http://www.imamsadeq.orgكتاب المحصول في علم الأصول للأستاذ جعفر السبحاني من ص 127 ـ 149 ص

( 127 )

بقيت هنا أُمور نذكرها:

1ـ إنّ المحقّق القمي فرّق بين صحّة الحمل وصحّة السلب، فاكتفى في الأوّل بصحّة حمل معنى واحد على الموضوع، وقال في الثاني بأنّه لا يكون علامة إلاّ إذا صحّ سلب جميع المعاني الحقيقية عن المستعمل فيه لئلاّ يرد النقض في المشترك، فإنّه يصحّ سلب بعض المعاني عن مورد، كالعين بمعنى الذهب، عن الفضّة، و لا يصحّ سلب جميعها.(1)

وأورد عليه المحقّق البروجردي: أنّه إذا كانت جميع المعاني معلومة لغاية سلبها عن المورد، فلا يبقى لنا شكّ في أنّه ليس بموضوع له حتّى نتمسك بهذه العلامة،(2) و يمكن الذبّ عن الإشكال بأنّ المقصود سلب جميع المعاني المرتكزة إجمالاً في الذهن عن المورد، لا سلبها مع ملاحظتها تفصيلاً حتّى يستغني عن العلامة، للعلم التفصيلي بكونه ليس منها.

2ـ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أشكل على كون صحّة الحمل علامة الوضع، أو صحّة السلب علامة المجاز.

وحاصل ما أفاده: أنّ الاستشكاف والاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع، السابق على الحمل و سلبه، فيكون إسناده إلى الحمل و سلبه في غير محلّه.

توضيحه: أنّ الحاكم لابدّ أن يتصوّر الموضوع أوّلاً بما له من المعنى حتّى يجده متّحداً مع المعنى المشكوك، ثمّ يحمل المعنى المشكوك على الموضوع المعلوم، حملاً أوّلياً. فإذا وجد ـ في عالم التصوّر ـ المعنى المحمول متّحداً مع الموضوع قبل حمله، فقد علم بوضع اللفظ للمعنى، و لم يبق لتأثير صحّة الحمل في رفع الإبهام

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق القمّي ، قوانين الأُصول:1/21.
(2) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول: 40.


( 128 )
مجال.

وأمّا الحمل الشائع فلا يكون علامة، إلاّ إذا كان شائعاً ذاتياً لكونه كاشفاً عن المصداق الحقيقي، كما في قولنا:«البياض أبيض» لا عرضياً. وحينئذ إذا كان المستعلم مردّداً في كون الحمل ذاتياً أو عرضياً، لم يكن له استكشاف الوضع في مجرّد الوضع و إذا كان عالماً بكونه حملاً ذاتياً، فقد علم المعنى قبل الحمل، إذا العلم بكونه مصداقاً حقيقياً ذاتياً مستلزم للعلم بكونه موضوعاً للطبيعة المطلقة.(1)

فإن قلت: إنّه إنّما يصحّ إذا كان المستعلم من أهل اللسان، وأمّا إذا كان من غيرهم فلا تبادر ولا وحدة عنده بين الموضوع والمحمول فحينئذ إذا رأى صحّة الحمل عند العرف أو صحّة السلب و عدم تنافره عندهم، يكتشف ضالّته . قلت: إنّ صحّة الحمل عند أهل اللغة أو عدم صحّته يرجع إلى تنصيص أهل اللغة و اللسان وليست بعلامة مستقلّة.(2)

يلاحظ عليه: إنّا نختار الشقّ الأوّل وأنّ المراد هو صحّة الحمل عند المستعلم لكنّه إنّما يرد إذا كان زمان الاستكشاف مقارناً لزمان الحمل و سلبه فيسبقه التبادر و يغني عن غيره. و أمّا إذا كان زمان الحمل مقدّماً على زمان الاستكشاف، كما إذا كان الحمل في مقامات اُخر، كإلقاء الخطباء، و المحاورات العرفية، ثمّ صار بصدد الاستشكاف عن المعنى الموضوع له، ورأى أنّ حمل المحمول بماله من المعنى الارتكازي على الموضوع أو سلبه عنه غير متنافرين، يستكشف من صحّة الحمل و سلبه، أنّ الموضوع الذي حمل عليه اللفظ أو سلب عنه، هو المعنى الحقيقي أو المجازي.

ونختار الشقّ الثاني و نقول إنّه لا يرجع إلى تنصيص أهل اللغة لأنّ المراد منه ليس صحّة الحمل وعدمها عندهم بل المراد تصريحهم بالموضوع بوجه تفصيلي

ــــــــــــــــــــــ
(1) تهذيب الأُصول: 1/58.
(2) نبّه بما ذكرناه في صدر البحث فلاحظ و إنّما ذكرناه إكمالاً لبيانه.


( 129 )
كالقواميس و المعاجم و ما أفاده من أنّ العلم بصحّة الحمل لا يحصل إلاّ بتصريح الغير فيرجع إلى تنصيصه، غير تامّ بل العلم بها، يحصل من الوقوف ولو بالقرائن الخارجية على كون الحمل أو السلب صحيحاً عندهم و إن لم يصرّحوا بصحّة الحمل.

3ـ إنّ المحقّق العراقي خصّ كون صحّة الحمل علامة، بالمتداول على ألسنة اللغويين، أعني به حمل أحد اللفظين المترادفين بماله من المعنى على الآخر، مثل قولهم: «الغيث هو المطر» وأمّا الحمل الأوّلي، مثل قولهم: «الإنسان حيوان ناطق» فلا يمكن أن يستكشف بصحّته وضع اللفظ للمعنى المعلوم عند من استعمل هذا الحمل، لأنّ مفهوم «حيوان ناطق» مفهوم مركّب متّصل، و بما هو كذلك، يمتنع أن يكون هو مفهوم الإنسان، لأنّ مفهوم كلّ لفظ مفرد بسيط مجمل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ صحّة الحمل يكشف عن أنّ اللفظ موضوع لمعنى بسيط مجمل، لو وقع تحت التحليل العقلي، يصير نفس هذا العنوان المركّب، و ليس المراد أنّه موضوع لهذا المعنى المركّب، كما لا يخفى.

