وبذلك يظهر أنّ صحّة الاستعمالات المجازية يستند إلى الوضع لأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، ولكن حسنه يستند إلى الطبع والذوق. و بعبارة المصححة هو الوضع منضماً إلى حسن الطبع.
والأولى أن يعرف المجاز بأنّه من قبيل استعمال اللفظ فيما وضع له، لغاية الانتقال منه إلى غير ما وضع له بادّعاء العينية والمصداقية من غير فرق بين ما يسمّى استعارة أو مجازاً مرسلاً.(1)
1ـ قد يطلق اللفظ ويراد شخص اللفظ الصادر من المتكلّم كما في قول القائل: «زيد الذي تكلّمت به لفظ» بحيث يكون الحكم لخصوص ما تكلّم به و أوجده في هذه العبارة.
2ـ وقد يطلق و يراد مثله، كما إذا قال القائل: «زيد قائم» فقلت: «زيد الواقع في كلامه مبتدأ» فموضوع الحكم ليس خصوص ما تكلّم به اللافظ الثاني، بل شيء مثل الواقع في كلام المتكلّم الأوّل.
3ـ وقد يطلق و يراد منه صنفه و المراد من الصنف، الطبيعة المقيّدة بقيد لم يخرجها من الكلّية. كما في قول القائل: «زيد» في «ضرب زيد» فاعل ، فانّ زيداً استعمل في الصنف الخاص، و هو ما إذا وقع بعد الفعل.
ثمّ هو على قسمين: فتارة لا يشمل نفسه، كما في المثال المزبور، و أُخرى يشمله، كما إذا قيل: «زيد إذا وقع في أوّل الجملة الاسمية، مبتدأ».
(1) كان اللازم إفاضة الكلام في المجاز في الإسناد ولكن أجمل الأُستاذ ـ مدّ ظلّه ـ الكلام فيه.
( 96 )
4ـ وقد يطلق ويراد منه نوعه، أعني الطبيعة السارية في كلّ فرد كما إذا قيل: زيد لفظ و المراد ما يصدق عليه لفظ زيد سواء كان نفس الملفوظ، أو مثله، أو صنفه، أو أعمّ.
ثمّ إنّه يقع الكلام في هذه الأقسام في مقامين:
الأوّل: صحّة الإطلاق.
والثاني: كونه من قبيل الاستعمال أو لا.
والمهمّ هو الثاني، وأنّه من قبيل الاستعمال مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يفصّل بين الأقسام وأمّا الإطلاق فيكفي في صحّته، وقوعه، كما في الأمثلة التي مثّلناها مع عدم استنكار العرف و الطبع له خلافاً لصاحب الفصول حيث استشكل في بعض الصور كالأُولى على ما تعرفه و على ذلك فالبحث مركّز على المقام الثاني.
قد ذهب المحقّق البروجردي والمحقّق الخوئي إلى عدم كون أي قسم من هذه الأقسام من قبيل الاستعمال و التحقيق هو التفصيل بين القسم الأوّل و سائر الأقسام، فالأوّل ليس من قبيل الاستعمال، بخلاف الأقسام الباقية فانّها منه و مع ذلك ليس الاستعمال في المقام حقيقياً كما هو واضح، ولامجازياً بمعنى كون الحقيقة معْبراً له، نعم لو فسّر المجاز بالاستعمال في غير ما وضع له، فهو من قبيل المجاز و إليك تفصيلها.
1ـ إطلاق اللفظ و إرادة شخصه
قد ظهر:أنّ الاستعمالَ عبارة عن عمل اللفظ في المعنى، و هو يتحقّق بإيجاد المتكلّم نفس اللفظ في الخارج لينتقل المخاطب مع سماعه، إلى الصورة الذهنية للفظ، ثمّ ينتقل منه إلى المعنى بواسطة الانس الحاصل بينهما، و يقال: عمل اللفظ في معناه، أي صار معْبَراً و وسيلة للانتقال إليه. فحقيقة الاستعمال، إيجاد اللفظ عن مقاطع الفم في الخارج حتى ينتقل منه المخاطب إلى الصورة الذهنية و
( 97 )
منها إلى معنى اللفظ، و إذا كان هذا معنى الاستعمال، فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال لأنّ المتكلّم ، أوجد اللفظ عن طريق مقاطع الفم في الخارج، و انتقل المخاطب إلى الصورة الذهنية للّفظ، و من تلك الصورة إلى نفس اللفظ الصادر من المتكلّم لا إلى أمر ثالث. ففي الاستعمال ينتقل ذهن المخاطب من الصورة الذهنية للفظ إلى شيء ثالث و هو المعنى بينما هنا ينتقل من الصورة الذهنية للفظ إلى مبدئها عن طريق القرينة.
والحاصل أنّ هنا وجوداً خارجياً للفظ، وهو أمر تكويني قائم بالمتكلّم . وصورة ذهنية له حاصلة في ذهن المخاطب، ثمّ انتقال منها إلى اللفظ الصادر من المتكلّم.
فليس المقام من قبيل الدلالة الوضعية ولا من قبيل الاستعمال، لأنّ الدلالة الوضعية عبارة عن دلالة اللفظ على معناه الذي هو غير الصورة الذهنية للفظ، وشخص اللّفظ و ليس هنا شيء وراء الأمرين.
و منه يظهر أنّه ليس من قبيل الاستعمال لأنّه عمل اللفظ في معناه الذي هو شيء ثالث. و بعبارة أُخرى: انّ الاستعمال أمر ثلاثي و هو الانتقال من اللفظ إلى الصورة الذهنيّة له، و منها إلى الخارج و لكن الأمر هنا ثنائي ينتقل من اللفظ إلى الصورة الذهنية و منها إلى اللفظ.
فإن قلت: إذا لم يكن من باب الاستعمال ولا من الدلالة الوضعية فما هو إذاً؟
قلت: إنّ المقام من قبيل إلقاء صورة الموضوع في ذهن المخاطب لينتقل منه إلى نفس الموضوع. أي إلقاء الصورة الذهنية في ذهن المخاطب لينتقل إلى الصورة الخارجية (شخص اللفظ) ثمّ يحكم عليه بأنّه كذا، لا إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب كما سييجيء نقله عن المحقّق الخراساني.
وأمّا تسميته دالاً و مدلولاً فبضرب من المجاز، بأن يقال إنّ الصورة
( 98 )
الخارجيّة، بايجاد الصورة الذهنية في نفس المخاطب، صارت دالّة و بما أنّ الصورة الذهنية كاشفة عنها في الآن المتأخّر، صارت مدلولة.
