http://www.imamsadeq.orgكتاب الوضوء على ضوء الكتاب والسنّة للأستاذ جعفر السبحاني ص 58 _ ص 86

( 58 )

7. اجتهاد ابن تيمية:

لمّا وقف ابن تيمية (المتوفّـى 728 هـ) على أنّ الخفض بالجر يستلزم العطف على الروَوس فيلزم حينئذٍ مسح الرجلين لا غسلهما، التجأ إلى تأويل النص، وقال:

«ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس لاَوجه: أحدها: انّ الذين قرأوا ذلك من السلف، قالوا: عاد الاَمر إلى الغسل» (1)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأنّ السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم وأخذوا بما لا يوافق القرآن ولو كان رجوعهم لاَجل نسخ الكتاب فقد عرفت أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. ولو سلّمنا جواز النسخ فسورة المائدة لم يُنْسَخْ منها شيءٌ.

ومن العجب انّ ابن تيميّة ناقض نفسه فقد ذكر في الوجه السابع ما هذا نصه: «إنّ التيمم جُعل بدلاً عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء وخف الشطر الثاني وذلك فإِنّه حذف ما كان ممسوحاً ومسح ما كان مغسولاً» (2)

فلو كان التيمّم على أساس حذف ما كان ممسوحاً فقد حذف حكم الاَرجل في التيمّم فلازم ذلك أن يكون حكمه هو المسح حتى يصح حذفه فلو كان حكمه هو الغسل لم يحذف.

8. اجتهاد أبي حيان:

وقال أبو حيان (المتوفّـى 754 هـ) في تفسيره (البحر المحيط) ما هذا


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . ابن تيمية: التفسير الكبير: 4|48.
2. المصدر نفسه: 4|50.


( 59 )
ملخّصه: (وأرجلِكُم) قرأ ابن كثير وأبو عمر وحمزة وأبو بكر بالجرّ ، وهي قراءة أنس وعكرمة والشعبي وأبي جعفر الباقر ، وهو مذهب الاِمامية من الشيعة.

(ومقتضى تلك القراءة هو مسح الاَرجل) لكن من أوجب الغسل تأوّل أنّ الجرّ هو خفض على الجوار ، وهو تأويل ضعيف جداً، ولم يرد إلاّ في النعت حيث لا يلبس .

أو تأوّل على أنّ الاَرجل مجرورة بفعل محذوف يتعدّى بالباء أي «وافعلوا بأرجلكم الغسل» وحذف الفعل وحرف الجر. وهذا تأويل في غاية الضعف.

أو تأوّل على أنّ الاَرجل من بين الاَعضاء الثلاثة المغسولة مظنّة الاِسراف المذموم المنهي عنه فعطف على الرابع الممسوح، لا لتمسح ولكن لينبَّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها (1)

وقرأ نافع والكسائي وابن عامر وحفص (وأرجلكم) بالنصب، واختلفوا في تخريج هذه القراءة، فقيل هو معطوف على قوله وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وفيه الفصل بين المتعاطفين بجملة.

قال الاستاذ أبو الحسن بن عصفور في الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: و أقبح ما يكون بالجمل، فدل قوله هذا على أنّه ينزّه كتاب اللّه عن هذا التخريج، وهذا تخريج من يرى أنّ فرض الرجلين هو الغسل وأمّا من يرى المسح فيجعله معطوفاً على موضع بروَوسكم ويجعل قراءة النصب كقراءة الجر دالة على المسح.

وقيل: إنّه مفعول لفعل محذوف قدّر في الآية، أي واغسلوا أرجلكم، نظير


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . لا يخفى على القارىَ الكريم أنّ ما ذكره من الوجه تفلسف لتصحيح مذهبه لا يلتفت إليه جلّ من خوطب بالقرآن الكريم. وقد أخذه من الزمخشري.


( 60 )
قول الشاعر:

علفتها تبناً وماءً بارداً. (1)

يلاحظ عليه: أنّه أوَّل الجرّ بالعطف على اللفظ دون المشاركة في الحكم وهو تفلسف لا طائل تحته، وأمّا تأويل النصب بتقدير الفعل فيرد عليه بوجود الفارق بين الآية والمثال إذ القرينة العقلية دالة على حذف الفعل لاَنّ التبن يعلف به دون الماء وإنّما يسقى به، فكأنّه قال علفتها تبناً وسقيتها ماءً بارداً.

وأمّا الاَرجل فهي قابلة للمسح والغسل، فلا وجه لتقدير الفعل مع إمكان عطفه على الروَوس.

