3 . الوسائل:12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث2.
( 64 )
وقوله:«فأحدث فيه بعد ما قبضه» و إن كان يعمّ الحدث المغيّر وغيره، لكن يقيّد إطلاقه بما في مرسلة جميل من التصرّف المغيّر كقطع الثوب وصبغه، مضافاً إلى ما سيوافيك في خيار الحيوان من أنّ المراد من إحداث الحدث فيه، هو إيجاد التغيّر في المبيع، فلا يشمل تعليف الدابّة و سقيها أو ركوبها، وستوافيك الشواهد على هذا في بابه .
الرابع: تلف العين
ويدلّ على سقوطه بتلف العين مفهوم الجملة الشرطية الواردة في مرسلة «جميل» حيث قال: «إن كان الثوب قائماً بعينه ردّ على صاحبه» فكما أنّه يصدق بانتفاء المحمول ـ مثل ما إذا كان الثوب موجوداً لكن غير قائم بحاله ـ فهكذا يصدق بانتفاء الموضوع بتلف الثوب رأساً فيصدق أنّه غير قائم بعينه.
الخامس: حدوث العيب بعد العقد
إذا حدث العيب بعد العقد على المعيب، فله صور:
1. أن يحدث قبل القبض.
2. أن يحدث بعده قبل انقضاء خيار المشتري كخيار المجلس والحيوان والشرط.
3. أن يحدث بعد القبض و مضيّ الخيار.
أمّا الأوّل: فلا إشكال في أنّه غير مانع عن الردّ بالعيب السابق، وهل هو سبب مستقل موجب للردّ والأرش ـ على القول بكونه في عرض الردّ ـ أو لا؟ فيه وجهان، والأقوى هو الأوّل. بشهادة انّه لو كان المبيع سالماً و طرأ عليه العيب
( 65 )
قبل القبض، فللمشتري الخيار مستقلاً.
وأمّا الثاني: إنّ الحادث في زمان الخيار فهو أيضاً مثل الأوّل غير مانع عن الردّ والأرش، فهو أيضاً سبب مستقل لما سيوافيك في أحكام الخيار، من أنّ كلّ حدث حدث في زمان الخيار، فهو من مال من لا خيار له وهو في المقام، البائع، فيكون في المقام سببان للخيار.
وأمّا الثالث: الذي هو المقصود بالبحث في المقام، فالمشهور أنّ العيب الحادث بعد انقضاء الخيار، مانع عن الردّ بالعيب السابق على العقد.
ويدلّ عليه مرسلة جميل المؤيدة برواية زرارة، لما عرفت من أنّ المعيار لجواز الردّ وعدمه هو بقاء العين بحالها وعدمه، فيتعيّن جبر العيب السابق بالأرش . اللّهمّ إلاّ إذا كان العيب مستنداً إلى فعل البائع، فلا يكون مانعاً عن الردّ.
ثمّ إنّ هناك أُموراً تارة تمنع عن الردّ دون الأرش، وأُخرى على العكس، وثالثة تمنع عن كلا الأمرين، وإليك بيانها:
1. تبعّض الصفقة من موانع الردّ
إنّ من موانع الردّ عند المشهور هو تبعّض الصفقة بالردّ، وذلك فيما إذا ابتاع شيئين من مالك واحد، بثمن واحد ثمّ بان عيب في واحد منهما، فليس له ردّ المعيب وإمساك الصحيح، بل له إمّا ردّهما أو إمساكهما معاً، والدليل على ذلك ارتكاز العقلاء حيث لا يرون للمشتري إلاّ حقاً واحداً، و هو إمّا ردّ الجميع أو إمساك الجميع ، وأمّا التبعيض فلا، وهذا متّبع ما لم يردع عنه الشرع.
مضافاً إلى أنّ المتبادر من مرسلة جميل بقاء العين بذاتها و وصفها، و في المقام العين وإن كانت قائمة بذاتها لكنّها غير قائمة بوصفها، أعني: كونها منضمّة إلى الصحيح الذي هو الداعي للبيع والشراء.
( 66 )
2. لزوم الربا من موانع أخذ الأرش
إذا اشترى ربوياً بجنسه فظهر في أحدهماعيب، فالأرش ساقط لاستلزامه الربا.
توضيحه: انّ المقصود من الربا في المقام هو القسم المعاوضي لا الربا القرضي، فالمتجانسان عرفاً أو المحكوم عليه بالتجانس شرعاً إذا كانا مكيلين أو موزونين لا يجوز التفاضل عند المعاوضة، إلاّ إذا كان مثلاً بمثل، حتّى و لو كان أحدهما صحيحاً والآخر معيباً، لا يجوز التفاضل، مثل ما إذا كان العوض حُليّاً مصوغاً والآخر مكسوراً، حيث إنّ أخذ الأرش يوجب التفاضل الحرام، فلا محيص عن الردّ.