4ـ قد تقدّم ، أنّ التبادر، و كذلك صحّة الحمل، لا يثبتان إلاّ أنّ الموضوع هو الموضوع له بالفعل، و في عصر المستكشِف. وأمّا أنّه هو الموضوع له في عصر النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و الأئمّةـ عليهم السَّلام ـ فلا يتمّ إلاّبأصالة عدم النقل المتّفق عليها عند العقلاء الذي مرجعه إلى الاستصحاب القهقرى. فانّ الاستصحاب المعروف: جرّ المتيقّن من الماضي إلى الحال، وفيه جرّ المتيقن من الزمان الحال إلى الزمان الماضي، كما لا يخفى. و مثل هذا و إن كان لا تشمله أدلّة الاستصحاب الشرعية، لكنّه لا مناص عن القول بكون «أصالة عدم النقل» أصلاً عقلائياً مستقلاً غير معتمد على الاستصحاب.

نعم لو كان المدار في الحجّية هو الظهور الواصل للسامع، كفى نفس

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق العراقي: بدائع الأفكار: 1/99.


( 130 )
التبادر وصحّة الحمل المثبتين لهذا الظهور. وأمّا لو كان المدار هو الظهور حين صدوره من المتكلّم، فيحتاج إلى أصالة عدم النقل.

5ـ إنّ مشكلة الدور وحلّها في المقام نفسها في التبادر حرفاً بحرف فلا نطيل.

الثالث: الاطراد

الاطراد هو العلامة الثالثة و قد قرّر بالنحو التالي:

إذا اطّرد استعمال لفظ في أفراد كلّي بحيثية خاصّة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد وعمر، مع القطع بكونه غيرموضوع لكلّواحد على حدة، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها وبين ذاك الكلّي، وعلم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى . واحتمال كونه مجازاً لأجل العلاقة، مدفوع بعدم الاطراد في علائق المجاز، فانّ علامة الجزء و الكلّ ليست مطّردة بشهادة أنّه يصحّ استعمال «العين »في المراقب ولا يصحّ استعمال الشعر فيه، ويصحّ استعمال اللسان في الوكيل، دون الصدر فيه و غير ذلك.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بما هذا توضيحه:

1ـ إنّ المجاز و إن لم يطّرد في نوع علائقه و مطلق المشابهة، إلاّ أنّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطّرد كالحقيقة(1). فاستعمال الجزء في الكلّ مطّرد في خصوص ما إذا كان للجزء دور خاص في المورد، كالمراقبة في العين، والتبيين في اللسان، والعمل في اليد.

فإن قلت: إنّ هنا فرقاًبين الاطرادين، فإنّ الاطراد في الحقيقة، لا يحتاج إلى تأويل، بخلاف الاطراد، في المجاز فإنّه فيه يحتاج إلى التأويل و على هذا فالاطراد من غير تأويل علامة الحقيقة.

ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/28ـ 29.


( 131 )

قلت: إنّ هذا يستلزم الدور: لأنّ معرفة الحقيقة متوقّفة على الاطراد «من غير تأويل»، و هو عبارة أُخرى عن «وجه الحقيقة» فصار الموقوف جزء الموقوف عليه.

أضف إليه: أنّه إذا علم كون الاستعمال على وجه الحقيقة و التفصيل، فقد تميّز المعنى الحقيقي عن المجازي فلا يحتاج بعده إلى الاستعلام أصلاً.

فإن قلت: هل يمكن الإجابة عن الدور بما ذكر في التبادر بالإجمال و التفصيل؟

قلت: لا، لأنّ المعرفة في كلا الطرفين تفصيلية، فالعلم بالحقيقة تفصيلاً موقوفة على الاطراد من غير تأويل، وعلى وجه الحقيقة تفصيلاً، فكيف يرتفع الدور.

هذا توضيح لما أفاده المحقّق الخراساني، وأضاف إليه سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ أنّ الاطراد مسبوق بصحّة الحمل في كلّ مورد، فإنّه إذا أُطلق اللفظ (العالم) على شيء (زيد) بماله من الخصوصية و العوارض يكون مجازاً مع العلاقة أو حسن الاستعمال و غلطاً بدونهما و إن أُطلق بلا إرادة الخصوصية بل باعتبار كونه واجداً لمبدء، كالعالم بالنسبة إلى زيد الواجد للعلم واطّرد ذلك الإطلاق فصحّة الحمل تكشف عن كون الموضوع هو الموضوع له، ولا يحتاج معه إلى الاطراد أبداً.

أقول: الذي يمكن أن يكون لنا ـ معاشر غير العرب ـ منتجاً هو الاطراد و قد عرفت أنّ الأعلام ، رفضوه، ولكنّهم ـ أنار الله برهانهم ـ لو أعطوا للمسألة حقّ النظر، لما رفضوه وأذعنوا أنّه أيسر الطرق و أنفعها و إليك البيان.

إنّ الجاهل (1) باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل

ــــــــــــــــــــــ
(1) الاطراد يعتمد عليه غير أهل اللسان و الجاهل باللغة خلافاً للعلامتين السابقتين فهما أعمّ يستفيد منهما أهل اللسان وغيره.


( 132 )
اللسان، فليس له طريق إلاّ الاستماع إلى محاورات أهل اللغة في مقامات مختلفة، فإذا رأى أنّ لفظاً خاصّاً يستعمل في مقامات مختلفة بمحمولات عديدة في معنى واحد، كما إذا رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر و مطهّر، أو قليل أو كثير، و قال الكيمائي: الماء رطب سيّال، وقال الفيزيائي: الماء لا لون له و رأى اطّراده في الموضوع الخاص، يحدس أنّ اللفظ موضوع على ما استعمل فيه في هذه الموارد، لأنّ المصحّح، إمّا الوضع أو العلاقة، والثاني لا اطراد فيه فتعين الأوّل.

وهذا هو الطريق المعروف في اقتناص معاني اللغة و لنذكر مثالاً:

ذهبت الشيعة الإمامية إلى أنّ الغنيمة في آية الخمس، مستعملة في مطلق ما يفوز به الإنسان في الحرب و غيره و لأجل ذلك استدل الفقهاء بها تبعاً لأئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ على تعلّق الخمس بأرباح المكاسب و غيرها خلافاً لأهل السنّة حيث قالوا باختصاص حكم الآية بالغنائم الحربية فإذا أردنا القضاء في معنى الغنيمة وأنّها هل كانت في زمن نزول الآية حقيقة في مطلق ما يفوز به الإنسان أو يختصّ بالغنائم الحربية، لا محيص من تتبّع استعمالها في القرآن و السنّة، فإنّه يهدينا إلى أحد المعنيين، وبه يثبت أنّها موضوعة لأحدهما وقد سلكنا هذا الطريق في كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنّة» وأثبتنا أنّها مطردة فيهما في مطلق ما يفوز به الإنسان.

