http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 192 ـ 210 ص

( 192 )

الجهة الثامنة: في أسماء المعاملات

إنّ البحث عن كونها موضوعة للصحيح أو الأعمّ لا يلازم القول بوجود الحقيقة الشرعية فانّ الظاهر اتّفاقهم على عدمها فيها و ـ مع ذلك كلّه ـ يقع البحث في كونها موضوعة لأيّ واحد منهما و ذلك لأنّ القائل بالوضع للصحيح يدعي أنّ العرف وضعها له و استعملها الشارع فيه أيضاً و على كلّ تقدير فالبحث فيها يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: قد ذكر المحقّق الخراساني أنّ أسامي المعاملات، على القول بكونها موضوعة للمسبّب، أعني: الحاصل من الإنشاء اللفظي لا يجري فيها النزاع، فانّ المسبب ـ لأجل بساطته ـ يدور أمره بين الوجود و العدم، لا بين الصحيح و الأعم .(1)

توضيحه: أنّ المسبّبات بما أنّها من الأُمور الاعتبارية، يدور أمرها بين الوجود والعدم، لأنّ المعتبر (بالكسر)، شرعاً كان أم عرفاً، إمّا أن يعتبرها عند بعض الأسباب أو لا. فعلى الأوّل، يكون المعتبر (بالفتح) متحقّقاً، وعلى الثاني يكون معدوماً، لا فاسداً، ولا معنى لاعتباره فاسداً.

نعم يمكن اتّصافه بالصحّة والفساد إذا قيس المسبّب العرفي إلى المسبّب عند الشرع فيحكم عليه عند الشرع بالفساد و مع ذلك فالظاهر أنّه توسع في العبارة والحقيقة أنّه يخبر بالفساد عنده عن عدم اعتباره موضوعاً، لا اعتباره موضوعاً والحكم عليه بالفساد.

الأمر الثاني: قال المحقّق الخراساني : إذا كانت أسماء المعاملات موضوعة للأسباب فللنزاع فيه مجال.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/49.


( 193 )

أقول: الفرق بين وضعه للمسبّبات، ووضعه للأسباب حيث لا يتّصف الأوّل بالصحّة والفساد، بخلاف الثاني، هو بساطة المسبّب، وتركّب السبب من أجزاء وشرائط يتّصف عند الاجتماع بالصحّة وعند الفقدان بالفساد. ولا يتوقّف اتّصاف السبب بالفساد ملاحظة ما هو المعتبر عند العرف إلى ما هو المعتبر عند الشرع بل نفس المعتبَر عند الشارع باعتبار تركّبه، يتّصف بالصحّة والفساد و إن كان دقيق النظر فيه أيضاً يرجع إلى نفي الاعتبار، لا اعتباره فاسداً و مع ذلك وصف السبب بالصحّة والفساد، أسهل من وصف المسبّب بهما.

الأمر الثالث: إذا قلنا بوضع ألفاظ المعاملات عند العرف للسبّب الصحيح ، فهل اختلاف الشرع و العرف في كون شيء سبباً ـ كبيع المنابذة ـ يرجع إلى التخطئة في المصداق، مع اتّفاقهما في المفهوم، أو يرجع إلى الاختلاف في مفهوم البيع الصحيح بالسعة لدى العرف و الضيق عند الشرع؟

ذهب المحقّق الخراساني إلى الأوّل و قال: ليس للاختلاف في الموضوع له، أعني: العقد المؤثّر لأثر كذا، بل الموضوع له عند الجميع واحد، و إنّما الاختلاف في المحقّقات و المصاديق و من قبيل تخطئة الشرع العرف في تخيّل كون العقد بدون ما اعتبره الشرع في تأثيره، محقّقاً لما هو المؤثّر.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه مبني على كون الموضوع له هوالعقد المؤثّر للملكية بهذا العنوان الكلّي، فيرجع اختلافهما في اعتبار شيء في العقد وعدمه، إلى تشخيص المصداق الواقعي. و الظاهر عدم صحّته، بل الموضوع له أمر أضيق من هذا العنوان الكلّي و هو الإيجاب والقبول بشرائطهما، فالعرف لا يعتبر لزوم كون اللفظ عربياً في النكاح، و الشرع يعتبره فليس الاختلاف في المصداق مع الاتّحاد في الموضوع له الكلّي، بل الاختلاف في نفس الموضوع له: هل هو مطلق الإيجاب والقبول أو هما مع كونهما عربيين؟ وقس عليه سائر الموارد وليس ذلك بمعنى

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/49.


( 194 )
وجود وضع خاص لها في الشرع بل المقصود تضييق دائرة المفهوم بأدلّة خاصّة فالبيع بالمنابذة ليس بيعاً عند الشرع و إن كان كذلك عند العرف.

وثانياً: أنّ التخطئة في المصداق إنّما تصحّ في الأُمور التكوينية التي لها ملاكات واقعية، ولا تختلف باختلاف الأنظار، كقوله ـ عليه السَّلام ـ في الفقاع:«هي خميرة استصغره الناس»(1) وأمّا الأُمور الاعتبارية التي ملاكها و مجوّزها نفس الاعتبار، فلا معنى لتخطئة معتبر، اعتبارَمعتبرِ آخر، مع أنّ صحّة الاعتبار بنفس الاعتبار و ترتّب الأثر في محيط المعتبر، لا في جميع المحيطات والبيئات.

