http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 181 ـ 191 ص

( 181 )
الخمر، وقاطع الرحم، وعاق الوالدين. فحينئذ، فالاستدلال ساقط.

وقدعقد صاحب الوسائل باباً أسماه «بطلان العبادة بدون ولاية الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ(1) أورد فيها روايات تناهز تسع عشرة رواية، أكثرها دالة على الصحّة و لكن لا تقبل ولا يترتّب عليها الثواب فلاحظ رقم 2، 4، 5، 8 وغيرها وعلى ذلك فيكون الأخذ على وجه الحقيقة.

و لكن الأولى أن أن يجاب بوجه آخر وهو أنّ المراد من الصحيح هو تام الأجزاء والشرائط، لا الصحيح من سائر الجهات كالاعتقاد بالولاية فالصحّة من هذا الجانب خارج عن المسمّى كما تقدّم.

السادس: قوله: «دعي الصلاة أيّام أقرائك»(2) فانّه لو كانت الصلاة اسماً للصحيح لما صحّ النهي عنها لعدم كونها مقدورة و إنّما تكون مقدورة إذا كانت اسماً للأعم.

ولا يخفى أنّه إنّما يتمّ لو كان النهي مولوياً، فيشترط حينئذ أن يكون المتعلّق مقدوراً و ليس المقدور إلاّ الأعم لا ما إذا كان إرشادياً كما في المقام فإنّ النهي إرشاد إلى عدم تمكّنها من الصلاة الواقعية، وليس النهي مولوياً، وإلاّ يلزم كون الإتيان بصورة الصلاة، حراماً بالذات، وهو كما ترى.

السابع: أنّه لا شبهة في صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في مكان تكره فيه، وحصول الحنث بفعلها، ولو كانت الصلاة المنذور تركها خصوصَ الصحيحة، لزم إشكالان:

الإشكال الأوّل: عدم إمكان حنث الحلف، لأنّ الحنث يتحقّق بالصلاة الصحيح، و هي غير مقدورة بعدنهي الشارع.

ــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل: الجزء الأوّل: الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات.
(2) الكافي: 3/88..


( 182 )

الإشكال الثاني: يلزم المحال، لأنّ المنذور حسب الفرض تعلّق بالصحيحة، ومع النذر لا تقع صحيحة، فيلزم من فرض تعلّق النذر بالصحيحة، عدم صحّتها.

أقول: إنّ الإشكال مشترك بين الصحيحي و الأعمّي، لأنّ متعلّق النذر على كلا القولين هو الصحيح لا الأعم، لأنّ المنذور ليس ترك الأجزاء الرئيسية ولا الصورة المعهودة المشتركة بين الصحيح و الفاسد، فما هو الجواب عند الأعمّي هوالجواب عند الصحيحي.

ثمّ إنّه قد أُجيب عنه بوجوه:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الخراساني بأنّ متعلّق النذر هو الصحيح في حدّ ذاته، مع قطع النظر عن تعلّق النذر وعدمه.

قال: «إنّ الفساد من قبل النذر، لا ينافي صحّة متعلّقه، فلا يلزم من فرض وجودها عدمها».(1)

وعندئذ لا يترتّب عليه شيء من الإشكالين، بل يصحّ حنثه، ولا يلزم من فرض صحّتها، عدم صحّتها، فهي بعد تعلّق النذر أيضاً، صحيحة بالمعنى المذكور.

و بعبارة أُخرى: إنّها موضوعة للصحيح من حيث الجهات الراجعة إلى الصلاة نفسها، لا الصحيح حتّى من الجهات الطارئة كالنذر وشبهه. و الصلاة في المكان المكروه، صحيحة بالمعنى الأوّل، وقد تعلّق بها النذر، وهو أمر ممكن، فإذا أتى بها ، أتى بما نذر تركه، فيتحقّق الحنث.

