(2) عبد الرحيم: الفصول :48.
( 156 )
المطلوب هوالتام جزءاً و شرطاً.
و مع كون الجميع داخلة في محطّ النزاع و لكن الحقّ، الفرق بين شرائط الماهية، و شرائط تحقّقها بدخول الأُولى في المسمّى كالطهارة، وعدم دخول الثانية ، كعدم الابتلاء بالأهم فيه، أخذاً بمسلك العقلاء في التسمية كمالا يخفى إذ لم يُر منهم لحاظ عدم الابتلاء بالأهم في مقام التسمية، و المهمّ عندهم هو لحاظ الشيء ثمّ التسمية لا لحاظه مع الطوارئ الطارئة عليه التي منها عدم الابتلاء بالأهم.
وأمّا قصد الأمر فلو قلنا بامتناع أخذه في متعلّق الأمر يكون الأخذ أمراً لغواً، لأنّ الغرض من التسمية و الأخذ في المسمّى، هو انبساط الأمر عليها فإذا امتنع أخذه في متعلّقه يكون الأخذ في المسمّى لغواً، وأمّا على القول بجواز أخذه ـ كما هو الحقّ ـ فلا ملزم للأخذ أيضاً، بعد استقلال العقل بالإتيان بالعبادة معه و العقل مستقلّ به. و معه لا حاجة للأخذ.
ثمّ إنّه لابدّ من وجود جامع على كلا القولين و ذلك لوجهين:
1ـ إنّ الثمرة المهمّة المترتّبة على المسألة هو إجمال الخطاب على القول بالصحيح فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق وعدم إجماله على القول بالأعم ، وهي فرع وجود جامع على كلا الرأيين، مجمل على الأوّل، مطلق على الثاني نعم سيجيء أنّ الثمرة منتفية.
2ـ إنّ إطلاق ألفاظ العبادات والمعاملات على الأصناف الصحيحة على وجه الاشتراك المعنوي يستدعي جامعاً بينها و إلاّيلزم أن تكون مشتركاً لفظياً و هو باطل، كما أنّ إطلاقها على الصحيح و الأعمّ على الأعمّي كذلك وهو فرع وجود الجامع وإلاّيلزم كونها مشتركاً لفظياً.
ثمّ إنّ هنا نكتة يجب التنبيه عليها و هو أنّ الصحيحي أمام مشكلة عظيمة وهي أنّه يحاول أن يصوّر جامعاً، شاملاً لجميع أفراد الصلاة على اختلافها في
( 157 )
الأجزاء والشرائط قلّة و كثرة و هذا أمر غير ممكن ظاهراً لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء القليلة، هو جواز الاكتفاء بها أوّلاً، وكون الأجزاء الأُخر، أمراً خارجاً عنها ثانياً، كما أنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة، خروج المشتمل على الأجزاء القليلة، عن تحت الصلاة و ليس للصحيحي الفرار عن الإشكال بجعل البعض جزء المسمّى و البعض الآخر جزءاً للمأمور به، إذ هو إنّما يتمّ على القول بالأعمّ و بالجملة الجمع بين كون اللفظ مشتركاً معنوياً، وكون جميع الأصناف المختلفة من حيث القلّة والكثرة من مصاديق الصحيح و كون الجميع داخلاً في المسمّى، (لا أنّ البعض داخل فيه و البعض الآخر هو أجزاء المأمور به) أمر مشكل ولابدّللصحيحي من حلّ العقد بأحد الفروض الآتية.
تقريبات لتصوير الجامع على القول بالصحيح
التقريب الأوّل : ما ذكره المحقّق الخراساني و حاصله: أنّ الجامع بين أفراد الصلاة ليس مشخّصاً باسمه، و لكنّه يمكن الإشارة إليه بخواصّه وآثاره قال: فانّ الاشتراك في الأثر كاشف عن الاشتراك في جامع واحد يؤثّر الكلّ فيه بذاك الجامع، فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً، بالناهية عن الفحشاء وما هو معراج المؤمن، و نحوهما.(1)
ولا يخفى أنّ بين صدر كلامه و ذيله تناقضاً، حيث إنّ الظاهر من الصدر أنّ الجامع أمر مجهول نستكشفه بالأثر المترتّب عليه من النهي عن الفحشاء وعروج المؤمن، وظاهر كلامه في الذيل، أعني قوله: «فيصحّ تصوير المسمّى بلفظ الصلاة مثلاً بالناهية عن الفحشاء» أنّ الجامع هو نفس ذاك الأثر لا غير و ـ مع ذلك ـ ففي ما أفاده مواقع للنظر.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الهدف من الوضع، تفهيم ماقام في الذهن من المعاني، فلو لم
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/36، المطبوع بحواشي المشكيني رحمه الله.
( 158 )
يكن المعنى قابلاً للتفهيم إلاّ بالإشارة إليه بالأثر الخاص، كان الوضع عليه لغواً و يتعيّن الوضع للأثر. و لأجل ذلك يجب أن يكون الجامع، مفهوماً عرفياً، حتّى يخطر في ذهن العرف، و يوضع اللفظ عليه.
وثانياً: أنّ استشكاف الجامع الوحداني بين الأفراد الصحيحة من الأثر الوحداني المترتّب على تلك الأفراد، اعتماداً على القاعدة المعروفة«لا يصدر الواحد إلاّ عن الواحد»، من غرائب الاستدلال لأنّ مصبّ القاعدة ـ على فرض صحّتها ـ في الواحد الشخصي، لا الواحد النوعي الذي يتكثّر بتكثّرات مختلفة، فإنّ النهي عن الفحشاء في المقام ليس إلاّ الانزجار عملاً عن الغيبة والكذب والخمر، والمراد من الانزجار الذي هو أثر الصلاة ، الانزجار التكويني، وكلّ واحد من هذه الزواجر غير الآخر، و ربما تجتمع في مورد، و أُخرى لا تجتمع. و إن شئت قلت: إنّ النهي عن الفحشاء واحد بالعنوان، ولا مانع من انتزاع الواحد بالعنوان عن الحقائق المختلفة و الأُمور المتبائنة إذا كانت فيها وحدة عنوانية كعنوان «الناهي عن الفحشاء».
وثالثاً: أنّ الأثر المترتّب على الصلاة ، لو كان أمراً واحداً ، كان لما ذكره وجه. و لكن تترتّب عليها آثار أُخرى و هي أنّها تقيم الدين في المجتمع و لهذا الأثر عبّر عنها في الروايات بأنّها عمود الدين، وهو غير «النهي عن الفحشاء» و هما غير «قربان كلّ تقي» ،فيلزم أن يكون فيها جوامع كثيرة يصدر كلّ أثر عن جامع، أو جامع واحد فيه حيثيات كثيرة.
ورابعاً: أنّ الأثر المزبور يترتّب على الصلاة بعامة أجزائها و شرائطها، الأعمّ من شرائط الماهية أوالصحّة. مع أنّ القسم الثاني غير داخل في المسمّى كما مرّ في الجهة المتقدّمة.