بقيت هنا نظريتان إحداهما لصاحب الفصول والأُخرى للمحقّق الخراساني و إليك بيانهما.
أ: منع صحّة الإطلاق بتاتاً
إنّ صاحب الفصول منع صحّة الإطلاق و الاستعمال من رأس قائلاً بأنّه إن اعتبرت دلالته على نفسه، لزم اتّحاد الدال والمدلول، وإلاّ لزم تركّب القضية اللفظية من جزئين، لأنّ القضية على هذا تكون حاكية عن المحمول والنسبة، لا الموضوع
وقد أجاب عنه المحقّق الخراساني باختيار كلّ من الشقّين. أمّا الأوّل، فلأنّه يكفي تعدّد الدال والمدلول اعتباراً، وإن اتّحدا ذاتاً. فمن حيث إنّه لفظ صادر عن لافظه كان دالاً، و من حيث إنّ نفسه و شخصه، مراده، كان مدلولاً.
وأمّا الثاني: فلأنّ تركّب القضية من جزئين ـ إذا لم تكن دلالة في البين ـ إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه و إلاّ كانت أجزائها الثلاثة تامّة، و كان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ ونفسه، غاية الأمر أنّه نفس الموضوع لا الحاكي عنه.(1)
يلاحظ على الأوّل: أنّ عنوان الصادرية أمر منتزع من اللفظ بعد صدوره من المتكلّم، كما أنّ دلالة اللفظ على كونه مراداً، أمر يحكم به العقل بعد الاستعمال، و بعد ملاحظة كونه فعلاً صادراً من الإنسان بلا قرينة ولا طبع، وعندئذ كيف يكون مصحّحاً للإطلاق، فانّ مصحّحه يجب أن يكون قبله لا بعده.
ثمّ إنّ المحقّق الاصفهاني صحّح الإطلاق بتجويز اجتماع وصفي الدالّية
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/20ـ21.
( 99 )
والمدلولية في الشيء الواحد، من غير حاجة إلى وجود الكثرة الاعتبارية، قائلاً بأنّ المفهومين المتضائفين ليسا بمتقابلين مطلقاً، بل التقابل في قسم خاص و هو ما إذا كان بين المتضائفين تعاند و تناف في الوجود، كالعلّية و المعلولية، ممّا قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد. لا في مثل العالمية و المعلومية، و المحبيّة والمحبوبية، فانّهما يجتمعان في الواحد غير ذي الجهات، كما لا يخفى. والحاكي والمحكي، والدالّوالمدلول، كاد أن يكونا من قبيل القسم الثاني حيث لا برهان على امتناع حكاية الشيء عن نفسه ثمّ استشهد بقوله
ـ عليه السَّلام ـ : «يا من دلّ على ذاته بذاته» و قوله ـ عليه السَّلام ـ : «أنت دللتني عليك».(1)
و لكنّه غير تام من جهات:
أمّا أوّلاً: فانّ التضايف من أقسام التقابل، الذي هو من أقسام الغيرية بالذات . قال الحكيم السبزواري:
قد كان من غيرية تقابل * عرّفه أصحابنا الأفاضل
فامتناع الاجتماع داخل في حقيقة التقابل في جميع أقسامه.
وثانياً: أنّ المجتمع في الواجب عزّاسمه هو ذات العالم والمعلوم، وهما ليسا من المتضائفين ذوي النسبة المتكررة. وأمّا العالمية والمعلومية فهما معنيان انتزاعيان يعرضان له سبحانه في العقل باعتبارات شتّى، ويكفيه التعدد الاعتباري في الذهن.
وثالثاً: أنّ الدلالة لا تنفكّ عن العلم بالشيء بعد العلم بشيء آخر، كالعلم بالنّار بعد العلم بالدخان وعلى ذلك لابدّ أن يكون هناك كاشف ومكشوف و نسبة. والشيء الواحد مع وحدته وعدم تكثّره اعتباراً كيف يكون كاشفاً و منكشفاً.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية:1/22.
( 100 )
ب: أنّه من قبيل نفس إلقاء الموضوع
يظهر من المحقّق الخراساني و تلميذه البروجردي أنّ القسم الأوّل من قبيل إلقاء نفس الموضوع حيث ذكر الأوّل في ردّ نظرية صاحب الفصول أنّ حديث «تركّب القضية من جزئين لولا اعتبار الدلالة في البين» ، إنّما يلزم إذا لم يكن الموضوع نفس شخصه، وإلاّ كانت أجزائها الثلاثة تامّة، وكان المحمول فيها منتسباً إلى شخص اللفظ نفسه غاية الأمر أنّه نفس الموضوع لا الحاكي عنه.
يلاحظ عليه: أنّ الهوية الخارية لا تنالها النفس ولا تقع في لوحها.
وإن شئت قلت: أنّ الواجب في القضايا اتّحاد ظرف الطرفين، فالنسبة أو الهوهو إمّا بين الخارجيين أو بين الذهنيين و يمتنع وجود النسبة بين الأمر الخارجي والمحمول الذهني كما لا يخفى.
وحاصل الكلام أنّ ما اخترناه يشترك مع مختار المحقّق الخراساني في نفي كون المقام من الاستعمال و لكنّه يقول بأنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع، و نحن نقول بأنّه من قبيل إيجاد صورة الموضوع في الذهن.
وعلى كلّ تقدير فليس القسم الأوّل من قبيل الاستعمال. ثمّ إنّ أبا المجد الاصفهاني قد ذهب إلى انّه ليس من قبيل الاستعمال قائلاً ذلك لانّ الوضع هو تعهد الاستعمالات بمعنى تعهّد المتكلّم بانّه لا ينطق بلفظ زيد قائم مثلاً إذا أراد إثبات صفة القيام لهذا الشخص وأمّا المقام فهو لا يريد بلفظ زيد إفهام شيء به بل يريد إفهام نفسه ولا الحكم على شيء بواسطة اللفظ.(1)
2ـ إطلاق اللفظ و إرادة مثله
وأمّا القسم الثاني فيمكن أن يقال إنّه من قبيل الاستعمال، لأنّه إذا قال
ــــــــــــــــــــــ
(1) أبو المجد الاصفهاني: وقاية الأذهان: 135ـ 136 ولا يخفى انّ نفي كون المقام من قبيل الاستعمال لا يتعين على تفسير الوضع بالتعدد بل هو كذلك على سائر المباني.