و أورد عليه المحقّق البروجردي بأنّ النذر تعلّق بترك ما هو مصداق لصحيح بالحمل الشائع لا الصحيح المعلّق،فلا يتحقّق الحنث بالصلاة

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/49.


( 183 )
الفاسدة.(1)

ولا يخفى ضعف الإيراد، فإنّ قصد الناذر تابع لما وضع له اللفظ، والصحيحي لا يدّعي وضعه للصحيح من جميع الجهات حتّى من الجهات الطارئة من جانب النذر و شبهه، بل يدّعي أنّه موضوع للصحيح من الجهات الراجعة إلى الصلاة نفسها.

ولو ادّعى القائل بأنّ النذر تعلّق بالصحيح من جميع الجهات حتّى الطارئة، نلتزم بعدم انعقاد النذر لعدم صحّة تعلّق النهي به.

الوجه الثاني: ما أجاب به المحقّق البروجردي و هو عدم صحّة النذر، لأنّه ليس المراد من الكراهة هنا الحزازة الذاتية حتّى يصحّ تعلّق النذر بتركها، بل المراد هو كونها أقلّ ثواباً. و لو كان هذا ملاكاً لصحّة تعلّق النذر، للزم صحّة تعلّق النذر بترك الصلاة في البيت، إذ هوأقلّ ثواباً بالنسبة إلى المسجد، وهكذا هو بالنسبة إلى المسجد الحرام.(2)

يلاحظ عليه: أنّ هناك فرقاً بين الصلاة في الحمام و الصلاة في البيت، فإنّ الكراهة في الثاني ليست لأجل حزازة موجودة في إيقاعها في المكان المشخّص ، فيتعيّن كونها بمعنى أقلّ ثواباً. و أمّا كراهة الصلاة في الحمام، فإنّما هي لأجل الحزازة الموجودة في محلّها و مكانها، وإلاّ فلو كانت الكراهة في الحمام بمعنى كونها أقلّ ثواباً، للزم اتّصاف كلّ الصلوات بالكراهة، إلاّ الفرد العالي، وهو كما ترى.

الوجه الثالث: صحّة النذر أوّلاً ، وصحّة الصلاة ثانياً والحنث ثالثاً.

أمّا الأوّل، فلما عرفت من وجوه الحزازة والمنقصة في الصلاة المأتي بها في الحمام، الذي هو مركز الشياطين و القذارات، و هو أشبه بامتثال أمر المولى بالسقي، بسقيه بوعاء غير لائق به.

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول، ص 48.
(2) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول، ص 48.


( 184 )

وأمّا الثاني والثالث، فلأنّ متعلّق الأمر الصلائي هو طبيعة الصلاة و متعلّق الأمر النذري هو الوفاء بالنذر، و متعلّق النهي التحريمي هو خلف النذر و بما أنّه كان في وسع المكلّف الإتيان بالصلاة في غير ذلك المكان، حتّى يقوم بامتثال كلا الأمرين. و لكنّه قام بامتثاله فيه، صارت الصلاة فيه مصداقاً ذاتياً للأمر الأوّل أعني: الأمر بالطبيعة، ومصداقاً عرضياًللتخلّف عن النذر، ولمّا كان متعلّقاً الأمر والتحريم مختلفين،فلا بأس بالأمر بها والنهي عن التخلّف، ولا يوجب ذلك بطلانها لأنّ ما هو الواجب بالذات هو طبيعة الصلاة المنطبقة على الفرد الخارجي بالذات، و ما هو المحرّم إنّما هو التخلّف عن النذر المنطبق على ذاك الفرد انطباقاًعرضياً، وبما أنّ كلّ أمر لا يتجاوز عمّا يتعلّق به فلا إشكال في أن تكون الصلاة واجبة بالذات، و محرمة بالعرض بانطباق عنوان التخلّف عن النذر عليها. و سيوافيك توضيحه عند البحث عن اجتماع الأمر والنهي، فانتظر.