فمن الكتاب قوله سبحانه: (...تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرَةٌ)(1)أراد به نعم الجنّة فمن السنّة ما رواه ابن ماجة في كتاب الزكاة أنّه جاء عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّاجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».(2)

وفي مسند أحمد عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ:«غنيمة مجالس الذكر الجنّة».

و فيه أيضاً عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في وصف شهر رمضان: «غنم المؤمن».

ــــــــــــــــــــــ
(1) النساء: 94.
(2) الاعتصام بالكتاب والسنّة: 92.


( 133 )

إلى غير ذلك من الموارد التي اطّرد فيها استعما ل المادة في ذلك المعنى، و ليس له سبب سوى الوضع و إلاّلم يطّرد.

هذا هو الطريق المألوف في اقتناص مفاهيم اللغات و معانيها و عليه قاطبة المحقّقين.

وهذا المقدار من البيان لا يكفي في إثبات كونه علامة الوضع إلاّ بدفع الإشكالات الثلاثة التالية:

الأوّل: أنّ المجاز مثل الحقيقة مطّرد في مورد صنف العلاقة لا نوعها.

الثاني: أنّ المعرفة التفصيلية بالمعنى الحقيقي يتوقّف على الاطراد من غير تأويل، و المراد من غير تأويل هو المعرفة التفصيلية بالمعنى الحقيقي، ولازمه أخذ المعرَّف وجعله جزء المعرِّف.

الثالث: أنّ الاطراد مسبوق بصحّة الحمل، فيكون غير محتاج إليه.

وإليك الذبّ عن الجميع.

أمّا الإشكال الأوّل أي كون صنف المجاز مطّرداً في صنف العلاقة و إن لم يكن مطّرداً في نوعها. فيدفع بأنّ المجاز غير مطّرد حتّى في مورد صنف العلاقة و ذلك لأنّ المجاز من قبيل استعمال اللفظ في الموضوع له لكن بادّعاء اتّحاده مع المعنى المجازي و لكن حسن هذا الادّعاء، رهن أمرين:

1ـ حسن الادّعاء أنّ الرجل الشجاع أسد، دون الرجل الأبخر.

2ـ كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء.

إذا عرفت ذلك ظهر أنّ المجاز غير مطّرد حتّى في صنف العلائق فضلاً عن نوعها، بل يتوقّف على كون المقام مناسباً لإظهار الادّعاء كبيان الشجاعة، فلو كان المتكلّم في مقام بيان شجاعة الرجل يصحّ خطابه، بقوله: «يا أسد»، أو توصيفه به، وأمّا إذا لم يكن المقام من هذا القبيل، كما إذا أراد دعوته إلى تناول


( 134 )
الطعام، فانّه لا يصحّ أن يقول: «يا أسد، تفضّل إلى الطعام» بل يجب أن يقال يا رجل.

فهناك فرق بين يا رجل، وياأسد، فالثاني لا يصحّ إلاّ إذا كان المقام مختصّاً ببيان شجاعته بخلاف الأوّل و بذلك يظهر اختصاص الاطّراد بالحقائق دون المجازات، ولأجل ذلك قلنا لو صحّ استعمال اللفظ في موارد مختلفة مع محمولات مختلفة، لكشف عن كون المجوّز هو الوضع دون القرينة و ليس المجاز متحمّلاً ذاك الأمر.

و مثله: إذا قلنا: «فلان عين» فليس له اطّراد، كاطّراد لفظ الإنسان. إلاّفي مقام خاص و هو كونه مراقباً للأُمور.

وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده المحقّق العراقي حيث قال إن أُريد من التبادر هو الاطّراد في التبادر فيرجع إليه و إن أُريد الاطّراد في الاستعمال فهو ليس منحصراً بالمعنى الحقيقي لوجوده في المجازات أيضاً فلا يمكن أن يكون علامة(1) لما عرفت من أنّ المراد الاطّراد في الاستعمال لكن لمناسبات مختلفة، و في موارد متنوعة والمجاز ليس كذلك.

وأمّا الإشكال الثاني أعني: كون العلامة هو الاطّراد من غير تأويل، و المقصود من عدم التأويل كونه على وجه الحقيقة. و هو يستلزم الدور، لأنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة، يتوقّف على الاطّراد من غير تأويل و هو عبارة أُخرى عن وجه الحقيقة.

قلت: إنّ العلم بالموضوع له على وجه الحقيقة، متوقّف على الاطّراد على النحو الذي ذكرناه بأن يقع لفظ بمفهوم واحد، من طبقات مختلفة الحرفة، موضوعاً للمحمولات كثيرة وعلى ضوء ذلك، فليس كونه من غير تأويل جزء

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق العراقي: بدايع الأفكار: 1/98.


( 135 )
للموقوف عليه، بل هو نتيجة الاطّراد وفي طوله لا في عرضه فيكون الاطّراد مبدء لحدس أُمور تالية:

1ـ إنّ الاطّراد معلول للوضع.

2ـ إنّ الاطّراد ليس مقروناً بالتأويل إذ لو كان لما خفي مع كثرة الموارد.

3ـ يحصل العلم بأنّ الموضوع هو المعنى الحقيقي .

والحاصل: أنّ هنا شيئاً واحداً، يعبّر عنه تارة أنّ المسوغ للاستعمال هو الوضع لا القرينة وأُخرى بالعلم بالحقيقة، وثالثة «العلم بلا تأويل» و الجمع نتيجة الاطّراد، على النحو الذي أوضحناه، لا أنّ العلم بالحقيقة، متوقّف على الاطراد بلا تأويل، بل كلاهما متوقّفان على الاطّراد على النحو الذي ذكرناه، و هو مبدء لحصولهما، وقد عرفت أنّ مرجعهما واحد.

