http://www.imamsadeq.orgكتاب دراساتٌ موجزةٌ في الخيارات والشروط للأستاذ جعفر السبحاني من ص 97 ـ 125 ص


( 97 )

 

الفصل الثاني

خيار الحيوان

خيار الحيوان ممّا انفردت به الإمامية ولم يقل به غيرهم، ويظهر من الشيخ في خلافه(1) أنّ خيار الحيوان هو نفس خيار المجلس، غاية الأمر أنّه ينقضي في غير الحيوان بالافتراق، وفيه بانقضاء ثلاثة أيّام، وفي بعض الروايات إلماع إلى ذلك وسيوافيك تفصيله.

وبما أنّ الموضوع هو الحيوان فيشمل بيع كلّ ذي حياة له قيمة حتّى النحل ودود القز، والعلق.

نعم هو منصرف عمّـا يباع لا بما أنّه حيوان بل بما انّه لحم، كالسمك المخرج من الماء، والجراد المحرز، والصيد المشرف على الموت.

كما أنّـه منصرف عن الحيـوان الكلّي إذا بـاع سلفـاً، فانّه ليس حيواناً إلاّ بالحمل الأوّلي لا بالحمل الشائع، ولـولا النصّ على شمول خيار الحيوان لبيع الرقّ لقلنا بنفس هـذا الانصراف فيـه، لأنّه ليس بحيـوان عرفاً وإن كان كـذلك عقلاً.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخلاف:3، كتاب البيوع، المسألة8.


( 98 )

وكيف كان فيقع الكلام في المواضع الثلاثة:

1. اختصاص خيار الحيوان بالمشتري وعدمه.

2. مبدأ الخيار و منتهاه.

3. مسقطاته.

الموضع الأوّل: في اختصاصه بالمشتري و عدمه

هنا أقوال ثلاثة:

1. اختصاص الخيار بالمشتري; قال العلاّمة في«المختلف»(1): «خيار الحيوان ثلاثة أيّام يثبت في العقد سواء شرطاه أو لا للمشتري خاصّة، ذهب إليه الشيخان وابن الجنيد و سلاّر والصدوق وابن البراج وابن إدريس».

2. عمومية الخيار للبائع والمشتري; وهو خيرة السيد المرتضى(2)، وحكي عن ابن طاووس، وقوّاه الشهيد الثاني في «المسالك».(3)

3. ثبوته لصاحب الحيوان بائعاً كان أو مشترياً، مثمناً كان أو ثمناً; ذكره العلاّمة في «المختلف»(4)بصورة الاحتمال، فتكون الأقوال أو الاحتمالات ثلاثة.

دليل القول باختصاصه بالمشتري

استفاضت الروايات على ثبوت الخيار للمشتري، نذكر منها ما يلي:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المختلف:5/65.
2 . الانتصار:207.
3 . المسالك:3/200.
4 . المختلف:5/65.


( 99 )

1. صحيحة فضيل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: «ثلاثة أيّام للمشتري».

قلت: ما الشرط في غير الحيوان؟قال:« البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما».(1) و دلالة الحديث على اختصاصه بالمشتري واضحة.

و ذلك لأنّه عبّر في خيار الحيوان بلفظ «للمشتري» و في خيار المجلس بقوله: «البيّعان»، مضافاً إلى أنّ القيد (للمشتري) في مقام التحديد يدلّ على المفهوم بمعنى عدم ثبوته لغيره.

2. صحيحة علي بن رئاب: «الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري، اشترط أم لم يشترط».(2)

و دلالة الحديث على الاختصاص، لأجل كون القيد في مقام التحديد دالاًّ على المفهوم.

و هناك روايات أُخرى جاء فيها الجمل التالية، الظاهرة في الاختصاص:

أ: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة.(3)

ب: الخيار لمن اشترى.(4)

ج: في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري.(5)

د: الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري.(6)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5; والباب 1 منه، الحديث 3 وقد جزّأ صاحب الوسائل الحديث على البابين كعادته في الكتاب.
2 . الوسائل: 12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.
3 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث9 و1; والباب4، الحديث 3.
4 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث9 و1; والباب4، الحديث 3.
5 . الوسائل:12، الباب3 من أبواب الخيار، الحديث9 و1; والباب4، الحديث 3.
6 . الوسائل: 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث5.


( 100 )

والإمعان في هذه العبارات يشرف الفقيه باختصاصه للمشتري أخذاً بالمفهوم، لكون القيد (للمشتري) وارداً في مقام التحديد.

وهو أيضاً مقتضى الحكمة، لأنّ الحكمة في الخيار للمشتري منتفية في حقّ البائع، فلا يكون الخيار مطلوباً في حقّه; لانتفاء حكمته.

وبيانه: أنّ عيب الحيوان قد يخفى ولا يظهر كظهوره في غير الحيوان، والمالك أعرف به من المشتري، فضرب الشارع للمشتري مدّة ثلاثة أيّام; لإمكان ظهور عيب فيه خفي عنه، بخلاف البائع المطّلع على عيوبه.

حجّة القول الثاني

احتجّ للقول الثاني ـ أعني: ثبوته للمتبايعين، من غير فرق بين كون الثمن نقداً أو متاعاً غير الحيوان، أو حيواناً ـ بوجهين:

1. انّه أحد المتبايعين فكان له الخيار كالآخر، كخيار المجلس، بناءً على أنّ خيار الحيوان، امتداد لخيار المجلس فيعمّ المتبايعين.

2. ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، و فيما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا».(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الدليلين يرجعان إلى دليل واحد، وهو كون الموضوع في صحيح ابن مسلم هو المتبايعان وهو يعمّ البائع والمشتري، إنّما الكلام في ثبوت رواية ابن مسلم بهذا اللفظ، لأنّها رويت بصورة أُخرى، فجاء فيهـا مكان: «المتبايعان» لفظ «صاحب الحيوان».

فقد روى أيضاً محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: قال رسول اللّه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل: 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.


( 101 )
«البيّعان بالخيار حتّى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام»(1)، و هي نفس الرواية السابقة غير أنّ فيها تقديماً وتأخيراً، فقد قدّم في الثانية خيار المجلس. وأُخّر خيار الحيوان، بخلاف الأُولى، و مع الاختلاف في التعبير عن الموضوع، لا يمكن الاحتجاج بالأعم (المتبايعان) بل يقتصر على القدر المتيقّن و هو صاحب الحيوان، أي المشتري.

فإن قلت: إذا أخذنا باللفظ الثاني، أي صاحب الحيوان، الذي هو أخصّ من المتبايعين ويعدّ قدراً متيقّناً من الروايتين، يجب الأخذ بإطلاقه، وهو ثبوت الخيار لصاحب الحيوان وإن كان بائعاً، كما إذا باع الحنطة بحيوان، بحيث عدّ الحيوان في العرف ثمناً فعندئذ يثبت للبائع دون المشتري، لأنّه أخذ الحنطة، أو ثبوته للمتبايعين كما إذا بادل حيواناً بحيوان، وهذا يكون قولاً ثالثاً أشار إليه العلاّمة في «المختلف».(2) ويؤيّده ما رواه زرارة عن الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، أنّه قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «البيّعان بالخيار حتّى يتفرقا، وصاحب الحيوان ثلاث».(3)

قلت: ما ذكر صحيح، لولا تقييد «صاحب الحيوان» في بعض الروايات بالمشتري، كموثقة الحسن بن علي بن فضّال قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا ـ عليه السَّلام ـ يقول: «صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيّام»(4) وظاهر الرواية تحديد الموضوع بقيدين. فالأمر يدور بين أحد أمرين:

1. الأخذ بالاطلاق(صاحب الحيوان)، وحمل القيد الوارد في رواية ابن فضّال على وروده موضع الغالب.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل: 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . المختلف:5/65.
3 . الوسائل: 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 6.
4 . الوسائل: 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 2.


( 102 )

2. الأخذ بالقيد(المشتري)، وحمل المطلق على المقيّد، و لا ترجيح لأحد الأمرين.

و مع هذين الاحتمالين المتساويين لا يتعيّن الأخذ بإطلاق «صاحب الحيوان» وإن ورد في روايتين.

حصيلة البحث

1. تضافرت الروايات على أنّ الخيار للمشتري وبما أنّها في مقام التحديد، يؤخذ بالقيد.

2. روى محمد بن مسلم: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان » لكن لا يمكن الأخذ بإطلاقه، لأنّها مروية عنه بصورة أُخرى: «صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيّام» وهو أخص من الأُولى، فيؤخذ منه بالقدر المتيقّن، أي صاحب الحيوان المنطبق على المشتري.

3. إنّ صاحب الحيوان وإن كان ينطبق على البائع فيما إذا باع الحنطة بفرس، أو على المتبايعين، لكنّه ورد في موثّقة ابن فضّال مقيّداً بالمشتري، و قد عرفت أنّ الأمر يدور بين حمل القيد على الغالب، أو تقييد المطلق بالقيد ولا مرجّح.

وبذلك يعلم أنّ ما ذهب إليه المشهور هو الأقوى حسب صناعة الفقه.

نعم بالنظر إلى حكمة الخيار يمكن القول بثبوته فيما لو باع حيواناً بحيوان، أو جعل الثمن حيواناً كما عليه الشهيد الثاني في «المسالك».(1)

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المسالك:3/200.


( 103 )

الموضع الثاني: في مبدأ خيار الحيوان

المشهور أنّ مبدأ خيار الحيوان هو زمان العقد، صرّح به جماعة وهو ظاهر الباقين.

نعم ذهب صاحب الغنية إلى أنّ مبدأه هو حين التفرّق، قال:

«و اعلم أنّ ابتداء المدّة للخيار من حين التفرّق بالأبدان، لا من حين حصول العقد، لأنّ الخيار إنّما يثبت بعد ثبوت العقد، و هو لا يثبت إلاّ بعد التفرّق».(1)

و قد تبع في ذلك كلام الشيخ في «المبسوط» حيث قال: «خيار الشرط يثبت من حين التفرّق، لأنّ الخيار يدخل إذا ثبت العقد والعقد لم يثبت قبل التفرّق».(2)

و لو صحّ ما ذكراه لجرى في خيار الحيوان أيضاً، و لكن التحقيق هو أنّ مبدأه هو العقد لما عرفت من أنّ الظاهر من الشيخ في الخلاف أنّ خيار الحيوان هو نفس خيار المجلس، غاية الأمر أنّ خيار المجلس ينقطع بالتفرّق دون خيار الحيوان فيمتد إلى ثلاثة أيّام، فكما أنّ مبدأه هو زمان العقد فهكذا الآخر.