وخامساً: أنّ القول بأنّ الجامع عنوان بسيط مستكشف بالأثر المترتّب على الأفراد المختلفة يستلزم أن يكون الشكّ في أجزاء الصلاة و شرائطها من قبيل
( 159 )
الشكّ في السقوط و الشكّ في المحصّل، لأنّ الميزان فيه هو أن يكون المأمور به أمراً بسيطاً واضحاً لا إبهام فيه، و يكون الشكّ في محقِّقه و محصِّله وأنّ ما يحصل به ذاك الأمر الواضح، هل هو ذات لها أجزاء عشرة أو تسعة. وفي مثله يجب العمل بالاحتياط لا العمل بالبراءة، مع أنّ سيرة العلماء عند الشكّ في الأجزاء والشرائط هي العمل بالبراءة.
وقد تفطّن له المحقّق الخراساني فصار إلى دفعه. وحاصل ما أفاده : أنّ الجامع البسيط على قسمين:
الأوّل: أن يكون المأمور به البسيط مغايراً لوجود المركّب المشكوك في قلّته و كثرته، نظير الطهارة المسبّبة عن الغسلات و المسحات، فلو شكّ في كون غسلة جزء للوضوء أو الغسل، وجب عليه الإتيان به، لأنّ المأمور به واضح لا إبهام فيه، وليس أمره دائراً بين الأقل والأكثر حتّى يكون هناك معلوم و مشكوك، وينحلَّالعلم الإجمالي والمكلّف المأخوذ بذاك العنوان الواضح، ليس له مفرّ إلاّ الإتيان به.
الثاني: أن يكون الواحد البسيط منتزعاً من هذه المركّبات المختلفة زيادة و نقيصة بحسب اختلاف الحالات متّحداً معها نحو اتّحاد. وهذا كالإنسان المنتزع من الإنسان التام والناقص بنحو واحد، فيصدق على ذي العينين وذي العين الواحدة. ولا يزيد الزائد،في الإنسانية ، ولا ينقص الناقص، منها و وجود هذا البسيط عين وجود المركّبات و ليس مغايراً لها حتّى يكون الشكّ في قلّتها و كثرتها من قبيل الشكّ في المحقّق.
وبالجملة: فرق بين أن يكون وجود المنتزع غير وجود المنتزع منه كالطهارة النفسانية بالنسبة إلى الغسلات والمسحات، وبين كون وجوده متّحداً مع المنتزع منه و كان الثاني مردّداًبين الأقل والأكثر فتجري البراءة في المنتزع أيضاً باعتبار جريانها في المنتزع منه.
( 160 )
هذا توضيح مرامه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المكلّف به هل هو العنوان المنتزع أو المركّب المنتزع منه؟ فلو كان الثاني، تجري البراءة لدورانه في حدّ ذاته بين الأقلّو الأكثر بلا إشكال، و لكن تصويره في غاية الإشكال. لأنّ الجامع المركّب الذي يصدق على جميع الصلو ات الصحيحة بحسب حالات المكلّفين أمر غير ممكن ، فالصلاة عن جلوس صحيحة في حقّ العاجز دون القادر، فلو أخذ القيام في مفهومها الصحيحة كانت الصلاة عن جلوس باطلة و لو عكس،كانت الصلاة عن قيام باطلة، ولذلك التجأ القائل إلى كون الجامع أمراً بسيطاً.
وعلى الأوّل، أعني: كون المأمور به أمراً منتزعاً، فما هو المسمّى، إنّما هو ذاك العنوان، دون المركّب الذي يتّحد العنوان معه وجوداً، إذ ليس لذاك المركّب دخل في براءة المكلّف واشتغاله . وعلى ذلك فلا يتصوّر في العنوان البسيط، معلوم و مشكوك حتى يقال: يؤخذ بالمعلوم، و المشكوك يدفع بالأصل، بل في مثله يجري الاشتغال لا البراءة.
و بالجملة الالتزام بالجامع البسيط بأي نحو كان، يستلزم الالتزام بالاشتغال لا البراءة. وكون المنتزع غير المنتزع منه وجوداً (كما في الصورة الأُولى) أومتّحداً معه ، لا تأثير له في تصحيح جريان البراءة و عدمه، لأنّ متعلّق الأمر، هو العنوان المنتزع ، لا المنتزع منه، ولا الوجود الخارجي الذي يتّحد فيه الأمران،وسيوافيك تفصيل القول عند البحث عن ثمرات البحث (2)وأنّه يصحّ جريان البراءة على القول بالصحيح ، لكن بشرط أن لا يكون الجامع أمراً بسيطاً، فانتظر.
ــــــــــــــــــــــ
(1) راجع كفاية الأُصول:1/37.
(2) لاحظ الجهة السابعة من هذا الأمر، ص184.
( 161 )
التقريب الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني
وحاصله: أنّ الموضوع له أوّلاً هي المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، و الاستعمال في غيرها من المراتب الصحيحة على قول الصحيحي، أو الأعمّ منها على الأعمّي، من باب الادّعاء و التنزيل ، أي تنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة، كما في جملة من الاستعمالات (1).
فإطلاق الصلاة على صلاة من يأتي بها جالساً يكون بتنزيلها منزلة صلاة القائم أو لاكتفاء الشارع بها عن الصلاة الكاملة كما في صلاة الغريق و هذا لا يختص بالصحيحي بل عند الأعمّي أيضاً كذلك فانّ القدر الجامع عنده هو المرتبة العليا من الصلاة و إطلاقها على الفاسد منها يكون بتنزيله منزلة الصحيح.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يندفع به الإشكال، لأنّ المرتبة العليا، لها أيضاً مراتب مختلفة كصلاتي الحاضر والمسافر، فانّهما من مصاديق المرتبة العليا مع اختلافهما في الأجزاء قلّة وكثرة، و الصحيح في حقّ المسافر باطل في حقّ الحاضر.
و ثانياً: كيف يمكن وصف الصلاة عن جلوس مجازاً كما صرّح به مع أنّها صلاة كالصلاة عن قيام.
وثالثاً: لو كان الموضوع عند الأعمّي هوالمرتبة العليا و الإطلاق على الفاسد مجازاً، يلزم ارتفاع النزاع من رأس وانقلاب الأعمّي إلى الصحيحي.
التقريب الثالث: ما أفاده المحقّق العراقي
وحاصله: أنّ الجامع إمّا أن يكون جامعاً ذاتياًمقولياً، أو جامعاًعنوانياً اعتبارياً. و الالتزام بكلّواحد مشكل. أمّا الأوّل فهو غير معقول، لأنّ الصلاة
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق النائيني: أجود التقريرات: 1/36.
( 162 )
مؤلفة وجداناًمن مقولات متبائنة ، كمقولة الكيف كالأذكار المسموعة، والوضع كالركوع و السجود و نحوهما. و المقولات أجناس عالية، و ليس فوقها جنس تندرج تحته حتّى يكون هو الجامع بين هذه المقولات، وأمّا الثاني كالناهي عن الفحشاء فلأنّ لازمه عدم صحّة استعمال لفظ الصلاة في نفس المعنون، لأنّ العنوان غير المعنون، مع سخافة القول بوضع لفظ الصلاة على «الناهية عن الفحشاء».