ثمّ إنّ هذا الوجه هو الذي أشار إليه شيخ مشايخنا العلاّّمة الحائري: «أنّ المراد من الاطّراد حسن استعمال اللفظ في كلّ موقع من غير اختصاص له بمواقع خاصة، كالخطب والأشعار، ممّا يطلب فيها إعمال محاسن الكلام و رعاية الفصاحة و البلاغة. بخلاف المجاز فإنّه إنّما يحسن في تلك المواقع خاصة، وإلاّففي مورد كان المقصود ممحضاً في إفادة المدلول لا يكون له حسن كما لا يخفى.(1)

وقال المحقّق البروجردي: «إذا كان المقام مقام الإخبار بوقوع الرؤية على الرجل في قولنا:رأيت رجلاً يرمي» يكون إطلاق الرجل عليه حسناً بنحو الإطلاق وأمّا استعمال الأسد ـ في قولنا: «رأيت أسداً يرمي ـ فيتوقّف (مضافاً إلى تحقّق العلاقة و مصحّح الادّعاء) على كون المقام ، مقام إظهار شجاعته، وذلك يختلف بحسب الموارد فجعل عدم اطّراد الاستعمال من علائم المجاز صحيح بلا إشكال».(2)

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق الشيخ عبد الكريم الحائري: درر الأُصول: 1/15.
(2) المحقّق البروجردي: نهاية الأُصول: 37.


( 136 )

وأمّا الإشكال الثالث، أعني: ما أفاده سيّدنا الأُستاذـدامظلّهـ من أنّ الاطّراد مسبوق بصحّة الحمل، فيستكشف الوضع قبله به.

فيمكن أن يقال: إنّ الاطّراد إنّما يكون مسبوقاً به لو علم بصحّة الحمل بلا قرينة، وأمّا إذا شكّ، فلا فعندئذ يكون اطّراد الاستعمال في موارد مختلفة بمحمولات متنوعة كاشفاً عن الحقيقة، وأنّ المجوّز هو الوضع، دون القرينة من دون أن يكون لصحّة الحمل دور في مجال الاستكشاف.

ثمّ إنّ كون الاطّراد دليلاً على الحقيقة ليس بمعنى أنّ الأصل في الاستعمال هو الحقيقة كما عليه المرتضى و ذلك للفرق بين القولين فإنّ ما ذكره يرجع إلى أنّ الأصل في كلّ استعمال ما لم يعلم كونه معنى مجازياً كون المستعمل فيه معنى حقيقياً ولأجل ذلك ذهب إلى أنّ اشتراك صيغة الأمر في الوجوب والندب لأجل استعماله فيهما وبالجملة هو يكتفي بمجرّد الاستعمال و يجعله دليلاً على الحقيقة.

وما ذكرنا يرجع إلى أنّ استعمالاً واحداً أو إثنين لا يكشف عن كون المستعمل فيه حقيقة إلاّ إذا انتهى إلى حدّ نطمئنّ بأنّ الانتقال من اللفظ إليه، مستند إلى الوضع لا إلى القرينة إذ لو كان لبان، ولو خفي في مورد فلا يكاد يخفى في الموارد المختلفة و كم فرق بين القولين:

الرابع: تنصيص أهل اللغة:

قد ذكروا أنّ تنصيص أهل اللغة من أسباب التعرّف على تميّز الحقائق عن المجازات. فإن أرادوا منه، أهل اللسان، و خصوصاً سكّان البادية والأعراب الذين لم يتأثّروا بالأجانب فصارت لغتهم مصونة عن التحريف فنعمت العلامة.

إنّ الأوائل من مدوني اللغة، كالخليل (ت/170)، و الجوهري (ت/299) قد أخذوا كثيراً من المعاني من ألسن الأعراب وسكّان البوادي، البُعداء عن المتحضرين، المتأثّرين بعد الفتوحات، بالأجانب من الترك والفرس


( 137 )
والهنود فصارت لغتهم ممزوجة بالدخيلات.

وإن أرادوا تنصيص مدوني المعاجم و القواميس، فقد استشكل عليه، بأنّ ديدنهم بيان المستعمل فيه، لا الموضوع له فترى أنّهم يذكرون للقضاء معاني عشرة، و للوحي، معاني متنوعة مع أنّهما ليسا من المشترك اللفظي و لأجل ذلك لا يكون نصّهم دليلاً على شيء.

لكن هنا ملاحظتان:

الأُولى: أنّ ما ذكر ليس هو الخطّ الحاكم على جميع المعاجم و هناك من اللغويين من يحاول أن يعرف المعنى الأصيل الذي اشتق منه سائر المعاني بأسباب شتّى، كالمقاييس تأليف أحمد بن فارس المتوفى عام 395 فإنّه من أحسن ما أُلّف في هذا الباب فعلى الفقيه مراجعة ذلك المعجم و نظائره حتى يميز المعنى الأصلي عن المعنى المشتق منه.

الثانية: أنّ الإمعان في المعاجم المعروفة التي تذكر موارد الاستعمال ربّما يوصل الإنسان إلى تميّز المعنى الحقيقي عن المعاني المتولّدة و المتعدّية إليها بمناسبات شتّى و ذلك كلفظ الوحي فقد ذكروا له معاني متعدّدة كالإشارة السريعة، و الصوت الخفي، و الإلهام القلبي، و التسخير، و ذكروا لكلّواحدة شاهداً من الكتاب و السنّة و الأدب و لكن الإمعان يعطي أنّه ليس له إلاّ معنى واحد و هو الإفهام بخفاء، و البواقي صور له فانّه يتحقّق تارة بالإشارة و أُخرى بالكلام الخفي، وثالثة بالإلقاء في الروع، إلى غير ذلك من الصور لذلك المعنى الحقيقي.

و لذلك يجب على الفقيه، ممارسة المعاجم و مطالعتها، كمطالعة سائر الكتب الفقهية والأُصولية، حتّى يخالط علم اللغة دَمه و لحمه و عند ذلك يستطيع على القضاء في اللغة وتبيين المعاني الحقيقية عن المجازيّة وقد كان مشايخ الشيعة الأوائل كالصدوق. والمفيد و المرتضى والطوسي والطبرسي، من فقهائنا من


( 138 )
الأقوياء في علم اللغة فكانوا لغويين قبل أن يكونوا فقهاء. ولكن يا للاسّف ارتحل الأدب العربي بالمعنى الصحيح عن جامعاتنا العلمية ويا لها من خسارة لا تجبر.