ويمكن استظهار ذلك من الروايات وأنّه ليس هنا إلاّ خيار واحد لجميع المبيعات وإنّما الاختلاف بين الحيوان و غيره في منتهى الخيار، وإليك نقل ما يدلّ على ذلك:

1. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:«المتبايعان بالخيار

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الغنية:2/220.
2 . المبسوط:2/85.


( 104 )
ثلاثة أيّام في الحيوان، و في ما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا»(1)، و ظاهره أنّ الخيار المتحقّق في الحيوان، نفس الخيار المتحقّق في غيره، وإنّما الاختلاف في الغاية.

2. رواية علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سمعته يقول: «الخيار في الحيوان ثلاثة للمشتري، و في غير الحيوان أن يفترقا».(2)

3. صحيحة فضيل، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: ما الشرط في الحيوان، قال: «ثلاثة أيّام للمشتري». قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال:« البيّعان بالخيار ما لم يفترقا».(3)

فإنّ الظاهر من رواية علي بن أسباط وغيرها أنّ هنا خياراً واحداً في المبيع غير أنّه تختلف غايته حسب اختلاف المبيع، كما أنّ الظاهر من صحيحة فضيل أنّ الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام وهو في غيره ما لم يفترقا، فالمجعول خيار واحد، غير انّه رعاية للحكمة جعل غايته في غير الحيوان الافتراق لسرعة تبيّن حاله، وفي الحيوان ـ لحاجته إلى التروّي والإمعان ـ انقضاء ثلاثة أيّام ، هذا هو الظاهر من الروايات.

الموضع الثالث: في مسقطاته

يسقط خيار الحيوان كخيار المجلس بأُمور:

1. اشتراط سقوطه في ضمن العقد كما إذا قال: بعت هذا بهذا مع إسقاط خيار الحيوان، وبما أنّ الخيار من الحقوق القابلة للإسقاط يصحّ الشرط ويجب

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث3.
2 . الوسائل:12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث8، والباب 1 من أبواب الخيار، الحديث5.
3 . الوسائل:12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 5، والباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3.


( 105 )
الوفاء به، وما ربّما يقال من أنّه إسقاط لما لم يجب فقد عرفت جوابه في غير مورد، وانّه يكفي في جواز الإسقاط وجود المقتضي للخيار وهو العقد.

كما يجوز إسقاط خيار الحيوان بعامّته يجوز إسقاط بعضه دون البعض الآخر حسب الأيّام والساعات.

ومعنى الإسقاط هو تقليل مدّة الخيار من أوّل الأمر وتخصيصه باليوم الأوّل أو باليوم الثاني فقط.

2. إسقاطه بعد العقد، كما إذا قال: التزمت بالعقد.

3. سقوطه بكلّ فعل دالّ على التزامه بالعقد وكراهته للفسخ وان لم يستلزم تصرّفاً في المبيع، كما لو اشترى للفرص في أيام الخيار، سرجاً وزماماً، أو اشترى للجارية فيها ما يناسبها من الألبسة والأحذية و أدوات الزينة، أو عرضها للبيع من دون أن يتصرّف فيها ولكن عُدّ العمل عرفاً، إنشاءً فعليّاً للالتزام بالبيع وإسقاطاً للحقّ، إذ لا فرق فيه بين القول والفعل، فالإنشاء الفعلي كالإنشاء القولي وقد ورد في خيار الشرط ما يشهد لذلك.(1)

4. التصرّف وكونه مسقطاً في الجملة ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في خصوصياته، فقد اضطربت كلماتهم كاضطراب النصوص في نظرهم، وقد أنهى السيد الطباطبائي الأقوال في المسألة إلى سبعة(2)، والمهمّ هو القولان التاليان:

أ: مطلق التصرّف ـ وإن لم يكن مغيّراً للعين ـ مسقط.

ب: التصرّف المغيّر للعين مسقط.

و لا يتعيّن أحد القولين إلاّبدراسة الروايات، و هي على صنفين:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 12 من أبواب الخيار، الحديث1.
2 . تعليقة السيد الطباطبائي: 2/21.


( 106 )

الأوّل : ما يدلّ على أنّ مطلق التصرّف وإن لم يكن مغيّراً للعين مسقط للعين، صحيحة علي بن رئاب، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ فقال: «الخيار لمن اشترى» ـ إلى أن قال: قلت له: أرأيت إن قبّلها المشتري أو لامس؟ قال: فقال: «إذا قبّل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط و لزمته».(1)

الثاني: ما يدلّ على أنّ التصرّف المغيِّر للعين هو المسقط، و نقتصر على روايتين:

1. روى الصفّار، قال: كتبت إلى أبي محمد ـ عليه السَّلام ـ في الرجل اشترى من رجل دابّة فأحدث فيها حدثاً من أخذ الحافر، أو أنعلها أو ركب ظهرها فراسخ، أ له أن يردّها في الثلاثة الأيّام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «إذا أحدث

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث3و2.


( 107 )
فيها حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء اللّه».(1)

وجه الدلالة: إنّ السائل طرح تصرّفين في ذيل سؤاله:

أ: الحدث الذي يحدث فيها.

ب: الركوب الذي يركبها فراسخ.

و الأوّل: هوالتصرّف المغيّر كما مثّل الراوي في صدر كلامه من أخذ الحافر وإنعالها.

و الثاني: هو التصرّف غير المغيّر، و قد جعله الراوي موضوعاً مستقلاً بشهادة أنّه عطفه على الحدث الذي يحدث فيها.