وعلى كلّ تقدير فسواء أصحّت الصلاة أم لا، الاستدلال فاقد للقيمة، وذلك لأنّ المدّعى على القول بالصحّة، هو وضعها للأجزاء والشرائط التامّة و أمّا ما يعرض الموضوع من جانب العناوين الثانوية كالنذر والخلف فالصحّة و الفساد من تلك الناحية فخارجان عن محطّ النزاع و صميم المسمّى.

الجهة السابعة: في ثمرات المسألة

قد ذكرت للمسألة ثمرات أربع نذكرها:

الثمرة الأُولى: هو جواز التمسّك بالإطلاق وعدمه

قال المحقّق الخراساني: إنّ ثمرة النزاع، إجمال الخطاب على قول الصحيحي، وعدم جواز الرجوع إلى إطلاقه في رفع ما إذا شكّ في جزئية شيء للمأمور به وشرطيّته، أصلاً، (للزوم إحراز الموضوع في التمسكّ بالإطلاق ورجوع الشكّ إلى عوارضه وحالاته، و الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في دخوله في


( 185 )
المسمّى المستلزم للشكّ في صدق الموضوع وعدمه). وجواز الرجوع إليه في ذلك على قول الأعمّي، في غير ما احتمل دخوله في المسمّى، ممّا شكّ في جزئيّته أو شرطيّته نعم إنّما يرجع إلى الإطلاقات في غير ما شكّ في دخوله في المسمّى، إذا كان الإطلاق وارداً مورد البيان، كما هو الحال في سائر الشرائط.(1)

وردّت الثمرة بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ الصحيحي و إن كان لا يمكنه التمسّك بالإطلاقات اللفظية، لكن بإمكانه أن يتمسّك في نفي جزئية شيء أو شرطيّته، بالإطلاقات البيانية، كما هو الحال في صحيحة «حمّاد» حيث قام الإمام و صلّى ركعتين و بيّن عملاً أجزاء الصلاة و شرائطها، بإقامته الصلاة أمام حمّاد(2)، فإذا لم يأت بالاستعاذة ـ مثلاً ـ نستكشف عدم وجوبها.

يلاحظ عليه: أنّ ذلك خروج عن البحث، فإنّ محور البحث هو جواز التمسّك بالإطلاقات اللفظيّة، لا الإطلاقات البيانية، ولا الإطلاقات المقامية، فإنّ الصحيحي والأعمّي فيهما سواء.

الثاني: أنّ الثمرة عديمة الفائدة، إذ المطلقات الواردة في الكتاب، لا يصحّ التمسّك بها، لأنّ المتكلّم فيها ليس في مقام البيان، بل في مقام أصل التشريع، و معه لا يجوز التمسّك فقوله سبحانه:(أقيموا الصلاة)، مثل قول القائل: «الغنم حلال» فكما لا يصحّ التمسّك بإطلاق الثاني لإثبات حلّية الغنم المغصوب، فهكذا لا يصحّ التمسّك بإطلاق الأوّل لرفع وجوب الاستعاذة أو جلسة الاستراحة. غاية الأمر أنّ الأعمّي لا يصحّ له التمسّك بالإطلاق لوجه واحد، و هو عدم كون المتكلّم في مقام البيان، و الصحيحي لا يصحّ له التمسّك به

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول، ص 43، بتوضيح منّا.
(2) الوسائل، ج4، كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1. ورواها الصدوق بإسناده عن حمّاد بن عيسى المتوفّى عام 212هـ، و سنده في المشيخة إلى حمّاد، صحيح.


( 186 )
لوجهين: عدم كون المتكلّم في مقام البيان أوّلاً و الشكّ في صدق الصلاة على الفاقد، وعدمه، ثانياً.