وهناك كلمة للعلاّمة أبي المجد نأتي بنصّها: قال: إنّ أئمّة هذا الفن (اللغة) المتقدى بهم في علمي النحو و الصرف و غيرهما من العلوم العربية، كيف صار كلامهم حجّة في تلك العلوم دونها؟ و بأيّ وجه لا يصدق الخليل ـ وهو الوجه و العين ـ فيما ينقله في كتاب «العين» عمّا سمعه في اللغة من بادية الأعراب و يصدق فيما ينقله عنه صاحب الكتاب من وجوه الإعراب! هذا هو الحيف إلاّ أن يمنع هذا المانع، حجّية أقوالهم في جميعها فتكون هذه الطامّة جناية على علوم العربية عامّة.(1)

***

المقدمة الثامنة:

أحوال الألفاظ و تعارضها

قد ذكر الأُصوليون للفظ أحوالاً خمسة، وهي: التجوّز، و التخصيص ، والاشتراك، و النقل، والإضمار. ولا شكّ أنّ الكلّ خلاف الأصل. و لأجل ذلك لو دار الأمر بين الحقيقة و المجاز، و العام و الخاص، و هكذا...فالحقيقة والعام مقدّمان على مقابليهما و هكذا....

إنّما الكلام إذا دار الأمر بين هذه الأُمور ـ كما إذا دار الأمر في قولنا: «واسأل القرية» ، بين إضمار لفظة «الأهل» أو المجاز ـ فقد ذكر الأُصوليون لترجيح بعضها على بعض وجوهاً، لكنّها وجوه و مرجّحات ظنّية استحسانية لا دليل على اعتبارها ، فلابدّ من اتّباع الظهور العرفي سواء أساعد هذه الوجوه أم لا.

و إن شئت قلت: ما ذكروه من الوجوه، أُمور عقلية بحتة لا يلتفت إليها

ــــــــــــــــــــــ
(1) أبو المجد الاصفهاني: وقاية الأذهان:510ـ 511.


( 139 )
العرف، ولا يثبت بها الظهور العرفي حتّى تكون متّبعة.

نعم، وقع الكلام في ما هو المتبع عند العقلاء، فهل هو أصالة الظهور، أو أصالة الحقيقة، أو أصالة عدم القرينة؟ و تظهر الثمرة فيما إذا احتُفّ الكلام بما يصلح للقرينية، فالأصلان الأوّلان محكّمان، دون الأصل الثالث، لجريانه في ما إذا شكّ في أصل وجود القرينة، لا فيما إذا شكّ في قرينية الشيء الموجود.

وسيوافيك عند البحث عن حجّية الظواهر أنّ حجّيتها لا تتوقّف على شيء من هذه الأُمور، وأنّ دلالة الظواهر على معانيها الاستعمالية قطعية، و ليست بظنّية ، فتربّص حتّى حين.

***

المقدّمة التاسعة:

في الحقيقة الشرعية

لا شكّ أنّ ألفاظ الصلاة والصوم والزكاة والحجّ و نظائرها كانت حقائق لغوية في الدّعاء والإمساك، والنموّ والقصد، قبل بعث الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كما أنّها كانت حقيقة في المعاني الخاصّة في عصر الصادقينعليمها السَّلام بل قبله. لكن الكلام في كيفية كونها حقائق في هذه المعاني الثانوية وأوانه و زمانه و لأجل إيضاح الحقّ نبحث في جهات:

الأُولى: في تحرير محلّ النزاع و بيان الأقوال فيها. أقول: الأقوال فيها أربعة:

1ـ ذهب أبوبكر الباقلاني (ت/403) من أكابر الأشاعرة إلى أنّ الألفاظ المذكورة باقية في المعاني اللغوية، وقد استعملت فيها،و طبّقت على مصاديق كشف عنها الشارع.

2ـ إنّها نقلت في لسان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من معانيها اللغوية إلى المعاني الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني فصارت حقائق في تلك المعاني في عصره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ.


( 140 )

3ـ إنّها استعملت في لسان النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في تلك المعاني مجازاً، ثمّ صارت حقائق فيها في لسان المتشرّعة بعد رحيل النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهي حقائق متشرعية لا شرعية.

4ـ إنّها كانت حقائق في تلك المعاني في عصر النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و قبله وأنّ العرب يستعملها في تلك المعاني ـ وراء المعاني اللغوية ـ بلا قرينة مقاليّة أو حاليّة و النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تبع في استعماله ذلك الوضع الموجود قبل ميلاده.

والمشهور بين الأُصوليين هو الأقوال الثلاثة الأُول، والرابع هو خيرة سيّدنا المحقّق البروجردي قدَّس سرَّه.

الثانية: في بيان الثمرة للبحث و هي ما إذا وردت هذه الألفاظ في لسان النبي أو الأمير عليمها السَّلام بلا قرينة مفهمة، فلو قلنا بالحقيقة الشرعية فيحمل عليها، وإلاّ فيحمل على المعاني اللغوية حتّى يثبت النقل فإذا قال الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ: إذا رأيتم الهلال فصلّوا وافترضنا إجمال الكلام فعلى القول الثاني يحمل على الدعاء، بخلاف ما إذا قلنا بالحقيقة الشرعية فيحمل على المعاني المعروفة لدى المتشرعة.

و سيوافيك أنّ البحث عادم الثمرة إذ ليس لنا مورد يتردّد فيه مفهوم اللفظ بين المعنى اللغوي أو الاصطلاحي فالكلّ سواء كان نبوياً أوعلوياً واضح المعاني، مبيّن المقاصد وأمّا الوارد في لسان السبطين و من بعدهماـ عليهم السَّلام ـ فالأمر أوضح.

الثالثة: في بيان دلائل المثبتين والنافيين.

استدل المثبت بتبادر المعاني الشرعية منها في محاورات النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، مؤيّداً بأنّه لولا الوضع لا يصحّ استعمالها فيها مجازاً إذ ربّما لا تكون علاقة معتبرة بين المعاني الشرعيّة و اللغوية فأيّ علاقة بين الصلاة شرعاً و الصلاة بمعنى الدعاء و مجرّد اشتمال الصلاة على الدعاء لا يوجب ثبوت ما يعتبر في علاقة الجزء والكلّ.(1)

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الخراساني: كفاية الأُصول:1/32.