لكن الجامع لا ينحصر فيهما بل هناك جامع آخر أيضاً، وهو مرتبة خاصة من حقيقة الوجود. فانّ الصلاة مثلاً، وإن كانت مركّبة من مقولات، و المقولات و إن كانت متبائنة، ولكن مع ذلك بينها اشتراك وجوديّ. و حينئذ فإن كانت الصلاة عبارة عن تلك المقولات المتبائنة، كان الإشكال المزبور في محلّه. وأمّا لو فرضنا أنّ الصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصة من الوجود، الجامعة بين تلك المقولات المتبائنة ماهية فتكون الصلاة على هذا أمراً بسيطاً خاصاً يصدق على القليل و الكثير، و الضعيف والقوي. لأنّ تلك المرتبة الخاصة من الوجود الجامع بين المقولات قد أُخذت لا بشرط من حيث القلّة والكثرة والضعف والقوّة و ذلك لأنّ الموضوع له هو الوجود الساري في جملة من المقولات، المحدود من طرف القلّة بعدد أركان الصلاة مثلاً، و من طرف الزيادة لوحظ لا بشرط بنحو يصحّ حمله على الفاقد و الواجد.(1)
ثمّ أورد على نفسه بعد كلام مبسوط وقال(2) : إذا كان الجامع على ما عرفت عبارة عن مرتبة من الوجود المحدود من طرف القلّة بكونه مقارناً لمقولات الأركان كلّها، و الملحوظ من طرف الزيادة بنحو اللا بشرط بحيث يشمل الأقلّ و الأكثر لكن لا شبهة أنّ الأركان تختلف حسب الأشخاص من الانحناء إلى الإشارة
ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ بدائع الأفكار: 118، السطر 6.
(2) لاحظ المصدر: 119، السطر 9.
( 163 )
بالعين.
فأجاب بأنّه لا محيص عن توسعة دائرة الجامع من طرف القلّة بحيث يشمل الوجود الساري جميع الأركان بجميع مراتبها.
ثمّ أورد و قال: على هذا يتوجّه الإشكال بأنّ مقتضى ذلك اقتصار المختار على بعض مراتب الأركان التي لا يسوغ شرعاًالاقتصار عليها إلاّللمضطرّ و ذلك ضروريّ الفساد.
فأجاب بأنّ الجامع عبارة عن مرتبة من الوجود الساري على نحو يشمل الأركان الأصلية و البدلية مقروناًبالخصوصيات و المزايا على طبق ما بيّنه الشرع لكلّ واحد من أصناف المكلّفين ، بحيث يكون المزايا من خصوصيات الأفراد، لكن خارجة عن دائرة الموضوع له ويكون الموضوع له مضيّقاً لا يشمل فرض عدم المقارنة لتلك الخصوصيات.(1)
و فيه مواقع للنظر
أمّا أوّلاً: فانّ الوجود الساري في تلك المقولات إنّما يكون وجوداً بسيطاً سارياًلو كانت للصلاة وحدة حقيقة. وأمّا إذا كانت الوحدة بين أجزائها وحدة اعتبارية، فلكلّ مقولة وجود خاص، كالاستقبال فانّه من مقولة الوضع، و الهويّ فانّه من مقولة الفعل، و التكلّم فانّه من مقولة الكيف، و لكلّ وجود و تشخص في الخارج، فكيف يقال إنّ هنا وجوداً سارياً في الجميع، وأنّ المقولات المتبائنة موجودة بهذا الوجود الساري فيها.
وثانياً: أنّ لفظ الصلاة ليس إلاّكسائر الألفاظ فلماذا فُرِّق بينه و بين سائرها بأنّ الجميع موضوع للماهية المعرّاة عن الوجود والعدم غير الصلاة فإنّها موضوعة للوجود الحقيقي الساري في الأركان و أبدالها مقترنة بالخصوصيات.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق العراقي: بدائع الأفكار، 116ـ119.
( 164 )
وثالثاً: أنّ تضيّق الموضوع له بالخصوصيات والمزايا على طبق ما بيّنه الشرع لكلّواحد من أصناف المكلّفين مبني على تصوير الحصّة التوأمة الموجبة لضيق المكلّف به، من دون مدخلية لها في المأمور به وقد مرّ أنّ الحينية المرددة بين المطلقة والمشروطة غير متصوّرة.
ورابعاً: أنّه يستلزم ، تعلّق الأمر بالوجود الخارجي، و الخارج ظرف السقوط لا ظرف العروض، إذ لو كان المتعلّق هو الخارج يلزم وجود المتعلّق قبل الأمر، وعندئذ يصير الأمر لغواً. ولو كان المتعلّق عنوان الوجود، يكون الجامع عنوانياً و هو لا يقول به .
التقريب الرابع: ما أفاده المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه
وحاصله: أنّ الصلاة ليست من الحقائق الخارجية، بل هي عنوان اعتباري ينتزع من أُمور مبائنة كلّواحدمنها داخل تحت مقولة خاصة لا تصدق الصلاة عليها صدقاً ذاتياً فلا يعقل تصوير جامع ذاتي بين أجزائها في مرتبة واحدة فكيف بين مراتبها المتفاوتة.
وأمّا الجامع العرضي فهو أمر معقول، فانّ جميع مراتب الصلاة بما لها من الاختلاف في الأجزاء والشرائط تشترك في كونها نحو توجّه خاص، و تخشّع مخصوص من العبد لساحة مولاه. ويوجد هذا التوجّه الخاص بإيجاد أوّل جزء منها، و يبقى إلى أن تتمّ، فيكون هذا التوجّه بمنزلة الصورة لتلك الأجزاء المتبائنة بحسب الذات و تختلف كمالاً و نقصاً باختلاف المراتب.
وليست الصلاة عبارة عن نفس الأقوال والأفعال المتبائنة المندرجة بحسب الوجود حتّى لا يكون لها حقيقة باقية إلى آخر الصلاة، محفوظة في جميع المراتب، بل هي عبارة عن حالة توجّه خاص يحصل للعبد و يوجد بالشروع فيها و يبقى ببقاء الأجزاء والشرائط، و يكون هذا المعنى المخصوص كالطبيعة المشككة، و
( 165 )
ليس له وجود، وراء وجودات الأجزاء حتّى تكون الأجزاء محصِّلات له، بل هو بمنزلة الصورة لهذه الأجزاء، فهو موجود بعين وجودات الأجزاء. فيكون الموضوع له للفظ الصلاة، هذه العبادة الخاصة و المعنى المخصوص. و يكون هذا المعنى محفوظاًفي جميع المراتب . فيكون وزان هذا الأمر الاعتباري وزان الموجودات الخارجية فكما أنّ طبيعة الإنسان محفوظة في جميع الأفراد المتفاوتة و بالكمال والنقص والصغر والكبر مادامت الصورة الإنسانية محفوظة ، فكذلك طبيعة الصلاة.
