http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 272 ـ 298 ص

( 272 )

الكلام حول الشقّ الثاني لكلام الشريف

هذا كلّه حول الشقّ الأوّل، وأمّا الشقّ الثاني فقد أجاب عنه صاحب الفصول بإمكان القول بدخول المصداق في المشتق، ولا يلزم الانقلاب لأنّ المحمول ليس مصداق الشيء والذات وحده، بل مقيّداً بالوصف و ليس ثبوته للموضوع حينئذ بالضرورة لجواز أن لا يكون ثبوت القيد ضرورياً.(1)

وأورد عليه صاحب الكفاية(2) بأنّ عدم كون ثبوت القيد ضرورياً لا يضرّ بدعوى الانقلاب بل يتحقّق الانقلاب على كلّ تقدير و ذلك لأنّ المحمول يتصوّر على وجهين:

الأوّل: أن يكون المحمول في قولنا: الإنسان كاتب هو مصداق الشيء أعني: الإنسان، ويكون القيد ـ أعني الكتابة ـ خارجاً والتقيّد داخلاً، لكن بالمعنى الحرفي أي بما أنّه عنوان مشير ومعرف للموضوع لا جزء له، كقولك:«هذا زيد الذي سلّم عليك اليوم»، ففي هذه الصورة يكون ثبوت الخبر ضرورياً، و يثبت الانقلاب الذي يدّعيه الشريف.

الثاني: أن يكون المحمول بما هو مقيّد محمولاً مع كون القيد والتقيّد داخلين، فعند ذلك قضية الإنسان كاتب تنحلّ إلى قضيتين:

الأُولى: قولنا: «الإنسان إنسان».

الثانية: قولنا: الإنسان له الكتابة.

و القضية بالاعتبار الأوّل ضرورية، و بالاعتبار الثاني ممكنة. هذا توضيح ماأفاده المحقّق الخراساني.

ــــــــــــــــــــــ
(1) قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّه ـ: الحقّ انّ هذا الكلام متين جدّاً و ما أورد عليه في الكفاية أو ما تنظر به نفس صاحب الفصول في هذا الكلام ليس بتامّ.
(2) كفاية الأصول: 1/79ـ 80.


( 273 )

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ الوجه الأوّل أيضاً يتصوّر على وجهين، يلزم الانقلاب على أحد الوجهين دون الآخر و إليك بيان كلا الوجهين في الأوّل.

1ـ إنّ المحمول هو ذات المقيّد، و القيد خارج و التقيّد داخل بالمعنى الحرفي بمعنى عدم دخالة التقيّد أصلاً فيرد عليه أنّه يوجب انقلاب الحمل الشائع الصناعي إلى حمل أوّلي، و هو خلاف المفروض إذ ليس المراد إفادة كون الإنسان إنساناً، بل المقصود شيء آخر و هو كون الإنسان كاتباً. وكون القضية موجهة بجهة الإمكان إنّما هو بالاعتبار الثاني، لا الاعتبار الأوّل. وعلى هذا، فهذا الشقّ أي كون المحمول ذات الإنسان فقط، خارج عن المفروض، وإن كانت جهته هي الضرورة.

2ـ مدخلية التقيّد، دون القيد فالمحمول هو الإنسان المتقيّد بالكتابة و عندئذ يلزم الانقلاب إذ ليس المحمول ذات الإنسان بل الإنسان المتّصف بوصف الكتابة فهو أمر إمكاني لا ضروري.

ويلاحظ على الوجه الثاني أي و مدخلية الكتابة قيداً وتقيّداً فهو أيضاً يتصوّر على وجهين:

1ـ أن يكون المحمول أمراً مركّباً و على هذا لا يلزم الانقلاب، لأنّ ثبوت المركّب للموضوع إمكاني.

2ـ أن يكون كلّ من المقيّد والقيد خبراً مستقلاً من باب الخبر بعد الخبر مثل قولك: الرّمان حلو، حامض فيلزم في مورد المثال وجودمحمولين أحدهما: «إنسان»، والآخر: «إنسان له الكتابة» و كون القضية حسب الأُولى موجهة بجهة الضرورة. والأُخرى موجهة بجهة الإمكان، و إن كان صحيحاً حسب التحليل ، لكن جهة القضية ليست تابعة إلاّ لما هو المقصود، و ليست القضية الأُولى مقصودة لأنّها قضية بالحمل الأوّلي، بل المقصود هو الإنسان إنسان له الكتابة، و هذه القضية، هي المقصودة ، و الجهة فيها إمكانية،ولا يلزم أيّ انقلاب فيها.


( 274 )

و حصيلة البحث أنّ دليل الشريف على نفي دخول الذات في المشتق، بحجّة أنّه يلزم أحد الأمرين إمّا دخول العرض العام في الفصل أو انقلاب الممكنة إلى الضرورية، أمر غير صحيح، أمّا الأوّل فلما عرفت من أنّ الناطق ليس بفصل، وقد اتّفق فيه العلمان بنوع، غير أنّ الأوّل جرّده عن الذات ثمّ جعله فصلاً وأنكر الثاني كونه فصلاً، و أمّا الثاني، أعني: الانقلاب فهو بين ما يلزم فيما ليس بمقصود من القضية، أو لا يلزم أبداً سواء قلنا بأنّ القيد خارج و التقيّد داخل أو قلنا بدخول كليهما و عرفت أنّ كلّ واحد يتصوّر على وجهين.

عدول صاحب الفصول عن نظره

ثمّ إنّ صاحب الفصول تنظّر في ما أفاده سابقاً وعدل عنه و أتى بكلام غير لائق بساحته ولو لم يذكر هذا النظر، كان أحسن، حيث إنّه ردّ أولاً دليل الشريف بأنّه لو أخذ مصداق الشيء لزم الانقلاب، بقوله بأنّ المحمول ليس مصداق الشيء بل مقيّداً بالوصف و ليس المجموع ضرورياً ثمّ تنظر في ردّه هذا و صار بعد تنظره موافقاً للشريف.

وخلاصة النظر أنّ الموضوع لا يخلو عن أحد أمرين إمّا أن يكون بشرط المحمول فيصدق الإيجاب بالضرورة وإمّا أن يكون بشرط عدمه فيصدق السلب بالضرورة. وعلى كلّ تقدير فقد جاء الانقلاب الذي ادّعاه الشريف من طريق آخر. فقوله: انّ الذات المأخوذ الخ، المراد منه هو المسند إليه حسب ما فهمه المحقّق الخراساني وساق الإشكال على هذا المنوال.(1)

وردّه في الكفاية بأنّ الملاك في جهة القضية هو لحاظ المحمول و نسبته إلى

ــــــــــــــــــــــ
(1) قال شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ نحن تبعنا في تفسير نظر الفصول لما فهمه المحقق الخراساني من كلامه، و إن كان لكلامه توجيه آخر ضربنا عنه صفحاً، وكأنّ النسخة الموجودة عند صاحب الكفاية كانت مغلوطة ففسر كلامه بما في المتن والظاهر أنّ مقصوده غير ما فهمه، و التفصيل موكول إلى محلّ آخر.


( 275 )
الموضوع هو هو، لا مشروطاً بوجود المحمول ولا مشروطاًبعدمه.

على أنّ الانقلاب الذي ادّعاه الشريف لا يرتبط بالانقلاب الذي ادّعاه صاحب الفصول فانّ ملاك الانقلاب فيما ادّعاه الشريف هو دخول الذات (الإنسان) في المشتق، لا أخذ المحمول في ناحية الموضوع و لكن ملاك الانقلاب فيما ذكره الفصول، هو أخذ المحمول في الموضوع لا أخذ الذات في المشتق، فأيّ ربط بالانقلابين حتى يؤيّد قول الشريف بما تنظّر به.

