(3) شيرواني الأصل و المولد أُستاذ المولى ميرزا عبد الله التبريزي مؤلّف رياض العلماء توفي عام 1098 أو 1099هـ و كان صهراً للمولى محمد تقي المجلسي الأوّل المتوفى عام 1070هـ.
( 122 )
كأنّك تقول: الشكل الأوّل مستلزم للدور، و كلّ مستلزم للدور باطل وعقيم، فالشكل الأوّل باطل و عقيم.
و لمّا سمع الشيخ ما ذكره التلميذ، ركب مركبه وعاد إلى قزوين من دون أن يرى بعد الجواب حاجة لزيارة الخونساري.(1)
ونجد في كلام جلال الدين الرومي نظير ما استدلّ به القزويني حيث يقول مفنداً طريقة البرهة و الاستدلال.
پـاى استـدلاليـان چـوبيـن بـود * پاى چوبين سخت بى تمكين بود
فانّ ما ذكره في هذا البيت ليست إلاّ صورة استدلال على نفي أيّ طريق نظري و حاصله:
أنّ البرهان كالرجل الخشبية و الرجل الخشبية قليلة المقاومة، فينتج: أنّ البرهان قليل المقاومة. فجلال الدين يبطل الاستدلال بالاستدلال، وهذا من الغرائب.
وعلى كلّ حال فلابدّ من حلّ الشبهة فنقول: هاهنا أجوبة:
منها: ما ذكر من النقض، فلاحظ.
منها: ما عن الشيخ الرئيس من أنّ كلية الكبرى موقوفة على العلم باندراج الأصغر في الكبرى إجمالاً، و المقصود من النتيجة حصوله تفصيلاً.
وقد أوضحه المحقّق السبزواري في شرحه على منطق منظومته و قال: إنّ الحكم يختلف باختلاف العنوان حتّى يكون الموضوع بحسب وصف، معلومَ الحكم، و بحسب وصف آخر، مجهولاً، فيستفاد حكمه باعتبار وصف، من العلم بحكمه باعتبار وصف آخر. فإذا قلنا: كلّ إنسان حيوان، و كلّ حيوان حساس، أخذنا أفراد الحيوان الذي هو الحدّ الأوسط بعنوان الحيوان لا بعنوان الإنسان و مجانساته، فلا دور ولا مصادرة. و تختلف الأحكام باختلاف العنوانات اختلافاً
ــــــــــــــــــــــ
(1) محمد التنكابني: قصص العلماء: 264.
( 123 )
بيّناً.
(1) فالإنسان بما أنّه حيوان، نعلم أنّه حساس، و نريد أن نقف على أنّه حساس، بما أنّه إنسان
فالعلم الثاني موقوف على الأوّل بلا عكس.
وأوضحه المحشي المحقّق الاشتياني بقوله: إنّ العلم بالنتيجة أي أنّ العالم بالخصوص و بالتفصيل حادث، يتوقّف على العلم بالمقدّمتين. وأمّا العلم بأنّ كلّ متغيّر حادث لايتوقّف على العلم بأنّ العالم بما هو عالم و بعنوان كونه عالماً بخصوصه و تفصيلاً، حادث، بل على العلم إجمالاً بعنوان أنّه شيء متغيّر، حادث لابعنوان أنّه عالم بخصوصه. فالعلم به من حيث إنّه متّصف بعنوان خاص و هو العالمية، محكوم بصفة أُخرى و هي الحدوث، متوقّف على العلم به من حيث إنّه متّصف بصفة أُخرى بعنوان آخر و هو كونه شيئاً متغيّراً فلا دور لاختلاف طرفي التوقّف.(2)
منها: إنّ العلم بالنتيجة، أعني: العالم حادث، متوقّف على العلم بكلّية الكبرى، و لكن العلم بكلّية الكبرى موقوف على البرهان العلمي الدال على الملازمة بين التغيّر والحدوث من غير ملاحظة مصداق دون مصداق. فليست صحّة الكبرى ولا كلّيتها موقوفتين على العلم بالنتيجة أبداً، بل موقوفتان على وجود الملازمة المتساوية بين التغيّر والحدوث، سواء كان للتغيّر مصداق أم لا.