( 101 )
القائل: «زيد قائم» و قلت أنت:«زيد الواقع في كلامه مبتدأ» ، يكون زيد في الكلام الثاني وسيلة وآلة للحاظ مماثله و تصوّره، ويكون هو دالاً و المماثل مدلولاً فالمماثل هنا بمنزلة المعنى.
و إن شئت قلت: إنّ التلفظ بلفظ زيد، يكون سبباً لإيجاد الصورة الذهنية للفظ في ذهن المخاطب، ثمّ هو لا ينتقل من تلك الصورة ، إلى نفس ذاك اللفظ الصادر حتّى يكون من قبيل القسم الأوّل، بل إلى مماثله الذي هو غيره شخصاً. نعم، ليست تلك الدلالة والاستعمال دلالة وضعية أو استعمالاً كذلك، لعدم وضع اللفظ لمماثله، ولا استعمالاً مجازياً لعدم صدق تعريفه عليه و الحاصل أنّ حدّ الاستعمال صادق في المقام دون الأوّل نعم ليس حقيقياً ولا مجازياً بل لأنّ زيداً وضع للشخص الخارجي و إطلاقه و إرادة المماثل أو غيره لا يعدّ من الحقيقة، ولا من المجاز، ،بمعنى كونها معْبَراً لمشابهه، نعم لو فسّر المجاز بكونه استعمالاً للّفظ في غير ما وضع له تصحّ تسميته مجازاً.
وأمّا جعل المقام من قبيل إلقاء الموضوع بنفسه فلوصحّ في القسم الأوّل فهو غير صحيح هنا، لعدم اختصاص الحكم بالملفوظ، بل يعمّ المماثل كما لايخفى.
3و4ـ الاستعمال في الصنف والنوع
وأمّا القسم الثالث و الرابع:أعني استعمال اللفظ في الصنف والنوع، كما في قول القائل: «زيد في ضرب زيد فاعل»، أو قول القائل:«زيد لفظ» فحدّ الاستعمال صادق عليهما. لأنّ اللفظ الصادر من المتكلّم ـ و هو الصورة الخارجية للّفظ ـ صار سبباً لإيجاد صورة اللفظ في الذهن، وعندئذ ، بدل أن ينتقل المتكلّم منها إلى الشخص الخارجي، ينتقل ـ لأجل القرينة ـ إلى مراد المتكلّم أعني: الصنف أو النوع ولا يقصر ذلك عن الاستعمال أعني: إطلاق اللفظ وإرادة معناه الحقيقي أو المجازي.
وذهب المحقّق الخراساني إلى أنّه من قبيل إلقاء نفس الموضوع إلى المخاطب
( 102 )
خارجاً(وقد أحضر في ذهنه بلا وساطة حاك، وقد حكم عليه ابتداء بدون واسطة أصلاً) لا لفظه. فلا يكون في البين لفظ قد استعمل في معنى بل فرد قد حكم في القضية عليه بما هو مصداق لكلّي اللفظ لا بما هو خصوص جزئيه.
(1)
يلاحظ عليه: أنّه كيف يكون اللفظ الملقى، نفس الموضوع مع أنّ الملقى أمر جزئي شخصي، و الموضوع حسب الفرض أمر كلّي، لأنّ المحمول، محمول على طبيعي اللفظ و صنفه لا على شخصه.
ثمّ إنّ المحقّق البروجردي، صحّح ما ذكره أُستاذه الخراساني بطريق آخر و قال:
إنّ الوارد في ذهنه وإن كان جزئياً لكن السامع يغفل عن التشخصات الزمانية والمكانية وغيرهما فيكون من باب إيجاد الكلّي بذاته و لو قيد بدالّ آخر لفهم منه الصنف.(2)
قلت: نعترف بالفرق بين الصورة الأُولى والأخيرتين، فإنّ الموضوع هناك نفس اللفظ الصادر ، فقد مرّ أنّه يمتنع إلقاء نفس الموضوع في ذهن المخاطب و إلاّ انقلب الذهن إلى الخارج، و الموضوع هنا أمر كلّي أو صنفي قابل لإيجاده في الذهن بنفسه. و مع هذا الاعتراف يرد عليه أنّ غفلة المخاطب عن الخصوصيات لا يجعل الجزئي الحقيقي كلّياً، والمفروض أنّ الموجود في الذهن من سماع لفظ «زيد في ضرب زيد فاعل» أو سماع «زيد لفظ» أمر جزئي و هو يساوق التشخص.
فإن قلت: على هذا يلزم عدم تصوّر الكلّي بالذات.
قلت: نعم، ما هو المتصوّر بالذات أمر جزئي لأجل وجوده الذهني، و لكنّه
ــــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الأُصول: 1/21، المطبوع مع حاشية المشكيني، نعم احتمل في آخر كلامه أنّه من قبيل الاستعمال لكن احتمالاً ضعيفاً يعرب عنه قوله. اللّهمّ إلاّ أن يقال:
(2) المحقق البروجردي: نهاية الأُصول: 28.
( 103 )
يُشارُ به إلى الكلّي كما في قولك:«المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه». و المعدوم المطلق في هذه العبارة ليس معدوماً مطلقاً إلاّبالحمل الأوّلي وهو موجود بالحمل الشائع الصناعي، و لكنّه يُشارُ به إلى المعدوم المطلق الذي لا يمكن تصوّره في الذهن بلا واسطة.
فإن قلت: كيف يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، فانّوجود الطبيعي، عين وجود فرده في الخارج، وإيجاده عين إيجاد فرده، لا يعقل أن يجعل إيجاد الفرد استعمالاً في إيجاد الطبيعي.
قلت:إنّ الفرد وإن كان عين الطبيعي في الخارج، لكنّه غيره اعتباراً والمفروض أنّ الطبيعي المستعمل فيه هنا، أمر اعتباري غير مقيّد بوجوده الذهني ولا الخارجي حتّى يقال: إنّ الفرد عين الطبيعي.
فإذا قال المتكلّم :«زيد» فقد أوجد فرداً من الطبيعة كما أوجدها نفسها بما هي هي، لكن الطبيعي لا ينحصر في ذاك الفرد بل يتعدّد، فلا مانع من جعل ذلك الفرد، استعمالاً في نفس الطبيعة الاعتبارية أي الطبيعة المنفكّة عن كافّة الوجودات. و من المعلوم أنّ الطبيعي بما هو هو، غير مقيّد بالوجود الذهني ولا بالوجود الخارجي.
فإن قلت: هل هذا الاستعمال حقيقة أو مجاز.