إلى هنا تمّ تحليل الدليل الأوّل.

الدليل الثاني لبساطة المشتق

هذا الدليل ذكره صاحب الفصول ملهماً به من دليل الشريف حيث إنّ الشريف أتى بقضية منفصلة و قال: لو كان المأخوذ مفهوم الشيء يلزم دخول العرض العام في الفصل و لو كان المأخوذ مصداقه يلزم الانقلاب، وقد انتقل منه إلى أمر آخر، و هو أنّ الانقلاب غير منحصر بأخذ المصداق فيه، بل يلزم من أخذ مفهوم الشيء أيضاً فيه، لأنّ الشيئية أمر ضروري للإنسان.

يلاحظ عليه; بمثل ما لوحظ هو قدَّس سرَّه على كلام الشريف في الشقّ الثاني و قد أوضحناه و حاصله: أنّ المحمول ليس الشيئية المطلقة، بل المتقيّدة بالكتابة و هي ليست بضرورية.

وبذلك ظهر أنّ الغلق الموجود في عبارة الكفاية ناش من عدم نقله كلام الفصول و إنّما ردّه بلا نقل فلاحظ.(1)

الدليل الثالث على بساطة المشتق

لو كان الشيء داخلاً فيه بمفهومه أو مصداقه، للزم تكرار الموصوف في

ــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود قوله:«و قدا نقدح بذلك عدم نهوض ما أفاده...».


( 276 )
قولنا: زيد الكاتب.

يلاحظ عليه: بأنّ المأخوذ فيه هو مفهومه المعرّى عن كلّ قيد ماعدا قيام المبدأ، ولا تعيّن له بالانطباق على ذوات معيّنة في الخارج كزيد وعمرو و عليه لا يلزم التكرار في مثل قولنا: زيد قائم و الإنسان كاتب.

وبعبارة أُخرى إنّما يلزم التكرار لو كان الذات مأخوذاً على نحو التفصيل ولا أظنّ أنّ القائل بالأخذ يعتقد به، لا ما إذا كان مأخوذاً على نحو الإجمال الذي سبق بيانه و يأتي توضيحه.

الدليل الرابع على بساطة المشتق

إنّ المادة في المشتق تدلّ على نفس الحدث، و الهيئة من الدوال الحرفية، فيجب أن يكون مدلولها معنى حرفياً لا اسمياً، وليس هو إلاّ نسبة الحدث إلى الذات بحيث تكون نفس الذات خارجة و التقيّد داخلاً. والقول بأنّ المشتق موضوع للذات المتلبّسة، قول بدلالة الدوال الحرفية على المعنى الاسمي، وهو غير تام. فانتزاع المشتق من الذات المتلبّسة و دلالته عليها أشبه شيء بدلالة الدوال الحرفية على المعاني الاسمية.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال إنّما يتمّ لو قلنا بدخول الذات على وجه التفصيل في ذات المشتق، و أمّا لو قلنا إنّ المتبادر منه شيء بسيط، لا الذات وحدها، و لا العنوان وحده، ولا النسبة وحدها، بل شيء بسيط ينحلّ لدى التحليل إلى أُمور ثلاثة، و ذاك البسيط القابل للانحلال هو المعنون.

هذا و قد عرفت الحقّ في معنى المشتق وعرفت ما هو المتبادر منه.

ثمّ إنّ هنا وجوهاً أُستدل بها على خروج الذات عن المشتق ، كلّها تبعيد للمسافة، فانّها من قبيل إثبات اللغة بالأدلّة العقلية، و هي ليست طريقاً ذُلُلاً، بل الطريق المعبّد في هذه المباحث هو التمسّك بما يتمسّك به في سائر الموارد.


( 277 )

والحقّ في مفهوم المشتق ما عرفته في صدر التنبيه من أنّ المشتق واقع بين الجوامد والمبادي، فالأُولى تدل على الذوات وحدها و الثانية تدل على الأحداث وحدها، وأمّا المشتق فيجمع بينهما، أي يدلّ على المعنون بالعنوان، لكن بلفظ واحد، ودلالة واحدة، ومدلول واحد، بحيث لدى التحليل، ينحلّ إلى قولنا:«زيد شيء له الكتابة»، الذي هو كثير لفظاًو دلالة و مدلولاً.

وبذلك اتضح أنّ البسيط في منهجنا، غير البسيط في منهج الشريف فانّ بساطة المشتق عنده هو إخراج الذات عن مفاد المشتق، ابتداءً وتحليلاً، وأنّ المشتقلا يدل إلاّ على الحدث المنتسبب ليصلح للحمل في مقابل المصدر الذي يدلّ على نفس الحدث (على مبناه) وأمّا البساطة عندنا فهو بمعنى أنّه لا يتبادر منه إلاّمفهوم واحد، لا هو الذات، ولا النسبة الناقصة، ولا المبدأ بل عصارة الأُمور الثلاثة، لكنّه لدى التحليل ينحلّ إليها بألفاظ و دلالات و مدلولات كثيرة.

الثانية: في الفرق بين المشتق و مبدئه

إذا قلنا بانّ الذات مأخوذ في مفهوم المشتق ابتداءً، أو انحلالاً ـ على النحو الذي عرفت ـ فالفرق بينهما أوضح من أن يخفى إذ المشتق على القول الأوّل موضوع لكلّ ذات قام به المبدأ فالذات مدلوله الابتدائي وأين هو من المبدأ الذي لا يدلّ إلاّعلى صرف الحدث، و على القول الثاني موضوع على المعنون الذي ينتهي عند التحليل إلى ذات، ثبت له العنوان، وأين هو من المبدأ الذي لا ينحلّ إلى شيء و شيء، و على هذين القولين لا حاجة إلى البحث عن الفرق بينهما إذ لا قدر مشترك حتى يحتاج إلى الفارق.

إنّما الكلام فيما إذا قلنا بخروج الذات و النسبة عن مفاد المشتق، وعندئذ يقع الكلام في بيان الفرق بينه و بين المبدأ الذي لا يدل إلاّعلى صرف الحدث من


( 278 )
غير دلالة على الذات و النسبة فحاول القائلون بالقول الثالث ببيان وجه الفرق بينهما فقالوا:

إنّ الفرق بينهما هو الفرق بين لا بشرط و بشرط لا، و ذكروا نظير ذلك في الفرق بين الجنس والفصل والهيولى والصورة و أنّ الأوّلين لا بشرط، و يحمل كلّ على الآخر و على النوع الحاصل منهما. بخلاف الأخيرين فقد اعتبرا بشرط لا فلا يحمل أحدهما على الآخر، ولا على النوع أي الإنسان.

ولمّا كان المقام من المسائل العويصة خصوصاً بالنسبة لغير الملمّين بالمسائل العقلية، كان اللازم تفكيك البحث في المشبّه به، عن البحث في المشبَّه فنبيّن أوّلاً ما هو مرادهم من كون الجنس و الفصل لا بشرط، و المادة والصورة بشرط لا ثمّ نبيّن ثانياً، وجه تشبيه المبدأ والمشتق بهما. فنقول:

المقام الأوّل: ما هو المراد من كون الجنس والفصل لا بشرط و...

إنّ الحكماء يبحثون عن مثل هذه الاعتبارات في موضعين، يختلف مفادها في كلّ عن الآخر.