قال السيد المرتضى: إنّ جعل التأثير في الكلام القريب أولى من جعله للبعيد، فنصب الاَرجل عطفاً على الموضع أولى من عطفها على الاَيدي والوجوه، على أنّ الجملة الاَُولى المأمور فيها بالغسل قد نقضت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية، ولا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الاَُولى أن يعطف على ما فيها، فإنّ ذلك يجري مجرى قولهم: ضربت زيداً وعمراً وأكرمت خالداً وبكراً، فإنّ رد بكر إلى خالد في الاِكرام هو الوجه في الكلام الذي لا يسوغ سواه ولا يجوز رده إلى الضرب الذي قد انقطع حكمه. (2)

9. اجتهاد البروسوي:

وقال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي (المتوفّـى 1137 هـ): وأرجلكم إلى الكعبين بالنصب عطفاً على وجوهكم، ويوَيده السنّة الشائعة وعمل الصحابة


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . تفسير البحر المحيط: 3|437 ـ 438.
2. الانتصار : 23 .


( 61 )
وقول أكثر الاَئمّة والتحديد. إذ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات. (1)

أقول: وقد أيّد الغسل في كلامه هذا بالوجوه التالية:

أ . قراءة النصب. وقد عرفت أنّ قراءة النصب مشترك بين الغسل والمسح فكما يجوز عطفها على الوجوه (مع الاِغماض عمّـا فيه من تخلّل الجملة الاَجنبية بين المعطوف والمعطوف عليه) يجوز عطفها على محل (برءُوسكم).

ب. السنّة الشائعة. وستعرف اختلاف السنّة في مسألة المسح والغسل وترجيح ما يدل على المسح.

ج. عمل الصحابة. وسيوافيك أنّ عمل الصحابة لم يكن على وتيرة واحدة.

د. أنّ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات. وقد عرفت ما فيه، في كلام ابن الجوزي.

10. اجتهاد العجيلي الشافعي:

قال الشيخ سليمان بن عمـر العجيلـي الشافعي (المتوفّـى 1206 هـ) في الفتوحات الاِلهية:

أمّا قراءة الجر ففيها تخاريج.

أ. الخفض على الجوار ثم ردَّ أنّ التخريج عليه ضعيف، لاَنّ الخفض على الجوار إنّما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلاً في ضرورة الشعر.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . روح البيان: 2|351.


( 62 )

ب. معطوف على روَوسكم لفظاً ومعنى ثم نسخ ذلك بوجوب الغسل وهو حكم باق.

ج. جرت للتنبيه على عدم الاِسراف في استعمال الماء فيها، لاَنّها مظنّة لصب الماء كثيراً فعطفت على الممسوح والمراد غسلها.

د. مجرور بفعل محذوف أي «وافعلوا بأرجلكم» غسلاً . (1)

أقول: لقد تكفّل القائل برد الوجه الاَوّل، وأمّا الثاني فيرده أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ولم يكن بعد نزولها أي نسخ.

وأمّا الثالث، فقد عرفت أنّه تفلسف من الزمخشري، ولا يخطر ببال المخاطبين بالقرآن.

وأمّا الرابع، فتقدير الفعل تخريج باطل لا يدل عليه أي قرينة من الآية.

كل هذه التخاريج دليل على أنّ الجر لا يمكن تفسيره إلاّ بالمسح.

وهناك تخريج آخر فاته ذكره وهو لما كانت الآية صريحة ـ حسب الذوق العربي ـ في المسح حاول ابن العربي في «القبس» تأويله بأنّه سبحانه أراد المسح على الخفين، وهذا هو الذي صحّحه ابن حزم في أحكامه(2)

ولما كان التأويل من الوهن بمكان علّق عليه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في كتابه «الجواهر الحسان» ما هذا نصه:

وما رجّحه ابن العربي هنا مرجوح بل تكلف وتحميل للنص ما لا يحتمل، إذ لو كان الخف مقصوداً بالمسح، لما كان لذكر الكعبين حدّاً للمسح معنى، إذ ليس


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الفتوحات الاِلهية: 1|199.
2. الاَحكام: 2|572.


( 63 )
للخف كعبان ! فتعيّـن أنّ المسح مسح الرجل لا مسح الخف ـ وما ذهب إليه الاِمام ابن جرير الطبري من التخيير بين الغسل أو المسح ، يحدّ من شطط المذهبيين الذين يتركون قطعي الثبوت والدلالة إلى روايات أقصى ما تفيده الظن. (1)

11. اجتهاد الآلوسي:

وقد أوجب تطبيق الآية على المذهب وقوع الكثير من المفسرين في مأزق عجيب وهو جعل القراءتين المتواترين المتعارضتين كأنّهما آيتان متعارضتان.