قلت: ليس هو حقيقة ، بل مجاز، لكن لا من قبيل المجاز الذي أوضحنا حاله، أعني: جعل الحقيقة معبراً للمعنى المجازي، بل هو مجاز خاص بطائفة من المستعملين، لأنّ هذه الاستعمالات ليست مشهورة و إنّما تختصّ بطائفة من أهل التحقيق، نعم هو مجاز على مصطلح القوم.
وخلاصة الفرق بين القسم الأوّل والصور الأخيرة الثلاث هو أنّه ليس في الأوّل وراء الصورتين الخارجية والذهنية، شيء حتّى يعدّمستعملاً فيه. وهذا بخلاف الأقسام الباقية فانّ هنا وراء الصورتين أمر ثالث، وهو المثل أو الصنف
( 104 )
أو النوع، يمكن أن يعدّمستعملاً فيه.
ثمّ إنّ للمحقّق الخوئي في المقام نظرية خاصة تعلم حالها ممّا ذكرنا فلاحظ.(1)
***
المقدّمة الخامسة:
هل الألفاظ موضوعة لمعانيها من حيث هي هي
أو موضوعة لها من حيث كونها مرادة للافظها؟
ويجب أن يبحث عن جهات:
الجهة الأُولى:
نشأ الانتقال إلى هذه المسألة من سؤال و جواب دار بين المحقّق الطوسي و تلميذه العلاّمة الحلّي كما يظهر من مراجعة كتاب «الجوهر النضيد».(2)
فقد عرّف المحقّق الطوسي في منطق التجريد الدلالةَ المطابقية، بأنّها دلالة اللفظ على تمام المسمّى، و التضمنية بأنّها دلالة اللفظ على جزئه، و من هنا نشأ إشكال و هو أنّه ربّما يكون اللفظ مشتركاً بين الكلّ و الجزء كما إذا كان لفظ الإنسان موضوعاً للحيوان الناطق، و لخصوص الناطق أيضاً. فعند ذلك ينتقض التعريفان، لأنّ دلالة الإنسان على الناطق تكون دلالة تضمنية و مطابقية.
وقال العلاّمة في كتابه المزبور:«إنّي أوردت هذا الإشكال على المحقّق الطوسي فأجاب بأنّ اللفظ لا يدلّ بذاته على معناه، بل باعتبار الإرادة والقصد، و اللفظ حين ما يراد منه المعنى المطابقي لا يراد منه المعنى التضمّني، فهو يدلّ على
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الخوئي: المحاضرات: 1/106ـ 108.
(2) الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد: 4.
( 105 )
معنى واحد لا غير، ثمّ قال العلاّمة:« وفيه نظر».
ولكن العلاّمة نفسه أجاب عن هذا الإشكال في ضمن كلامه عندما قال بأنّه يجب أنّ تقيّد التعاريف في الدلالات الثلاثة بجملة«من حيث هو كذلك» وعندئذ يندفع النقض، لأنّ الدلالة المطابقية عبارة عن دلالة اللفظ على تمام المسمّى من حيث هو تمام المعنى . كما أنّ الدلالة التضمنيّة عبارة عن دلالة اللفظ على جزء المعنى من حيث هو جزء المعنى .و على ذلك فلا ينطبق على دلالة الإنسان على الناطق، إلاّ أحد التعريفين كما لا يخفى.
و قد أجاب المحقّق الطوسي بنفس هذا الجواب عن إشكال اُورد على تعريف المفرد، فقد عرّف المفرد بأنّه الذي ليس لجزئه دلالة أصلاً. واعترض عليه بعض المتأخرين بلفظ «عبد الله» إذا جعل علماً لشخص، فانّه مفرد مع أنّ لأجزائه دلالة ما. وأجاب عنه المحقّق الطوسي بأنّ دلالة اللفظ لمّا كانت وضعية، كانت متعلّقة بإرادة المتلفّظ الجارية على قانون الوضع، فما يتلفّظ به و يراد به معنى ما، و يفهم عنه ذلك المعنى. يقال له إنّه دالّ على ذلك المعنى، و ما سوى ذلك المعنى ، ممّا لا تتعلّق به إرادة المتلفّظ، لا يقال إنّه دالّ عليه و إن كان ذلك اللفظ أو جزء منه، بحسب تلك اللغة أو لغة أُخرى أو بإرادة أُخرى، يصلح لأن يدلّ به عليه.
وإذا ثبت هذا فنقول، اللفظ الذي لا يراد بجزئه الدلالة على جزء معناه، لا يخلو من أن يراد بجزئه، الدلالة على شيء آخر أو لا يراد، وعلى التقدير الأوّل لا تكون دلالة ذلك الجزء، متعلّقة بكونه جزء من اللفظ الأوّل، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظاً برأسه دالاً على معنى آخر بإرادة أُخرى، وليس كلامنا فيه، فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدالّ من حيث هو جزء دلالة أصلاً و ذلك هو التقدير الثاني بعينه. فحصل من ذلك أنّ اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه، لا يدلّ جزؤه على شيء أصلاً.(1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح الإشارات:1/ 31ـ 32.
( 106 )
والحاصل أنّ اللفظ إمّا أن يتلفّظ به علماً، فعندئذ يكون مفرداً لا يدلّ جزء لفظه على جزء معناه، و إمّا يتلفّظ به بما أنّه مركّب من لفظين مستقلّين، لكلّ معنى خاص، و إن أُضيف أحدهما إلى الآخر، فعندئذ و إن كان يدلّ جزء لفظ على جزء معناه، لكنّه لا يكون مفرداً.
فالظاهر من عبارة المحقّق الطوسي أنّه ممّن ذهب إلى أنّ الدلالة اللفظية تابعة لإرادة المتلفّظ. و لأجل ذلك أوضحه صاحب المحاكمات في محاكماته بين شارحي الإشارات: الإمام الرازي والمحقّق الطوسي بقوله: لمّا كانت دلالة اللفظ على المعنى بالمطابقة، ووضعية، كانت موقوفة على إرادة المتلفّظ ذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع، إذ الغرض من الوضع تأدية ما في الضمير. و ذلك يتوقّف على إرادة اللافظ فمالم يرد المعنى من اللفظ لم تجد له دلالة عليه.