الأوّل: في باب لحاظ الماهيات مع الطوارئ والعوارض قالوا إنّ كلّ ماهية من الماهيات إذا قيست إلى الأُمور الخارجة عن ذاتها، تلاحظ بإحدى الاعتبارات الثلاث كالإنسان بالنسبة إلى الإيمان و الكفر أو السواد والبياض وغيرها من الأعراض النفسانية أو الجسمانية و يكون مفاد هذه الاعتبارات هو أنّ مفهوماً واحداً متحصّلاً غير مبهم تارة يكون ملحوظاً مع الإيمان، وأُخرى ملحوظاً مع تجريده عنه و ثالثة يكون لا بشرط، فلو أمر بعتق الرقبة، فعلى الأوّل لا تكفي الرقبة الكافرة، وعلى الثاني لا تكفي المؤمنة، و على الثالثة يكفي مطلق الرقبة، فالإيمان والكفر و إن كانا من صفات نفس الماهية، ولكن الاعتبارات الثلاث(بشرط شيء،بشرط لا، لا بشرط ) وصف لها إذا أُضيف إلى الماهية و إلى هذا يشير الحكيم


( 279 )
السبزواري في منظومته.

مخلوطــة مطلـــــقة، مجرّدة * عند اعتبارات عليها موردة(1)

الثاني: في باب البحث عن الجنس والفصل، و الصورة و الهيولى قالوا الأوّلان مأخوذان لا بشرط ، ويحمل كلّ على الآخر، وعلى النوع و الأخيران مأخوذان بشرط لا و لا يحمل كلّ على الآخر، و لا على النوع . قالوا: إنّ كلاً من الحيوان والناطق يمكن أن يلاحظ على أحد وجهين:

1ـ أن يلاحظ كلّ غير محصّل في عالم المفهومية وعلى وجه الإبهام في العقل، بحيث يصلح لأن يتّحد مع ما ينضمّ إليه و يلحقه كلّ من الفصل والنوع ، ويتحصّل بتحصّله، وذلك كالحيوان إذا لم يلحظ بما له من الدرجة الخاصة من الوجود التي هي عبارة عن كونه فوق النامي و دون الإنسان، فعند ذلك يكون مفهوماً مبهماً يتّحد مع كلّ فصل ينضمّ إليه من الصاهل، والناطق، والناعق، و عند ذلك يكون الأعم جنساً والأخص فصلاًمحصِّلاً له، في عالم المفهوم، فضلاً عن عالم الكون، و إذا قيس كلّ إلى النوع يكون نفسه لكونه مفهوماً مبهماً لا جزءه.

2ـ أن يلاحظ على وجه الجزئية أي يلاحظ كلّ واحد مفهوماً تامّاً بحيث لو لحقه شيء، يكون من منضمّاته ولواحقه، لا من متمّماته و محصّلاته، فعند ذلك يكون كلّ جزء شيئاً، وما بحياله شيئاً آخر، و يكون كلّه متحصلاً بنفسه لا بالآخر، وعلى ذلك يسمّى الجزء الأعمّ مادّة ذهنية، والأخص صورة ذهنية.

وبعبارة واضحة : تارة يلاحظ الحيوان بنحو الجزئية للإنسان منفكّاً عن الجزء الآخر و أنّ كلاّ يشكل قسماً منه، و أُخرى يلاحظ مجرّدة عن الجزئية بما أنّه نفس الإنسان غير متميّز عنه و مثله الناطق فالأوّل، هو المادة والصورة و الأخيران هو الجنس والفصل.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الحكيم السبزواري، قسم الفلسفة، الفريدة الخامسة في الماهية و لواحقها.


( 280 )

وبذلك يعلم مضمون الجملة المعروفة حيث قال: «إنّ الجنس والفصل من أجزاء الحدّ، لا من أجزاء المحدود أي الإنسان، يعني أنّ الحيوان و الناطق إذا لوحظا حدّاً يوصفان بالجزئية وأمّا إذا قيسا بالنسبة إلى المحدود فإنّما هما نفسه لا جزءه فمعنى قولهم ليس من أجزاء المحدود يعني أنّه نفسه لا غيره ولا جزءه.

وبذلك اتّضح أنّ المقصود من اللابشرطية في المقام هو لحاظ الأجزاء على نحو الإبهام بحيث لو لحقها شيء يكون عينها و متحصِّلاً بتحصّلِها، و لا يكون أمراً منضمّاً إليه و ملحقاً بها. كما أنّ المراد من البشرط لائية هو ملاحظة الأجزاء على نحو الجزئية وأنّها أُمور متحصِّلة، وذات فعلية ، ولو انضم إليها شيء، يكون ملحقاً بها لا داخلاً في ذاتها، وهذا المعنى لللابشرط والبشرط لا، غير المعنى المذكور لهما في باب اعتبارات الماهية فانّ المقصود في ذلك هو لحاظ المفهوم العام بالنسبة إلى العوارض والطوارئ فهو إمّا مشروط بها، أو مشروط بعدمها أو لا بشرط، ولا صلة له بالاصطلاح الآخر فلاحظ.

المقام الثاني: في بيان وجه الشبه في المبدأ والمشتق

إذا وقفت على مقصودهم في المشبه به، فلنذكر وجه الشبه فيهما فنقول:

إنّ الفرق بين المبدأ و المشتق هو الفرق بين الجنس والفصل والمادة و الصورة على المعنى الذي عرفت فالمشتق والمبدأ و إن كانا متّحدين مفهوماً كالمادة والجنس، أو الصورة والفصل، لكن المبدأ يلاحظ بما أنّه ذو مفهوم تام متحصّل في عالم المفهوم، يأبى عن الحمل. وأمّا المشتق فهو يلاحظ بما أنّه مفهوم مبهم غير متحصّل، و يتحصّل بكلّ ما انضمّ إليه ولا يأبى عن الحمل.

ثمّ إنّ صاحب الفصول لمّا زعم أنّ المقصود من الاعتباريات، ما هو المذكور في باب الماهية إذا قيست إلى طوارئها، اعترض على الفرق المذكور بأنّ الاعتبار المذكور لا يصحّح الحمل.


( 281 )

قال في الفصول: إنّ الفرق بين المشتق و مبدئه، هو الفرق بين الشيء لا بشرط و بينه بشرط لا فحدث الضرب إن اعتبر بشرط لا، كان مدلولاً للفظ الضرب وامتنع حمله على الذات الموصوفة به، وإن اعتبر لا بشرط كان مدلولاً للفظ الضارب وصحّ حمله عليها، و على هذا القياس فجعلوا الفرق بين العرض والعرضي، كالفرق بين المادة والصورة و بين الجنس و الفصل.(1)

ثمّ قال: إنّ أخذ العرض لا بشرط، لا يصحّح حمله على موضوعه مالم يعتبر المجموع المركّب منهما شيئاً واحداً، ويعتبر الحمل بالقياس إليه، ولا خفاء في أنّا إذا قلنا: «زيد عالم أو متحرّك لم نرد بزيد: المركّب من الذات وصفة العلم والحركة ، و إنّما نريد به الذات وحدها، فيمتنع حمل العلم والحركة عليه، بل التحقيق أنّ مفاد المشتق باعتبار هيئته مفاد ذو هو، فلا فرق في المفاد بين قولنا: «ذو بياض» وقولنا: «ذو مال»، فكما أنّ المال إن اعتبر لا بشرط لا يصحّ حمله على صاحبه فكذلك البياض فمجرّد استقلال أحدهما بالوجه دون الآخر لا يجدي في المقام، فالحقّ أنّ الفرق بين المشتق و مبدئه هو الفرق بين الشيء و ذي الشيء، فمدلول المشتق أمر اعتباري منتزع من الذات بملاحظة قيام المبدأ بها.(2)

وأورد عليه المحقّق الخراساني بأنّ صاحب الفصول فسر الوصفين بشرط اللائية و لا بشرطية بما هو المذكور في باب اعتبارات الماهية من نسبة مفهوم واحد تام إلى طوارئه وعوارضه بالصور الثلاث، فأورد عليه ما أورد من أنّ المبدأ الذي هو نفس المشتق، وإن اعتبر لا بشرط ألف مرّة، لا يصحّ حمله على المتلبّس. ولكنّه غفل عن أنّ المراد من اللابشرطية والبشرط لائية هنا، ما هو المذكور في باب الفرق بين الجنس و الصورة والمادة و الفصل بحيث يكون الوصفان مقوّمين للماهية فذكر في توضيح كون المشتق لا بشرط، و المبدأ بشرط لا، ما هذا لفظه:

ــــــــــــــــــــــ
(1) منظومة الحكيم السبزواري، قسم الفلسفة ، الفريدة الخامسة في الماهية ولواحقها، غرر في اعتبارات الماهية.
(2) الفصول:62.