فالذي أوقع الشيخ العارف في الاشتباه توهّم أنّ الكبرى، سواء كانت قضيّة خارجية أو حقيقية، حصل بها العلم من طريق الاستقراء، والحكم الكلّي فيهما يتوقّف على العلم بحكم المصاديق تفصيلاً أو إجمالاً، فعندئذ يلزم الدور. و لكنّه غفل عن أنّ العلم بالحكم الكلّي تارة يحصل من الاستقراء التامّ، فيحصل العلم بالنتيجة قبل العلم بالحكم الكلّي، و أُخرى بالبرهان الدال على الملازمة بين الموضوع و المحمول، وفي مثله لا يتوقّف العلم بالحكم الكلّي، على العلم بأحكام
ــــــــــــــــــــــ
(1) الحكيم السبزواري: شرح المنظومة : قسم المنطق، 79.
(2) الحكيم مهدي الاشتياني: التعليقة على شرح المنظومة.
( 124 )
الأفراد لا إجمالاً ولا تفصيلاً، بل إذا علم الحكم من طريق البرهان أنّ بين طبيعة التغيّر و ماهية الحدوث ملازمة، يحكم بالحدوث على الأفراد و يسري الحكم إلى جميع مصاديقه وأفراده، فالعلم بأحكام المصاديق يحصل من العلم بالحكم الكلّـي، لا العكس كما هو مبنى الإشكال.
وبالجملة، ربّما يكون الموضوع في الكبرى ،علة و واسطة لثبوت الحكم عليه، كالتغيّر في قولنا: العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث فانّ حدوث المتغيّر، إنّما هو لأجل تغيّره إذ الحدوث إنّما هو الوجود بعد العدم، و التغيّر أيضاً هو الوجود بعد الوجود، وعدم ثبات الوجود الأوّل. فيتلازمان من غير حاجة إلى العلم بالنتيجة، كما لا يخفى.
و ربما تكون العلة للحكم الكلي في الكبرى شيئاً آخر غير الموضوع ، كما إذا دلّ البرهان على أنّ زوايا المثلث مساوية لزاويتين قائمتين فعندئذ نقول: هذا مثلث، و كلّ مثلث تساوى زواياه زاويتين قائمتين، فينتج، هذا تساوى زواياه زاويتين قائمتين. والذي يدلّ على صحّة الكبرى إنّما هو البرهان الهندسي الذي أثبت أنّ زوايا المثلث تتساوى مع الزاويتين القائمتين، من دون أن يتوقّف العلم بالكبرى على العلم بالنتيجة في المثلث الشخصي، لاتفصيلاً ولا إجمالاً، فافهم و اغتنم.
بقيت هنا أُمور:
1ـ ربّما يقال إذا كان الموضوع للاحتجاج هو ظهور الكلام سواء كان حقيقة أو مجازاً فلافائدة في معرفة الموضوع له، وتشخيص المعنى المجازي عن المعنى الحقيقي والذي يعتبره العقلاء هو ظهور الكلام سواء كان هو الموضوع له أو لا.(1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق العراقي: المقالات: 31و التعبير منّا.
( 125 )
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الكلام ظاهراً في معنى، كان لما ذكره وجه وأمّا إذا كان الكلام مجملاً فانعقاد الظهور موقوف على العلم بالوضع، وهو يعرف بالتبادر. فيكون لمعرفة الموضوع له، أثر و فائدة.
2ـ إنّ تبادر المعنى من اللفظ في زماننا لا يثبت إلاّ كونه حقيقة فيه في هذا الزمان وأمّا كونه ذلك في صدر الشريعة، حتّى يحمل اللفظ الوارد في الكتاب والسنّة عليه، فلا يحصل بالتبادر اللّهمّ إلاّ أن يقال بجريان سيرة العقلاء على أصالة عدم النقل، و لأجل ذلك يفسّـرون بالمعاني المتبادرة في هذا الزمان ، دواوين شعراء الجاهليّة و الكتب والرسائل المكتوبة في هذه الأزمنة من غير فرق بين الأدب العربي و غيره من سائر الآداب، وكون أصالة عدم النقل مثبتاً حينئذ، لا يضرّ لاطباق العقلاء على العمل بهذه الأُصول، على هذا الوجه.