ثمّ أورد عليه بأنّه لم يفرق بين الدلالة و الاستعمال، فانّه في إطلاق اللفظ و إرادة المعنى و أمّا دلالته فلا تعلّق لها بالإرادة أصلاً.(1)
الجهة الثانية:
إنّ كلّ من فسّر الوضع بالتعهد والالتزام بأنّه كلّما أطلق اللفظ أراد منه المعنى، كالمحقّق النهاوندي قدَّس سرَّه والمحقّق الخوئي ـدام ظلّهـلا مناص له عن القول باختصاص الدلالة الوضعية(2) بصورة قصد التفهيم و إرادة المعنى من اللفظ بنحو من الأنحاء الآتية و لعلّ كونها قيداً للعلقة أوضح، فانّ الالتزام و التعهد إنّما يتعلّقان بالأمر الاختياري، و ما يقع تحت اختيار الواضع هو ذاك. و أمّا الالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر منه عن غير شعور أو اختيار، فلا يعقل أن يكون طرفاً للالتزام و الاختيار. و بالجملة، إنّما يتعلّق الالتزام بفعل
ــــــــــــــــــــــ
(1) شرح الإشارات:1/32.
(2) سيوافيك أنّ الدلالة الوضعية عند هذين العلمين هي الدلالة التفهيمية عندنا فانتظر.
( 107 )
الإنسان لا بفعل غيره. وفي أفعال النفس، يتعلّق بالاختياري منها لا بالخارج عنه، كالنطق نائماً و ساهياً.
و لكنّك عرفت ضعف المبنى و أنّ الوضع التعييني لو قلنا بوجوده ليس إلاّ تعيين اللفظ في مقابل المعنى، وأمّا التعهّد والالتزام بأنّه متى أطلق اللفظ أراد منه ذاك المعنى، فهو من قبيل الغايات، بل ربّما يكون مغفولاً عنه.
كما قد عرفت أنّ كيفية الدلالة والانتقال من الألفاظ إلى المعاني و من سائر الدوال إلى مداليلها على نهج واحد. فهل ترى تعهداً من ناصب العلامة على رأس الفرسخ، بل ليس هنا إلاّالمواضعة على الانتقال من رؤيته إليه، من غير فرق بين الناصب وغيره من المارّة.
الجهة الثالثة:
إنّ كون الألفاظ موضوعة للمعاني المرادة يتصوّر على وجوه خمسة:
الأوّل: أخذ مفهوم الإرادة بالحمل الأوّلي جزءاً للموضوع و هو ممّا لا يلتزم به أحد.
الثاني: كونها موضوعة للمعلوم بالذات بقيد كونه مراداً بالحمل الشائع، و المعلوم بالذات هو الصور العلمية الذهنية التي تعلّقت بها الإرادة، لأنّ الإرادة لا تتعلّق بالذات إلاّبالصور الذهنية، فلفظ «القائم» في قولنا«زيد قائم» موضوع للصورة الذهنية منه مع تعلّق الإرادة بها.
و هذا يستلزم انقلاب الأخبار الخارجية إلى الأخبار الذهنية، إذ على هذا يكون «زيد قائم»، بموضوعه و محموله و هيئته، حاكياً عن الأُمور الذهنية، لأنّ المفردات موضوعة لما هو المراد بالذات، وما هو المراد بالذات في الصورتين هو الصور العلمية.
الثالث: كونها موضوعة للمعلوم بالعرض، أعني: القيام الخارجي الذي
( 108 )
تعلّقت به الإرادة، بواسطة الصورة العلمية، وهذا يستلزم عدم صحّة الحمل إلاّ بالتجريد ضرورة أنّ المركّب من أمر خارجي وأمر ذهني لا يصحّ حمله على الخارج إلاّبالتجريد، فإنّ القيام و إن كان موجوداً في الخارج، إلاّ أنّ الإرادة التي اتّصف بها القيام، ذهنية.
وبالجملة: كون الموضوع له هو المعنى المراد بالحمل الشائع الأعم من الذاتي والعرضي، يستلزم انقلاب الأخبار الخارجية إلى الأخبار الذهنية، أو يتوقّف صحّة الأخبار على التجريد في ناحيتي الموضوع و المحمول.
الرابع: أن يكون الموضوع له هو ذات المعنى حالَ كونه مراداً على نحو الحينية، بحيث يكون القيد والتقيّد خارجين عن المعنى، لا أن يكون الموضوع له هو المعنى بقيد كونه مراداً على نحو المشروطة حتّى يكون القيد خارجاً و التقيّد داخلاً على نحو القضية المشروطة. فاللفظ و إن لم يكن موضوعاً للمعنى المقيّد بالمراد، و لكنّه على وجه لا يصدق إلاّعليه، ولا يصدق على غيره. والفرق بينهما كالفرق بين قولنا:«كلّ كاتب متحرك الأصابع حين هو كاتب، وكلّ كاتب متحرّك الأصابع مادام كاتباً» فالمحمول في الأوّل أعني: متحرّك الأصابع» ـ غير مقيّد بالكتابة، لكنّه على وجه ليس له سعة بحيث يشمل غير هذه الصورة، أي المتحرّك حال الكتابة. بخلاف الثاني، فانّ ثبوت التحرّك مقيّد بكونه كاتباً. و المحمول في الأوّل مطلق و لكن له ضيق ذاتي غير صادق على غير ذاك المورد.
وعلى هذا يكون الموضوع له حصّة من المعنى الطبيعي لا جميع الحصص، فانّ الموضوع له هو المعنى المقترن بإرادته. والوجه في ذلك أنّ الغاية من الوضع يجب أن تكون أمراً اختيارياً و ليس هو إلاّ أنّه كلّما أطلق الواضع أو غيره، كان مريداً لذاك المعنى و مفهماً إيّاه، فإذا كانت الغاية من الوضع هو ذاك الهدف فلا محالة يتضيّق المعلول ـ أعني الوضع ـ بتضيّق علّته، فانّ العلّة الغائية، لمّا كانت إحدى العلل و سبباً لفاعلية الفاعل، فلا محالة يتضيق المعلول
( 109 )
تضييقاً ذاتياً بضيقها، و يختصّ المعلول بمورد العلّة.
وإلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني في تعليقته حيث قال: أن يكون اللفظ موضوعاً للمعنى الذي تتعلّق به الإرادة الاستعمالية، فهو إشارة إلى ذات الخاص(1)، لا بوصف الخصوصية، وفائدته عدم الاختصاص الوصفي بين اللفظ والمعنى الذي لا يتخصص بالمرادية.(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّا لم نتحقق بعد للحينية معنى محصّلاً و إن أصرّ عليها المحقّق ضياء الدين العراقي ـ قدس الله سرّه ـ بل بنى على صحّتها أُموراً في الأُصول. فانّ الكتابة في قوله: «حين هو كاتب» إمّا قيد للمحمول (متحرك الأصابع) فيكون من قبيل المشروط، أو ليس قيداً له و للمحمول إطلاق، فيكون من قبيل المطلقة العامّة فما معنى هذا التذبذب بين المشروطة والمطلقة، و إن نطق به المنطقيون.