وبعبارة أُخرى: لو كان للشيء واقع محفوظ مع قطع النظر عن ملاحظة اللاحظ واعتبار المعتبر، لكان للتخطئة مجال، كالمقياس المعروف بـ«متر» فإنّه عبارة عن مائة سنتيمتر، ففي وسع أحد، أن يخطئ كون مقياس متراً لزيادته عنها أو لنقصانه و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل كانت واقعيته بنفس الاعتبار في محيط المعتبر، فلا تصحّ تخطئة معتبر، اعتبار معتبر آخر، نعم له أن لا يرتّب الأثر في محيطه و ظرف تقنينه وتشريعه، و لأجل ذلك نرى أنّ الشارع اعتبر نكاح كلّ قوم، نكاحاً و إن كان باطلاً في تشريعه و قال: «لكلّ قوم نكاح».(2)

الأمر الرابع: في صحّة التمسّك بالإطلاقات على القول بوضع ألفاظ المعاملات للصحيح فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: إذا قلنا بأنّ ألفاظ المعاملات أسام للأسباب الصحيحة فهل يكون ذلك مانعاً من التمسّك بإطلاقات الأدلّة الإمضائية عند الشكّ في صحّة سبب و فساده كما إذا تقدّم القبول على الإيجاب، أو كانا بصيغة المضارَع و نحوهما أو لا؟

أمّا على مختار المحقّق الخراساني فيجوز التمسّك بها عند الشكّ، لما مرّ من

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكليني: الكافي 6/ باب الفقاع، ص423، الحديث91.
(2) الطوسي: التهذيب 7/باب الزيادات ، ص472، الحديث99.


( 195 )
أنّ البيع الصحيح شرعاً وعرفاً واحد مفهوماً وأنّ الاختلاف يرجع إلى التخطئة في المصداق قال:

لأنّ إطلاقها لو كان مسوقاً في مقام البيان ينزّل على أنّ المؤثر عند الشارع هو المؤثر عند العرف ولم يعتبر في تأثيره عنده غير ما اعتبر فيه عندهم كما ينزّل عليه إطلاق كلام غيره حيث إنّه منهم ولو اعتبر في تأثيره ما شكّ في اعتباره كان عليه البيان و نصب القرينة عليه و حيث لم ينصب بان عدم اعتباره عنده أيضاً و لذا يتمسّكون بالإطلاق في أبواب المعاملات مع ذهابهم إلى كون ألفاظها موضوعة للصحيح.(1)

وأمّا على المختار فربّما يشكل التمسّك عليه ـ كما بيّنه السيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ قائلاً بأنّه إذا كان البيع من حيث السبب عند الشارع مغايراً مع البيع من حيث السبب لدى العرف، يرجع الشكّ في اعتبار سبب وعدمه إلى الشكّ في كون المشكوك مصداقاً للسبب الصحيح عند الشارع أو لا، والتمسّك بالعام عند الشبهة المصداقية للعام غير جائز بالاتفاق. وقد أشار إلى هذا الإشكال الشيخ الأعظم في آخر تعريف البيع حيث قال: و يشكل بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق نحو أحلّ الله البيع وإطلاقات أدلّة سائر العقود في مقام الشكّ في اعتبار شيء فيها مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.(2)

و مع ذلك كلّه الظاهر عدم الإشكال في التمسّك بها حتّى على مختاره الذي اتبعناه و ذلك يظهر بالإمعان في أمرين:

1ـ إنّ مفهوم البيع السببي عند الشرع و إن كان مغايراً مع البيع السببي عند العرف، لكن الاختلاف ليس بالتباين بل بالأقلّو الأكثر والضيق والسعة،

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/50.
(2) تهذيب الأُصول:1/ 88 طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.


( 196 )
فالمفهوم الشرعي أضيق من المفهوم العرفي.

2ـ إنّ الأدلّة الإمضائية، ناظرة إلى المفاهيم العرفية والأسباب الصحيحة عندهم لأنّ المفروض أنّها في مقام البيان، لا في مقام الإجمال و الإهمال، و هذا الافتراض يستلزم أن يكون الممضى في هذه الأدلّة هو الأسباب الصحيحة عند العرف و إلاّ يصير الكلام مجملاً و هو خلاف الفرض، غير أنّه لمّا كان هناك في مقام المفهوم اختلاف بالسعة والضيق وبالتالي، اختلاف في كون شيء سبباً أو لا جعل الشارع، ما هو المفهوم عرفاً مرآة وطريقاً إلى ما هو البيع شرعاً، غاية الأمر قد أشار إلى ما ليس عنده بيعاً بالأدلّة التفصيلية الخارجية فقد نهى عن بيع المنابذة، وبيع الخمر و الخنزير، وغيرها ففي كلّ مورد، ورد الدليل الخارجي تستكشف عدم المرآتية و الخطأ في الطريقية وأنّ الإرادة الاستعمالية مخالفة للإرادة الجدّية، وأمّا إذا لم يظهر الخلاف كعقد التأمين والشركات التجاريّة الحديثة، كشركة التضامن، و المساهمة، فيقال: الأصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية.

وحاصل الكلام أنّ تغاير الصحيح عند الشرع مع الصحيح عند العرف لا يكون دليلاً على أنّ الأدلّة الإمضائية، ما هو السبب الصحيح عند الشرع و إلاّ يكون الكلام لغواً و هو خلاف المفروض بل أمضاه بالمعنى الثاني و بالتدريج وحسب ورود الأدلّة نقف على الضيق عند الشرع. كما لا يخفى. و ما ذكرنا توضيح لما أفاده الشيخ في الوجه الأوّل من الذبّ عن الإشكال قال: إنّ البيع و شبهه في العرف إذا استعمل لا يستعمل حقيقة إلاّ فيما كان صحيحاً مؤثراً ولو في نظرهم. ثمّ إذا كان مؤثراً في نظر الشارع كان بيعاً عنده ، وإلاّ كان صورة بيع نظير بيع الهازل عند العرف. فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل: بعتُ عند العرف والشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر ومجاز في غيره إلاّ أنّ الإفادة و ثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف. وأمّا وجه تمسك العلماء بإطلاق أدلّة البيع و نحوه فلأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف حُمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات


( 197 )
الشرعية على ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف .أو على المصدر الذي يراد من لفظ (بعتُ) فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثراً في نظر الشارع أيضاً.