(1)
وحاصله أنّ الصلاة اسم للعمل المؤلّف من أمر قلبي وهو الخشوع وأعمال خارجية ، والأوّل بمنزلة الصورة والأعمال الخارجية بمنزلة المادّة ، إلى آخر ما أفاده.
يلاحظ عليه: أنّه لا يمكن أن يكون الموضوع له هو نفس التوجّه و التخشّع القائم بالأجزاء، والشرائط، إذ عندئذ يلزم أن يكون الموضوع له بسيطاًو عليه يرجع الشكّ في الجزئية والشرطية إلى الشكّ في المحصِّل وهو خلاف المطلوب بل الموضوع له التوجّه الخاص بالإتيان بالأجزاء والشرائط و عليه يلزم عدم إمكان تصوير الجامع على القول بالصحيح، لاختلاف الصلاة الصحيحة في القلّة و الكثرة. فلو كان الموضوع له هو الكثرة، لم يصدق على القلّة. ولو كان الموضوع له هو الثاني لم يصدق على الآخر.
نعم يمكن رفع الإشكال بالاستمداد بما سبق من المحقّق العراقي من كون الصلاة اسماً للخشوع القائم بالأركان و أبدالها على نحو اللا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء حسب اختلاف أحوال المكلّف.
التقريب الخامس: ما أفاده المحقّق الاصفهاني
وحاصله بعد حذف ما لا دخل له في مقصوده أمران:
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأُصول: 1/40.
( 166 )
1ـ إن كانت الماهيات من الماهيّات الحقيقية، كان ضعفها و إبهامها بلحاظ الطوارئ و عوارض ذاتها، مع حفظ نفسها. كالإنسان مثلاً، فانّه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل، وإنّما الإبهام فيه من جهة الشكل، وشدّة القوى و ضعفها.
وإن كانت الماهيّات من الأُمور المؤتلفة من عدّة أُمور، بحيث تزيد و تنقص كمّاً و كيفاً، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمّها مع تفرّقها و شتاتها، أن تلاحظ على نحو مبهم في غاية الإبهام بمعرّفية بعض العناوين غير المنفكّة عنها، كالخمر، فانّه مائع مبهم من حيث اتّخاذه من العنب و التمر وغيرهما، و لذا لا يمكن وصفه إلاّ بمائع خاص بمعرّفية المسكرية، من دون لحاظ الخصوصية تفصيلاً.
2ـ كلّ لفظ من قبيل الأمر الأخير، مع الاختلاف الشديد بين مراتبها كمّاً و كيفاً، لابدّ أن يوضع لسنخ عمل من معرفة النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرّفات. بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ الصلاة إلاّ إلى سنخ عمل خاص مبهم إلاّ من حيث كونه مطلوباً في الأوقات.
وهذا هو الذي تصوّرناه في ما وضعت له الصلاة بتمام مراتبها، من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي، ومن دون الالتزام بالاشتراك اللفظي. ولا دخل لما ذكرناه بالنكرة، فإنّه لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية كما أخذت فيها. و بالجملة الإبهام غير الترديد.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قياس الماهيّات المخترعة بالأُمور التكوينية، قياس مع الفارق، فإنّ زمام الأُمور المخترعة سواء أكانت عبادية أو صناعية كالسيّارة بيد مخترعها، فهو الذي قام باختراعها و تسميتها، فعندئذ لا يعقل أن تكون مبهمة في ذاتها و في مقام تجوهرها، و إنّما الإبهام حسب الطوارئ والأشكال والعوارض الخارجية كيف وأنّ الآمر هو الذي يتصوّر الموضوع و يأمر به، وعند ذاك لابدّ له
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الإصفهاني : نهاية الدراية: 1/39.
( 167 )
من تصوّر ما يأمر به. وعلى ذلك، فذاك الجامع إمّا مقولي ذاتي أو عنواني و كلاهما لا يخلو من إشكال.
وقياس المقام بالخمر، قياس مع الفارق، لأنّه من الأُمور التكوينية و ليست ذاتها و تجوهرها رهن تصوّر متصوِّر، ولحاظ لاحظ ، فلا مانع من أن يكون لها واقع محفوظ، و يكون لفظ الخمر، اسماً للعنوان العريض.و هذا بخلاف المخترعة فانّواقعيتها و تجوهرها بيد مخترعها ولاحظها،فلابدّ أن تكون ذاتها معلومة لمخترعها في مقام الذات لا أن تكون مبهمة إلاّ من حيث النهي عن الفحشاء أو فريضة الوقت.
وثانياً: أنّه بعد ما اعترف أنّ الذات هنا مبهمة لا مردّدة، فيجب أن يكون للصلاة جامع متواطء يصدق على الجميع، و يشمل القليل والكثير، و يكون صحيحاً مطلقاً. و هو إمّا جامع مقولي أو عنواني و الأوّل غير متصوّر، لأنّ الصلاة مؤلّفة من مقولات متعدّدة من الكيف والوضع والفعل، وليس فوق الأجناس العالية جامع. و إن كان جامعاً عنوانياًكالناهي عن الفحشاء، فهو خلاف المطلوب لأنّه مضافاً إلى أنّه يستلزم وجوب الاحتياط عند الشكّ في الأقلّ والأكثر، ضعيف غايته.
التقريب السادس: ما ذكره سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ
أنّ المركّبات الاعتبارية إذا اشتملت على هيئة و مادة، يمكن أن يؤخذ كلّ منهما في مقام الوضع لا بشرط. و المراد من أخذهما لا بشرط هو أخذ المادة والهيئة بعرضها العريض. و ذلك كالمخترعات من الصنايع المستحدثة، فإنّ مخترعها بعد أن صنعها من موادّمختلفة و ألّفها على هيئة خاصة، وضع لها اسم الطيّارة أو السيّارة آخذاً كلاً من موادّها و هيئاتها لا بشرط. و لأجل ذلك ترى أنّ تكامل التصنيع كثيراً ما يوجب تغييراً في موادّها و هيئاتها، و مع ذلك يطلق عليها اسمها ، كما كان يطلق في السابق و ليس ذلك إلاّ لأخذ الهيئة و المادّة لا بشرط، أي عدم
( 168 )
لحاظ مادّة خاصّة و هيئة مقيّدة.
وأوضح مقالته هذه بقوله: «المركّبات الاعتبارية على قسمين:قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معيّنة كالعشرة، فإنّها على وجه لو فقد منها جزء، تنعدم العشرة. و قسم يكون فيه الأمر الاعتباري، على نحو لم تلحظ فيه كثرة معيّنة في ناحية الموادّ، بحيث ما دامت هيئتها و صورتها العرضية موجودة، يطلق عليها اللفظ الموضوع و إن قلّت موادّها أو تكثّرت.
وإن شئت قلت: إنّ الهيئة قد ابتلعت هذه المواد و الأجزاء و صارت مقصودة في اللحاظ كما في السيّارة بالنسبة إلى هيئتها القائمة بأجزائها.
والحاصل: أنّ المادّة لم تلحظ فيها كثرة معيّنة، و يكفي فيها ذكر بعدَ (التكبيرة) ركوع و سجود و طهور و تصدق على الميسور من كلّواحد.