وبعبارة أُخرى: إنّ القول بأنّ المحمول هو المتحرّك المقترن بالكتابة لا يخلو عن إبهام، لأنّ المحمول إمّا مقيّد بالاقتران بالكتابة أو لا، وعلى الأوّل تعود الحينية إلى المشروطة، وعلى الثاني يكون المحمول مطلقاً صادقاً في كلتا الحالتين: حالة وجود الكتابة و عدمها.
وبذلك تبيّن عدم تمامية قوله:«إنّ الموضوع له هي المعاني حال كونها مرادة ، لا مقيّداً بها» فانّ نفس الأمر لا يخلو عن أمرين: إمّا أن يكون المعاني مقيّدة بها، أو غير مقيّدة وعلى الأوّل تكون القضية مقيّدة، وعلى الثاني مطلقة شاملة لكلتا الصورتين. وما يقال من أنّ الموضوع هو الحصّة التوأمة بالإرادة لا الطبيعة المطلقة، ولا الحصّة غير التوأمة، غير تام، لأنّ المعنى لمّا كان ذا حصتين، حصّة توأمة بالإرادة، وحصّة غير توأمة فتخصيص الوضع بإحدى الحصّتين يحتاج إلى مقيِّد و
ــــــــــــــــــــــ
(1) أي المعنى في ظرف الإرادة.
(2) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية: 1/24.
( 110 )
مخصِّص.
و ثانياً: أنّ الغاية من الوضع ليست منحصرة في الإفادة و الاستفادة، بل للوضع غاية أُخرى هي إحضار المعنى في ذهن المخاطب كلّما سمعه من لافظه سواء أكان عن شعور أو لا عن شعور.
وبعبارة أُخرى: الغاية من الوضع هو تصوّر المعنى و أمّا الإفادة والاستفادة فيحقّقان بالأُصول العقلائية.
توضيحه: أنّ تنبيه المتكلّم السامع، بأنّه يريد الأمر الفلاني و استفادة السامع ذلك، يتوقّف على أمرين: تصوّر المعنى المقصود أوّلاً، و الدلالة على أنّ المعنى المتصوّر هو مراد المتكلّم ثانياً . والأوّل مستند إلى الوضع، و الثاني يحصل بالاتّكاء على الأُصول العقلائية في مقام التخاطب، وهي كون المتكلّم عاقلاً حكيماً، والفرد الحكيم لا يعبث ولا ينقض الغرض، ولو كان مراده غير المعنى المقصود الوارد في ذهن السامع، لوجب التنبيه عليه.
وثالثاً: أنّ الغاية من الوضع هو إفادة ذوات المعاني والحقائق بماهي هي، لا بما هي مرادة المتكلّم فإذا قال القائل: «الماء رطب» فإنّه يرد الحكم على ذات الماء بالرطوبة، لا على الماء المراد و يتّضح ذلك إذا كان المتكلّم معلِّماً للعلوم الحقيقية والرياضية، فهو يريد أن يحكي عن القواعد الحاكمة على الطبيعة الخارجية، لا القواعد المرادة، بل كونها مرادة له كالحجر في جنب الإنسان.
الخامس: أنّ الوجوه المزبورة مبنية على كون الإرادة مأخوذة في الموضوع له. و هناك احتمال خامس و هو أن تكون قيداً للعلقة الوضعية، فالعلقة مختصّة بصورة خاصّة و هي ما إذا أراد المتكلّم تفهيم المعنى باللفظ فالإرادة من قيود العلقة الوضعية لا من خصوصية المعنى لا قيداً ولا جزءاً. كالواجب المشروط على القول المشهور فانّ الاستطاعة قيد للوجوب وإن كان يسري إلى المادة أعني: الحجّ.
والدليل عليه: أنّ الوضع أمر اعتباري، و الأمر الاعتباري يتبع الغرض
( 111 )
الداعي إليه في السعة و الضيق، و الزائد على ذلك لغو. و الغرض الباعث للواضع على الوضع هو قصد تفهيم المعنى من اللفظ وجعله آلة لإحضار معناه في الذهن عند إرادة تفهيمه، فلا موجب لجعل العلقة الوضعية أوسع من ذلك.
وإلى ذلك يشير المحقّق الاصفهاني بقوله: «العلقة الوضعية متقيّدة بصورة الإرادة الاستعمالية، وفي غيرها لا وضع، وما يرى من الانتقال إلى المعنى بمجرّد سماع اللفظ من لافظ غير شاعر فمن جهة انس الذهن بالانتقال من سماعه عند إرادة معناه».(1)
يلاحظ عليه: ما عرفت من أنّ الغاية إنّما هي إفادة الحقائق الواقعية بما هي هي لا بما هي مرادة كما عرفت في قولنا:«الماء جسم رطب سيال».
أضف إلى ذلك ما ذكرنا من أنّ الغرض الأوّل من الوضع هو إحضار المعنى في ذهن المخاطب لينتقل منه في مرتبة أُخرى إلى كونه مراداً للمتكلّم. وتلك الإرادة لا تُعْلَم من الوضع بل من الأُصول العقلائية.
فتبيّن أنّه لا وجه للقول بوضع الألفاظ للمعاني المرادة أو كون الدلالة تابعة للإرادة.
الجهة الرابعة:
أنّ الدلالة تنقسم إلى تصوّرية و تفهيمية و تصديقية.
أمّا الأُولى: فهي عبارة عن دلالة اللفظ على معناه عند سماعه.
و إن شئت قلت: الانتقال إلى المعنى من سماع اللفظ. وهي لا تتوقف على شيء ماعدا العلم بالوضع. و لأجل ذلك ينتقل الذهن إلى المعنى بمجرّد السماع و لو من لافظ غير شاعر.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقق الاصفهاني: نهاية الدراية: 1/23.
( 112 )
أمّا الثانية: أعني الدلالة التفهيمية فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ المتكلّم أراد تفهيم المعنى للغير.
وهذه الدلالة تتوقف ـ مضافاً إلى كون المتكلّم عالماً بالوضع ـ على إحراز أنّه في مقام التفهيم، فلو لم يحرز، كما إذا احتمل أنّه يتكلّم لأجل تعلّم اللغة و تمرين الخطابة، أو كانت هناك قرينة على أنّه ليس في ذاك المقام، لا تكون هناك تلك الدلالة.