البيان الأوّل يناسب كونه موضوعاًللصحيح المسبب والبيان الثاني يناسب كونه موضوعاً للصحيح السببي. وقد عرفت أنّ الذبّ عن الإشكال في كلا الموردين واحد و هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية إلاّ ما خرج بالدليل.(1)

وأمّا الفرق بين الجوابين حيث عبر في الأوّل باسم المصدر و في الثاني بالمصدر فموكول إلى محلّه.

هذا كلّه إذا قلنا بوضعها للأسباب.

المقام الثاني: إذا قلنا بوضعها للمسبّبات، أعني: الملكيّة الحاصلة من الإيجاب والقبول، مثلاً: أنّ النكاح اسم للعلقة الحاصلة من الأمرين و هكذا.

فقد عرفت أنّ أسماء المعاملات لو كانت أسماء للمسبّبات، فلا تتّصف بالصحّة والفساد، بل يدور أمرها بين الوجود والعدم، و عليه فلو كان الدليل في مقام البيان، فهل يجوز التمسّك بإطلاقها إذا شكّ في خروج بيع عن الإطلاقات، أو إذا شكّ في جزئية شيء أو شرطيّته في أسبابها، أو لا؟

أمّا الأوّل، فلا شكّ في جواز التمسّك، لما عرفت من أنّ الأدلّة الإمضائية، إمضاءً لما بيد العرف من المسبّبات، و لم يكن للشارع هنا منطق خاص بل كان يستعمل هذه الألفاظ في المعاني التي يستعملها فيها العرف، فإذا كان الشارع قد أمضى كلّ المسببات إلاّما خرج بالدليل كالبيع الربوي وغيره، فكلّما شكّ في خروج مورد من تحته، يتمسّك بالإطلاق إلاّأن يعلم الخروج.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ الأنصاري: المتاجر: في آخر تعريف البيع ص80.


( 198 )

غير أنّ سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ منع من التمسّك قائلاً بأنّ المسبّبات أمرها دائر بين الوجودوالعدم، فالشكّ في اعتبار نوع من المسبّب، يرجع إلى صدق عنوان البيع عليه في محيط التشريع إذ لا معنى لاعتبار شيء فاسد، إذ الاعتبار مساوق لترتّب الأثر، فعند ذلك كيف يصحّ التمسّك مع الشكّ في المصداق.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ لوكانت الإطلاقات إمضاءً للبيع و المسبّب الشرعيين، إذ عندئذ يرجع الشكّ إلى الشبهة المصداقية، لأنّ احتمال عدم اعتبار بيع خاص ـ كالفضولي ـ يساوق الشكّ في صدق البيع عليه شرعاً و عدمه، و يكون التمسّك، تمسّكاً بالإطلاق في الشبهة المصداقية.

و لكن الإطلاقات إمضاء لما في يد العرف أي البيع المسببيّ العرفي، فإذا كان مورد الشكّ مصداقاً للإطلاق حسب العرف، نستكشف من الإطلاق كونه بيعاً عند الشرع و صحيحاً لديه.

وأمّا الثاني، أعني: إذا كان الشكّ في تحقّق المسبّب وعدمه ناشئاً عن الشكّ في شرطيّة شيء أو جزئيّته للسبب مع كون الألفاظ أسامي للمسبّبات كما إذا شكّ في مورد المعاطاة في كونه بيعاً داخلاً في الأدلّة الإمضائية لأجل الشكّ في اعتبار اللفظ في الإنشاء وعدم اعتبار الإنشاء الفعلي.

فقد ذهب المحقّق النائيني إلى عدم جواز التمسّك قائلاً بأنّه إذا كان إمضاؤه للمسبّبات أي للمعاملات التي هي رائجة عند العرف كالزوجية والمبادلة، مع قطع النظر عن الأسباب التي يتوسل بها إليها، كما في قوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللّهُ الْبيعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا) .(1) فإنّه في مقام بيان أنّ المعاملة الربوية ـ من دون نظر إلى الأسباب ـ غير ممضاة في الشريعة، بخلاف المعاملة البيعية، فالإطلاق لو كان وارداً في هذا المقام فلا يدلّ على إمضاء الأسباب العرفية، و ذلك

ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 275.


( 199 )
لعدم الملازمة بين إمضاء المسبّب وإمضاء السبب إلاّ فيما إذا كان له سبب واحد فانّ إمضاءه لمسبّبه يستلزم إمضاءه لا محالة و إلاّ كان إمضاءه لغواً و كذا فيما إذا لم يكن في البين قدر متيقّن فإنّ نسبة المسبّب حينئذ إلى الجميع على حدّ سواء فلا يمكن الحكم بإمضاء بعض دون بعض، و في غير هاتين الصورتين لابدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن وفي الزائد يرجع إلى أصالة العدم.(1)

ثمّ إنّهقدَّس سرَّه أجاب عن الإشكال بأنّ نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست من باب الأسباب والمسبّبات، بل من باب الإيجاد بالآلة والفرق بينهما أنّ المسبّب في باب الأسباب لم يكن بنفسه فعلاً اختيارياً و ما تتعلّق به الإرادة هوالسبب و يلزمه حصول المسبّب و هذا كالإحراق فالصادر من المكلّف هو الإلقاء في النار لا الإحراق كما هو الحال في جميع الأفعال التوليدية.