و لكنّ الإمام خصّ الإسقاط بالقسم الأوّل دون الثاني وقال: «إذا أحدث فيها حدثاً» ولم يقل: «أو ركب ظهرها» وهذا يدل على أنّ التصرّف المغيّر هو المسقط لا مطلق التصرّف وإلاّ لما ترك ذكر الركوب.

2. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيّام ثمّ ردّها؟ فقال: «إن كان في تلك الثلاثة الأيّام يشرب لبنها ردّ معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شيء».(2)

وجه الاستدلال: أنّه لو كان مطلق التصرّف مسقطاً لسقط الخيار، لأنّ المفروض انّ المشتري حلبها وشرب لبنها، فإذا لم يكن مثل ذلك مسقطاً بشهادة تجويز الردّ فسقي الدابة وتعليفها أو استخدام الأمة لبعض الأُمور لا يكون مسقطاً بطريق أولى.

وبذلك يقيّد ما دلّ على أنّ مطلق التصرّف مسقط بما دلّ على أنّ المسقط هو التصرّف المغيّر.

بقي هنا سؤال، وهو انّ الإمام عدّ لمس الأمة وتقبيلها أو النظر إليها بما يحرم عليه قبل الشراء في رواية علي بن رئاب من المسقطات، ومن المعلوم أنّ هذه الأُمور ليست تصرّفاً مغيّراً؟

والجواب: أنّ ما جاء فيها يختصّ بالأمة دون غيرها و في الأمة أيضاً يختص بباب خيار الحيوان. و على ذلك فلا يتعدّى إلى غير الأمة في خيار الحيوان، و لا فيها إلى غير خيار الحيوان كخيار العيب، فلأجل ذلك جعلوا المسقط في خيار العيب في الأمة الوطء، وتضافرت الروايات في كونه مسقطاً، و لو كان النظر واللمس مسقطاً، يلزم عدم استناد السقوط في مورد إلى الوطء لكونه مسبوقاً بهما دائماً.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل:12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث3و2.
2 . الوسائل: 12، الباب 13 من أبواب الخيار، الحديث1.


( 108 )

عمومية الحكم للجاهل والعالم

ثمّ إنّه إذا كان التصرّف المغيّر مسقطاً، فهل هو مسقط مطلقاً، سواء كان المتصرّف عالماً بالموضوع(أنّ هذا الفرس مثلاً هو المبيع الذي اشتراه أمس) أو جاهلاً به و تصوّر أنّه هو ماله الذي تملَّكه قبل شهور، و سواء أ كان عالماً بالحكم وأنّه ذو خيار أو أنّ خياره يسقط بالتصرّف أم لا؟ أو أنّ المسقط هو التصرّف الصادر من الملتفت إلى الموضوع والحكم، فلا يسقط إذا كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم؟ ظاهر الروايات هو الأوّل، وإنّ التصرّف وإحداث الحدث كاف في سقوط الخيار مطلقاً، و لو خصّصناه بالملتفت، يلزم حمل المطلقات على المواضع القليلة أو النادرة، فإنّ الجهل بالأحكام سائد على الناس خصوصاً الجهل بخصوصيات المسقط.

التحقيق

1. لا شكّ في دخول الليلتين المتوسطتين في الثلاثة الأيّام، فهل دخولهما تبعيٌّ لحفظ الاستمرار، أو دخولهما حقيقي إذا أُريد من الأيّام ـ ولو مجازاً ـ الأيّام و لياليها؟

2. اذكر الاستعمالات المختلفة للفظة «الأيّام» في القرآن.

لاحظ: المتاجر، قسم الخيارات، ص225; والمختار في أحكام الخيار، ص 119.

 


( 109 )

 

الفصل الثالث

خيار التأخير

خيار التأخير ممّا أطبق فقهاء أهل السنّة على عدمه، كما أطبق أصحابنا على ثبوته، وأخبارهم به متضافرة، و مورده عبارة: عمّن ابتاع شيئاً معيّناً بثمن معيّن ولم يَقبضه و لا قبّض ثمنه و فارقه البائع، فالمبتاع أحقّ به ما بينه و بين ثلاثة أيّام، فإن مضت ولم يُحضر الثمن، كان البائع بالخيار بين فسخ البيع و بين مطالبته بالثمن.(1)

و عرّفه المحقّق بقوله: من باع ولم يَقبض الثمن، و لا سلّم المبيع، ولا اشترط تأخير الثمن، فالبيع لازم ثلاثة أيّام; فإن جاء المشتري بالثمن، وإلاّ كان البائع أولى بالمبيع.(2)

و وفقاً لما ذكر فهو مشروط بثلاثة شروط:

الأوّل: عدم قبض الثمن.

الثاني: عدم تسليم المبيع.

الثالث: عدم اشتراط التأجيل في الثمن والمثمن.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الخلاف:3/20، المسألة 24.
2 . الشرائع:2/23.


( 110 )

و سيوافيك أنّ هنا شرطاً رابعاً وهو كون المبيع شخصيّاً لا كليّاً.

ويدلّ عليه أُمور: أوضحها الروايات المتضافرة المغنية عن دراسة رجالها، وهي بين صحيحة و غير صحيحة.

