(5) من لا يحضره الفقيه:3/21، الحديث 2;والبحار:3/178، الحديث 2.
( 187 )
شرطيّته فهو شكّ في تحقّق الصلاة الصحيحة.
يلاحظ عليه: أنّ المأمور به ذات الصحيح، لا المقيّد بالصحّة، وعلى ذلك فإذا كان المسمّى صادقاً على المأتي به وشكّ في جزئية شيء أو شرطيّتة يتمسّك بالإطلاق و ليس الشكّ في كونه صحيحاً أو لا، مؤثّراً، لأنّ المأمور به ليس عنوان الصحيح، ولا الأجزاء والشرائط المقيّدة به حتّى يرجع الشكّ إلى الشكّ في المحصِّل و يوجب الاشتغال بل الشكّ في مدخلية أمر آخر وراء صدق الموضوع فيتمسّك بالإطلاق.
نعم يمكن ردّهذه الثمرة بأمرين آخرين:
الأوّل: ما حقّقناه في مبحث الحقيقة الشرعية من أنّ العرب كانوا يستعملون هذه الألفاظ في نفس هذه المعاني الشرعية، و لم يكن العرب غير عارفين بهذه المعاني بل كانوا يستعملونها فيها بكثرة ووفور، غير أنّ الإسلام تبع هؤلاء في استعمالها في تلك ا لمعاني بتصرّف فيها، بإضافة أجزاء وشرائط أُخر لم تكن موجودة فيها. وهذه المعاني مع كونها معاني شرعية قد صارت بمرور الزمان بمنزلة المعاني العرفية في تبادرها منها بلا قرينة.
وعلى ذلك فهذه الألفاظ موضوعة لما هو الصحيح عند العرب، لا الصحيح عند شارع الإسلام كما هو شأن سائر الألفاظ. فلو شككنا في جزئية شيء أو شرطيته واحتملنا كونه جزءاً أو شرطاً لهذه المعاني قبل الإسلام، لكان للتوقّف عن التمسّك وجه، وأمّا إذا شككنا في دخالتهما في هذه المعاني في الشريعة المقدّسة الإسلامية، كما هو الحال في كلّ الشكوك في زماننا، صحّ التمسّك بهذه الإطلاقات إذا كانت في مقام البيان، لأنّ المفروض أنّ هذه الألفاظ لم تكن مجملات غير مبيّنات المعاني عندهم، وأنّ نبيّ الإسلام قد استعمل هذه الألفاظ في تلك المعاني المبيّنة الصحيحة عندهم، وإنّما أضاف أشياء و تصرّف في كيفيتها، فمع ذلك لا معنى لإجمالها وعدم صحّة التمسّك بالإطلاق إذا أحرز المعاني
( 188 )
الأصلية و كان الشكّ في ما أضافه الإسلام إليها جزءاً أو شرطاً.
و يمكن استفادة ذلك ممّا ذكره الشيخ في أوّل البيع في تصحيح تمسّك العلماء بالعمومات الواردة في البيع و المعاملات مع قولهم بكون وضعها للصحيح، و حاصله جعل الصحيح عند العرف دليلاً وطريقاً لإحراز الصحيح عند الشارع إلاّما قام الدليل على فساده ، فلاحظ.(1)
الثاني: عدّهذه، ثمرة للمسألة الأُصولية مشكل، لأنّ ثمرة المسألة الأُصولية ما يقع كبرى للاستنباط بلا حاجة إلى ضمّ كبرى أُخرى إليه. و المقام ليس كذلك، فإنّ غاية هذه الثمرة،على فرض صحّتها و مع غضّ البصر عمّا قلناه هو وجود مطلق على القول بالأعمّ، وعدمه على القول بالصحيح فيرجع إلى البحث عن وجود مطلق وعدمه، وهو بحث عن مبادئ المسائل الفقهية.و المسألة الأُصولية هي التي تبحث عن جواز التمسّك بالمطلق أو لا، وأمّا أن هنا مطلقاً أو لا، فليس إلاّ بحثاً عن المبادئ.
الثمرة الثانية: التمسّك بالبراءة على الأعمّ وعدمه على الصحيح
توضيحها: إنّا إذا شككنا في شرطية شيء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالأعم يكون الفاقد للشرط والجزء المحتمل وجوبهما، مصداقاً للمسمّى، ويعود الشكّ، إلى الشكّ في شرطية شيء زائد على المسمّى او جزئيّته، فيكون من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد، ويقع مجرى للبراءة. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح لأنّ الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته، ملازم للشكّ في صدق المسمّى، و معه يجب الاحتياط حتّى يعلم أنّه أتى بالمأموربه.
وبالجملة ، صدق المسمّى قطعي، على القول بالأعم، و مشكوك على القول الآخر، و هذا يستلزم الاشتغال على الثاني دون الأوّل.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المتاجر: في مبحث تعريف البيع، قبل الشروع في المعاطاة.
( 189 )
ولكن الظاهر فساد هذه الثمرة، لأنّ القول بالأعم غير ملازم للقول بالبراءة، كما أنّ القول بالصحّة غير ملازم للاشتغال.
أمّا الأوّل: فلأنّه مبني على جريان البراءة في الأقلّ والأكثر الارتباطيين، مع أنّ كلمة الأصحاب قد اختلفت فيه بين قائل بالبراءة، لأجل ادّعاء انحلال العلم الإجمالي إلى معلوم تفصيلاً و مشكوك بدواً، وقائل بالاشتغال لعدم انحلال العلم. فليس القول بالأعمّ ملازماً للقول بالبراءة إذ يمكن أن يكون القائل بالأعمّ غيرقائل بالانحلال، بل القول بالبراءة أو الاحتياط مبنيّ على صحّة الانحلال وعدمها في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين.