وهذا بخلاف الفعل في باب الإيجاد بالآلة فانّ ما يوجد بالآلة كالكتابة بنفسه فعل اختياري للفاعل، و متعلّق لإرادته و يصدر عنه أوّلاً و بالذات، فإنّ الكتابة ليست إلاّ عبارة عن حركة القلم على القرطاس بوضع مخصوص و هذا بنفسه فعل اختياري صادر عن المكلّف أوّلاً و بالذات.

إذا تبيّن الفرق بين الأمرين فاعلم أنّ صيغ العقود كلّها من قبيل الإيجاد بالآلة فإنّ هذه الألفاظ كلّها آلة لإيجاد الملكيّة والزوجية و الفُرقة و ليس البيع مسبّباً توليدياً لهذه الألفاظ بل البيع بنفسه فعل اختياري للفاعل متعلّق لإرادته أوّلاً و بالذات ويكون إيجاده بيده (و ذلك لأنّ قولك بعت أو اضرب ليس بنفسه موجداً للملكيّة، أو الطلب في الخارج نظير الإلقاء الموجد للإحراق بل الموجد هو الإرادة المتعلّقة بإيجاده إنشاء).(2)

فمعنى أحلّ الله البيع، هو حلّية إيجاده، فكلّ ما يكون إيجاداً للبيع بنظر

ــــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات:1/49ـ50; و المحاضرات 1/197.
(2) وما بين الهلالين مأخوذ من أجود التقريرات.


( 200 )
العرف فهو مندرج تحت إطلاق قوله تعالى: (أَحَلَّ الله البيع) ، و المفروض أنّ العقد الفارسي مثلاً يكون مصداقاً لإيجاد البيع بنظر العرف فيشمله الإطلاق.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر قوله: «و ما تتعلّق به الإرادة هو السبب ويلزمه حصول المسبّب، أنّ الإرادة لا تتعلّق بالمسبّب و لكنّه غير تام بل الإرادة كما تتعلّق بالسبب تتعلّق بالمسبّب، نعم تعبير المحقّق الخوئي في هذا المقام أضبط حيث قال: «و الإرادة تتعلّق بالمسبّب بتبع تعلّقها بالسبب».

وثانياً: حاصل ما أفاده في مقام الفرق أنّ الإلقاء سبب تام للإحراق، و لكن الإيجاب والقبول بما هما لفظان ليسا سبباً تاماً بل يجب أن ينضمّ إليهما الإرادة المتعلّقة بإيجاده بهما إنشاء. و لكن هذا لا يكفي في رفع الإشكال بل يجب أن تنضمّ إليه دعوى أُخرى: وهي أنّ إرادة الإنشاء بالإيجاب و القبول نفس إيجاد الملكيّة والزوجية حتّى يكون تنفيذ الأوّل بالإطلاقات تنفيذاً للثاني و إمضاء الأوّل نفس إمضاء الثاني فليس في المقام شيئان مختلفان ـ كما هو الحال في الإلقاء الإحراق و إلاّ ما لم تتحقّق الوحدة بينهما، لكان الإشكال باقياً.

وبذلك يعلم أنّ ما أجاب به خارج عن المفروض لأنّ مبنى الإشكال تعلّق التنفيذ بالمعنى المسبّبي و الذي أجاب به هو تعلّق الحلّية للبيع بالمعنى السببي حيث قال: «فمعنى أحل البيع هوحلّية إيجاده بكلّ ما يكون إيجاداً للبيع بنظر العرف فهو مندرج تحت الإطلاق».

وأخيراً نضيف كيف يمكن أن نقول إنّ تعلّق الإرادة بالإنشاء بالصيغة، نفس تمليكه مال بمال، أو مبادلة مال بمال، مع أنّ الأوّل فيه عناصر التكوين، و الثاني أمر اعتباري محض. فلاحظ.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الكاظمي : فوائد الأُصول:1/82; و أجود التقريرات:1/50;و المحاضرات:1/198، واللفظ للأوّل بتلخيص.


( 201 )

الإجابة عن الشبهة

والأولى أن يقال: إنّ هنا ملازمة عرفية بين إمضاء المسبّب وإمضاء السبب و إن لم يكن عقلاً كذلك وعلى ضوئها لا يكون للأخذ بالقدر المتيقّن من الأسباب وجه ، لأنّ الملازمة من المداليل اللفظية و معها لا وجه للأخذ بالقدر المتيقّن.(1)

ويمكن الإجابة بوجه آخر وهو التمسّك بالإطلاق المقامي توضيحه: أنّ المسبب إذا كان أمراً تكوينياً لا تختلف في خصوصيات سببه الأنظار، فلا يحتاج إلى بيان سبب خاص إلاّ إذا كانت الخصوصية مورداً للعناية كما في التذكية حيث اعتبر فيها كون الآلة، حديداً، و الذابح مسلماً، و المذبوح مستقبل القبلة، وغير ذلك. وأمّا إذا كان المسبّب أمراً اعتبارياً تختلف خصوصيات سببه حسب الأنظار و اللغات والبيئات، فلو أمضى المسبّب و كان السبب عنده، غير ما هو المتعارف عند العرف، يجب عليه أن يعرّفه و يبيّنه، لأنّ إمضاء المسبّب عند العرف بمنزلة إمضاء السبب، بحيث ينتقل من إمضائه إلى إمضائه، ولو كان عنده سبب خاص ـ كما في مورد الطلاق ـ لوجب عليه البيان، فقد ورد في روايات الطلاق أنّه يقول المطلِّق: «أنتِ طالق»(2) وحيث لم يرد في باب المعاملات بيان خاص، يستكشف عدم اعتبار سبب خاص، وأنّ السبب الفعلي كالسبب القولي.