وأمّا الثالثة: أعني الدلالة التصديقية، فهي عبارة عن دلالة اللفظ على أنّ الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدّية، وهي تثبت بالأصل الحاكم في مقام المحاورة من أصالة تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّية. والأصل إنّما يجري إذا لم تكن هناك قرينة على الخلاف، كالمخصّص و المقيّد، بعد ورود العام والمطلق، فانّ الورود يكشف عن عدم التطابق، وأنّ إلقاء الكلام على وجه العموم كان لأجل ضرب القاعدة حتى يتمسّك به في الموارد المشكوكة، كما سيوافيك بيانه في محلّه.
ثمّ إنّه ربّما يوضع مكان الدلالة، الإرادة ، و يقال: الإرادة التصوّرية والإرادة التفهيمية و الإرادة الجدّية. و تفسّر الأُولى بإرادة استعمال اللفظ في المعنى، و الثانية بإرادة تفهيم المعنى الذي استعمل فيه اللفظ والثالثة بإرادة المعنى الذي استعمل اللفظ فيه جدّاً و حقيقة.
و بما ذكرنا يظهر أنّ الدلالة الوضعية، هي نفس الدلالة التصوّرية لما عرفت من وضع الألفاظ على الحقائق المعراة عن كلّ قيد، فالانتقال إلى ذات المعنى من سماع اللفظ يستند إلى الوضع. خلافاً لمن قال بأنّ الدلالة التصوّرية ليست مستندة إلى العلم بالوضع ، بل هي من جهة الأُنس الحاصل من كثرة الاستعمال أو من أمر آخر.(1)
ــــــــــــــــــــــ
(1) المحقّق الخوئي: المحاضرات: 1/111.
( 113 )
يلاحظ عليه : أنّه لولا الوضع، لما حصل الانتقال في المراحل الابتدائية و لما حصل الأُنس وأعجب منه أنّه نقض كلامه هذا في موضع آخر عند تعريف الدلالة التصوّرية حيث قال: وهي (الدلالة التصوّرية) لا تتوقّف على شيء ماعدا العلم بالوضع، فهي تابعة له.(1)
نعم على ما سلكه في تفسير الوضع من أنّه الالتزام والتعهد، تكون الدلالة الوضعية عبارة عن الدلالة التفهيمية، فإنّ الالتزام لا يتعلّق إلاّ بأمر اختياري، وأمّا دلالة اللفظ على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعور واختيار، فلا يمكن أن يكون متعلّقاً للالتزام.
الجهة الخامسة:
قد عرفت كلام المحقّق الطوسي عند الذبّ عن الإشكال المتوجّه إلى تعريف الدلالات، و تعريف المفرد، و الظاهر من كلامه هو أنّ الدلالة التصوّرية تتوقّف على إرادة اللافظ، وإلاّ لم تندفع الإشكالات الواردة على التعاريف. فلاحظ الإشكال المتوجّه إلى تعريف المفرد فانّه إنّما يندفع إذا كانت الدلالة تابعة لإرادة اللافظ فإذا قال: «عبد الله». وأراد منه المعنى العلمي، أعني: الشخص الإنساني، فليس له إلاّ معنى واحد، و هو الإنسان الموجود في الخارج. و معه لايتصوّر الدلالة التضمنية، وإنّما هنا دلالة مطابقيّة: الدال واحد والمدلول فارد.
وإن أُريد منه المعنى الوصفي التركيبي أي من هو عبد الله سبحانه، فهناك دالاّن ومدلولان فلا تجتمع الدلالة المطابقية مع التضمنيّة أبداً.
فتفسير المحقّق صاحب الكفاية(2) الدلالة في كلام العلمين بالدلالة التصديقية، غير مطابق لكلامهما.
ــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق: 109.
(2) كفاية الأُصول: 1/23، الطبعة المزينة بحواشي المشكيني رحمه الله.
( 114 )
أضف إليه أنّ التبعية فيها ليست أمراً مختلفاً فيه حتّى يتميز العلمان بالقول بها، مضافاً إلى أنّ الدلالة التصديقية، لا تعقل إلاّ في الجمل والمركّبات و مورد النقض عبارة عن المفردات كما لا يخفى.
وأضعف منه ما عن المحقّق الخوئي (1) من أنّ مقصودهما أنّ العلقة مختصّة بصورة إرادة تفهيم المعنى، مع أنّه ليس في كلامهما المنقول أثر من هذا.
***
المقدمة السادسة:
في وضع المركّبات
ربما نسب إلى بعض الأُدباء(2) القول بوضع خاص للمركّبات وراء المفردات. ولكن النسبة غير ثابتة ، و نقول في بيان ذلك:
إنّ المركّب لا يخلو من أوضاع ثلاثة، فقولنا: «زيد إنسان» يشتمل على أوضاع ثلاثة: فلزيد وضع، ولإنسان وضع آخر، وكذا للهيئة الاسمية وضع ثالث. و ربّما تزيد الأوضاع على الثلاثة، كما إذا كان المحمول مشتقاً، مثل قولنا:«زيد قائم» فإنّ لـ«قائم» وضعاً بحسب المادّة، و وضعاً بحسب الهيئة. وربّما تزيد على الأربعة وتصل إلى خمسة، كما إذا كان كلاهما مشتقين، مثل قولنا:«الضارب متعجّب»، فلكلّ من المبتدأ والخبر وضعان، و للهيئة الإسمية وضع آخر. وهكذا قد يزداد عدد الأوضاع بحسب الكلمات.
ــــــــــــــــــــــ
(1) تعاليق الأجود، ص 31 ،نعم مقتضى ما اختاره في تفسير الوضع من أنّه عبارة عن الالتزام بإرادة المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص ، كون الدلالة الوضعية مختصة بصورة قصد التفهيم إذ لا معنى للالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر من لافظ من غير شعور واختيار لما عرفت من أنّه يتعلّق بأمر اختياري لا بما هو خارج عن إطاره.
(2) يعلم من كلام ابن مالك في شرحه على المفصّل أنّ النظرية ليست حديثة بل لها جذور في تاريخ دراسة الأدب العربي.
( 115 )
وعندئذ يقع الكلام في أنّ للمركّب وراء هذه الأوضاع، وضعاً آخر، باعتبار وضعه من حيث المجموع من المفردات والهيئات أو لا. التحقيق هو الثاني و ذلك لوجوه:
1ـ إنّ وضع كلّ جزء من أجزاء الجملة ـ مادّة و صورة ـ لمعناه، و وضع نفس الهيئة الاسمية، للمعنى الخاص، كافل لما يحتاج إليه الإنسان في مقام التفهيم. وعندئذ يكون وضع المجموع من حيث المجموع أعني الثلاثة أو الأربعة أو الخمسة أمراً بعيداً عن وضع العقلاء.