يلاحظ عليه: أنّ إنكار عدم وجود مطلق في الكتاب العزيز والسنّة الشريفة، في أبواب العبادات، غريب جدّاً، فيكفي فيه قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ).(1)

فإنّه في مقام البيان، بقرينة ذكر الفروع في الآيات التالية. فعلى ذلك فالأعمّي القائل بأنّه لا حقيقة للصيام إلاّ قوله:(وَ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (2)، لو شكّ في وجوب شيء زائد على ترك الأكل و الشرب، يتمسّك بإطلاقه، إلاّ ما دلّ الدليل على وجوب الكفّ عنه، كالارتماس في الماء، و الافتراء على الله و رسوله و الأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ . وأمّا الصحيحي فلا، لكون مرجع الشكّ عنده إلى الشكّ في صدق الموضوع على الفاقد، و معه لا سبيل له للتمسّك بالإطلاق. و مثله قوله سبحانه:(وَاحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) (3) وقوله عزّ من قائل:(أَوفُوا بِالْعُقُودِ) (4) وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: «الصلح جائز بين المسلمين»(5) فعند الشكّ في دخالة شيء شرعاً في ماهية هذه الأُمور، يتمسّك بإطلاقها، على الأعمّ دون الصحيح. و إن حاول الشيخ أن يثبت جواز التمسّك بالإطلاقات الواردة في باب المعاملات لكن المحاولة مختصّة بباب المعاملات ولا يعمّ باب العبادات كما سيوافيك.

الثالث: إنّ الأعمّي أيضاً، لا يصحّ له التمسّك بالمطلقات، لأنّ المسمّى و إن كان الأعمّ لكن المأمور به هو القسم الصحيح فكلّما شكّ في جزئية شيء أو

ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة:183و184.
(2) البقرة: 187.
(3) البقرة: 275.
(4) المائدة: 1.
(5) من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث 2;والبحار:3/178، الحديث 2.


( 187 )
شرطيّته فهو شكّ في تحقّق الصلاة الصحيحة.

يلاحظ عليه: أنّ المأمور به ذات الصحيح، لا المقيّد بالصحّة، وعلى ذلك فإذا كان المسمّى صادقاً على المأتي به وشكّ في جزئية شيء أو شرطيّتة يتمسّك بالإطلاق و ليس الشكّ في كونه صحيحاً أو لا، مؤثّراً، لأنّ المأمور به ليس عنوان الصحيح، ولا الأجزاء والشرائط المقيّدة به حتّى يرجع الشكّ إلى الشكّ في المحصِّل و يوجب الاشتغال بل الشكّ في مدخلية أمر آخر وراء صدق الموضوع فيتمسّك بالإطلاق.

نعم يمكن ردّهذه الثمرة بأمرين آخرين:

الأوّل: ما حقّقناه في مبحث الحقيقة الشرعية من أنّ العرب كانوا يستعملون هذه الألفاظ في نفس هذه المعاني الشرعية، و لم يكن العرب غير عارفين بهذه المعاني بل كانوا يستعملونها فيها بكثرة ووفور، غير أنّ الإسلام تبع هؤلاء في استعمالها في تلك ا لمعاني بتصرّف فيها، بإضافة أجزاء وشرائط أُخر لم تكن موجودة فيها. وهذه المعاني مع كونها معاني شرعية قد صارت بمرور الزمان بمنزلة المعاني العرفية في تبادرها منها بلا قرينة.

وعلى ذلك فهذه الألفاظ موضوعة لما هو الصحيح عند العرب، لا الصحيح عند شارع الإسلام كما هو شأن سائر الألفاظ. فلو شككنا في جزئية شيء أو شرطيته واحتملنا كونه جزءاً أو شرطاً لهذه المعاني قبل الإسلام، لكان للتوقّف عن التمسّك وجه، وأمّا إذا شككنا في دخالتهما في هذه المعاني في الشريعة المقدّسة الإسلامية، كما هو الحال في كلّ الشكوك في زماننا، صحّ التمسّك بهذه الإطلاقات إذا كانت في مقام البيان، لأنّ المفروض أنّ هذه الألفاظ لم تكن مجملات غير مبيّنات المعاني عندهم، وأنّ نبيّ الإسلام قد استعمل هذه الألفاظ في تلك المعاني المبيّنة الصحيحة عندهم، وإنّما أضاف أشياء و تصرّف في كيفيتها، فمع ذلك لا معنى لإجمالها وعدم صحّة التمسّك بالإطلاق إذا أحرز المعاني


( 188 )
الأصلية و كان الشكّ في ما أضافه الإسلام إليها جزءاً أو شرطاً.