( 282 )

«والفرق بين المشتق ومبدئه هو أنّ المشتق بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبّس بالمبدأ، و لا يعصى الجري عليه، لما هما عليه من نحو من الاتّحاد، بخلاف المبدأ فانّه بمعناه يأبى عن ذلك، بل إذا قيس ونسب إليه كان غيره، لا هو هو، وملاك الحمل والجري إنّما هو نحو من الاتّحاد والهوهوية».(1)

وبعبارة أُخرى: إنّ هذا النحو من الإباء عن الحمل أو عدم الإباء داخل في مفاد المبدأ و المشتق، و ليس خارجاً عنهما حتى يرد عليه ما ذكره صاحب الفصول من أنّ اعتبار «العلم والحركة لا بشرط، لا يصحح حملهما على زيد.

توضيح ما ذكره أهل المعقول

و يظهر ذلك أي كون الوصفين داخلين في حقيقة المبدأ والمشتق، ما ذكره أهل المعقول في المقامين:

المقام الأوّل: في الفرق بين العرض و العرضي.

المقام الثاني: في الفرق بين المادة والصورة، و الجنس و الفصل.

و إليك البيان:

أمّا المقام الأوّل: فقد نقل عن الحكيم السبزواري ما هذا حاصله:إنّ وجود كلّ عرض بوجوده الواحد، يطرد العدمين، عدماً من ناحية ماهية نفسه، و عدماً من ناحية موضوعه. والطردان يحصلان بوجود واحد، فإذا وجد البياض وانقلب اللابياض إلى البياض، فهو بوجوده كما طرد العدم عن ماهية نفسه حيث انقلب اللا بياض إلى البياض، فهكذا طرد العدم عن ناحية موضوعه، حيث لم يكن الجسم أبيض فصار بوجود البياض، أبيض، و مثله سائر الأعراض. وبما أنّه طارد للعدم من جانب ماهيته يطلق عليه البياض أعني: «المبدأ» و بما أنّه يطرد العدم عن جانب موضوعه، يطلق عليه الأبيض أعني: «المشتق».

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/83.


( 283 )

و إن شئت قلت: إنّ العرض تارة يلاحظ بما هو و أنّه موجود في قبال موضوعه، فهو بهذا اللحاظ بياض، و لا يحمل على موضوعه، كيف وقد لوحظت فيه المبائنة مع موضوعه، والحمل هو الاتّحاد في الوجود.وأُخرى يلاحظ بما هو ظهور موضوعه، وطور لوجوده، وشأن من شؤونه، وظهور الشيء وطوره وشأنه، لا يباينه فيصحّ حمله عليه، إذ المفروض أنّ هذه المرتبة، مرتبة من وجود الموضوع، و الحمل هو الاتّحاد في الوجود. هذا توضيح مرامه.(1)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ إنّ كون العرض طارداً للعدم من ناحية ماهيته تارة و من ناحية موضوعه أُخرى و إن كان أمراً صحيحاً عند الدقة العقلية.

إلاّ أنّ ابتناء الفرق بين المبدأ و المشتق على هذا التقرير الوارد عن الحكماء في دراسة عالم الكون، من غير نظر إلى عالم الألفاظ ابتناء غير صحيح، فانّ معاني الألفاظ إنّما تصطاد من الإمعان فيما يتبادر منها عند أهل اللسان، لا ممّا يدور في خلد الحكيم عند مطالعة صحيفة الكون، الذي لا صلة له بعالم الألفاظ .

2ـ إنّ هذا التقرير إنّما يجري في خصوص العرض والعرضي، أعني ما يشير إليه الحكيم السبزواري في منظومته بقوله:

وعرضي الشيء غـــير العرض * ذا كالبياض ذاك مثل الأبيض

لا في كلّ مشتق، كأسماء الأزمنة والأمكنة، حيث لا يُعدّ المبدأ من شؤون الزمان و المكان، ومع ذلك يصحّ حمله عليهما.

وأمّا المقام الثاني: فيظهر من كلام أهل المعقول في باب الفرق بين الجنس والمادة و الفصل والصورة فانّ مرجع اللابشرطية والبشرط لا ئية إلى ملاحظة حقيقة واحدة بحيث ينتزع عنها مفهومان غير قابلين للحمل، و مفهومان قابلان

ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ: الأسفار : 1/42و 59، قسم التعليقة.


( 284 )
له فبملاحظة ما ذكروه هناك يعلم معنى البشرط لا ئية و اللابشرطية هاهنا، و إليك حاصل ما ذكروه هناك حتى يعلم حال المقام.

إنّ التركيب قد يكون انضمامياً و قد يكون اتّحادياً.

أمّا الأوّل ففيما إذا لم يندك أحد الجزئين في الجزء الآخر بل تكون فعلية الجزئين محفوظة و كثرتهما معلومة، وإن اتّخذ صورة واحدة صناعية. وذلك كأجزاء المصنوع البشري مثل البيت و السيّارة، فانّ فعليّة كلّ جزء محفوظة، و الكثرة بعدُ باقية و إن اتخذ الكلّ صورة صناعية.

وأمّا الثاني فهو ما يكون وجود بعض الأجزاء عين وجود الأجزاء الأُخر، بحيث اندكت الأجزاء في الكل ولا كثرة ولا فعلية للأجزاء بل اتخذ الكلّ صورة واحدة تكوينية، كالإنسان المؤلف من الحيوان و الناطق.

مناقشة تنزيل المقام بالأجزاء الحدّية بوجهين:

و مع ذلك فهذا البيان على فرض صحّته في باب أجزاء الحدّ، لا يجري في المشتق و ذلك لأنّ الجنس مبهم مفهوماً و المشتق واضح مفهوماً ومسوِّغ الحمل في الجنس، غير مسوِّغه في المشتق. و إليك التوضيح:

إنّ مجوّز الحمل في الأجزاء الحدّية، هو إبهام الجنس وعدم تحصّله، وتحصّله بالفصل على النحو المقرّر في الفن الأعلى، فانّ الجنس هو المفهوم المغمور الذي لم تتعيّن حدوده وخصوصياته إلاّبالفصل بحيث لو وجد في الخارج يكون عين الفصل، عينية اللا متحصّل مع المتحصّل. وهذا بخلاف المشتق فانّ مسوغ الحمل ليس إبهام مفهومه فانّه ذو مفهوم متحصّل، و متعيّن فيه إلاّ من جهة عدم تعيّن موضوعه(1) و هذا غير الإبهام في المفهوم.بل مسوِّغ الحمل قيامه بالموضوع في

ــــــــــــــــــــــ
(1) فإن قلت: إنّ الظاهر من كلام الحكيم السبزواري هو أنّ إبهام الجنس راجع إلى إبهام وجوده لا إلى إبهام مفهومه كما يقول:

إبهام جنس حسب الكون خُذا * إذ كونه الدائر بين ذا و ذا

قلت: ليس هذا على وجه التحقيق، بل إبهامه أزيد من الإبهام من حيث الوجود، فهو مبهم من حيث المفهوم قبل كونه مبهماً من حيث الوجود، فالفصل يخرجه عن الإبهام في كلتا المرحلتين، مرحلتي المفهوم والوجود، و لأجله يتّحد مع الجنس.
والشاهد على هذا أنّ البحث عن الجنس والفصل معنون في باب البحث عن الماهيات، و ليس هناك من الوجود عين و لا أثر. فالجنس مبهم، أي في ذاك الإطار وفي مقام الحدّ المنطقي لا في مقام الخارج عنه كالعينية الخارجية .