1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاعَ، ثمّ يدعه عنده، فيقول: حتى آتيك بثمنه؟ قال: «إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيّام، وإلاّ فلا بيع له».(1)

2. خبر عبد الرحمن بن الحجاج قال: اشتريت محملاً فأعطيت بعض ثمنه و تركته عند صاحبه، ثمّ احْتُبِسْتُ أيّاماً، ثمّ جئت إلى بائع المحمل لأخذه، فقال: قد بعته، فضحكت ثمّ قلت: لا واللّه لا أدعك أو أقاضيك، فقال لي: ترضى بأبي بكر بن عياش؟ قلت: نعم، فأتيته فقصصنا عليه قصّتنا، فقال أبو بكر: بقول من تريد أن أقضي بينكما، بقول صاحبك أو غيره؟ قال: قلت: بقول صاحبي، قال: سمعته يقول: «من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له».(2)

3. صحيحة علي بن يقطين: أنّه سأل أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن الرجل يبيع البيع و لا يُقبضه صاحبَه و لا يَقبض الثمن؟ قال: «فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما».(3)

4. خبر إسحاق بن عمّار، عن العبد الصالح ـ عليه السَّلام ـ قال: «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّام ولم يجئ فلا بيع له».(4)

ثمّ إنّ الأصحاب بعد ما اتفقوا على عدم اللزوم اختلفوا في صحّة المعاملة وبطلانها على قولين:

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل: 12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2، 3و4.
2 . الوسائل: 12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2، 3و4.
3 . الوسائل: 12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2، 3و4.
4 . الوسائل: 12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1، 2، 3و4.


( 111 )

أ. ذهب الشيخ في «المبسوط»(1) والقاضي في «المهذّب»(2) إلى القول ببطلان البيع بعد الثلاثة، وحكاه العلاّمة عن ابن الجنيد في «المختلف»(3); وقد قال به من المتأخرين المحدّث البحراني في «الحدائق»(4) و مال إليه السيد الطباطبائي في تعليقته (5)على المتاجر.

والذي نصّ به المفيد في «المقنعة»(6) و الشيخ في «النهاية»(7) أنّ العقد صحيح، ويكون للبائع الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء طالب بالثمن.

و مدرك القولين هو الروايات السابقة، أعني قوله: «فلا بيع له» فهل هو محمول على نفي الصحة أو على نفي اللزوم.

ويرجَّح القولُ الأوّل بأنّه إذا تعذّرت الحقيقة ـ لوجود البيع ـ فأقرب المجازات ـ وهو نفي الصحّة ـ أولى.

ويرجّح القول الثاني بأنّ الهيئة (لا بيع له) وإن كانت ظاهرة في نفي الحقيقة عند الإمكان ثمّ نفي الصحّة عند عدم إمكان نفي الحقيقة، إلاّ أنّ هناك قرائن تدلّ على أنّ المراد نفي اللزوم، وإليك بعض هذه القرائن:

1. انّ الروايات الماضية تشتمل على قضية شرطية:

ففي صحيحة زرارة: «إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيّام».

و في رواية عبد الرحمان بن الحجاج:«من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه و بين ثلاثة أيّام».

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المبسوط:2/87.
2 . المهذّب:1/361.
3 . المختلف:5/70.
4 . الحدائق الناضرة:19/48.
5 . تعليقة السيد الطباطبائي:2/52.
6 . المقنعة:591.
7 . النهاية:385، باب الشروط في العقود.


( 112 )

و في صحيحة علي بن يقطين:«فإن قبض بيعه».

هذه قضايا شرطية حذف جزاؤها، وأقيم مكانه قوله:«وإلاّ فلا بيع له»، وله في الكتاب والسنّة نظائر كثيرة حيث يحذف الجزاء ويقوم مقامه شيء آخر، نظير قوله سبحانه: (إِنْ يَسْرِق فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْل) (1) والجزاء محذوف وهو «فلا عجب» أي فإن سرق فلا عجب ولا غرو، فقد سرق أخوه أيضاً من قبل.

و عندئذ يجب علينا تعيين الجزاء المحذوف فهل هو قوله:«لا يجب الوفاء» أو قوله: «يبطل البيع»؟

مقتضى التقابل بين الجزاءين هو الأوّل، لأنّ الجزاء المقدّر في الشرطية الأُولى، أعني: قوله: «إن جاء فيما بينه و بين ثلاثة أيّام» هو قوله:«يجب الوفاء»، فيناسب أن يكون الجزاء في الشرطية الثانية أي قوله: «وإلاّ» هو نفس ذلك الجزاء بصورة السالبة، أي لا يجب الوفاء لا انّه «يبطل العقد»، لعدم التقابل بين وجوب الوفاء وبطلان العقد.

و بعبارة أُخرى: أنّ الهدف من السؤال، هو تعيين تكليف البائع حيث إنّه كان في السابق ملزماً ـ بالوفاء ـ بالعقد وإقباض، المبيع فأراد أن يقف على أنّه هل هو ملزم به مثل السابق أو لا؟ فوافاه الجواب بأنّه لا بيع، فيكون المراد، هو نفي اللزوم، فأشبه بالبناء المتزلزل الذي يصحّ أن يوصف بأنّه لا بناء، كما يصحّ أن يوصف المنهدم أيضاً بأنّه لا بناء.

2. إنّ الحكم في المقام امتناني، ومقتضاه صحّته بلا لزوم لا بطلانه، إذ ربّما يتعلّق الغرض ببقاء العقد واستمراره بحيث يكون في بطلانه ضرر عليه.

3. ما ورد في «دعائم الإسلام»: انّه من اشترى صفقة و ذهب ليجيء

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . يوسف:77.