وإن شئت فسمّه بالإطلاق المقامي، وأنّ كلّ ما يغفل عنه عامة الناس، يجب على الشارع فيه البيان، كما في قصد الوجه والتمييز حيث يرفع وجوبهما بالإطلاق المقامي، بضميمة الإطلاقات الواردة في الكتاب والسنّة.

ــــــــــــــــــــــ
(1) ولا تتوهم أنّ ما ذكرناه راجع إلى كلام المحقّق النائيني، لأنّه كان منكراً للإثنينية وأنّه ليس هنا إلاّ شيء واحد. و نحن نسلم الإثنينية و لكن نقول بالملازمة العرفية، ولو كانت الملازمة غير مقبولة ، لوجب عليه البيان.
(2) الوسائل: ج15، كتاب الطلاق، أبواب مقدّماته و شرائطه، الباب 16، الحديث 3و4.


( 202 )

وقد اتّضح بذلك صحّة التمسّك بالإطلاق على كلا القولين، سواء أقلنا بوضعها للأسباب الصحيحة أم للمسبّبات الصحيحة، سواء أكان الشكّ في الثاني في اعتبار نفس المسبّب كالعقد الفضولي، أو في أسبابها كما في المقام.

الأمر الخامس: هل أسماء المعاملات أسماء للأسباب أو للمسببات أو تختلف؟ لا تترتب على هذا البحث ثمرة لما عرفت من صحّة التمسّك بالإطلاق على جميع التقادير. لكن يمكن أن يقال إنّ لفظ العقود في قوله سبحانه :(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُود) (المائدة/1) ظاهر في إمضاء السبب فانّ المتبادر عن العقود هو الإيجاب والقبول اللّذان هما الأسباب كما أفاده المحقّق العراقي (1). واحتمال أنّ المراد من العقد هوالعهد المشدّد كما نقله الشيخ الأعظم في المتاجر عن بعضهم، ليس بتمام إذ لا عهد في المعاملة فضلاً عن كونه مشدَّداً، وقد ورد في القرآن الكريم قوله سبحانه: (إِلاّأَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِكاح)(2) فاتّضح أنّ العقد هو الأسباب و الآية ظاهرة في امضائها و ما ربّما يقال: إنّ الآية ناظرة إلى المسبّبات بقرينة تعلّق وجوب الوفاء بها،و هو لا يتعلّق إلاّ بالأمر الباقي، ضعيف، لأنّ وجود العقد و إن كان آنياً، إلاّ أنّ له بقاءً في عالم الاعتبار، و لأجل ذلك يتعلّق به الفسخ، و هو حلّ له.

وأمّا غيرها كقوله سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البيع) (3) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «الصلح جائز بين المسلمين»(4) و : «النكاح سنّتي»(5) و: «الطلاق بيد من أخذ بالساق» (6) فالظاهر أنّها بمعنى المسبّبات أعني: ما يحصل من أسبابها، و قد عرفت عدم ثمرة واضحة لتعيين أحد الشقين، لصحّة التمسك بالإطلاقات على كلا القولين.

ــــــــــــــــــــــ
(1) العراقي: بدائع الأفكار: 1/143.
(2) البقرة:237.
(3) البقرة:275.
(4) من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث 2; و البحار:3/178، الحديث 2.
(5) لئالي الأخبار: 3/221; بحار الأنوار:103/220.
(6) الجامع الصغير:2/57.


( 203 )

الأمر السادس: أنّ دخالة شيء في شيء تارة تكون بنحو الجزئية للماهية وأُخرى بنحوالشرطية لها و ثالثة بنحو لا يكون جزءاً أو شرطاً لها، و لكنّه ممّا يتشخّص به المأمور به، فيكون جزءاً أو شرطاً للفرد، لا للماهية. فتصير الأقسام أربعة.

توضيحه: أنّه ربّما يتعلّق الأمر بالمركّب من شيء و شيء ويلاحظان شيئاً واحداً ويتعلّق بهما الأمر دفعة و ذلك ما يسمّى بجزء المأمور به وعندئذ يكون القيد والتقييد داخلين فيه، واقعين تحت الأمر.

وأُخرى يتعلّق الأمر بشيء، غير أنّ ترتّب الغرض عليه يتوقّف على تحقّق شيء قبله أو معه أو بعده، كالتوضؤ قبل الصلاة والاستقبال حينها، والأغسال الليلية لصحّة صوم اليوم الماضي، فعند ذلك يكون التقيّد داخلاً، والقيد خارجاً، فيكون المأمور به هو الطبيعة المتقيّدة، فالوضوء و إن لم يكن داخلاً في المأمور به، ولكن مطلوبية الأجزاء و ترتّب الأثر عليها يتوقّف على تحقّقه قبلها.

وعلى ذلك يكون كلّ من الجزء والشرط داخلاً في قوام المأمور به على النحو الذي عرفت. ثمّ إنّ المحقّق الخراساني، صرّح بإمكان أخذ العدم جزءاً أو شرطاً للمأمور به و أورد عليه بأنّ الجزء (بل و مثله الشرط) عبارة عمّا يكون مؤثّراً في المصلحة ولو بعنوان الجزئية، والعدم لا يكون مؤثّراً في الأمر المتأصّل.