( 285 )
عالم التكوين، و شتّان بين المسوِّغين.(1)

فوجه الشبه بين الجنس و المشتق غير موجود، كما لا يخفى.

و بعبارة أُخرى انّ مصحح حمل الجنس على الفصل هو تقوّمه بالفصل في عالم المفهوم وهذا المصحح ليس موجوداً في حمل المشتق على الموضوع لعدم تقوّم مفهوم المشتق، بالموضوع و ذلك لأنّ الجنس هو الفصل ـ إذا انضم إليه ـ في تمام المراحل، و نفسه في الوجود الخارجي والذهني، و هذا بخلاف المشتق بمعنى المبدأ، فهو غير الموضوع مفهوماً، ولا يتّحد مع الموضوع إلاّفي بعض المراحل الخارج فليس المشتق بهذا المعنى عين المعروض والموضوع، فكيف يحمل عليه؟

واتّضح بهذا البيان أنّه لو كان المشتق نفس المبدأ، لما صحّ حمله على الموضوع، سواء لوحظ كونه طوراً من أطوار الموضوع و شؤونه على ما قرّره الحكيم السبزواري، أو لوحظ على النحو المقرّر في الجنس و الفصل والمادة والصورة.

فالحقّ أن يقال بتغاير المشتق والمبدأ في المفهوم، و تباينهما جوهراً. فالمتبادر من أحدهما المعنون، و من الآخر العنوان، و لأجل ذلك لا يصحّ حمل الثاني بخلاف الأوّل.

ثمّ إنّه ربما يؤيد كون مفاد المشتق نفس المبدأ، بتقريرين آخرين نقلهما الحكيم السبزواري في تعاليقه على الأسفار:

التقرير الأوّل: إذا رأينا شيئاً أبيض، فالمرئي بالذات هو البياض. ونحن قبل

ــــــــــــــــــــــ
(1) منظومة الحكيم السبزواري ، قسم المنطق، غوص في إيساغوجي.


( 286 )
ملاحظة أنّ البياض عرض و العرض لا يوجد قائماً بنفسه، نحكم بأنّه بياض وأبيض، ولولا الاتّحاد بالذات بين البياض و الأبيض لما حكم العقل بذلك في هذه المرتبة، ولم يجوّز قبل ملاحظة هذه المقدّمات، كونه أبيض، لكن الأمر بخلاف ذلك.

التقرير الثاني: إنّ المعلّم الأوّل و مترجمي كلامه عبّروا عن المقولات بالمشتقات، و مثّلوا لها بها، فعبّروا عن الكيف بالمتكيّف ومثّلوا لها بالحارّ و البارد، فلولا الاتّحاد بالذات لم يصحّ ذلك التعبير والتمثيل إلاّ بالتكلّف بأن يقال: ذكر المشتقات لتضمّنها مبادئها.(1)

ونقل عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس قال: إنّ الحرارة لوكانت قائمة بذاتها لكانت حرارة و حارة.(2)

ولا يخفى سقوط هذه الوجوه:

أمّا الأوّل: فانّا و إن كنّا نحكم عند رؤية البياض ـ قبل ملاحظة أنّه عرض وأنّ العرض لا يوجد قائماً بنفسه ـ بأنّه أبيض، لكن الملاحظة التفصيلية وإن كانت غير موجودة، لكنّها موجودة إرتكازاً لأنّ الإنسان طيلة حياته يشاهد أنّ البياض لا يوجد إلاّمع موضوعه، فهو مع هذا العلم الموجود في خزانة ذهنه إذا رأى البياض، وحمل عليه الأبيض، فإنّما حمل على البياض الذي لا يفارق الموضوع، فلا يدلّ ذاك الحمل على خروج الذات والنسبة عن مفهومه.

أمّا الثاني: فانّه لا حجّية لكلام أرسطو ومترجمي كلامه.

ومثله ما نقل عن تلميذ الشيخ الرئيس، إذ هو قضية شرطية لا تثبت بها اللغة.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الأسفار:1/42.
(2) نهاية الدراية:1/94، طبع طهران.


( 287 )


الثالثة: في ملاك الحمل

قد اشتهر بينهم أنّ ملاك الحمل أمران: المغايرة من جهة، و الاتّحاد من جهة أُخرى.

أمّا المغايرة فإمّا أن تكون مفهوميّة اعتبارية كما في الحمل الأوّلي، مثل: «زيد زيد»، أو « الإنسان حيوان ناطق»، أو مفهومية حقيقية كما في الحمل الشائع الصناعي، مثل: «زيد قائم».

وأمّا الوحدة فالموضوع و المحمول إمّا متّحدان حقيقة لا اعتباراً في المفهوم كما في القسم الأوّل أو في الخارج كما في القسم الثاني.

هذا هو المعروف بين المنطقيين و اختاره المحقّق الخراساني و قال: ملاك الحمل هو الهوهوية والاتحاد من وجه و المغايرة من وجه آخر كما يكون بين المشتقّات والذوات.(1)

وأوضحه المحقّق الاصفهاني بأنّ ملاك المغايرة في الحمل الأوّلي، هو المغايرة بالاعتبار الموافق للواقع، وفي الحمل الشائع هو المغايرة بالمفهوم.(2)

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ في وجود تلك المغايرة في الحملين، إنّما الكلام في كونها ملاكاً ومصحّحاً للحمل و الحقّ أنّ المغايرة موجودة و لكنّها ليست ملاكاً له، إذ المغايرة بين الحدّ و المحدود بالإجمال والتفصيل موجودة، ولكنّها ليست مناطاً للحمل، بل لحاظ المغايرة يغاير ملاك الحمل الذي هو الوحدة و الهوهوية. نعم هو ملاكه لكونه مفيداً و خارجاً عن كونه لغواً و عبثاً فقد خلطوا بين كون شيء ملاكاً للحمل و مصححاً له وبين كونه مفيداً و خارجاً عن اللغو.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/84.
(2) نهاية الدراية:1/97، ط طهران.


( 288 )

و إن شئت قلت: إنّ ملاك الحمل هو تناسي التغاير والكثرة حتى يصحّ أن يقول: إنّه هو، وأنّهما واحد. ففي الوقت الذي يراهما الحامل شيئاً واحداً، لو التفت إلى الكثرة الموجودة، لعاقته الكثرة عن الحمل والحكم بالهوهوية، فظرف التغاير غير ظرف الحمل، و معه لا تكون ملاكاً له.

ثمّ إنّه يظهر من صاحب الفصول الاكتفاء بهذا الملاك في مورد يكون التغاير اعتبارياً والوحدة حقيقة، كما في قولك: «هذا زيد» أو «الناطق إنسان» وأمّا إذا انعكس بأن كان التغاير حقيقياً والاتّحاد اعتبارياً كقولك الإنسان جسم فيحتاج وراء ذلك إلى أمرين آخرين.(1)

الأوّل: أخذ الأجزاء لا بشرط كما في المثالين، و لأجل ذلك لا يصحّ حمل البدن و النفس على الإنسان، ولا يصحّ أن يقال الإنسان بدن (مكان الجسم)، أو نفس، مكان الناطق.