يقول الآلوسي (المتوفّـى 1270 هـ): إنّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين بل بإطباق أهل الاِسلام كلّهم، ومن القواعد الاَُصولية عند الطائفتين أنّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلابدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أوّلاً، مهما أمكن لاَنّ الاَصل في الدلائل، الاِعمال دون الاِهمال كما تقرر عند أهل الاَُصول، ثم نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثم إذا لم يتيسير لنا الترجيح بينهما نتركهما ونتوجه إلى الدلائل الاَُخر من السنّة. (2)

يلاحظ عليه: أنّ من الغرائب أن نجعل القراءتين متعارضتين ثم نسعى في رفع التعارض بأحد الطرق التالية:

أ. السعي والاجتهاد في التوفيق بينهما بحجة أنّ الاَصل في الدلائل الاِعمال.

ب. إذا لم يمكن التطبيق نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما.

ج. إذا لم يتيسر الترجيح بينهما نترك القراءتين ونتوجه إلى الدلائل الاَُخر من


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الجواهر الحسان: 1|417.
2. روح المعاني: 6|74.


( 64 )
السنّة.

فإنّ هذه المضاعفات رهن فرض المذهب على القرآن وتطبيقه عليه، وإلاّ فالقراءتان ليس فيهما أيُّ تعارض وتهافت وكلتاهما تهدفان إلى أمر واحد وهو مسح الرجلين، لاَنّ الرجلين على كلا القراءتين عطف على موضع واحد وهو روَوسكم إمّا عطفاً على المحل أو عطفاً على الظاهر.

وبذلك يعلم أنّ ما ذكره الآلوسي في الجمع بين المذهبين، شيء لا يعتمد عليه، حيث قال: لو فرض أنّ حكم اللّه تعالى المسح على ما يزعمه الاِمامية من الآية، فالغسل يكفي عنه، وان كان هو الغسل لا يكفي المسح عنه، فبالغسل يلزم الخروج عن العهدة بيقين دون المسح، وذلك لاَنّ الغسل محصِّل لمقصود المسح من دون وصول البلل وزيادة . (1)

يلاحظ عليه: أنّ المسح والغسل أمران متضادان، وقد سمعت عن غير واحد من العلماء التفريق بينهما، فإنّ المسح عبارة عن إمساس المحل الماء بحيث لا يسيل، أو هو عبارة عن البلل الذي يبقى من الماء، والغَسْل إمرار اليد بالماء، فلو كان المأمور به هو ما جاء في هذين التعريفين وهو الاِمساس بلا سيلان أو إمرار اليد بلا جريان فكيف يكفي عنه الغسل؟!

وإن شئت قلت: إنّ الغسل مشروط بشرط شيء (السيلان) والمسح مشروط بشرط لا (أي عدم السيلان) فلا يغني أحدهما عن الآخر ، ولو كان مغنياً لاقتصر سبحانه بلفظ الغسل في الجميع.

ولعمر القارىَ انّ هذه التشبّثات أشبه بتمسك الغريق بالطحلب، فالمفسّـر الواعي من يتجرّد عن كل رأي مسبق وينظر إلى القرآن نظرة موضوعية كي يأخذ


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . روح المعاني: 6|78.


( 65 )
مذهبه من القرآن لا أن يفرض مذهبه على القرآن.

وأعجب من كل ذلك أنّ الآلوسي التزم بأنّه لا مانع من القول بإجمال الآية، فإنّها لم تنزل لبيان الوضوء وإنّما نزلت لبيان أحكام التيمم، حيث يقول: ولم تنزل الآية لتعليمهم بل سوقها لاِبدال التيمم من الوضوء والغسل، وذكر الوضوء قبل التيمم للتمهيد (1) انظر كيف أخرج الآية عن هدفها السامي من تعليم وظيفة المصلّـي وضوءاً وتيمّماً.

12. اجتهاد القاسمي:

قال جمال الدين القاسمي (1283 ـ 1332 هـ): لا يخفى أنّ ظاهر الآية صريح في أنّ الواجب المسح، كما قاله ابن عباس وغيره، وإيثار غسلهما في المأثور عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إنّما هو للتزيد في الفرض والتوسع فيه حسب عادته - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فانّه سنّ في كل فرض سنناً تدعمه وتقويه في الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكذا في الطهارات كما لا يخفى.

وممّا يدل على أنّ واجبها المسح تشريع المسح على الخفين والجوربين ولا سند له إلاّ هذه الآية، فإنّ كل سنّة أصلها في كتاب اللّه منطوقاً أو مفهوماً فاعرف ذلك واحتفظ به واللّه الهادي. (2)

أقول: إنّ القائل يعترف بأنّ صريح الآية هو المسح، أفيصح لنا العدول عن حكم متواتر قطعي بالروايات المتعارضة؟! فانّه روي عنه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - المسح كما روي عنه الغسل، فهل هنا ملجأ بعد التعارض إلاّ الذكر الحكيم.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . روح المعاني: 6|75.
2. محاسن التأويل: 6|112.