يلاحظ عليه: أنّ حقيقة أخذ العدم في المأمور به على كلا النحوين ليس إلاّ لأجل كون وجوده مخلاً، فيعبّر عن إخلال وجوده بأخذ عدمه في المأمور به ـ وعلى ذلك فلا مانع في عالم الاعتبار من أخذ العدم في المأمور به بأحد الوجهين مشاراً بذلك، إلى أنّ وجوده مخلّ للمأمور به. وأمّا القول بأنّ الجزء أو الشرط ما يكون مؤثّراً في المصلحة، و العدم أنزل من أن يكون مؤثّراً فغير تام لأنّ ذلك صحيح في الأُمور التكوينية لا الاعتبارية التي يتوقّف فيها صحّة لحاظ شيء جزءاً أوشرطاً، على ترتّب فائدة على الأخذ والاعتبار و يكفي في وجود الفائدة ، الإشارة إلى كون


( 204 )
وجوده مخلاً كما لا يخفى.

هذا كلّه في الجزء والشرط الدخيلين في ماهية المأمور به، وأمّا القسم الثالث أعني: العوارض الفردية سواء أُخذت بصورة الجزء للفرد أو بصورة الشرط له، فالمراد منها ما يكون خارجاً عن حقيقة المأمور به فلا يكون جزئه ولا شرطه و لكنّه يعدّمن خصوصيات الفرد بمعنى أنّه يوجب مزيّة فيه كالصلاة مع القنوت (جزء الفرد) أو في المسجد (شرط الفرد)، و إذا وجدت الطبيعة في ضمن ذاك الفرد، تنطبق الطبيعة عليه و يصدق عنوان المأمور به على المتشخص به. لا أنّه يكون أمراً مستحبّاً في المأمور به حتّى يكون كالأدعية المستحبّة الواردة في أيّام وليالي شهر رمضان، الذي هو القسم الخامس الذي نشير إليه.

وبالجملة : كما أنّ عنوان الإنسان ينطبق على الفرد بما أنّه حيوان ناطق، فهكذا ينطبق على سائر خصوصياته الفردية فليس زيد القصير أوالطويل إنساناً و أمراً منضّماً إليه بل هو بأجمعه إنسان لأنّ الطبيعة تشخّصت في ضمنه، و مثله المقام: فالصلاة مع القنوت، أو في المسجد مصداق للمأموربه، لا أنّها مركّبة من المأمور به والشيء المستحبّ المنضمّ إليها.

ثمّ إنّه يورد على تصوير هذا القسم بأنّ المراد من جزء الفرد و شرطه هوالعوارض الفردية الخارجة عن ماهيّة الشيء و هذا إنما يتصوّر في المركّبات الخارجية، فإنّ الإنسان له علل القوام، أعني: الجنس و الفصل، كما له العوارض الفردية من الأعراض التسعة من الطول والقصر واللون وغيرها، وعندئذ يحلّله العقل إلى أُمور مربوطة بجوهره و ماهيته، و أُمور مربوطة بعوارضه و خصوصياته الفردية.

وأمّا المركّب الاعتباري، بما أنّه فاقد للوحدة الحقيقية، فكلّ فرد منه، له ماهيّة خاصّة. فللفاقد ماهية، و للواجد ماهيّة أُخرى. مثلاً الصلاة مع القنوت موجودة، والصلاة لا معه موجودة أُخرى. فلا يعدّالقنوت من العوارض الفردية


( 205 )
والبواقي من علل القوام.

وبالجملة هنا فرق بين الواحد الحقيقي والواحد الاعتباري فالواحد الحقيقي، بما أنّ له وجوداً حقيقياً، يجوز للعقل أن يعتبر له علل قوام و عوارض فردية، و هذا بخلاف الكثير الحقيقي الذي لاوحدة له إلاّ في عالم الاعتبار، ولا وجود له واقعاً إلاّ في طرف الوهم و الفرض، إذ عندئذ يعدُّ و يحاسب الجميع في عرض واحد.

وقد أجاب عنه المحقّق البروجردي بما هذا حاصله: أنّ الصلاة لها مراتب كاملة و غير كاملة فالجزء الدخيل في جميع مراتبها هو جزء وجوبي، والدخيل في مرتبتها الكاملة يسمّى جزءاً ندبياً والأجزاء أوالشرائط الفردية راجعة إلى نفس الطبيعة ولكن بحسب مراتبها.(1)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف الفرض (إذ البحث في جزء الفرد)، و ما ذكره راجع إلى القسمين الأوّلين أعني: جزء المأمور به و شرطه، غاية الأمر لما كانت الصلاة ذات مراتب متفاوتة فهي جزء للطبيعة في بعض مراحلها لا في جميعها.

والأولى أن يقال: إنّه ربّما يكون الشيء خارجاً عن ماهية الشيء و لكنّه إذا وجد،، يعدّ جزءاً له لا أمراً خارجاً، كما إذا كان لذاك الشيء دخالة في حسن الشيء الآخر، و كماله.

وذلك كالايوان بالنسبة إلى الدار، إذ ليس هو جزءاً من الدار، وإلاّ لزم أن لا يصدق على فاقده أنّه دار. لكنّه إذا وجد، يعدّ جزءاً منها، ومثله السرداب، وليكن القنوت من هذا القبيل، و إذ ليست الصلاة متقوّمة بالقنوت و إلاّ لزم عدمها بعدمه و لكنّها على وجه لو أتى به المكلّف فيها لا يعدّأمراً أجنبياً عنها، أو مستحبّاً في واجب، بل ينطبق عليه عنوان الصلاة كما ينطبق عنوان الدار على

ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول: 50.


( 206 )
الكلّ، ومنه الايوان. و بما أنّ لهذا الشيء تأثيراً في كمال سائر الأجزاء، فلا يعدّ أمراً أجنبياً عنها، بل يعدّ جزءاً منها أو شرطاً فيها عند وجوده. و هذا ما يسمّى بجزء الفرد وشرطه.