الثاني: تنزيل الأشياء المتغايرة منزلة شيء واحد و ملاحظتها من حيث المجموع و الجملة، فتلحقه بذلك الاعتبار وحدة اعتبارية، فيصحّ حمل كلّ جزء من الأجزاء المأخوذة لا بشرط، عليه، و حمل كلّو احد منها على الآخر بالقياس إليه نظراً إلى اتّحادهما فيه.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لم يعلم وجه الفرق بين ما جعل التغاير فيه اعتبارياً، مثل «زيد قائم» و ما جعله فيه حقيقياً، مثل: «الإنسان جسم».فإن أراد من التغاير الاعتباري، الاختلاف المفهومي، فهو موجود في كليهما، و إن أراد غيره، فلم يبيّنه.

وثانياً: أنّ ملاحظة التركيب يعطي للمحمول وصف كونه جزءاً من الكل و عندئذ يمتنع حمله على الكل لعدم صحّة حمل الجزء على الكل مثل: «زيد يد» أو

ــــــــــــــــــــــ
(1) ذكر في الفصول أمراً ثالثاً أيضاً فمن أراد فليرجع إليه، لاحظ ص 62.


( 289 )
«رجل» إلاّ عناية و مجازاً، و هو خلف. و إلى ذلك يشير المحقّق الخراساني بقوله: «بل يكون ذلك مخلاً لاستلزامه المغايرة بالجزئية والكلّية» أي كون الموضوع كلاً و المحمول جزءاً.

وثالثاً: أنّ الجنس و الفصل و إن كانا جزئين للنوع لكنّهما بهذا المعنى من الأجزاء الحدّية، أي يكونان حدّا للنوع، و ليسا من الأجزاء الحملية حتّى يصحّ حملهما بهذا المعنى عليه، و إنّما يصحّ حملهما عليه إذا لوحظ كلّ من الجنس و الفصل بما أنّه نفس النوع لا جزء منه، و ذلك لما قرّر في محله: من أنّ الجنس مفهوم مبهم، ينطبق على كلّ واحد من الأنواع المختلفة، فيقال: الإنسان حيوان، و البقر حيوان و غيرهما. وهو في هذا المجال ليس مفهوماً متحصّلاً متعيّناً، حتى يعدّ جزء من النوع، بل مفهوم مبهم، قابل لأن يصير في طريق التكامل نفس النوع و عينه.

و لأجل ذلك يشترط كون الجنس مبهماً غير متعيّن وجوداً و كوناً، كما عليه المشهور من الحكماء، أو مفهوماً كما عليه السيّد العلاّمة الطباطبائي على ما فصّل في محلّه، و بهذا الاعتبار يكون الجنس في طريق التكامل و مدارج الكمال، فإذا تعيّن في ضمن نوع، يكون نفسه لا جزء منه. فالجسم، والنامي، والحيوان الموجود في الإنسان، ليس هو الجسم المتشخص في الحجر، ولا النامي المتعيّن في الشجر و لا الحيوان المتقرر في البقر، بل المفهوم المبهم الذي وقع في صراط التكامل بحيث إذا وجد في ضمن الإنسان كان نفسه لا جزء منه.

هذا، و ليعذرنا الإخوان لطرح هذه البحوث التي لا صلة لها بالأدب أوّلاً، ولا بالأُصول ثانياً، فإنّما جرّنا البحث إليها.

الرابعة: مغايرة المبدأ للذات

قد عرفت أنّ المتبادر من هيئة المشتق هو المعنون، و مقتضى ذلك أنّ هنا ذاتاً و عنواناً أي ذاتاً و مبدأ، فيلزم أن يكون الثاني مغايراً مع الأوّل، وعندئذ


( 290 )
يشكل الأمر في صفاته سبحانه لأنّ المبدأ فيها متّحد مع الذات بل هو عينها خارجاً. توضيحه:

قد تحقّق في الإلهيات ، أنّ صفاته تعالى:

1ـ قديمة لا حادثة، كما عليه الكرامية.

2ـ هي عين ذاته، لا زائدة عليه كما عليه الأشاعرة، وإلاّيلزم تعدّد الواجب و تكثره، حسب تعدّد الصفات.

3ـ ليس كلّوصف من صفاته ، يشكّل بعض الذات، وإلاّ يلزم التركيب في ذاته، بل كلّ واحدة عين الذات، والذات عين الجميع، فذاته سبحانه علم كلّها، قدرة كلّها، حياة كلّها، ولا ضير في انتزاع مفاهيم متعدّدة من شيء واحد كما حقّق في محلّه. كيف فوجودك كما هو مقدور له سبحانه، معلوم له، و ليست حيثية المقدورية، غير حيثية المعلومية فهو من حيث أنّه مقدور، معلوم له سبحانه أيضاً.

فعلى مذهب العدلية: صفاته سبحانه: قديمة، عين ذاته، و ذاته البسيطة بوحدتها و بساطتها كافية في حمل الصفات المتغايرة عليها من دون لزوم أيّ تكثر.

إذا علمت ذلك يقع الكلام في إجراء صفاته عليه سبحانه من جهتين:

الأُولى: من جهة أنّ هيئة المشتق موضوعة للمعنون، وهو يقتضي تغاير العنوان ـ أعني العلم ـ مع الذات المتلبّسة به، مفهوماً و خارجاً، وهو لا يتّفق مع ما عليه العدلية من عينية صفاته مع ذاته.و التغاير المفهومي مع المتلبّس، وإن كان لا يضرّ بما عليه أهل الحقّ، لكن دلالة الهيئة على تغايره معها خارجاً لا يجتمع مع عقيدتهم.

الثانية: أنّ المبدأ يجب أن يكون مفهوماً حدثياً حتى يقبل الصياغة، و هو سبحانه فوق الجواهر والأعراض فضلاً عن الأحداث.


( 291 )

دفع الإشكالين:ژ

أمّا الإشكال الثاني فجوابه واضح، إذ الشرط في تحقّق الصياغة هو قابلية المبدأ للتصرّف و التصريف بتوارد المعاني المختلفة عليه، وأمّا كون المبدأ معنى حدثيّاً أو عرضاً، فلم يدلّ عليه دليل أبداً، و إنّما يعلم ذلك من جانب المسند إليه فإن كان موجوداً مجرداً عن الزمان يُسند إليه بما له من المعنى و إن كان زمانيّاً غير منفكّ عنه ذاته، و صفته و فعله، يُسندُ إليه ويصير المبدأ حدَثيّاً بقرينة خارجية.

والعلم والقدرة من المبادئ القابلة للتصرّف، فذاته تعالى باعتبار انكشاف الأشياء لديها، عالمة و الأشياء معلومة، ولا يلزم أن يكون علمه مفهوماً حدثياً أو عرضاً.

وأمّا الإشكال الأوّل: فقد أُجيب عنه بوجوه:

الأوّل: ما أجاب به صاحب الفصول بالقول بالمجاز أو النقل في حمل العالم و القادر عليه سبحانه لأنّه موضوع للاستعمال في ما إذا كان المبدأ زائداً على الذات و فيه سبحانه عينه.(1)

ولا يخفى عدم استقامته لأنّا نجري صفاته عليه سبحانه بلا عناية أو اختلاف معنى، كما هو لازم كون الاستعمال مجازاً أو كون اللفظ منقولاً.