وأمّا الهيئة فهي أيضاً مأخوذة بنحو اللابشرط مثل مادّتها، بعرضها العريض، و تكفي صورة اتصالية حافظة لمادّتها أخذت لا بشرط في بعض الجهات.
ونظير ذلك، لفظ الدار والبيت فانّها من حيث المادة لابشرط، سواء أخذت موادّها من الطين، أو الآجر، أو من الحجر والحديد، كما أنّها من حيث الهيئة أيضاً كذلك، سواء بنيت على هيئة المربع أو المثلث، وعلى طبقة واحدة أو طبقتين فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معيّنة من بعض الجهات مع مواد فانية فيها.
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ لفظ الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللا بشرط، الموجودة في الفرائض والنوافل قصرها و تمامها، و ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها، فيكفي في صدقها، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى، لعدم وجود مواد من ذكر و قرآن و سجود و ركوع».(1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول: 1/77ـ78، ط مؤسسة النشر الإسلامي.
( 169 )
التقريب السابع:
ما ذكره المحقّق الخوئي في تعليقته على أجود التقريرات وهذا حاصله:
إنّ كلّ مخترع هو أعرف بما اخترعه سواء كان المخترع شارعاً أم غيره و تدلّ الروايات على أنّ التكبيرة و التسليمة معتبرتان فيها حيث إنّ الصلاة أوّلها التكبّر و آخرها التسليم، كما أنّ الركوع والسجود والطهارة معتبرة فيها حيث إنّ كلاً منها ثلث الصلاة وأمّا غير ذلك من الأجزاء والشرائط فهي خارجة عن حقيقتها و دخيلة في المأمور به على اختلاف الأشخاص والحالات، و المراد من دخل الطهارة والركوع والسجود، هو الأعمّ منها و من أبدالها، ولا بأس أن يكون مقوّم الأمر الاعتباري على سبيل البدلية.
كما أنّه لا مانع من دخول شيء في مركّب اعتباري عند وجوده، وخروجه عنه عند عدمه إذا كان المسمّى بالنسبة مأخوذاً على نحو لا بشرط كما هو الحال بالنسبة إلى غير المأخوذ في المسمّى من القراءة و التشهد و غيرهما فلو وجب يكون عينها ولو لم يجب، لم يضرّبتحقق الصلاة كما هو الحال في حديث الدار فانّه موضوع بما اشتمل على ساحة وحيطان وغرفة فإن كان هناك ايوان ونهر و سرداب يكون جزء منه و إلاّفلا يضرّ عدمه.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: إذا كانت الصلاة موضوعة لما اشتمل على التسليم، يلزم بطلان صلاة من نسيه، مع أنّه يصحّ و إن كان عليه قضاء الجزء.
وثانياً: يلزم صحّة صلاة من ترك القيام المتّصل بالركوع مع أنّه يبطل إلاّ أن يقال، إنّه داخل في حقيقة الركوع، إذ هو الانحناء عن قيام.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الخوئي: تعليقة أجود التقريرات: 1/40ـ 41.
( 170 )
التقريب الثامن:
ما استفدناه من العلاّمة الطباطبائي شفاهاً(1)، وأتى به في تعليقته على الكفاية . وهويبتني على التتبّع في كيفية الوضع في المركّبات غير الحقيقية أو المجعولة جعلاً شرعياً أو عقلياً فإنّ التسمية فيها أوّلاً بنحو التواطي، ثمّ يعرضها التشكيك أو شبهه على التدريج. و إليك توضيحه:
إنّ الإنسان قد توصل إلى مطبوخ يعمل من دقيق البرّ فأسماه خُبزاً، ثمّ إنّه بعد ما وقف على أنّه إذا عمله من دقيق الشعير يفي بالغرض المطلوب منه و هو سدّ الجوع، توسّع في الاسم. ثمّ إذا وجد أنّ دقيق الارز و دقيق الذرة يفيان بالغرض أو واحد منهما مع المزج بالسكر وغيره، توسع في الاسم أيضاً، إلى أن صار للخبز عدّة مراتب، لم يكن منها يوم وضعه للمركّب عين ولا أثر ولكن لمّا كان الجميع وافياً بالغرض وُسِّع الاسم من مرتبة إلى ثانية ، إلى ثالثة....
ومثله لفظ «المصباح» إذ لم يكن يوم وضع إلاّمجرّد أحطاب مشتعلة، ثمّ تطوّر البشر حتّى توصلوا إلى الاستفادة من الأدهان النباتية فاخترعوا فتيلة تمس الدهن بسهولة و تضئ حولها، ثمّ اخترعوا آلة أُخرى تشترك معها في الأثر، فتوسّعوا في الاسم إلى أن توصلوا إلى المراتب المختلفة الموجودة للمصباح في العالم و سمّوا الجميع مصباحاً. هذا في المركّبات الصناعية.
وأمّا المجعولات الشرعية من العبادات فهي على هذا الوزان، فالصلاة مثلاً كما شرّعت أوّلاً على ما فرضه الله تعالى ركعتين مع مالهامن الأجزاء والشرائط، فأخذ معناها الجامع، جامعاً متواطياً يصدق على أفراده على وتيرة واحدة ثمّ
ــــــــــــــــــــــ
(1) عند البحث عن صفة التكلّم لله سبحانه وأنّ العالم بجواهره و أعراضه كلامه تعالى لأنّه إذا كان الكلام اللفظي، كلاماً لأجل كونه مبرزاً لما في الضمير فعالم الإمكان ، مبرز لما هنالك من علم و قدرة، وجمال و كمال. فبيّن أنّ التطور في الإستعمال قانون شمل لفظ الكلام، نظير المصباح.
( 171 )
أُضيف إليها ما فرضه النبيّ
ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و تصرّف فيها بالتصرّفات المختلفة بالعفو والاعتبار، بحسب الحالات الطارئة والأعذار اللاحقة، من السفروالحضر والخوف والمرض و أقسام العذر والاضطرار حتّى وصلت النوبة إلى صلاة الغريق و هي مجرّد إيماء قلبي.
فهي كما ترى تبتدي أوّلاً من جامع متواطء في مرتبة واحدة، ثمّ بين كلّ مرتبة و ما يليها، ثمّ اعتبار جميع هذه الجوامع المتواطئة المختلفة و سبك جامع منها فينتج التشكيك.
فقد تبيّن أن الجامع في المركّبات الاعتبارية و منها العبادات الشرعية معنى مبهم تشكيكي يتوصّل إلى اعتباره أوّلاً باعتبار جوامع متواطئة تستنتج هو منها، و إلى فهمه ثانياً بالمعرّفات في الأغراض والآثار.(1)
وحاصل ما أفاده أنّ الصلاة موضوعة وصفاً متواطئياً على الركعتين، وهي يصدق على ما تحتها صدق المتواطء ثمّ إنّه حصل ـ بعد إضافة ما فرضه النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ جامع ثان، يصدق على ما تحته صدق المتواطء.