ويترتّب على ذلك بطلان العمل إذا كان الشيء مأخوذاً جزءاً أو شرطاً في الماهية بالترك، بخلاف المأخوذ جزءاً أو شرطاً للفرد، فلو أتى به فقد أتى بأفضل الأفراد ولو ترك، لقد أتى بالفرد المجزي و يكون مسقطاً للواجب.

وهنا قسم خامس أشار إليه في الكفاية بقوله: وحاصله أن لا يكون للشيء أيّة دخالة فيه، و إنّما يكون الشيء ظرفاً للشيء، كالأدعية الواردة في أيّام شهر رمضان لخصوص الصائم ،فلاحظ.(1)

***

المقدمة الحادية عشرة:

في الإشتراك

والكلام يقع في أُمور:

الأمر الأوّل: في إمكانه

الاشتراك اللفظي عبارة عن كون اللفظ الواحد موضوعاً لمعنيين أو أكثر من واضع واحد بأوضاع متعددة، بالوضع التعييني أو التعيّني وفي إمكانه مذاهب ثلاثة:

1ـ الإمكان

3ـ الامتناع

3ـ الوجوب

ولكلّ من أصحاب هذه الآراء دليل.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/51.


( 207 )

أمّا الأوّل، فقد ذهب إليه الأكثر قائلين بأنّ أدلّ دليل على إمكان الشيء وقوعه، و انكاره مكابرة محضة، فهذا هوالعين تستعمل في الباكية و الجارية، وفي الذهب و الفضة و لو افترضنا أنّها كانت حقيقة في الباكية مثلاً، و استعلمت في الجارية لعلاقة المشابهة لنبوع الماء فيهما، لا يضرّبالمقصود إذ ليس المدّعى كون اللفظ مشتركاً من أوّل يومه و إنّما المدّعى كونه مشتركاً فعلاً ولو بعد مضيّ الزمان و ليعلم أنّ المراد من الإمكان في المقام، هوالإمكان الوقوعي في مقابل الامتناع الوقوعي. فوقوعه دليل على إمكانه بهذا المعنى ، وليس المراد الإمكان الذاتي حتى يقال إنّ الوقوع أعمّ منه و من الواجب كما حرر في محلّه فإذاً يكون الوقوع دليلاً على الإمكان الوقوعي في مقابل الامتناع الوقوعي .

أمّا الثاني، فقد أحالوه بوجهين:

1ـ أنّه مخلّ بالتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن.

وأجاب عنه في الكفاية بوجهين(1):

أ: من إمكان الاتكال على القرائن الواضحة.

ب: منع كونه مخلاً بالحكمة لتعلّق الغرض بالإجمال.

والأولى أن يقال: إنّ ما ذكره من التعليل إنّما يصحّ إذا كان الواضع واحداً، فيصدّه الإخلال عن الوضع الثاني، ،دون ما إذا كان متعدّداً، وكان كلّ غافلاً عن عمل الآخر.

2ـ ما استدل به صاحب الحاضرات على امتناع الاشتراك بأنّ الوضع الثاني يستلزم نقض الوضع الأوّل، لأنّ الوضع ليس بمعنى جعل الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له، أوجعله وجوداًتنزيلياً للمعنى، بل بمعنى تعهّد الواضع في نفسه بأنّه متى تكلّم بلفظ مخصوص لا يريد منه إلاّ تفهيم معنى

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/52.


( 208 )
خاص. و من المعلوم أنّ هذا التعهد لا يجتمع مع تعهّده ثانياً بأنّه متى تكلّم بذلك اللفظ لا يقصدإلاّ تفهيم معنى آخر مباين للأوّل، ضرروة أنّ معنى ذلك نقض ما تعهده أوّلاً. وإن شئت قلت: إنّ الوضع عبارة عن التعهّد المجرّد عن الإتيان بأيّة قرينة و هذا غير متحقّق في الاشتراك اللفظي.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً : ـ مع تسليم المبنى و هو غير مسلّم ـ أنّ لازمه عدم تحقّق الاشتراك اللفظي من واضع واحد، لا من واضعين فأزيد. و سيوافيك أنّ الاشتراك اللفظي مستند إلى اختلاف اللغات غالباً .

و ثانياً: ليس معنى الوضع هو التعهّد المجرّد عن الإتيان بالقرينة ، بل التعهد الأعمّ من المجرّد بشهادة أنّ المشترك المعنوي إذا أُريد منه الفرد الخاص، يحتاج إلى القرينة، و ليس هذا التطبيق من قبيل المجاز حتّى يحتاج إلى قرينة مفهمة(2) لأنّ إفهام المعنى المشترك غير محتاج إليها.

و أمّا الثالث، أي القول، بوجوب الاشتراك فقد استدل عليه بأنّ الألفاظ والتراكيب المؤلّفة منها جميعاً متناهية، والمعاني غير متناهية، والحاجة ماسّة إلى تفهيم المعاني بالألفاظ، ولا يتمّ ذلك إلاّ بالاشتراك وأورد عليه في الكفاية بأنّ المعاني إذاكانت غير متناهية فلا يمكن الوضع لها لا بالاشتراك ولا بغيره لاستلزامه الأوضاع غير المتناهية من الإنسان المتناهي.

والظاهر أنّ مراد القائل هو كثرة المعاني، لاكونها غير متناه حقيقية فالأولى ما أجاب به بعد هذا و قال:

1ـ إنّ المعاني على فرض تناهيها، لا تمسّ الحاجة إلاّ بالقدر المتناهي منها، لأنّ الأغراض المتداولة بين العقلاء متناهية.