الثاني: ما أجاب به المحقّق الخراساني: بكفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً و إن اتّحدا عيناً و خارجاً، فحمل الصفات مثل العالم والقادر عليه سبحانه، على الحقيقة، فانّ المبدأ فيها، و إن كان عين ذاته خارجاً لكنّه غير ذاته مفهوماً.(2)

توضيحه: إنّ هنا مسألتين: الأُولى مغايرة المحمول مع الموضوع. الثانية:

ــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول: 62، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(2) كفاية الأُصول:1/85، قوله: الرابع:


( 292 )
مغايرة المبدأ مع الذات، وشرط المسألة الأُولى حاصل لأنّ المحمول مغاير مع الموضوع مفهوماً و إن كان متّحداً معه في الخارج وأمّا الثانية فلا دليل على شرطية مغايرة المبدأ مع الذات بل هو من هذا الجانب مطلق، بل ربّما يكون عينه نحو: الضوء مضى، الوجود، موجود.

يلاحظ عليه: أنّ كلامه أجنبي عن الإشكال، فانّ الإشكال عبارة عن دلالة الهيئة على زيادة العنوان على المعنون خارجاً، وهو يستلزم زيادة الصفات على الذات وهو ممّا لا يجتمع مع عقيدة أهل الحقّ.

وما ذكره من مغايرة المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً، غير مرتبط بالإشكال المبني على دلالة هيئة المشتق على زيادته على الذات خارجاً، مع أنّ الواقع فيه سبحانه خلافه.

و بعبارة أُخرى: القول بكفاية تغاير المبدأ مع ما يجري المشتق عليه مفهوماً، و إن اتّحدا عيناً و خارجاً، لا صلة له بالإشكال، فانّ الإشكال عبارة عن دلالة الهيئة على زيادة العنوان على الذات، و لأجله لا يصحّ حمل الصفات على الذات بمعناها الحقيقي، فلابدّ من نقل أو تجوّز كما عليه الفصول، أو توجيه آخر.فعندئذ القول بكفاية تغاير المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً و إن اتّحدا خارجاً، أجنبي عن الإشكال .

و بكلمة قصيرة: ليس البحث في مفاد الجملة، بل البحث في مفاد هيئة المفرد، فالإجابة عن الأوّل لا صلة له بالثاني.

الثالث: ما أجاب به سيّدنا الأُستاذـ دام ظلّه ـ : بأنّه لا يفهم من لفظ«العالم» إلاّ المعنون من حيث هو كذلك، وأمّا زيادة العنوان على المعنون و قيامه به فهو خارج عن مفهومه. فالمشتق يدلّ على المعنون، والعينية والزيادة من خصوصيات المصاديق.(1)

ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول: 1/128، ط جماعة المدرسين.


( 293 )

ويلاحظ عليه: أنّ دلالة الهيئة على مغايرة المبدأ لما يجري عليه، ليس أمراً مخفياً، لقضاء التبادر بذلك. و ما ذكره هنا يغاير مع ما ذهب إليه من التركيب التحليلي للمشتق.

والأولى أن يقال: إنّ المتبادر من المشتق، هو المعنون، والذات المتلبّسة بالمبدأ و ظاهره زيادة العنوان على الذات، ونحن نجري أوصافه سبحانه عليه بهذا المعنى، و نستعملها في المعنى المتبادر عرفاً بالإرادة الاستعمالية، غير أنّ البرهان قام على عينية صفاته مع ذاته، فنرفع اليد عن هذا الظهور بالدليل العقلي. فالمراد الجدّي عند من قام الدليل عنده على العينية، غير المراد الاستعمالي الذي يشترك فيه العالم والجاهل، الفيلسوف والمتكلم.

وقيام البرهان على الوحدة لا يكون سبباً لتغيير اللغة والمتبادر العرفي، غاية الأمر أنّ الأكثرية الساحقة من الناس لا يتوجّهون إلى هذه الدقائق، فيستعملون اللفظ فيه سبحانه على النحو الذي يستعملونه في غيره ولا يرون الزيادة مخلّة بالتوحيد.

وأمّا الفلاسفة و أهل الدقّة، فلمّا كانوا متوجّهين إلى هذا الأمر، فلا مفرّ لهم عن كون المراد الاستعمالي مغايراً مع المراد الجدّي، ولا يكون جري المشتقّات عليه سبحانه (مع أنّ ظواهرها لا ينطبق على الواقع) أمراً مرغوباً عنه، لأنّ الألفاظ الدارجة عندنا قاصرة عن إفادة ما في المقام الربوبي من الكمال والجمال و لا يختصّ ذلك بصفاته، بل يجري في أفعاله سبحانه.

والحاصل أنّ هنا مقامين:1ـ اللغة والظهور والتبادر; 2ـ العقيدة والبرهان والاستدلال، و ليس شأن الثاني تغيير اللغة و المتبادر العرفي، كما أنّه ليس للظواهر العرفية أن تصادم البراهين العقلية، فلكلّ طريقه و مجراه و ترفع اليد عنها بها.

***


( 294 )


الخامسة: في قيام المبدأ بالذات(1)

هل يشترط في صدق المشتق على نحو الحقيقة قيام المبدأ بالذات.

ربما يقال: لا، لصدق الضارب و المولم، مع عدم قيام الضرب والألم إلاّ بالمضروب والمولم.

يلاحظ عليه: أنّه كيف يعقل صدق المشتق و حمله على الذات مع عدم القيام بها بأنحائه، وإلاّ يلزم صحّة حمل كلّ شيء على كلّ شيء.

و أجاب عنه في الكفاية بأنّه يعتبر في صدق المشتق تلبّس الذات بالمبدأ بنحو خاص على اختلاف أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة، واختلاف الهيئات أُخرى، من القيام صدوراً تارة، أوحلولاً أُخرى، أو وقوعاً عليه ثالثة، أو فيه رابعة، أو انتزاعه عنه مفهوماً مع اتّحاده معه خارجاً خامسة، كما في صفاته تعالى، أو مع عدم تحقّق إلاّللمنتزع عنه كما في الإضافات(مثل الأُبوة والبنوة) سادسة إلى أن قال: ففي صفاته الجارية عليه تعالى يكون المبدأ مغايراً له تعالى مفهوماً، و قائماً به عيناً لكنّه بنحو من القيام، لا بأن يكون هناك اثنينية. وعدم اطّلاع العرف على مثل هذا التلبّس، لا يضرّ بصدقها عليه تعالى على نحوالحقيقة، فانّ العرف إنّما يكون مرجعاً في تعيين المفاهيم لا في تطبيقها على مصاديقها.(2)

يلاحظ عليه: أنّ العرف متّبع في المصاديق كما هو متبع في المفاهيم مثلاً إذا لم يعدّ العرف لون الدم دماً، فلا يحكم عليه بأحكامه، و إن كان دماً عقلاً. نعم،

ــــــــــــــــــــــ
(1) الفرق بين هذه المسألة وسابقتها، أنّ ملاك البحث في السابقة هو تغاير المبدأ مع الذات فأشكل الأمر في صفاته سبحانه. وأمّا في المقام فملاكها، قيام المبدأ مع الذات بنحو من الأنحاء وعندئذ فأشكل في صفاته، أيضاً لأنّ مفاد القيام هو الإثنينية بين ذاته و صفاته، و فرض العينية يستلزم قيام الشيء بنفسه. وكان البحث في الأمر الثاني ناش من البحث في الأمر الأوّل.
(2) كفاية الأُصول:1/86.


( 295 )
المرجع هو العرف الدقيق، لا العرف المسامح، ولو كان صدق المشتق مشروطاً بصدق القيام، لأشكل إجراؤه عليه سبحانه، إذ لو كان المشتق موضوعاً للمتلبّس بالقيام، لاستلزم الإثنينية، إذ معناه جعل شيء لباساً لشيء. و مثله اشتراط القيام، فإنّ قيام شيء، لا ينفكّ عن شيء آخر يقوم به، و الجمع بين العينية والقيام جمع بين المتضادّين.