( 113 )
بالثمن فمضت ثلاثة أيّام ولم يأت به، فلا بيع إذا جـاء يطلب إلاّ أن يشـاء البائع.(1)

4. يؤيّده أيضاً ما في رواية علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السَّلام ـ عن رجل اشترى جارية وقال: أجيئك بالثمن؟ فقال:«إن جاء فيما بينه وبين شهر وإلاّ فلا بيع له»(2) حيث تدلّ على صحّة المعاملة وبقائها إلى مضي شهر،بناء على أنّ الرواية غير مختصّة بموردها و أنّ الإجابة مستحبّة إلى شهر ـ و ذلك جمعاً بين الروايات ـ والقول ببقائها إلى شهر لا يجتمع مع البطلان بعد ثلاثة أيّام.

و لو شكّ في المفاد، فالمحكَّم عند الشيخ هو استصحاب الآثار المترتّبة على البيع.

شروط الخيار

يعتبر في شروط الخيار الأُمور الأربعة التالية :

1. عدم قبض المبيع.

2. عدم قبض مجموع الثمن.

3. عدم اشتراط تأخير تسليم أحد العوضين.

4. أن يكون المبيع عيناً أو شبهها كصاع من صبرة.

وإليك دراسة هذه الشروط:

الأوّل: عدم قبض المبيع

يعتبر في ثبوت خيار التأخير عدم قبض المبيع، وادّعي في «الحدائق»

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . المستدرك:13، الباب8 من أبواب الخيار، الحديث1.
2 . الوسائل:12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث6.


( 114 )
و«الجواهر»(1) اتّفاق الأصحاب عليه. ويدلّ عليه ما في صحيحة علي بن يقطين(2):«فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما» والمراد من «البيع» هو المبيع بقرينة صدر الرواية:«عن الرجل يبيع البيع ولا يُقبضه صاحبه ولا يَقبض الثمن».

ثمّ إنّ الفعل في قوله: «فإن قبض بيعه» إمّا بالتخفيف أو بالتشديد، فعلى الأوّل يتعدّى إلى مفعول واحد، ويكون المراد: فإن قبض صاحبُ البائع (المشتري) المبيع، وعلى الثاني يتعدّى إلى مفعولين ويكون المراد: فإن قبّض البائعُ صاحبَه المبيعَ، وعلى كلا التقديرين يدلّ على المقصود.

وأمّا خبر إسحاق بن عمّـار: «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّام و لم يجئ فلا بيع له» فهو أيضاً دالّ على شرطية عدم قبض المبيع، لأنّ المقصود قوله: «لم يجئ» هو أنّه «لم يجئ ليقبض المبيع» بقرينة قوله:«من اشترى بيعاً» فيدلّ على شرطية عدم القبض كالرواية السابقة.

الثاني: عدم قبض الثمن

اتّفقت كلمتهم على هذا الشرط، وهو ظاهر الأخبار وقد تكرّرت هذه الجملة:«إن جاء بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّفلا بيع له» الظاهر في عدم دفع الثمن. حتّى أنّ بعضهم جعل الموضوع عدم المجيء بالثمن، سواء أ قبض المثمن أم لا، فهو شرط متّفق عليه، وقبض بعض الثمن، كـ«لا قبض»، لعدم كونه ثمناً.

و لو قبضه بلا إذن فهو كـ «لا قبض»، لأنّ تعيين ما في الذمّة في فرد، من صلاحيات المشتري لا البائع، اللّهمّ إلاّ إذا كان ممتنعاً، فيتعيّن بتعيين الفقيه.

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الحدائق:19/45; الجواهر:23/53.
2 . الوسائل: 12، الباب9 من أبواب الخيار، الحديث3.


( 115 )

وبالجملة إنّ ولاية المشتري في تعيين الثمن الكلّي في فرد بعدُ باقية، فلا يتعيّن بدون إذنه.

الثالث: تأخير الثمن ثلاثة أيّام

المتبادر من الروايات أنّ التحديد بثلاثة، تحديد شرعي وإمهال مولوي من جانب الشارع للمشتري، ومن المعلوم أنّ الإمهال إنّما هو في مورد لم يكن هناك مجوّز للتأخير كاشتراطه في متن العقد.

الرابع: أن يكون المبيع عيناً أو شبهها كصاع من صبرة

ويمكن استظهاره مضافاً إلى وروده في عبارة «الخلاف» و«المهذّب» وغيرهما من كتب الأصحاب، أنّه ورد في النصوص الجمل التالية: 1. «يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده» ; 2. «اشتريت محملاً»و 3. «عن الرجل يشتري المتاع أو الثوب» وكلّها ظاهرة في الشخصي، ولا يعمّ الكلّي.

نعم هنا طائفة ثانية يستظهر منها العموم، أعني :

1. ما رواه ابن عيّاش عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «من اشترى شيئاً».

2. ما رواه علي بن يقطين عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ : «يبيع البيع».

3. ما رواه إسحاق بن عمّـار عن العبد الصالح:«من اشترى بيعاً».

ويمكن أن يقال إنّه لا يستفاد من الطائفة الأُولى الاختصاص بالشخص، كما لا يستفاد من الثانية العموم لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة.

غير أنّ هذا الخيار لما كان على خلاف القاعدة، فإنّ الجواز بعد اللزوم ثبت تعبّداً فيقتصر على المتيقّن من الموارد، وهو المبيع الشخصي، مضافاً إلى المناسبة


( 116 )
المغروسة في الأذهان من أنّ هذا الخيار لأجل ذبّ الضرر عن جانب البائع، وهو موجود في الشخصي دون الكلّي، لا أقول إنّ الحكم دائر مدار الضرر، ولكن يمكن أن يكون قرينة على الانصراف.