ثمّ حصل ـ بعد التصرّفات المختلفة بالعفو والاعتبار حسب حالات المكلّفين في السفر والحضر والخوف والمرض جامع ثالث و رابع و خامس كلّ صادق لما تحته صدق المتواطء.
لكن العقل بعد لحاظ هذه الجوامع، يصنع جامعاً تشكيكياً، ليصدق على أفراد جميع المراتب كما هو الحال في المصباح حيث إنّ لكلّ مرتبة جامع متواطء و لكن نهاية الأمر يصنع جامعاً فوقانياً صادقاً على المراتب و مصاديقها. ينتزعه من الجوامع المتواطئة ويشير إليه بالآثار. و يصدق على الجميع صدقاً تشكيكياً و ليس المراد من التشكيك في المقام هو المعنى المصطلح أي تفاوت مصاديق مفهوم واحد بالكمال و النقص، بل المراد هو اختلاف المكلّف به حسب اختلاف الحالات.
ــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية الكفاية:42ـ43.
( 172 )
و ليعلم أنّ التقريبات الثلاثة الأخيرة متقاربة لكن المهمّ هو قيامها برفع المشكلة الموجودة أمام الصحيحي من صدق الجامع على جميع المراتب،أوّلاً، و يكون صدقه على تمام مصاديقها بوضع واحد لا بأوضاع متعدّدة ثانياً، و كون الأجزاء قليلة أو كثيرة داخلة في المسمّى من دون أن يكون بعضها جزء المسمّى و البعض الآخر جزء المأمور به كما عليه الأعمّي ثالثاً، و عليك بالتأمّل فيها.
تقريبات للقول بالأعم
قد ذكر المحقّق الخراساني عدّة تقاريب للقول بالأعم أوضحها: ما ذكره المحقّق القمي من أنّ الموضوع له، هو خصوص الأركان، وأمّا بقية الأجزاء والشرائط فهي دخيلة في المأمور به دون المسمّى(1) و حاصله دعويان:
الأُولى: أنّ الموضوع له هو الأركان.
والثانية: خروج بقية الأجزاء عن المسمّى. و دخولها في المأمور به وأشكل عليه المحقّق الخراساني بأمرين:
1ـ إنّ التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها، ضرورة صدق الصلاة مع الإخلال ببعض الأركان، بل و عدم الصدق عليها مع الإخلال بسائر الأجزاء و الشرائط عند الأعمّي ـ و لو مع الإتيان بالأركان.
يلاحظ على الشق الأوّل: بأنّ وجه صدق الصلاة مع الإخلال بالأركان، لأجل اشتمالها على الأبدال. و إلاّ نمنع صدقها. نعم يرد عليه ما أفاده في الشق الثاني. إذ لا تصدق الصلاة على مجرّد الإتيان بالأركان.
2ـ يلزم أن يكون الاستعمال فيما هو المأمور به بأجزائه و شرائطه مجازاً عنده، وكان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء في الكلّ.(2)
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق القمي: قوانين الأُصول: 44.
(2) كفاية الأُصول: 1/39.
( 173 )
يلاحظ عليه: بأنّه يصحّ للمحقّق القمي أن يجيب بأنّه إنّما يرد إذا أُخذت الأركان بشرط لا، لاما إذا أخذت لا بشرط كما قررناه. و عندئذ يكون الأجزاء الخارجة جزءاً لها لا أمراًخارجاً عنها ليكون الاستعمال مجازاً.
وأورد المحقّق النائيني على الدعوى الأُولى بأنّ المراد من الأركان أيّ مرتبة منها، مع اختلافها بحسب الموارد من القادر والعاجز، فلابدّحينئذ من تصوير جامع آخر بين تلك المراتب، فيعود الإشكال.
وعلى الدعوى الثانية بأنّه إن التزم بأنّ بقية الأجزاء خارجة دائماً، فهو ينافي الوضع للأعم، فإنّ المفروض صدقها على الصحيحة أيضاً. وإن أراد خروج بقية الأجزاء عند عدمها، فيلزم دخول شيء في الماهية عند وجوده، وخروجه عنها عند عدمه، و هو محال.(1)
والظاهر اندفاع كلا الإشكالين:
أمّا الأوّل، فلأنّ الشارع جعل الركوع و السجود بعرضهما العريض ركنين، وهما يختلفان باختلاف الحالات، و أدنى مراتبهما الإشارة و الإيماء. لكن وضع الاسم لهذه الأركان لا يحتاج إلى تصوير جامع بين تلك المراتب ليوضع اللفظ بازائه، بل يكفي في الوضع عطف البدل أو الأبدال على الأركان ، ولا مانع من أن يكون مقوّم المركّب الاعتباري أحد الأُمور.
وأمّا الثاني، فلأنّه إذا كانت الأركان، هي المسمّى، كانت لا بشرط بالنسبة إلى الأجزاء، بمعنى أنّها لو خلت عنها، تكون الصلاة هي نفسها، وإن انضمت إليها الأجزاء الخارجية، تكون غير خارجة عن ماهيتها. و هذا معنى كونها «داخلة عند وجودها، وعدمه عند عدمها». و لها في المركّبات الصناعية نظائر كالسيّارة و الطائرة والبيت، فانّ الايوان عند وجوده يعدّ جزء منه، دون ما إذا لم يكن و قس
ــــــــــــــــــــــ
(1) لمحقّق النائيني: أجود التقريرات:1/41ـ42.
( 174 )
عليه كثيراً من أجزاء المصنوعات كما هو معلوم، إذ لم تزل في طريق التكامل من حيث الإتقان و الأدوات.
هذا، و بما أنّ ما ذكر من الجوامع للقول بالأعم، لا يخلو من إشكال، فالأولى صرف عنان الكلام إلى البحث عن أدلّة الطرفين.
الجهة الخامسة: أدلّة القول بالصحيح
استدل للقول بالصحيح بوجوه من الأدلّة، ذكرها المحقّق الخراساني:
الأوّل: التبادر و دعوى أنّ المنسبق إلى الأذهان منها هو الصحيح ولا منافاة بين دعوى ذلك، و بين كون الألفاظ على هذا القول مجملات فانّ المنافاة إنّما تكون فيما إذا لم يكن معانيها على هذا الوجه مبيّنة بوجه، و قد عرفت كونها مبيّنة بغير وجه.(1)
إنّ قوله: ولا منافاة...ردّ لما يشكل عليه من أنّه إذا كان الموضوع له عند الصحيحي مجملاً فكيف يمكن ادّعاء تبادر الصحيح فإنّه أشبه بالتناقض فأجاب بأنّه لا منافاة بين الإجمال من حيث الذات، و المعلومية من حيث الآثار وكفى في التبادر كونه مبيّنة من هذه الجهة.
يلاحظ عليه: أنّ تبادر الصحيح من هذه الألفاظ إمّا مع قطع النظر عن الآثار الواردة في الكتاب والسنّة أو مع ملاحظتها، فعلى الأوّل، لا سبيل إلى التبادر لأنّ الموضوع مجمل من جميع الجهات، وعلى الثاني أي تبادر الصحيح بالنظر إلى الآثار يرجع هذا الدليل إلى الثالث الذي سيوافيك.