3. ما يمنع عن الردّ والأرش
إنّ هناك أُموراً تمنع عن كلا الأمرين نذكر منها ما يلي:
أ. العلم بالعيب قبل العقد; إذا كان المشتري واقفاً على العيب قبل العقد، فهذا يسقط الردّ والأرش، لأنّ إقدامه معه رضى منه به، و أدلّة الخيار ظاهرة في غير هذه الصورة، مضافاً إلى أنّ ما في صحيح «زرارة» من قوله: «لم يتبرّأ إليه ولم يبيّن له»(1) فخصّ الخيار بما إذا لم يبيّن (العيب)، فعلمه بالعيب قبل العقد كالتبيين.
ب. تبرّؤ البائع من العيوب; إنّ تبرّؤ البائع من العيب يمنع عن الردّ والأرش بأن يقول: بعتك هذا بكل عيب أو أنا بريء من العيوب ظاهرة وباطنة، معلومة وغير معلومة .
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث2.
( 67 )
ويدلّ على المنع أوّلاً :انصراف دليل الخيار عن مثله .
و ثانياً: انّ التبرّوء من العيوب لا يقصر من العلم به.
و ثالثاً: عموم «المؤمنون عند شروطهم».
و رابعاً: حسنة جعفر بن عيسى، فقد كتب إلى أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ فيمن اشترى شيئاً ثمّ وقف فيه على العيب فادعى البائع قد برئت من العيوب عند البيع، «فيقول المشتري: لم أسمع البراءة منها، أ يصدّق فلا يجب عليه الثمن أم لا يصدّق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن».(1)
فالحديث يدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه لو ثبت براءة البائع لكفى في عدم جواز الرّد.
***
ثمّ إنّ الشيخ فتح باباً واسعاً في المقام ونظائره باسم «اختلاف المتبايعين»، حيث يختلفون تارة في نفس الخيار، وأُخرى في موجبه، و ثالثة في مسقطه، و رابعة في إعماله بالفسخ. فهذه المسائل من فروع باب القضاء وأحكام المتحاكمين، ولأجل ذلك أعرضنا عن ذكر مسائل التحاكم في هذا الكتاب.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب8 من أبواب أحكام العيوب، الحديث1.
( 68 )
الأرش وكيفيّة تقديره
«الأرش» في اللغة بمعنى الخدش، ويطلق على دية الجراحات التي ليس لها قدر معلوم، ويكون من قبيل إطلاق السبب على المسبّب، و في مصطلح الفقهاء عبارة عن مال يؤخذ بدلاً عن نقص مضمون في مال أو بدن.
ثمّ إنّ الضمان على قسمين:
1. ضمان اليد و الإتلاف.
2. ضمان المعاوضة.
أمّا الأوّل: فهو كالمغصوب والمستام إذا تلف، و في مثله يكون التالف مضموناً بقيمته السوقية، سواء أ كان التالف ذاتَ الشيء أم وصفَه، لأنّ تلف العين صار سبباً لتضرر المالك بما يعادل قيمته السوقية، وبما انّ ضمان الجزء أو الوصف تابع لضمان الكلّ فلو عاب في يد الغاصب أو المستام، يجب تداركه بالقيمة السوقية.
و على هذا لو أتلف العين يضمنها بقيمتها السوقية، وإن أتلف الجزء أو الوصف يقوّم صحيحاً ثمّ يقوّم معيباً ويدفع إلى المالك التفاوتَ بين القيمتين، وبذلك يخرج عن ضمان ما أضرّ به من إتلاف الجزء أو الوصف.
و أمّا الثاني: أعني ضمان المعاوضة، وهو ما يكون الضمان في مقابل العوض الذي يدفعه أحد المتعاملين إلى الآخر، نظير ضمان البائع للمشتري، فهو يضمن تسليم المبيع له بعامة أجزائه وخصوصياته و صفاته ـ في مقابل العوض الذي
( 69 )
يأخذه منه، فلو تخلّف لا يستحقّ المشتري عليه إلاّ استرداد ما يقابله من الثمن (لا قيمته السوقية) و ذلك لأنّ الضرر المتوجّه من ناحية البائع إلى المشتري، لا يتجاوز عمّا أخذه من العوض في مقابل المبيع فلا يحكم على البائع إلاّ بردّ ما أخذه في مقابل الجزء أو الوصف المفقودين.