ثم أجاب صاحب المحاضرات عن الإشكال بأنّ المرا د من التلبّس والقيام واجدية الذات للمبدأ في مقابل فقدانها له و هي تختلف حسب اختلاف الموارد.

فتارة يكون الشيء واجداً لما هو مغاير له وجوداً و مفهوماً، كما هو الحال في غالب ا لمشتقات، كقولنا الجسم أبيض.

وأُخرى يكون واجداً لما هو متّحد معه خارجاً و عينه مصداقاً و إن كان يغايره مفهوماً كواجدية ذاته تعالى لصفاته الذاتية.

وثالثة يكون واجداً لما يتّحد معه مفهوماً ومصداقاً، وهو واجدية الشيء لذاته. و هذا نحو من الواجدية، بل هي أتمّو أشدّ من واجدية الشيء غيره.

وعلى هذا، فالمراد من التلبس، الواجدية، وهي كما تصدق على واجدية الشي لغيره كذلك تصدق على واجديته لنفسه و من هذا القبيل واجديته سبحانه لصفاته الكمالية والواجدية بهذا المعنى و إن كانت خارجة عن الفهم العرفي، إلاّ أنّه لا يضرّبعدَ الصدق بنظر العقل.(1)

يلاحظ عليه: أنّه قد عرفت أنّ العرف مرجع في المفاهيم و المصاديق جميعاً. والمراد من العرف، هو العرف الدقيق، ولا شكّ أنّ الواجدية من المفاهيم ذات الإضافة بين الواجد، و الذي وجده ولا يصلح إطلاقها على من وجد ذاته، أو صفته التي هي عين ذاته إلاّ بالعناية الفلسفية الخارجة عن حيطة الألفاظ

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:1/306.


( 296 )
وأوضاعها و معانيها العرفية، و الألفاظ وضعت على المفاهيم و المصاديق العرفية لا العقلية فإنّ واجدية الشيء لنفسه أمر فلسفي لا عرفي، كما أنّ ما يقال من أنّ ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له، و لو بهذا الثبوت عند السؤال بالهلية البسيطة كذلك، و إلاّفثبوت شيء لشيء عرفاً يلازم الإثنينية.

والحقّ أن يقال: إنّ الهيئة وضعت للقيام المستلزم للإثنينية و نحن نستعملها في حقّه سبحانه في نفس المعنى الذي نستعمله في الممكنات. وأنّ أسمائه وصفاته تجري عليه سبحانه كما تجري على غيره، وأنّها تستعمل في الكتاب و السنّة والأدعية في نفس المعنى اللغوي، لاقتضاء الحكمة الإلهية تكليم الناس بألسنتهم التي يتحاورون بها.

غير أنّ البرهان العقلي، و الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ دلاّ على وحدة الصفات مع الذات، و أنّ واقعية ذلك المقام الشامخ، فوق ما يقع في مستوى الأفهام العرفية. قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة. فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه و من ثنّاه فقد جزّأه و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه».(1)

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف» إشارة إلى ما ذكرناه من المتفاهم العرفي من الصفات و لكن الإمام نفى الإثنينية بالبرهان، لا بالتصرّف في معاني المشتقّات. ولا إشكال في أنّه يستعمله العامي و الحكيم في معنى واحد في حقّه سبحانه إرادة استعمالية غير أنّ المراد الجدّي في الأوّل كالمراد الإستعمالي بخلاف الثاني، فانّ المراد الجدّي فيه يغاير الاستعمالي.

وأظنّ أنّ القوم لو فتحوا باباً خاصاً للألفاظ و معانيها، وباباً آخر للعقائد، بحيث لا يكون ظهور اللفظ مبدأ للعقيدة، ولا العقيدة هادمة لظهور اللفظ،

ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة،:الخطبة الأُولى.


( 297 )
لكان أحسن.

ثمّ إنّ صاحب الكفاية أورد على صاحب الفصول فيما اختاره (1) من نقل الصفات الجارية عليه سبحانه عمّا هي عليها في المعنى، بأنّه يستلزم كون وصفه سبحانه صرف لقلقة لسان، و ألفاظاً بغير معنى، أو وصفاً بضدّ العلم.(2)

أقول: هذه المؤاخذة منقولة عن الحكماء الإشراقيين الذي يقولون بكون الوجود مشتركاً بين جميع مراتبه و مصاديقه ردّاً على القائلين بأنّ الوجود مشترك لفظي، و حاصل المؤاخذة أنّ المفهوم من قولنا: الله موجود، هو المفهوم من قولنا:«زيد موجود» فإن ثبت المدّعى، وإلاّ فإمّا أن يفهم نقيضه فيلزم منه نفي الصانع، أو لا يعلم شيء فيلزم لقلقة اللسان.

و بمثل هذا ردّ المحقّق الخراساني على صاحب الفصول بأنّه إذا نقل من معناه اللغوي فإمّا أن يفهم من قولنا: «الله عالم»، ضدّه ، فيلزم وصفه بالجهل ـ والعياذ بالله ـ أو لا يعلم منه شيء، فتلزم لقلقة اللسان.

ولكن المؤاخذة في المقام غير صحيحة، إذ لا يخفى أنّه إنّما يستلزم ذلك لو كان المعنى المنقول إليه مغايراً للمنقول عنه مائة بالمائة، كما هو المحكي عن المشائين القائلين بالاشتراك اللفظي في صدق الوجود على الواجب الممكن. و مثله المقام إذا أُريد من «العالم» خلاف من تنكشف لديه الأشياء، أو لم يرد منه شيء حتّى يكون لقلقة اللسان. و أمّا إذا أُريد منه مجازاً ذاك المعنى، بإلغاء قيد زيادة المبدأ على الذات الذي يدلّ عليه المشتق، فلا يرده ما ذكر.

والحاصل أنّ بين المنقول عنه و المنقول إليه قدراً مشتركاً، فلا يلزم ـ لو أُريد منه المعنى المنقول إليه ـ ما ذكره من لقلقة اللسان ، أو خلاف ما يراد منه عرفاً.

***

ــــــــــــــــــــــ
(1) الفصول:62، التنبيه الثالث من تنبيهات المشتق.
(2) الكفاية:1/87.


( 298 )

و هاهنا مسألة سادسة: نوجز الكلام فيها و هي أنّه لا يشترط في استعمال المشتق على وجه الحقيقة كون الإسناد حقيقياً، لإمكان الافتراق بين الأمرين، ،فكما أنّ لفظ «جرى» في «جرى الميزاب» استعمل في معناه الحقيقي، فهكذا لفظ «جار» في قولنا: «الميزاب جار» مستعمل في المتلبّس، و لكن الإسناد مجازي.

والحمد لله أوّلاً و آخراً و ظاهراً و باطناً

أقول: بهذا أتمّ شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ البحثَ في مقدّمات الأُصول. وقد اتّفق الفراغ من إلقاء هذه المحاضرات ـ و هي دورته الأُصولية الثانية يوم الأحد في التاسع و العشرين من شهر ربيع الثاني من شهور عام 1403 للهجرة وأضفنا إليه ما أفاده في الدورة الأُصولية الثالثة التي ابتدأ بها عام 1408 و بذلك أصبح الكتاب جامعاً لنكات الدورتين فشكر الله مساعي شيخنا الأُستاذ ـ مدّظلّه ـ و وفقه للتربية و التوعية.

حرّره مؤلفه الفقير إلى رحمة ربّه الغني

السيّد محمود الجلالي المازندراني عفى عنه

***