وبعبارة أُخرى: قد عرفت أنّ الصحّة في المقام ليس من آثار الماهية من حيث هي بل من آثارها عند الوجود و معنى وضعها للصحيح: أنّها وضعت لماهية إذا وجدت في الخارج تكون صحيحاً، و التلفّظ بهذه القضية الشرطية فرع التعرّف
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول:1/45.
( 175 )
على الموضوع، فإن تلفّظ بها مع قطع النظر عن الآثار الواردة في الكتاب فهو باطل إذ كيف يمكن له أن يَصِفَ المجمل من جميع الجهات بوصف شرعي، وعلى الثاني فالقضية و إن كانت صحيحة، لكنّها يرجع إلى الدليل الثالث.
الدليل الثاني: صحّة السلب عن الفاسد بسبب الإخلال ببعض أجزاء العبادة أو شرائطها بالمداقّة و إن صحّ الإطلاق عليه بالعناية.(1)
ويرد عليه ما أوردناه على الدليل الأوّل، فإنّ سلب شيء عن شيء، فرع معلومية المعنى، حتّى يسلب عن الفاسد، و المفروض إجمال المعنى وعدم تبيّنه إلاّمن جانب الآثار.
فإن قلت: إنّ المسلوب عن الفاسد، هو المعنى المقيّد بهذه الآثار أو المعرَّف بها.
قلت: قد مرّ أنّ ما هو العلامة، عبارة عن سلب مطلق المعنى، عن المورد،لا المقيّد، أو ما هو بحكمه، كما إذا أخذت الآثار، معرِّفة بصورة القضية الحينية.
ثمّ إنّه يرد على الدليلين إشكال آخر، وهو أنّ التبادر، أو صحّة السلب عن الفاسد، إنّما هو بحسب عرفنا. وأمّا كون المتبادر في عصر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو ذاك، و أنّه كان يصحّ سلبها عن الفاسد في ذاك الزمان، فلا يثبت إلاّ بأصالة عدم النقل، وهو يرجع إلى الاستصحاب القهقري. ولو افترضنا صحّته، أو قلنا بأنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي مستقلّ لا صلة له بالاستصحاب، وإن كانا متّحدين في النتيجة، يكون الاستدلال بالتبادر وصحّة السلب ناقصاً لابدّمن ضمّ أصل إليهما.
الدليل الثالث: الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص والآثار
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/45.
( 176 )
للمسمّيات، مثل: «الصلاة عمود الدين»
(1) أو «معراج المؤمن»
(2) و «الصوم جنّة من النار»
(3) إلى
غير ذلك. أو نفي ماهياتها و طبائعها مثل: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»(4) و نحوه ممّا كان ظاهراً في نفي الحقيقة بمجرّد فقد ما يعتبر في الصحّة شرطاً أو شطراً، و إرادة خصوص الصحيح من الطائفة الأُولى، ونفي الصحّة من الثانية، خلاف الظاهر، لا يصار إليها مع عدم نصب قرينة عليه.(5)
فإن قيل: يمكن أن يكون الموضوع في القسم الأوّل، هو الطبيعة على وجه الإهمال، أي الصلاة على نحو القضية المهملة لها الآثارالخاصّة، أو أُريد ، الفرد الصحيح على نحو المجاز.
قيل له: إنّ أصالة الإطلاق، وأصالة الحقيقة، يدفع كلا الاحتمالين.
ولا يخفى عدم صحّة الاستدلال بالطائفتين من الأخبار.
أمّا الأُولى: فلأنّ هذه الآثار إنّما تثبت إذا أتى المكلّف بها لله سبحانه و انضمّ إليها قصد القربة، وإلاّ فلا تكون معراجاً، ولا ناهية .و لم يقل أحد بدخول هذا الجزء العقلي (قصد الأمر) في مدلول الصلاة .
وعلى هذا فيؤول المعنى إلى أنّ الصلاة مقتضية لهذه الآثار لا علة تامة فإذا كان كذلك فيعم الموضوع فإنّها أيضاً مقتضية لتلك الآثار. و بالجملة الاستدلال مبني على كونها علّة تامة لهذه الآثار، و تكون هناك ملازمة بين مسمّى الصلاة وتلك الآثار، و من المعلوم أنّه لا ملازمة مطلقة بين المسمّى وتلك الآثار، و إنّما الملازمة بين المسمّى الذي قرن به الجزء العقلي، و بين تلك الآثار. وعلى ضوء ذلك،
ــــــــــــــــــــــ
(1) محمد بن يعقوب الكليني: الكافي:3/99، باب النفساء، الحديث 4.
(2) ذكره في «جواهر الكلام»:7/ 2.
(3) الكافي، :4/62، باب ما جاء في فضل الصوم والصائم، الحديث 1; من لا يحضره الفقيه:2/44، باب فضل الصيام، الحديث 1و5.
(4) غوالي اللئالي:1/196، الحديث 2; و2/ 218، الحديث 12.
(5) كفاية الأُصول: 1/45.
( 177 )
فلابدّ من جعل المسمّى مقتضياً لها، و الاقتضاء كما هو موجود في الصحيحة، موجود في الفاسدة، غاية الأمر أنّه في الأُولى آلة.
أضف إليه: أنّه لا يمكن دفع احتمال كون الصلاة على نحو القضية المهملة موضوعة للآثار، أو متعلّقة بنحو المجاز بالأصلين المذكورين لأنّ مجراهما ما إذا شكّ في المراد، لا ما إذا علم المراد وشكّ في أمر آخر، وهو أنّها موضوعة للصحيح أو الأعمّ فانّ الغاية من الأصلين في المقام هو إثبات الأمر الثاني لا الأوّل لأنّ المراد معلوم و هو الصحيح في هذه الموارد، لدلالة الآثار الواردة فيها المترتّبة على الصحيح، و كيفية الوضع ثمّ الاستعمال وأنّه بنحو الحقيقة أو المجاز مجهولان و الأصلان لا يفيان بذلك.
وأمّا الثانية: فانّ هذه التراكيب وإن كانت مستعملة في نفي الحقيقة، لكنّها مستعملة فيها بعناية، ولغاية المبالغة كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ :«يا أشباه الرجال ولا رجال»(1) فلا يكون مثله دليلاً على وضعها للصحيح.
لا أقول إنّها مستعملة في نفي الصحّة و الكمال، حتّى يقال إنّه لا يصار إليه إلاّ بقرينة، بل المستعمل فيه هو نفي الحقيقة مطلقاً، لكن فرق بين نفي الحقيقة حقيقة، وبين نفي الحقيقة مبالغة و عناية. و هذه التراكيب كثيرة الاستعمال في نفي الحقيقة مبالغة و عناية، مثل قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد».(2) و«لا رضاع بعد فطام»(3) و«لا رهبانية» (في الإسلام)(4)وإلى غير ذلك ممّا ورد على لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.