( 141 )

يلاحظ عليه: بأنّ التبادر في محاوراته أعمّ من كونها حقائق شرعية في لسانه إذ من المحتمل أن تكون تلك الألفاظ حقائق في تلك المعاني في لسان العرب المتواجدين في الحجاز و ما والاها المنتمين إلى دين الحنيف الذي هو شريعة إبراهيم الخليل. فالتبادر يلائم القول الرابع ايضاً.

استدلّ النافي بأنّ كونها حقائق شرعية في لسانه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتوقّف على الوضع و هو إمّا تعييني أو تعيّني والأوّل بعيد جدّاً وإلاّ لنقل، والثاني يتوقّف على الاستعمال بكثرة و لا يكفي عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ و استعمالاته في تحقّق النقل.

يلاحظ عليه: بأنّه يُختار الشق الأوّل ويُجاب بأنّ الوضع غير منحصر فيما ذكر بل هناك قسم ثالث، وهو الاستعمال بداعي الوضع كما إذا احتفلت الأُسرة، لتسمية المولود الجديد، و الكلّ ينظر إلى كبيرهم بماذا يُسمي المولود، فيقول ائتني بولدي الحسن. فهو بنفس هذا الاستعمال، يسميه حسناً و هو واقع كثيراً و لعلّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عند ما قال: صلّوا كما رأيتموني أُصلّي، قام بنفس هذا العمل.

وقد أُورد على هذه المحاولة بأنّه يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي فإنّ اللفظ لدى الوضع يلاحظ استقلالاً وعند الاستعمال يلاحظ آلياً، فالجمع بين الوضع والاستعمال يستلزم الجمع بين اللازمين المختلفين.(1)

وقد أُجيب عن الإشكال بوجوه مختلفة ذكرها السيّد الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ في درسه (2)أحسنها ما أفاده من أنّه إن أُريد من الآلية، هي الغفلة عن اللفظ وعدم الالتفات إليه فهو ممنوع و إنّما يغفل عنه العارف باللسان إذا تعلّقت إرادته بإبراز ما في ضميره على أيّ نحو كان، فيلقى الألفاظ فكأنّه يلقى المعاني، وأمّا إذا كان المتكلّم من غير أهل اللسان أو كان من أهل اللسان و لكنّه يظهر خطيباً يريد

ــــــــــــــــــــــ
(1) سمعنا من بعض المشايخ أنّ المورِد هو الفقيه السيّد أبو الحسن الاصفهاني صاحب الوسيلة ولكن نقله المحقّق النائيني في تقريراته بشكل يعرب أنّه المورد لاحظ أجود التقريرات: 1/33.
(2) الإمام الخميني : تهذيب الأُصول: 1/65.


( 142 )
إلقاء محاضره بأحسن الألفاظ والعبارات فيكون لهما عناية خاصة باللفظ و منهاهذا المقام، فإنّ لكبير الأُسرة في هذا المقام عناية باللفظ الذي يريد تسمية ولده به.

وإن أُريد منها، أنّ اللفظ وسيلة، و الغاية هي المعنى، فهو يلائم مع الاستعمال بداعي الوضع.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني ذهب إلى أنّ هذا النوع من الاستعمال ليس بحقيقة ولا مجاز وأنّه غير ضائر بعد ما كان ممّا يقبله الطبع ولا يستنكره.

يلاحظ عليه: أنّه لو افترضنا أنّ هذه الألفاظ كانت موضوعة لمعاني لغوية كالدعاء للصلاة، لماذا لا يكون استعماله في العبادة الخاصّة مجازاً مع صدق حدّه عليه، من غير فرق بين تعريفه بالاستعمال فيما وضع له مع الادّعاء، أو الاستعمال في غيرما وضع بعلاقة المشابهة وغيرها نعم لا يوصف الاستعمال الثاني و الثالث بالمجاز لكونهما بتبع الوضع.

ويختار الشقّ الثاني و هو صيرورة هذه الألفاظ حقائق فيها بالوضع التعيني، ولكن لماذا لا يكفي فترة الرسالة له، مع أنّ بلالاً ينادي كلّ يوم و يقول: حيّ على الصّلاة عشر مرّات فيكفي في النقل، مضي أيّام فضلاً عن شهور و أعوام.

هذا هو حال القولين وأمّا القول الثالث، أعني: المنقول عن الباقلاني، فلا يعتدّبه .

ما هوالحقّ في المقام؟

القرائن الموجودة في القرآن والحديث والأدب العربي تثبت أنّ هذه الألفاظ كانت موضوعة لهذه المعاني قبل نزول الوحي على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ، وأنّه ليس في الإسلام عبادة مخترعة أو معاملة كذلك (اللّهمّ إلاّالمتعة، فقد كانت من ابتكارات الرسول


( 143 )
بأمر منه سبحانه على قول) وهذا هو المختار، كما سيوافيك بيانه، و تحقيق المطلب يستدعي بيان أُمور:

1ـ هل كانت العبادات المشروعة في الإسلام، موجودة في الشرائع السابقة أو لا، الصحيح أنّها كانت موجودة، ويشهد له كثير من الآيات القرآنية ونكتفي ببعض منها:

قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(1)

وقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بالحَجِّ يَأْتوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِر يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجّ عَمِيق) .(2)

وقال تعالى: (قالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوصانِي بالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً) .(3)

وقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الكِتابِ إِسْماعيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِوَ كانَ رَسُولاً نَبِيّاً *وَ كانَ يَأْمُرُأَهلهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاة وَكانَ عِنْدَرَبّهِ مَرضيّاً) .(4)

فانّ هذه الآيات وغيرها ممّا يجده المتتبّع في القرآن ، تدلّ على وجود تلك الماهيّات في الشرائع السابقة و أنّها ليست ماهيات مخترعة.

أضف إلى ذلك أنّ لكلّ قوم حسب فطرتهم عبادة يتقرّبون بها إلى الله سبحانه و يخضعون دونه، لا سيما العرب، فإنّهم كانوا على مدى الأعصار، بين عابد لله و خاضع له، وعابد للأوثان متقرّب بعبادتها إلى الله.