بعبارة واضحة: لا يحكم عليه إلاّ بتأدية ما أخذه ولم يسلّم عوضه، و هو ليس إلاّ ما يخصه من العوض، لأنّه لم يقدم على الضمان ولم يقبله المشتري إلاّفي هذا الإطار، ولم يكن هناك أيّ تضامن وتعاهد بالنسبة إلى القيمة السوقية.
وبذلك يفترق طريق تعيين الخسارة هنا عن القسم السابق، وقد مرّ فيه أنّه إذا عاب الشيء في يد المتلف يقوّم صحيحاً ومعيباً ويدفع تفاوت ما بين القيمتين إلى المالك، وأمّا المقام فلا يكفي ذلك، لأنّه يستلزم ضمان ما تلف بقيمته السوقية، مع أنّ البائع لم يضمن التالف إلاّ في مقابل ما أخذه من العوض، ولأجل ذلك لابدّ من إضافة عمل آخر إلى العمل السابق وهو أنّه يؤخذ من الثمن، مقدار نسبة قيمة المعيب إلى الصحيح.
مثلاً لو كانت قيمة المبيع الصحيح مائة، وقيمة المعيب خمسة وسبعين وباعه بثمانين يردّ من الثمن (الثمانين) بتلك النسبة، أي ربعه وهي العشرون.
وبذلك يعلم أنّ الضمان المعاوضي، ضمان مطابق للقاعدة، و لو حكم بضمان القيمة السوقية يكون على خلاف القاعدة، لأنّ المقياس جبر الضرر المتوجّه إلى المشتري من جانب البائع وهو ليس إلاّما يخصّه من الثمن، لا التفاوت الموجود بين القيمتين السوقيتين.
( 70 )
إشكال وإجابة
قد تكرر في كلمات الشيخ الأعظم من أنّ الثمن لا يقسّط على الأوصاف من غير فرق بين وصفي الكمال والصحّة وإنّما يقسّط على الأجزاء، و لو صحّ ما ذكره فيرد هنا إشكال وهو أنّه إذا كان الثمن لا يقسّط على الوصف فما معنى الأرش؟ فلو كانت الأوصاف خارجة عن حريم المقابلة فما معنى البحث عن تعيين ما يقع في مقابلها؟
هذا هو الإشكال وإليك الإجابة:
والجواب، أنّ ما ادّعاه من أنّ الثمن لا يقسّط إلاّ على الأجزاء، دون الأوصاف الكمالية أو الصحّية، غير ثابت، بل العقلاء على خلافه، فإنّ العبد الكاتب المحاسب، يُشترى بأضعاف ما يشترى العبد الأُمّي، وبذلك تظهر صحة القول بأنّ كلّ ما يكون موجباً لكثرة الرغبة حتى غلاف المبيع و وعاؤه إذا وقع تحت الإنشاء ـ بأن يقول: بعتك بغلافه و وعائه ، أو كان الإنشاء مبنيّاً عليه عند المعاملين، يُقسّط الثمن عليه.
و ما أُثير حوله من المحاذير فقد أوضحنا حالها في محاضراتنا.(1)
وبذلك يعلم أنّ الأرش جزء الثمن المردود فكأنّ المعاملة تنفسخ بالنسبة إلى ذلك الجزء و ليس غرامة خارجية يبذلها البائع لأجل تسليم المبيع الفاقد للوصف.
وبذلك يظهر أنّه لا أرش في معاوضة المتماثلين كالحنطة بالحنطة إذا بانت إحداهما رديئة فلا يجوز أخذ الأرش، لأنّ الشارع ألغى دخل وصف الصحّة في
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . لاحظ: المختار في أحكام الخيار، ص 437.
( 71 )
مقام المعاوضة، وقد عرفت أنّ الأرش جزء الثمن المردود فلا يقسّط الثمن على وصف الصحّة المفقود في المتماثلين حتّى يستعاد عند التخلّف.
بل هو كذلك حتّى على القول بأنّ الأرش غرامة، فلا يجوز أخذ الغرامة في معاوضة المتماثلين إذا بان أحدهما معيباً، وذلك لأنّ الشارع بقوله«مثلاً بمثل» ألغى وصف الصحّة فلا خدعة حتّى يغرم الخادع، غاية الأمر يثبت خيار تخلّف الوصف أو ا لشرط إذا كان المشتري جاهلاً واشترط الصحة في العوض أو كان العقد مبنيّاً عليه.
***
التحقيق
1. لماذا وصفنا رواية جعفر بن عيسى في مسألة تبرّئ البائع من العيوب، بالخبر فهل في السند من لم يوثّق، و من هو؟
2. ما هو حكم التصرّف غير الموجب لنقصان القيمة، فهل هو مانع عن الردّ؟ لاحظ: المتاجر ، قسم الخيارات، ص 261.