2ـ لو صحّ لزم الانتقال إلى المعنى مرّتين في آن واحد، لفرض وضع المفردات مرّة، و المجموع من حيث المجموع مرّة أُخرى. و هذا يكون نظير ما إذا أتى الإنسان أوّلاً بأسماء كلّ عضو من أعضاء الإنسان، ثمّ أتى بلفظ الإنسان الجامع للأعضاء كلّها مرّة ثانية.
يلاحظ عليه: أنّ الانتقال معلول للأُنس الحاصل من الاستعمال المعلول للوضع، و تعدّد الوضع لا يوجب تعدد الأُنس فلا يلزم الانتقالان.
3ـ و نقل عن ابن مالك في شرحه على المفصّل وجه آخر. و حاصله أنّه لو كان لها وضع لما كان لنا أن نتكلّم بكلام لم يسبق إليه، إذا المركّب الذي أحدثناه، لم يسبق إليه أحد.
توضيحه: أنّ هيئة الجملة الاسمية و إن كانت واحدة مشتركة بين الجميع، إلاّ أنّ موادها مختلفة، من زيد و عمرو و قيام و قعود... و ما يمكن توصيفه نوعياً إنّما هو الهيئات لا المواد، إذ ليست هناك جامع نوعي تجتمع تحته المواد، لكي يشار به إليها.وهذا بخلاف الهيئات فانّ لها هيئة نوعية تشمل كلّ هيئة وجدت في أيّ مادّة من المواد. فلو كان للمجموع من المواد والهيئة وضع، للزم الالتزام بوضع كلّ جملة جملة، وضعاً شخصياً. وهو مع امتناعه، يستلزم ما ذكره ذلك الأديب، أعني كون الجمل المحدثة جملاً غير موضوعة، كما لا يخفى.
( 116 )
و بالجملة: الجمل الاسمية المخترعة التي لم يسبق إلى التكلّم بها أحد كما في قولنا: «القنبلة الذرية مدمِّرة» لو احتاجت إلى الوضع الجملي لزم عدم استعمالها لافتراض كونها مبدعة مستحدثة لم تنل يد الوضع لوضعها و هو كما ترى.
تتميم: إنّ من الكلمات المشهورة بين الأُدباء والأُصوليين أنّ وضع المواد شخصي و وضع الهيئات نوعي بمعنى أنّ المواد موضوعة بوحدتها الشخصيّة، و الهيئات موضوعة بجامعها العنواني. و لكنّه أيضاً لا يخلو عن إبهام: فإن أُريد من نوعية الوضع في الهيئات، عدم اختصاصها بمادّة معيّنة ، كهيئة «فاعل»، فالمادّة أيضاً غير مختصة بهيئة معيّنة، فانّ المادة غير مختصة بهيئة معيّنة فانّها متشكّلة بأشكال مختلفة من ماض و مضارع....
وإن أُريد من شخصية الوضع في المواد، امتياز كلّ مادّّة عن الأُخرى، فالهيئات، كلّ واحدة منها، ممتازة عن الأُخرى، فهيئة الفاعل غير هيئة المفعول.
والأولى أن يقال: إنّ المادة حيث يمكن لحاظها استقلالاً بلا هيئة، فيمكن الوضع لشخص كلّ مادة، و لأجله قالوا الوضع شخصي. والهيئة حيث لا يمكن لحاظها استقلالاً، بل تلاحظ في ضمن مادة. فالوضع لها في ضمن مادة معيّنة يوجب عدم إطرادها في مادة أُخرى، فيجب أن يكون وضعها بشكل آخر، و يقال: هيئة فاعل و ما يشبهها. و هذا معنى نوعية الوضع في الهيئة، فليس الوضع متعلّقاً لهيئة شخصية قائمة بمادة معلومة، بل لها و لما يشبهها.(1)
بخلاف المادة فانّها قابلة لللحاظ استقلالاً كما هو الحال في وضع المصادر والحاصل أنّ لحاظ الهيئة في ضمن أيّ مادة يوجب اختصاصها بتلك المادّة فوضعها في ضمنها يختصّ بها ولا يعمّها في ضمن مادة أُخرى و بما أنّ لكلّ من الهيئة و المادة معنى تكون الهيئة محبوسة في ضمن تلك المادة ولا مناص من عطف جملة «و ما يشبهها» عليه و هذا بخلاف المادة فانّها قابلة لللحاظ استقلالاً و لا
ــــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية: 1/27.
( 117 )
تكون المادة مقيّدة بالهيئة لعدم المعنى لها فيها بل هي لأجل إمكان التنطق بها و بذلك يعلم جواب الإشكال التالي.
إنّ المادّة أيضاً لا يمكن لحاظها إلاّ في ضمن الهيئة فصار حكمها حكم الهيئة.
قلت: إنّ هيئة المصدر ليس لها دخل إلاّ في إمكان التنطق، فلا دخالة لها في كونها ضمن مادة.ولو كان لها دخالة، لما كان المصدر أصلاً في الكلام. فصحّ أنّ المادة صالحة للحاظها و تنطقها مستقلاً، فيكون وضعها شخصياً. بخلاف الهيئة، فإنّها لا يمكن لحاظها مستقلّة، ولأجل أنّ المادة فيها ذات معنى تكون الهيئة متقيّدة بها و لأجل ذلك يجب أن يعطف عليها لفظة «وما يشبهها».
أضف إلى ذلك، أنّ المواد التي تعرضها الهيئة، أُمور غير متناهية عرفاً، فوضع الهيئة وضعاً شخصياً يوجب تخصّصها بتلك المادة.فيستدعي ذلك وضعها للمادة الثانية والثالثة و هكذا، كلّ منها على حدة، و هو موجب للعسر، إن لم يكن أمراً ممتنعاً عادة.
وهذا بخلاف المادة، فانّ الهيئة التي تعتورها، محدودة في صيغ معيّنة، فلا مانع من وضع المادة شخصياً في تلك الصيغ المحدودة و إن أخذ وقتاً من الواضع لكنّه ليس بأمر غير ممكن عادة، و مع ذلك ليس بمحتاج إليه لما عرفت من أنّوضع المصدر كاف في وضع المادة الموجودة في الصيغ المختلفة.
***