وأمّا الثاني: فلأنّه مبني على كون الجامع بين أفراد الصحيح أمراً بسيطاً حاصلاً من الأجزاء والشرائط، و يكون كلّ من المحصِّل والمحصَّل موجوداً في الخارج بحياله و استقلاله كما هو الحال في الطهارة الحدثية المسببة من الوضوء والغسل و التيمّم. فحينئذ، يكون المحكّم ـ عند الشكّ ـ هو الاشتغال، مثلاً بأن يقال في المقام: إنّ الموضوع هو «عنوان الناهي عن الفحشاء» أو يقال بأنّ الموضوع، هو: مفهوم الصحيح، لا مصداقه. وعلى ذلك، فلا مناص عن الاشتغال للشكّ في امتثال المأمور به المعلوم مفهوماً.
وأمّا إذا كان الجامع ، على القول بالصحّة، أمراً مركّباً ذا أجزاء و شرائط، وذا أبعاض، فالشكّ في جزئية شيء أو شرطيته، يرجع إلى الشكّ في تكليف زائد لأنّ الجامع عبارة عن مجموع الأجزاء على نحو اللابشرط من جانب الزيادة، فصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك ليس أمراً مشكوكاً فيه بل أمر متيقّن بل الشكّ في كون الواجب هو الأقلّ أو الأكثر، فلو قلنا بالانحلال فيهما، يكون المرجع إلى البراءة، و إلاّ فلا.
وبالجملة لمّا كانت الصلاة من الماهيّات الاعتبارية لا الحقيقية، لتركّبها من أجناس مختلفة، من الكيف المسموع، و الوضع، والفعل، فيكون تركّبه، تركّباً
( 190 )
اعتبارياً لاحقيقياً، ويكون الجامع نفس الأجزاء والشرائط، أو الهيئة القائمة بهما. وعليه يكون الجامع ذا أبعاض، وإذا كان تعلّق التكليف بالمقدار المتيقّن معلوماً ، وتعلّقه بغيره مشكوكاً، فالمرجع البراءة على القول بالانحلال، و الاشتغال على عدمه.
فصارت النتيجة: عدم ملازمة القول بالأعمّ، للبراءة، وعدم ملازمة القول بالصحّة، للقول بالاحتياط.
فإن قلت: إنّ المسمّى على الصحيح، ملازم لأحد العناوين التي منها «النهي عن الفحشاء»، «وعمود الدين» و عنوان الصحيح. فمع الشكّ في الشرطية و الجزئية وإجراء البراءة، يشكّ في تحقّق هذه العناوين و مع الشكّ فيها، يشكّ في امتثال المأمور به.
قلت: إنّ الواجب على المكلّف في دائرة المولوية والعبوديّة هوالإتيان بما وقع تحت دائرة الطلب، و هو الأجزاء والشرائط المعلومة. وأمّا سائر العناوين الملازمة، أعني الأغراض الداعية أو الآثار المترتبة فلا وجه لتحصيل العلم بتحقّقها و إلاّ يلزم الاحتياط في أكثر الموارد.
الثمرة الثالثة: في مورد النذر
إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي، فعلى القول بوضعها للصحيح لا يجب له أن يعطي إلاّ من صلّـى صحيحاً، بخلافه على القول بالأعم، فيجب له إعطاء كلّ منهما.
يلاحظ عليه: أنّ وجوب الإعطاء تابع لنيّة الناذر، لا لكيفية الوضع، فلو نوى أن يدفع الدرهم لمن صلّى صلاة صحيحة، لما وجب له الدفع لمن يصلّـي صلاة فاسدة، و إن كان الوضع للأعم. كما أنّه لو نوى الإعطاء لمطلق من يصلّـي سواء كانت صلاته صحيحة أم فاسدة، يجب له إعطاؤه، و إن كان الوضع
( 191 )
للصحيح.
على أنّ مثل هذه الثمرة لا تكون ثمرة لمسألة أُصولية، إذ الملاك في عقد المسألة الأُصولية، كونها كبرى لقياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، و تشخيص موضوع النذر كما هو الحال في هذه المسألة ليس استنباطاً لحكم شرعي. اللّهمّ إلاّ أن يقال، إنّ المسألة ليست مسألة أُصولية، ولأجل ذلك يبحث عنها في المقدّمة، فلا يضرّ عدم كون النتيجة، من مقولة النتائج الأُصولية.
الثمرة الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة
ربّما يقال: إنّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة و علمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل ولا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعم، فيشملها النهي.(1) و مثلها ، إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي عن المحاذاة منصرف إلى الصلاة الصحيحة سواء كان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ إنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم الكلّي، على هذا المورد و ليس ذلك ثمرة لها.
فتلخّص أنّه ليس للمسألة ثمرة أُصولية أمّا الأخيرتان فقدعرفت وأمّا إجراء البراءة، فقد عرفت أنّه غير مترتّب على القول بالأعم، كما أنّ الاحتياط غير مترتّب على القول بالصحيح، بل مترتّب على النزاع المعروف في الأقلّ والأكثر الارتباطيين و أمّا الثمرة الأُولى فقد عرفت أنّها عقيمة على المختار في كون ألفاظ العبادات حقائق عرفية.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحاضرات:1/193.