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:1/213.
(2) كجميع أسماء الأجناس فانّ استفادة الأسد المعيّن، بالقرائن فانّ اللفظ كاف لجميع أفراده على وجه الإجمال لكونها داخلة تحت الطبيعة التي وضع اللفظ لها.


( 209 )

2ـ مع أنّه يكفي الوضع للمفاهيم الكلّية و إرادة الجزئيات بالقرائن.

3ـ إنّ طريق التفهيم لا ينحصر بطريق الحقيقة. بل يكفي إفهام المعاني بطريق المجاز ، و هو باب واسع.(1)

و يمكن أن يقال: إنّ تناهي الألفاظ منظور فيه، فانّ مواد الألفاظ إن كانت هي الثمانية والعشرين حرفاً، لكن الألفاظ المؤتلفة منها بكثرة الحروف و قلّتها، و تقديم بعضها على بعض وتأخيره، و الحركات و السكنات المختلفة توجب بلوغها إلى حدّ غير متناه عرفاً، كالمعاني .

الأمر الثاني: في منشأ الاشتراك

وهو أحد أُمور:

إمّا تشتّت الناطقين باللغة: حيث إنّ العرب، كانوا يعيشون متشتّتين في أطراف الجزيرة العربية و كانت الحاجة تلزمهم إلى التعبير عن كلّ معنى بلفظ، فيطلقون لفظاً خاصّاً على معنى. و كانت الطوائف الأُخر تعبّر بذاك اللفظ عن معنى آخر. و لمّا قام اللغويون بجمع لغات العرب، ظهر الاشتراك اللفظي.

وإمّا استعمال اللفظ في غير معناه الحقيقي بكثرة، حتّى صار معنى حقيقياً بكثرة الاستعمال، كما في لفظ الغائط مثلاً فهو موضوع للمكان الذي يضع فيه الإنسان، ثمّ كنى به القرآن عن فضلة الإنسان، إلى أن صار حقيقة فيها.

و إمّا وجود العلاقة الشديدة بلفظ خاص كما سمّى الحسين ـ عليه السَّلام ـ أولاده بعلي، و ميّزهم بالأكبر والأصغر والأوسط.

الأمر الثالث: في وقوعه في القرآن

لا يخفى وجود الاشتراك في لغة العرب والقرآن، وقد جمع اللغويّون

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/53.


( 210 )
المشتركات اللفظية في تلك اللغة و ما ورد في القرآن«كالنجم» المشترك بين الكوكب والنبات الذي لا ساق له، و «النون» المشترك بين السّمك و الدواب إلى غير ذلك. قال سبحانه: (وَ النَّجْمِ إِذا هَوى) (1)، وقال: (وَ النَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدان) .(2)

«و توهم عدم صحّة استعماله في القرآن، لأنّه يستلزم الاعتماد على القرائن و هو تطويل بلا طائل، و مع عدم القرائن يلزم الإجمال» غير تام لإمكان تعلّق الغرض بالإطناب مع صحّة الاتّكال على القرائن السماعية، و منع كون الإجمال غير مطلوب إذا كان المقام مقتضياًله.

و مع ذلك كلّه ليس لنا أن نغترّ بمعاجم اللغة، حيث ربّما تصوّر لنا أنّ للكلمة مثلاً، معاني متعدّدة، مع أنّ أكثرها من قبيل المصداق، للمعنى الواحد، و ليس بموضوع له مستقلاً. ولنذكر مثالاً: هذا هو القاموس يذكر لكلمة القضاء، المعاني التالية: 1ـ القضاء، 2ـالحكم، 3ـ الصنع، 4ـ الحتم، 5ـ البيان، 6ـ الموت، 7ـ الإتمام و بلوغ النهاية، 8ـ العهد، 9ـ الإيصاء، 10ـ الأداء(3) و يمكن الاستشهاد على كلّواحد من هذه الموارد من الكتاب والشعر ، مثلاً على الخلق بقوله سبحانه :(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَموات فِي يَومَيْنِ) (فصّلت/12) وعلى الحكم والإيجاب، بقوله سبحانه:(وَ قَضى ربُّكَ أَلاّتَعْبُدُوا إِلاّإِيّاهُ) (الإسراء/23) إلى غير ذلك.

ولكن إذا راجعنا، كتاب المقاييس الذي ألّف لتوحيد المعاني المتصوّرة كثيراً و بإرجاعها إلى جذورها و أُصولها، نرى أنّه يقول ليس له إلاّ أصل واحد، و الجميع يرجع إلى ذلك و هو ما يدلّ على إحكام أمر، و إتقانه و إنفاذه لجهته قال الله تعالى: (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَموات فِي يَومَيْنِ) ، أي أحكم خلقهنّ، و القضاء الحكم قال

الله سبحانه في ذكر من قال: (فَاقْضِ ما أنْتَ قاض)(طه/72) أي اصنع واحكم و لذلك سمّي القاضي قاضياً، لأنّه يحكم الأحكام و ينفذها. و سمّيت المنيّة قضاءً لأنّه أمر يُنفذ في ابن آدم وغيره من الخلق ـ إلى أن قال:ـ و كلّ كلمة في الباب فإنّها تجري على القياس الذي ذكرناه فإذا هُمِز تغيّر المعنى يقولون: القُضْأة: العيب، يقال ما عليك منه قضأة و في عينه قُضأة: أي فساد.(4)

***

ــــــــــــــــــــــ
(1) النجم:1.
(2) الرّحمن:6.
(3) الفيروز آبادي: القاموس: 4/378، مادة قضى. و قد مرّ سابقاً أيضاً.
(4) أحمد بن فارس: المقاييس:5/ 99ـ 100مادة قضى.