و يمكن استفادة ذلك ممّا ذكره الشيخ في أوّل البيع في تصحيح تمسّك العلماء بالعمومات الواردة في البيع و المعاملات مع قولهم بكون وضعها للصحيح، و حاصله جعل الصحيح عند العرف دليلاً وطريقاً لإحراز الصحيح عند الشارع إلاّما قام الدليل على فساده ، فلاحظ.(1)

الثاني: عدّهذه، ثمرة للمسألة الأُصولية مشكل، لأنّ ثمرة المسألة الأُصولية ما يقع كبرى للاستنباط بلا حاجة إلى ضمّ كبرى أُخرى إليه. و المقام ليس كذلك، فإنّ غاية هذه الثمرة،على فرض صحّتها و مع غضّ البصر عمّا قلناه هو وجود مطلق على القول بالأعمّ، وعدمه على القول بالصحيح فيرجع إلى البحث عن وجود مطلق وعدمه، وهو بحث عن مبادئ المسائل الفقهية.و المسألة الأُصولية هي التي تبحث عن جواز التمسّك بالمطلق أو لا، وأمّا أن هنا مطلقاً أو لا، فليس إلاّ بحثاً عن المبادئ.

الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على الأعمّ وعدمه على الصحيح

توضيحها: إنّا إذا شككنا في شرطية شيء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالأعم يكون الفاقد للشرط والجزء المحتمل وجوبهما، مصداقاً للمسمّى، ويعود الشكّ، إلى الشكّ في شرطية شيء زائد على المسمّى او جزئيّته، فيكون من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد، ويقع مجرى للبراءة. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح لأنّ الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته، ملازم للشكّ في صدق المسمّى، و معه يجب الاحتياط حتّى يعلم أنّه أتى بالمأموربه.

وبالجملة ، صدق المسمّى قطعي، على القول بالأعم، و مشكوك على القول الآخر، و هذا يستلزم الاشتغال على الثاني دون الأوّل.

ــــــــــــــــــــــ
(1) المتاجر: في مبحث تعريف البيع، قبل الشروع في المعاطاة.


( 189 )

ولكن الظاهر فساد هذه الثمرة، لأنّ القول بالأعم غير ملازم للقول بالبراءة، كما أنّ القول بالصحّة غير ملازم للاشتغال.

أمّا الأوّل: فلأنّه مبني على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيين، مع أنّ كلمة الأصحاب قد اختلفت فيه بين قائل بالبراءة، لأجل ادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى معلوم تفصيلاً و مشكوك بدواً، وقائل بالاشتغال لعدم انحلال العلم. فليس القول بالأعمّ ملازماً للقول بالبراءة إذ يمكن أن يكون القائل بالأعمّ غيرقائل بالانحلال، بل القول بالبراءة أو الاحتياط مبنيّ على صحّة الانحلال وعدمها في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.

وأمّا الثاني: فلأنّه مبني على كون الجامع بين أفراد الصحيح أمراً بسيطاً حاصلاً من الأجزاء والشرائط، و يكون كلّ من المحصِّل والمحصَّل موجوداً في الخارج بحياله و استقلاله كما هو الحال في الطهارة الحدثية المسببة من الوضوء والغسل و التيمّم. فحينئذ، يكون المحكّم ـ عند الشكّ ـ هو الاشتغال، مثلاً بأن يقال في المقام: إنّ الموضوع هو «عنوان الناهي عن الفحشاء» أو يقال بأنّ الموضوع، هو: مفهوم الصحيح، لا مصداقه. وعلى ذلك، فلا مناص عن الاشتغال للشكّ في امتثال المأمور به المعلوم مفهوماً.