3ـ أنّ التبادر إنّما يكون حجّة على الموضوع له إذا كان التبادر مستنداً إلى اللفظ لا إلى القرينة، وإلاّ فالمعنى المجازي أيضاً يتبادر مع القرينة.
ولو شككنا في أنّه مستند إلى حاق اللفظ أو إلى القرينة فلا مجال لأصالة عدم القرينة، لأنّ ذاك الأصل حجّة عند العقلاء عند الشكّ في المراد، لا في ما إذا علم ا لمراد وشكّ في كيفية الإرادة، كما هو المفروض في المقام، لأنّ المراد معلوم والشكّ في كيفية الإرادة وأنّها هل هي على نحوالحقيقة أو المجاز كما لا يخفى. و الأُصول العقلائية حجّة فيما يمسّ بحاجاتهم و أما كيفية الإرادة و أنّها على حسب الحقيقة أو المجاز فخارج عن مقاصدهم.
الثاني: صحّة الحمل وصحّة السلب
و ربّما يعبّر عن الثاني بعدم صحّة السلب، أي عدم صحّة سلب اللفظ بمعناه المعلوم إجمالاً عن معنى. وصحّة السلب كذلك. فالأوّل آية الوضع والآخر آية عدمه توضيحه:
( 126 )
إنّ الحمل إمّا أوّلي ذاتي، أو شائع صناعي. أمّا الأوّل فهو ما إذا كان بين المحمول والموضوع وحدة مفهومية وأمّا الثاني فهو ما إذا كان الموضوع من مصاديق المحمول، و كان الاتحاد في مقام الوجود والعينيّة دون المفهوم كما إذا قلنا: «زيد إنسان».
وعلى أيّ تقدير، فالصور المتصوّرة في المقام لصحّة الحمل و صحّة السلب أربع: الأُولى: صحّة الحمل بالحمل الأوّلي الذاتي، الثانية: صحّته بالحمل الشائع الصناعي، الثالثة: صحّة السلب بالحمل الأوّلي، الرابعة: صحّته بالشائع الصناعي. والحمل الأوّلي يثبت كون الموضوع هو الموضوع له مثل قولنا: الحيوان المفترس أسد، والحيوان الناطق إنسان، بخلاف الحمل الشائع الصناعي، كزيد قائم فانّه لا يثبت كون الموضوع، هو الموضوع له للمحمول وإنّما يثبت كونه من مصاديق المحمول و بما نحن بصدد إحراز الموضوع له، نركِّز في المقام على الحمل الأوّلي دون الشائع الصناعي.
وأمّا كيفية الاستعلام في المقام فهي عبارة عن جعل المعنى موضوعاً، و اللفظ الذي نريد تبيين معناه محمولاً وعلى ذلك فيجب أن ينظر إلى الموضوع بما أنّه المعنى، لا بما لفظ ذو معنى بل اللفظ يكون مغفولاً عنه و ينظر إلى المحمول بما أنّه لفظ وضع لمعنى خاص و يقال: الحيوان المفترس أسد، أو الحيوان الناطق، إنسان، فإذا صحّ الحمل، أو لم يصحّ السلب، يكون ذلك آية أنّ الموضوع هو الموضوع له، كما أنّه إذا صحّ السلب حقيقة كما في قولنا: الرجل الشجاع ليس بأسد واقعاً، يكون آية أنّه ليس بموضوع له. و بالجملة ما نتصوّر أنّه معنى يجعل موضوعاً للقضية و ينظر إليه بما أنّه معنى محض ليس معه لفظ، و اللفظ الذي نريد تبيين معناه يجعل محمولاً هذا فيما إذا كان المعنى متميّزاً عن اللفظ الموضوع وأمّا في المترادفات التي يصلح أن يكون كلّ معنى للآخر، فلحفظ الضابطة يجعل المعلوم موضوعاً و المبهم محمولاً و يقال: المطَر هو الغيث و إن جاز العكس.