والباقيات الأثرية للأُمم الماضية، كشفت عن كون العبادة للإله الحقيقي أو الموهوم، أقدم عمل للإنسان وأنّه لم تكن أيّة حضارة بشرية خالية عن الاعتقاد

ــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 183.
(2) الحج: 27.
(3) مريم:30و 31.
(4) مريم: 53و 54.


( 144 )
والتعبّد.

2ـ إذا كانت هذه الحقائق موجودة في شريعة إبراهيم و كان إسماعيل أبو العرب العدنانيين(1)يبعث أولاده إلى الصلاة و الزكاة، فلا محالة كان اللفظ المعبّر عن هذه المهيّات، هو نفس ما ورد في القرآن و في لسان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصلاة و الزكاة والصوم، إذ التعبير عنها بغير هذه الألفاظ مع كون العربية لسانهم، على خلاف الأمر المتّبع بين أهل اللسان.

ويؤيّد هذا المطلب، أنّ لفظ الصلاة ورد في السور المكّية 35 مرّة، و كان تشريع الصلاة ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة و قد نزلت كثير من الآيات المشتملة على هذه الألفاظ قبل المعراج، في أوائل البعثة كقوله سبحانه في سورة القيامة: (فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى* وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى) (2) و في سورة المدّثر: (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلّين) (3) وفي سورة العلق:(أَرَأَيْتَ الّذِي يَنْهى *عَبْداً إِذا صَلّى) (4) و في سورة الأعلى: (وَ ذَكَر اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى) (5). وفي سورة الكوثر: (إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوثَر* فَصَلِّ لِرَبِّكَوَانْحَر) (6) إلى غير ذلك من الآيات الواردة أوائل البعثة، الشاملة للصلاة و الزكاة.

وهذه الآيات أوضح شاهد على وجود هذه الماهيّات لدى العرب، وأنّ ألفاظها المعبرة عن تلك الماهيات هي نفس الألفاظ التي استعملها الشرع وأنّ الاختلاف بين صلاة الأُمم الماضية و الصلاة الواردة في الشريعة الإسلامية كالاختلاف بين صلاتي المسافر و الحاضر و المختار والمضطرّ.

والحاصل: أنّ المراد من الصلاة و ما يتلوها في هذه الآيات، هو المعاني

ــــــــــــــــــــــ
(1) تزوّج إبراهيم بامرأة جرهمية قحطانية. فأولاد إسماعيل من جانب الأب فلسطينيّون أو بابليون ـ تبعاً لكون أبيه إبراهيم من هذا القطر أو ذاك ـ و من جانب الأُم قحطانيون.
(2) القيامة:31و 32.
(3) المدثر:43.
(4) العلق: 9و10.
(5) الأعلى: 15.
(6) الكوثر: 1و2.


( 145 )
المعهودة، لا الدعاء و لا التزكية.

وبذلك يظهر أنّ ما أفاده المحقّق النائيني من أنّ المعاني، و إن كانت ثابتة في الشرائع السابقة، إلاّ أنّها لم تكن يُعبّر عنها بهذه الألفاظ بل بألفاظ أُخر، فلا يكون ثبوتها في الشرائع السابقة مانعاً عن ثبوت الحقيقة الشرعية(1) غير تام. لأنّ الشرائع السابقة، و إن كانت تعبّر عن هذه المعاني بغير هذه الألفاظ وإنّما يعبّـرون بالعبرية و السريانية، لكن وجودها في الشرائع السابقة يستلزم وجودها في شريعة إبراهيم التي هي الدين الرائج في الجزيرة العربية، ولا سيما بعد ما عرفنا أنّ إسماعيل الذي يعدّأصلاً للعرب العدنانيين كان يتكلّم باللغة العربية و كان يأمر أهله بهذا اللسان بالصلاة والزكاة، فعند ذلك يتبيّن أنّ العرب كانت تعبّر عن هذه المعاني بهذه الألفاظ لا بغيرها و إلاّ لو كانت تعبّر بغيرها، لعلم و بان.

كما ظهر ضعف ما أفاده العلاّمة المشكيني في تعاليقه على الكفاية حيث قال بأنّ وجود المخترعات عند الأُمم السابقة لا يقدح في الحقيقة الشرعية، لأنّ تلك الألفاظ لم تكن حقيقة في هذه المعاني، كما هو كذلك بالنسبة إلى أكثر الشرائع الواردة على غير لسان العرب.(2)

لما عرفت من أنّ الاستدلال ليس بمجرّد ورودها من الشرائع السابقة، بل الاستدلال مبني على أنّ وجود هذه المعاني في شريعة إبراهيم و انتشارها في زمن إسماعيل في الجزيرة العربية، يقتضي وجود هذه المعاني بين عرب الجزيرة. .

ويؤيّد ذلك أنّ القرآن أطلق هذه الألفاظ في أوائل البعثة مجرّدة عن القرينة، و هو دالّ على وجود هذه المعاني عند العرب، وأنّهم كانوا يعبّرون عنها بهذه الألفاظ.

3ـ إنّ الله سبحانه يحكم على صلاة المشركين الرائجة في العهود الجاهلية

ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق النائيني : أجود التقريرات: 1/ 34.
(2) المحقّق الخراساني: كفاية الأُصول:1/33.


( 146 )
المتقدّمة على الإسلام بأنّها كانت مكاء وتصدية.

قال سبحانه: (وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّمُكاءً وَتَصْدِيَةً) (1) فأثبت لهم صلاة، وحكم بأنّها لم تكن إلاّمكاءً وتصدية،. والمُكاء هو الصفير، والتصديةً هو التضيق.

4ـ لمّا هاجر جعفر بن أبي طالبعليمها السَّلام و لفيف من المسلمين إلى الحبشة في العام الخامس من البعثة أو بقليل بعده و بلغ ملك الحبشة تواجد المسلمين في بلاده حاول أن يكلّمهم ليعرف دينهم فالتفت النجاشي إلى جعفر وسأله قائلاً:

«ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا (به) في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟

فقال جعفر بن أبي طالب عليمها السَّلام :«أيّهاالملك! كنّا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القوي منّا الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه و صدقه، وأمانته و عفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، و نخلع ما كنّا نحن و آباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكفّ عن المحارم، والدماء و نهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. و أمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة و الصيام فصدّقناه وآمنّا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدى علينا قومنا فعذّبونا، و فتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، و أن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلمّـا قهرونا و ظلمونا و ضيّقوا علينا، وحالوا بيننا و بين ديننا، خرجنا إلى بلادك ، و اخترنا بلادك، و اخترناك على من سواك، و رغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلَم عندك

ــــــــــــــــــــــ
(1) الأنفال:34.