وأمّا إذا كان الجامع ، على القول بالصحّة، أمراً مركّباً ذا أجزاء و شرائط، وذا أبعاض، فالشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، يرجع إلى الشكّ في تكليف زائد لأنّ الجامع عبارة عن مجموع الأجزاء على نحو اللابشرط من جانب الزيادة، فصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك ليس أمراً مشكوكاً فيه بل أمر متيقّن بل الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، فلو قلنا بالانحلال فيهما، يكون المرجع إلى البراءة، و إلاّ فلا.

وبالجملة لمّا كانت الصلاة من الماهيّات الاعتبارية لا الحقيقية، لتركّبها من أجناس مختلفة، من الكيف المسموع، و الوضع، والفعل، فيكون تركّبه، تركّباً


( 190 )
اعتبارياً لاحقيقياً، ويكون الجامع نفس الأجزاء والشرائط، أو الهيئة القائمة بهما. وعليه يكون الجامع ذا أبعاض، وإذا كان تعلّق التكليف بالمقدار المتيقّن معلوماً ، وتعلّقه بغيره مشكوكاً، فالمرجع البراءة على القول بالانحلال، و الاشتغال على عدمه.

فصارت النتيجة: عدم ملازمة القول بالأعمّ، للبراءة، وعدم ملازمة القول بالصحّة، للقول بالاحتياط.

فإن قلت: إنّ المسمّى على الصحيح، ملازم لأحد العناوين التي منها «النهي عن الفحشاء»، «وعمود الدين» و عنوان الصحيح. فمع الشكّ في الشرطية و الجزئية وإجراء البراءة، يشكّ في تحقّق هذه العناوين و مع الشكّ فيها، يشكّ في امتثال المأمور به.

قلت: إنّ الواجب على المكلّف في دائرة المولوية والعبوديّة هوالإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب، و هو الأجزاء والشرائط المعلومة. وأمّا سائر العناوين الملازمة، أعني الأغراض الداعية أو الآثار المترتبة فلا وجه لتحصيل العلم بتحقّقها و إلاّ يلزم الاحتياط في أكثر الموارد.

الثمرة الثالثة: في مورد النذر

إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي، فعلى القول بوضعها للصحيح لا يجب له أن يعطي إلاّ من صلّـى صحيحاً، بخلافه على القول بالأعم، فيجب له إعطاء كلّ منهما.

يلاحظ عليه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما وجب له الدفع لمن يصلّـي صلاة فاسدة، و إن كان الوضع للأعم. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّـي سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، يجب له إعطاؤه، و إن كان الوضع


( 191 )
للصحيح.

على أنّ مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة لمسألة أُصولية، إذ الملاك في عقد المسألة الأُصولية، كونها كبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، و تشخيص موضوع النذر كما هو الحال في هذه المسألة ليس استنباطاً لحكم شرعي. اللّهمّ إلاّ أن يقال، إنّ المسألة ليست مسألة أُصولية، ولأجل ذلك يبحث عنها في المقدّمة، فلا يضرّ عدم كون النتيجة، من مقولة النتائج الأُصولية.

الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة

ربّما يقال: إنّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة و علمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعم، فيشملها النهي.(1) و مثلها ، إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة سواء كان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ إنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم الكلّي، على هذا المورد و ليس ذلك ثمرة لها.

فتلخّص أنّه ليس للمسألة ثمرة أُصولية أمّا الأخيرتان فقدعرفت وأمّا إجراء البراءة، فقد عرفت أنّه غير مترتّب على القول بالأعم، كما أنّ الاحتياط غير مترتّب على القول بالصحيح، بل مترتّب على النزاع المعروف في الأقلّ والأكثر الارتباطيين و أمّا الثمرة الأُولى فقد عرفت أنّها عقيمة على المختار في كون ألفاظ العبادات حقائق عرفية.

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:1/193.