المسائل التي تحصّل ذلك الغرض و تصير المسائل المبعثرة لأجل تأمين غرض واحد علماً ـ
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/5.
( 29 )
بعد مالم يكن منه عين ولا أثر ـ و لكن بعد التدوين، ترى المسائل المجتمعة في دفتر، يتمايز بأحد الأمرين: الموضوع و المحمول ـ عن سائر العلوم و إن كان الغرض محرّكاً للإفراد، بجمع تلك الشتات في كتاب واحد، فإن أُريد من التمايز بالأغراض ذلك فلا مشاحة في الاصطلاح و إن أُريد كونه المؤثّر دون الخصوصية الموجودة في مسائل العلم ، فلا نسلِّمه.
وأمّا القول الثاني: فلا غبار عليه إذا كان موضوع كلّ علم داخلاً تحت نوع خاص، كعلمي الحساب و الهندسة فانّ الموضوع في الأوّل من مقولة الكمّ المنفصل، و يبحث فيه عن أحوال الأعداد و الموضوع في الثاني من مقولة الكمّ المتّصل، ويبحث فيه عن أحكام الخطوط والسطوح و الأجسام التعليمية. و مع هذا المائز الذاتي، لا تصل النوبة إلى المائز بالغرض.
ولكن ليس جميع العلوم كذلك، فانّ العلوم ربّما تتّحد موضوعاً و تتعدّد وصفاً و تأليفاً حسب الجهات الملحوظة فانّ البدن الإنساني موضوع لكلّ من علم الطبّ، والتشريح، ووظائف الأعضاء، فبما أنّه يبحث عنه من جهة عروض الصحّة و المرض عليه يكون موضوعاً لعلم الطبّ، وبما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة أعضائه و أجزائه. فهو موضوع لعلم التشريح،
و بما أنّه يبحث عنه لغاية معرفة وظيفة كلّ عضو، فهو موضوع لعلم الأعضاء، فالعلوم متعدّدة و الموضوع واحد، فالميز هنا بالمحمولات لا بالموضوع.
فإن قلت: إنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات، و تمايزها بتمايز الحيثيات والجهات التي توجب الكثرة في ناحية الموضوع. فالتمايز يحصل بتلك الحيثيات منضمّة إلى الموضوعات فلا يصحّ النقض بهذه العلوم للضابطة (تمايز العلوم بالموضوعات).
قلت: إنّ هذه الحيثيات، ليست إلاّ أُموراً منتزعة من المحمولات المختلفة في هذه العلوم الثلاثة فما هو المحمول في علم الطبّ غير المحمول في علم التشريح،
( 30 )
والمحمول فيهما غير المحمول في علم وظائف الأعضاء وإذا لاحظها الخبير، يرى بينها اختلافاً ذاتياً و ينتزع من كلّ واحد حيثيّة خاصّة يتّصف بها الموضوع في كلّ علم و يتخيّل أنّ تمايز العلوم، بالموضوعات وتمايز الموضوعات بالحيثيات، غافلاً عن أنّ هذه الحيثية منتزعة من محمولات العلوم، متأخّرة عنها. وعلى ذلك فنسبة الميز إلى المحمولات في أمثال هذه الموارد، أولى من نسبته إلى الحيثيات.
ومثلها الحال في العلوم العربية، فانّ المعروف كون التمايز بينها بالحيثيات مع وحدة الموضوع فانّ البحث عن الكلمة من حيث البناء والإعراب غير البحث عنها من حيث الاعتلال. و لكن هذه الحيثيات منتزعة من محمولات المسائل، فهناك ميز متقدّم على الميز بالحيثيات.
فالقول بأنّ تمايز العلوم بالموضوعات على وجه الموجبة الجزئية لا مانع منه.
و أمّا القول الثالث: فقد اختاره المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه قال:
1ـ إنّ لكلّ مسألة، خصوصية ذاتية بها تمتاز عن غيرها من مسائل العلم كخصوصية الفاعلية و المفعولية والمضاف إليه في مسائل علم النحو.
2ـ إنّ لمسائل كلّ علم، جهة و خصوصية لا توجد في مسائل سائر العلوم وتكون هذه الجهة جامعة بين تلك المسائل و بسببها يحصل الميز بين مسائل هذا العلم ومسائل سائر العلوم مثلاً: الجهة الجامعة لمسائل علم النحو هي البحث عن كيفية آخر الكلمة من المرفوعية وا لمنصوبية و المجرورية فهي خصوصية ذاتية ثابتة في جميع مسائله، و بهذه الجهة تمتاز هذه المسائل عن مسائل سائر العلوم.