( 147 )
أيّها الملك».(1)

كما يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي ـدامظلّهـ حيث قال: «إنّ مجرّد الثبوت هناك لا يلازم التسمية بهذه الألفاظ الخاصّة. و ليس في المقام إلاّ التعبير عنها بهذه الألفاظ في الكتاب العزيز، ومن والواضح أنّه لا يدلّ على وجود تلك الألفاظ في الشرائع السابقة، كما هو الحال بالقياس إلى جميع الحكايات و القصص القرآنية التي كانت بالسريانية، كما في لغة عيسى، أو العبرانية، كما في لغة موسى، و من المعلوم أنّ تلك المعاني كانت تعبّر عنها بألفاظ سريانية أو عبرانية».(2)

لأنّك قدعرفت أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاطب العرب الجاهليين في عصر نزول القرآن بهذه الألفاظ و أراد تلك الحقائق من دون نصب قرينة حالية أو مقالية أمّا الأُولى، فلعدم صدور عمل من النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يمثل حقيقة الصلاة والزكاة عند تلاوة الآيات. وأمّا الثانية، فلعدم احتفاف الآيات بشيء من القرآئن. وقد عرفت أنّ لفظ «الصلاة» ورد في السور المكّية 35 مرّة، و قد شرعت الصلاة في ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة، وقد نزلت تلك السور أو أكثرها قبل المعراج.

وعلى ذلك فهذه الألفاظ حقيقة في هذه المعاني حقيقة عرفية.

والقول بأنّ الموجود في الشرائع السابقة يغاير الموجود في الشريعة الإسلامية مغايرة بالتباين كما يظهر من المحقّق النائيني حيث قال: «الألفاظ المستعملة في الشرائع السابقة لم يكن المراد منها هذه المعاني الشرعية»(3)غير تام، لاعتراف القرآن بوحدة الحقيقة في موردي الحجّ والصيام، كما عرفت من الآيات السابقة،

ــــــــــــــــــــــ
(1) ابن هشام: السيرة النبوية:1/338; المقريزي: امتاع الاسماع: 21; المجلسي: بحار الأنوار: 18/414.
(2) المحقّق الخوئي: المحاضرات:1/ 138.
(3) المحقق النائيني : أجود التقريرات: 1/ 34.


( 148 )
والتفكيك بينها و بين غيرها بعيد.

نعم الاختلاف الموجود في الشرائع لا يتجاوز عن الاختلاف في الكمّ و الكيف و هذا الاختلاف موجود في نفس الشريعة في صلاتها.

وعلى ذلك فالحقيقة الشرعية أو الحقيقة المتشرعية منتفية في هذه الألفاظ.

وأمّا الثمرة فهي أيضاً منتفية لعدم الشكّ في المراد في واحد من الكلمات الواردة في الكتاب والسنّة حتّى يتوقّف فهم المراد منها على ثبوت الحقيقة الشرعية و عدمها. إلاّ موارد نادرة مثل الكراهة فقد ادّعى صاحب الحدائق أنّها في لسان الأئمّة مشتركة بين الحرمة والمعنى الاصطلاحي و لكن التردّد بين المعنيين ليست مستنداً إلى القول بالحقيقة الشرعية، بل المدعى أنّه في اللغة أيضاً كذلك.

وأمّا ألفاظ المعاملات كالبيع والإجارة حتّى مثل النكاح والطلاق والخلع، فقد كانت مستعملة في تلك المعاني في عصر الرسالة و قبله.

خاتمة المطاف في تحديد حجّية عدم النقل

قد عرفت أنّ البحث عن الحقيقة الشرعية عادم الثمرة ومع ذلك لو افترضنا مورداً كان الأمر فيه دائراً بين الحمل على المعنى اللغوي أو المعنى الشرعي، فهل يحمل على المعنى اللغوي، تمسّكاً بأصالة عدم النقل أو لا؟ نقول: إنّ هنا صوراً:

1ـ إذا كان تاريخ النقل والاستعمال معلومين.

2ـ إذا كان تاريخ النقل والاستعمال مجهولين.

3ـ إذا كان تاريخ النقل مجهولاً و تاريخ الاستعمال معلوماً.

4ـ إذا كان تاريخ الاستعمال مجهولاً و تاريخ النقل معلوماً.

لا حاجة إلى الأصل في الصورة الأُولى، كما أنّ الأصلين يتساقطان في الصورة الثانية ـ على فرض الجريان ـ إنّما الكلام في جريان الأصل في جانب


( 149 )
المجهول في الصورتين الأخيرتين.

أمّا إذا كان الاستعمال معلوم التاريخ، و النقل مجهوله فهل يصحّ إجراء أصالة عدم النقل إلى زمان الاستعمال لتكون النتيجة، حمل اللفظ على المعنى اللغوي: وجهان:

1ـ عدم جريانه، لأنّه إنّما يجري إذا شكّ في أصل النقل لا في تأخّره كما عليه المحقّق الخراساني قدَّس سرَّه.

2ـ الحجّة لا يرفع عنها اليد إلاّ بحجّة مثلها و الوضع السابق لا يتجاوزعنه إلاّ بعد العلم بالوضع الثاني كما عليه شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري قدَّس سرَّه.

يلاحظ عليه: كما أفاده السيّد الأُستاذ ـ أنّ الحجّة هو الظهور والعلم بتعاقب الوضعين، يمنع عن انعقاده أضف إليه أنّه لو صحّ ما ذكر لزم التمسّك به في جميع الصور الثلاث.

وأمّا إذا كان تاريخ الاستعمال مجهولاً والنقل معلوماً، فلا يجوز استصحاب تأخّر الاستعمال لتكون النتيجة، الحمل على المعنى الاصطلاحي. و ذلك لأنّه إمّا أصل شرعي يتوقّف على ترتّب الأثر الشرعي بلا واسطة و ليس بموجود وإمّا أصل عقلائي، فليس عندهم ذاك الأصل وقد عرفت مقالة شيخ مشايخنا العلاّمة الحائري.

***