ومع هذه الكثرة ، لا تصلح للاستدلال، لأنّ كثرة الاستعمال إذا صارت إلى
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة، الخطبة 27، وقد قالها يستنهض بها الناس.
(2) التهذيب، للشيخ الطوسي:3/261، باب فضل المساجد والصلاة فيها، الحديث55; والوسائل، ج3، أبواب أحكام المساجد، الباب 2، الحديث 1. ورواه الدار قطني في سننه:1/420.
(3) الوسائل، ج14، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 5، الحديث 5.
(4) بحارالأنوار 68/317، و النسخة خالية من لفظة «في الإسلام».
( 178 )
حدّ وافر، تزاحم ظهوره اللفظ في نفي الحقيقة حقيقة. و الحاصل أنّ كثرة استعمال هذه التراكيب في نفي الحقيقة مبالغة و عناية، تزاحم حمل اللفظ في هذه الموارد على كون المراد هو نفي الحقيقة حقيقة.
أضف إلى ذلك أنّ الروايتين لا تثبتان إلاّ دخول الطهارة والفاتحة في المسمّى، وأمّا دخول غيرهما فيها فقاصرتان عن إثباته.
الدليل الرابع: و هومبنيّ على مقدّمات أربع:
الأُولى: أنّ طريقة العقلاء في وضع الألفاظ هي وضعها للصحيح.
الثانية : أنّ الداعي إليه هو كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح.
الثالثة: أنّ هذه الحكمة أيضاً موجودة في وضع الشارع.
الرابعة: لا يصحّ التخطي عن هذه الطريقة.(1)
ولا يخفى أنّ تقرير الدليل على هذا الوجه غير تام، لأجل منع بعض مقدّماته، خصوصاً الثانية، لمنع كثرة الحاجة إلى تفهيم الصحيح، هذا إذا لم يكن الأمر على العكس، و يمكن تقرير الدليل بوجه آخر لا يرد عليه ما ذكر، وحاصله:
أنّ الصلاة ماهيّة اعتبارية، اعتبرها المعتبر لأغراض خاصّة وردت في الكتاب والسنّة، وتلك الأغراض إنّما تترتّب على الصحيح منها دون الأعم.
و إن شئت قلت: إنّ الشارع لمّا أراد تهذيب الإنسان وتربيته، ورأى أنّ ذلك الغرض إنّما يترتّب على العبادة التي منها الصلاة، اخترعها لتحصيل هذا الغرض و من المعلوم أنّ الفعل يُتحدّد من ناحية العلّة الغائية، فلا يكون اعتبار العمل أوسع من الغرض و الغاية المحرّكة، والمعلول ـ الوضع ـ يتضيّق من ناحية علّته الغائية.
وبعبارة أُخرى: أنّ طبيعة الحال تقتضي أن يضع اللفظ لما تعلّق به غرضه و
ــــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ كفاية الأُصول: 1/46.
( 179 )
يفي به، لا الأعم، فانّ الداعي للاعتبار هو الداعي للوضع، فوضع اللفظ للأوسع من الغرض يحتاج إلى داع آخر غير موجود.
نعم الإتيان بما يتعلّق به الغرض يقتضي وجود قسم آخر و هو الفاسد، فيطلق عليه الاسم عناية. و مقتضى ذلك أن يكون الموضوع له هو ما يترتّب عليه الغرض، و استعماله في الفاسد من باب العناية والمجاز.
وهذا البيان لا يرد عليه ما أورد على التقرير الأوّل، فلاحظ.
الجهة السادسة: في بيان أدلّة القول بالأعمّ
استدل الأعمّي أيضاً بوجوه:
الأوّل: التبادر.
الثاني: عدم صحّة سلب الصلاة عن الفاسدة.
يلاحظ عليهما: بما مرّ في نقد أدلّة الصحيحي فإنّ التبادر وعدم صحّة السلب فرع تصوّر جامع على الأعم حتى يتبادر عند الإطلاق و يترتّب عليه عدم صحّة السلب وقد مرّ عدم جامع صالح على القول بالأعمّ.
الثالث: صحّة التقسيم: إلى الصحيحة والفاسدة.
وأُجيب عن الاستدلال: بأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة، إلاّ على رأي السيّد المرتضى:
وفيه: أنّا نرى أنّ استعمال الصلاة في هذا المورد، لا يحتاج إلى عناية و ادّعاء، كما هو شأن المجاز، و مثله إنّا نرى أنّه لا يصحّ سلب الصلاة عن الصلاة الفاسدة، و ليست الثانية بالنسبة إلى الصلاة، كنسبة الصوم إليها أو كنسبة الحجر إلى الإنسان.
والجواب غير تام فانّ الاستعمال و إن كان أعم، لكنّه إنّما يصحّ إذا احتمل
( 180 )
أنّ الاستعمال رهن الادّعاء والعناية و ليس المقام كذلك فانّ التقسيم، صحيح بلا حاجة إليهما، و هو آية كونه مستعملاً في الأعمّ على وجه الحقيقة الملازم كونه موضوعاً له .
نعم يمكن أن يقال: إنّ عدم الحاجة إليهما إنّما هو في عصرنا، و هو ليس دليلاً على عدم الحاجة إليهما في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولعلّ الاستعمال في الأعمّ في ذلك العصر كان متوقّفاً على الادّعاء وجريان عدم النقل ـ مع كثرة الحاجة إلى استعمالها في الفاسدة ـ غير محرز إذ مع كثرة الحاجة، يغلب الظنّ على النقل بالوضع التعيّني و معه يتوقّف العقلاء في التمسك بها. و الحاصل أنّ أصالة عدم النقل أصل عقلائي و القدر المتيقّن منه، عدم الظنّ القويّ بالنقل كما في المقام، لأجل الحاجة إلى إفهام الفاسد من الموضوع.
الرابع: قوله ـ عليه السَّلام ـ : «بني الإسلام على خمس: الصلاة والزكاة و الحجّ و الصوم والولاية، ولم يناد أحد بشيءكما نودي بالولاية، فأخذ الناس بالأربع و تركوا هذه ، فلو أنّ أحداً صام نهاره و قام ليله ومات بغير ولاية لم يقبل له صوم ولا صلاة».(1)
فإنّه بناء على بطلان عبادة تاركي الولاية كما هو ظاهر قوله: «لم يقبل له صوم ولا صلاة»لا يصدق الأخذ إلاّإذا كانت أسامي للأعم.
والجواب عنه واضح: أمّا على القول ببطلان صلاتهم وسائر أعمالهم العبادية، فلأنّ المراد من الصلاة هو الصحيحة منها بقرينة كونه ممّا بني الإسلام عليه. و المراد من أخذهم هو الأخذ بها حسب اعتقادهم.
وأمّا على القول بصحّة أعمالهم، كما هو الظاهر، فيسقط الاستدلال، لأنّ الأخذ يحمل على الحقيقة. نعم أعمالهم ليست مقبولة، وعدم القبول لا لأجل بطلانها، بل لأجل موانع من عروج الصلاة، كما ورد في عدم قبول صلاة شارب
ــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 2/19، باب دعائم الإسلام، الحديث5.