بل ربّما يكون المحمول في جميع المسائل واحداً كما في العلم الإلهي بالمعنى الأعمّ كالموجود فانّه المحمول في عامّة المسائل كقولنا: الله موجود، العقل موجود، و الجسم موجود وهكذا.
و ربّما يكون المحمول في المسألتين واحداً و إن لم يكن المحمول في جميعها
( 31 )
واحداً. مثل قولنا: الفاعل مرفوع، والمبتدأ مرفوع.
إذا عرفت ذلك، فامتياز كلّ مسألة عن سائر مسائل علم واحد بموضوعها، و أمّا امتياز كلّ علم عن سائر العلوم فبتمايز ما هو الجامع لمحمولات مسائلها.(1)
ثمّ إنّه رحمه الله أتعب نفسه بإرجاع ذاك القول إلى القول بأنّ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات فلاحظ.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح فيما إذا كان الشيء الواحد موضوعاً لعلوم مختلفة كالبدن الإنساني من حيث إنّه موضوع لعلوم ثلاثة تختلف محمولاتها و يتميّز كلّ بمحموله. و مثلها الكلمة والكلام فانّ المايز بين علمي النحو والصرف هوالجهة الجامعة بين مسائل العلمين التي قد تقدّم أنّها المنشأ لانتزاع حيثيات مختلفة و تقييد موضوع كلّ علم بها.
وأمّا إذا لم يكن كذلك أي لم يكن أمر واحد موضوعاً لعلوم مختلفة، فالظاهر أنّ الميز بالموضوع متقدّم رتبة و زماناً على الميز بالجهة الجامعة. فانّ أوّل ما يقع في الذهن في هذه الموارد هو التوجّه إلى الموضوع ثمّ البحث عن أحواله. كعلمي النفس والنبات، و لذلك سمّي العلم بنفس الموضوع، و بذلك يتميّز عن سائر العلوم، ،ومثله علم الهيئة فانّ السماء بكواكبها و شمسها و قمرها لم تزل على مرأى من الإنسان، و كلّ إنسان شائق لحلّ مشاكلها و معضلاتها و تحليل أوضاعها من المقارنة والمقابلة و التثليث والتربيع ولأجل ذلك الشوق، صار كلّ جيل بصدد تفسير هذه الأوضاع و توجيه عللها و معاليلها على حسب ما تصل له مقدرته.
وأمّا القول الرابع: فهو مختار سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ ، وحاصل ما أفاده: أن منشأ وحدة العلوم إنّما هو تسانخ القضايا المتشتتة التي يناسب بعضها بعضاً،
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول:1/5ـ 6.
( 32 )
فهذه السنخية موجودة في جوهر تلك القضايا و حقيقتها، ففي مثله تمايز العلوم واختلاف بعضها يكون بذاتها. فقضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذاتها عن قضايا علم آخر.
وأمّا تداخل بعض مسائل العلوم في بعض فلا يضرّ بما ذكرناه لأنّ المركّب بما هو مركّب متميّز بذاته عن غيره لاختلاف أكثر أجزائه مع أجزاء المركّب الآخر، و إن اتّحدا في بعض.(1)
يلاحظ عليه: أنّه ليس قولاً آخر غير القول بأنّ التمايز إمّا بالموضوع أو بالجهة الجامعة بين محمولات المسائل. فانّ قولنا: «كلّ فاعل مرفوع» و إن كان غير مسانخ لقولنا: «كلّ مثلث تساوى زواياه زاويتين قائمتين، غير أنّ عدم التسانخ إمّا لأجل الاختلاف في الموضوع أو المحمول أو النسبة الحكمية و ليس في المقام وراء هذه الأُمور الثلاثة أمر آخر يكون هو موجباً لعدم التسانخ فلاحظ.
و الحقّ في المقام هو أنّ الميز بالموضوع، فيما إذا كان بين الموضوعين تباين نوعي كعلمي الهندسة والحساب، و بالجهة المشتركة بين محمولات المسائل، فيما إذا كان الموضوع واحداً كعلمي الصرف والنحو وعلوم الطبّ و التشريح ووظائف الأعضاء.
و أمّا التمايز بالأغراض فقد عرفت تأخّره عن الميز الجوهري الموجود بين المسائل، إذ ترتّب غرض واحد على عدّة من المسائل دون الآخر، كاشف عن تمايز جوهري بين العلمين فلا تصل النوبة إلى التمايز بالأغراض مع وجود التمايز الجوهري.
***
ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول:1/4.