مسقطات خيار التأخير

يسقط هذا الخيار بأُمور:

1. إسقاطه بعد الثلاثة قولاً وفعلاً.

2. إسقاطه في الثلاثة قولاً وفعلاً، وليس الإسقاط في هذا القسم من قبيل إسقاط ما لم يجب، لما عرفت من كفاية وجود المقتضي وهو العقد فيصح إسقاطه كسائر الخيارات كالمجلس والحيوان.

3. اشتراط سقوطه في متن العقد، و وجه الصحّة ما ذكرناه.

و أمّا سقوطه ببذل المشتري الثمن بعد الثلاثة، فالأقوى عدم سقوطه لظهور الروايات في أنّ التأخير تمام الثلاثة علّة تامّة للخيار، والبذل بعده لا تأثير له في إزالة الخيار; ولو شكّ في بقاء الخيار وعدمه، فإطلاق الروايات الدال على بقاء الخيار مطلقاً، سواء أ بذل بعد الثلاثة أم لا، كاف في رفع الشكّ من دون حاجة إلى استصحاب بقاء الخيار.

و لو أخذ البائع الثمن بعد الثلاثة من المشتري، فلو نوى عند الأخذ الالتزامَ بالبيع فالخيار يسقط، وإلاّفلا، هذا حسب الثبوت; وأمّا الإثبات، فالظاهر انّه يحكم عليه بالإسقاط إذا كان عالماً بالموضوع والحكم، فلا يقبل منه تفسير الأخذ بغير هذا الوجه.


( 117 )

و مثله مطالبة الثمن بعد الثلاثة فالظاهر أنّه لا يدلّ على الإسقاط، إذ من المحتمل أن يكون لأجل استكشاف حال المشتري وانّه هل هو مستعد لدفع الثمن فيمضى العقد، أو لا، فيفسخ، فلو ادّعى ذلك يقبل منه.

ثمّ إنّ خيار التأخير غير فوري لإطلاق الروايات.

لو اشترى ما يفسد من يومه

لو اشترى ما يفسد من يومه ولم يجئ بالثمن. ففي مرسلة محمّد بن أبي حمزة: في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه ويتركه حتّى يأتيه بالثمن؟ قال: «إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن وإلاّفلا بيع له».(1)

وفي خبر(2) زرارة، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل».(3)

إنّما الكلام في تبيين ما هو المقصود من «ما يفسد من يومه» فهنا احتمالان:

1. المراد منه ما يفسد قرب دخول الليل، فيكون الخيار في أوّل أزمنة الفساد.

يلاحظ عليه : بأنّ الخيار لا يجدي في هذا الحال.

2. أنّ المراد منه هو اليوم مع ليله، ، فالمفسد هو مبيته، فيكون للبائع مجال لبيعه من غيره قبل المبيت.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 . الوسائل: الجزء12، الباب11 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . في سنده حسن بن رباط، ولم يوثّق، لكن الروايتين عمل بهما المشهور.
3 . الوسائل: الجزء12، الباب11 من أبواب الخيار، الحديث2.


( 118 )

 


( 119 )

 

 

المقصد الثالث

 

 

أقسام الشرط

 

 

 

إنّ للشرط أقساماً :

1. شرط الفعل

2. شرط الوصف

3. شرط النتيجة

 


( 120 )

 


( 121 )

 

 

الشرط وأقسامه

ينقسم الشرط في باب المعاملات إلى أقسام:

1. شرط الفعل

ما يتعلّق بفعل من أفعال المكلّفين، كما إذا باع وشرط على المشتري أن يخيط له قميصاً أو يعلّمه القرآن; ويمكن تصوير ذلك في البيع الكلّي أيضاً، كما إذا اشترى حنطة سلماً، واشترط على البائع أن يدفع من صنف خاص، فهو أيضاً من قبيل شرط الفعل.

2. شرط الوصف

ما يتعلّق بوصف من صفات المبيع الشخصي، ككون الدابّة حاملاً، والسجادة مصبوغة بصبغ خاص، وكون الفرس أصيلاً، إلى غير ذلك من الأوصاف المطلوبة في المبيع.

3. شرط النتيجة

ما يتعلّق الغرض بما هو من قبيل الغاية للفعل، كما إذا باع داره بثمن وشرط


( 122 )
أن تكون ثمرة الشجرة ملكاً له، أو أُخته زوجة له، أو كونه وصيّاً له، أو عبده معتقاً; فالشرط في هذا القسم عبارة عن الغاية الحاصلة من الفعل، فانّ الغاية الحاصلة من قوله: ملّكت أو زوّجت أو وصّيتك أو اعتقتُ عبدي هو كون الثمرة ملكاً، والأُخت زوجة، والمشتري وصيّاً، والعبد معتقاً، فهو يشترط حصول تلك الغايات بلا حاجة إلى عقد آخر، وهذا ما يطلق عليه شرط النتيجة.

ثمّ إنّ شرط النتيجة على أقسام:

1. ما دلّ الدليل الشرعي على عدم تحقّق تلك الغاية إلاّ بأسبابها الشرعية كالزوجية، والعتق، ولا يكفي اشتراطها في نفس العقد.

2. ما دلّ الدليل على عدم توقّفه على سبب خاص، بل يكفي شرطه في العقد كالوكالة والوصاية، ككون الثمرة على الشجرة ملكاً للبائع.

3.ما جهل نوعه، كاشتراط أن يكون مال خاص غير تابع لأحد العوضين ملكاً لأحدهما، أو صدقة للفقراء.

أمّا القسم الأوّل: أي ما يحتاج في تحقّقها إلى سبب خاص، فيكون الشرط المذكور في العقد شرطاً فاسداً، كاشتراط زوجية الأُخت وانعتاق العبد، ويجري فيه ما سنذكره في الشرط الفاسد من انّه فاسد ومفسد أو فاسد وليس بمفسد؟

وأمّا القسم الثاني: أي مالا يحتاج في تحقّقه إلى سبب خاص، كالوكالة، والوصاية، وكون ثمرة الشجرة ملكاً للبائع، فهو شرط صحيح يجب ترتيب الأثر عليه.

وأمّا القسم الثالث أعني: ما إذا تردّد بين القسمين ثبوتاً ولم يعلم أنّه هل


( 123 )
يتوقّف على سبب خاص أو يكفي في تحقّقه اشتراطه في العقد، فهل يجب الوفاء به أو لا؟ قولان:

الأوّل: عدم وجوب الوفاء به، لأنّ قوله سبحانه:(أَوفوا بِالعُقُود) أو قوله ـ عليه السَّلام ـ : «المؤمنون عند شروطهم» مخصّص خرج عن تحته الشرط الذي تحقّقه رهن سبب خاص والمفروض أنّ ما بأيدينا من الشرط مردّد بين ما هو باق تحت العام أو خارج عنه و داخل تحت المخصّص، ومن المعلوم عدم جواز التمسّك بالعام عند الشكّ في الشبهة المصداقية.

الثاني: وجوب الوفاء به، لأنّ المشهور عند الأُصوليّين وإن كان عدم صحّة التمسّك بالعام، لكن الشبهة المصداقية على قسمين:

قسم يتوقّف التعرّف عليه على بيان الشارع.

وقسم يتمكّن المكلّف من تحصيل معرفته من الطرق المألوفة.

فما لا يجوز التمسّك فيه بالعام إنّما هو في القسم الثاني دون القسم الأوّل، لأنّ المفروض أنّ التعرّف رهن بيان الشارع، فإذا لم يكن هناك بيان خاص، فذلك يكشف عن بقائه تحت العام .

توضيح القسمين: إذا قال المولى: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم فسّاق العلماء، و دار أمر زيد العالم بين بقائه تحت العام إذا كان عادلاً أو خروجه عنه إذا كان فاسقاً، ففي هذا المورد لا يمكن التمسّك بعموم العام، لأنّ المفروض أنّ التعرّف على حال المورد، أمر ممكن للمكلّف من دون حاجة إلى بيان الشارع.

و أمّا إذا باع البائع داره بثمن وشرط في ضمن العقد أن تكون الشاة


( 124 )
الموجودة في داره له، وشككنا في أنّ وجوب الوفاء بهذا النوع من الشروط (ما لا يعدّ تابعاً للمبيع) هل هو رهن سبب خاص أو لا؟ فبيانه على عاتق الشارع، فيكفي في جواز التمسّك بالعام، الفحص والتتبع في الكتاب والسنّة وعدم العثور على كونه رهن سبب خاص، إذ لو كان لظهر وبان.

ما هي الضابطة لتمييز القسمين؟

قد عرفت أنّ الشرط على قسمين:

ما يحتاج إلى سبب خاص كالزوجية.

وما لا يحتاج إلى سبب خاص بل يكفي الاشتراط، كالوصية والوكالة.

فيقع الكلام في تمييز القسم الأوّل عن الثاني و ما هي الضابطة في ذلك؟

أقول: إنّ هناك ضابطتين نشير إليهما:

الأُولى: ما أفاده السيد الإمام الخميني قدَّس سرَّه وقال:

كلّ عنوان يصحّ جعله مستقلاً وابتداءً، يصحّ جعله بالشرط أيضاً ذلك كالوكالة والوصاية والأمانة والوديعة والرهن والقرض فكلّها يصحّ جعلها مستقلاً، بأن يقول: أنت وليّي ووصيي، وهذه أمانة أو وديعة، فمثله يصحّ جعله بالشرط أيضاً بأن يشترط هذه العناوين في ضمن عقد.

و أمّا ما لا يمكن جعله مستقلاً كالمبيعية والثمنية للمبيع والثمن فهذا لا يصحّ شرطه، بل يجب أن يتطرّق إلى حصولها من طريق ثالث.

الثانية: الظاهر أنّ كلّ أمر اعتباري، يهتمّ به العرف والشرع من حيث اللفظ


( 125 )
والصيغة، ولا يقوم به إلاّ بتشريفات خاصّة، فهذا ممّا لا يحصل بنفس الاشتراط كالنكاح والطلاق، و لعلّ منه الوقف والنذر، وأمّا مالا يهتمّ به، مثل ما سبق، فيكفي فيه نفس الاشتراط.

التحقيق

بيّن لنا معنى «الشبهة المصداقية» فهل الشبهة والشكّ في صدق عنوان العام على المورد، أو انّ صدق عنوان العام محرز، وإنّما الشكّ في صدق عنوان الخاص عليه؟

لماذا لا يجوز التمسّك في الشبهة المصداقية بالعام، وما هو دليل المانعين ـ المذكور في علم الأُصول، باب العام والخاص ـ؟