( 66 )

13. اجتهاد صاحب المنار :

قال السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار (المتوفّـى 1354 هـ) إنّ فقهاء أهل السنّة فسّـروا الكعبين بالعظمين الناتئين من جانبي الساق، ومن يقول بالمسح يفسّـر الكعب بمفصل الساق والقدم.

وعلى الاَوّل: ففي كل رجل كعبان، وعلى الثاني: ففي كل رجل كعب واحد كالمرفق، فلو كان المراد هو الثاني كان اللازم أن يقال إلى الكعاب كقوله إلى المرافق، وبما انّه قال إلى الكعبين، يعلم أنّ المراد هو العظمان الناتئان في جانبي القدم (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لا ملازمة بين تفسير الكعبين بالعظمين الناتئين والقول بالغسل، أو تفسيرهما بمفصل الساق والقدم والقول بالمسح، إذ من الممكن أن يقول القائل بالمسح بأنّه يجب مسح ظاهر القدم إلى العظمين الناتئين، كما انّ القائل بالغسل يمكن أن يقول بأنّ الواجب هو غسل الرجل إلى المفصل، فلا يكون تفسير الكعب بأي معنى قرينة على أحد القولين.

ومجرّد أنّ القائلين بالغسل يجعلون الغاية العظمين، والقائلين بالمسح يجعلون الغاية المفصل، لا يكون دليلاً على الملازمة، إذ يمكن أن يكون القائل صائباً في تفسير الكعبين وخاطئاً في مسألة المسح والغسل.

وثانياً: أنّ الظاهر عند أهل اللغة انّ الكعب هو مفصل القدم، وإطلاقه على الطرفين الناتئين نادر لا يحمل عليه الكتاب، ولذلك يقول الاَصمعي: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين لا الكعبين. وإليك نص كلمات أهل اللغة:


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . المنار: 6|234، وقد سبقه الرازي في تفسيره، وابن تيمية أيضاً في التفسير الكبير: 4|48 ـ 50، وكان على الاَُستاذ التنبيه على ذلك.


( 67 )

فهذا ابن منظور يفسّـر الكعب بقوله: كلّ مفصل للعظام، وبالعظم الناشز فوق قدمه الذي يقال له «مشط القدم وقبتها»، ثم يقول: وقيل الكعبان في الاِنسان العظمان الناشزان من جانبي القدم (1)

وقال الراغب: كعب الرجل العظم الذي عند ملتقى القدم والساق، وكل ما بين العقدتين من القصب والرمح يقال له كعب تشبيهاً بالكعب للفصل بين العقدتين، كمفصل الكعب بين الساق والقدم (2)

ترى أنّه لم يفسره إلاّ بالمفصل، ولم يفسره بالمنجمين الناتئين في جانبي الرجل.

وقال الزبيدي: الكعب العظم لكل ذي أربع، وهو كل مفصل للعظام، ومن الانسان ما أشرف فوق رسغه، عند قدمه، وكل شيء علا وارتفع فهو كعب (3)

فالرسغ في قوله «ما أشرف فوق رسغه» عبارة: عن عظم واقع بين مشط القدم والساق، فما ارتفع عليه هو الكعب ولا يريد المنجمين، لاَنّهما ليسا فوق الرسغ.

وقال الفيومي: الكعب عند ابن الاعرابي وجماعة هو المفصل بين الساق والقدم.

نعم نقل عن أبي عمرو بن العلاء والاَصمعي: انّه العظم الناشز في جانب (4) القدم عند ملتقى الساق والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمنتها وميسرتها (5)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . لسان العرب: مادة كعب.
2. الراغب الاصفهاني: المفردات: مادة كعب.
3. الزبيدي: تاج العروس: مادة كعب.
4. الصحيح: «جانبي».
5. الفيومي: المصباح المنير: مادة كعب.


( 68 )

وما نقله يخالف ما نقله الرازي عن الاَصمعي، أَنّه كان يقول: الكعب هو مفصل الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن (ره) وكان الاَصمعي يختار هذا القول، ويقول: الطرفان الناتئان يسمّيان المنجمين (1)

وقال الفيروز آبادي: الكعب كل مفصل للعظام، والعظم الناشز فوق القدم، والناشزان في جانبيها (2)

تجد انّه يذكر الاَقوال الثلاثة ويذكر المفصل، وقبة القدم، قبل الثالث.

وأمّا الجزري: فقد ذكر كلا القولين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم من الجانبين، ثم قال: وذهب قوم إلى أنّهما العظمان اللّذان في ظهر القدم(3)

وقال ابن فارس: كعب الرجل وهو طرف الساق عند ملتقى القدم والساق(4)

وقال المطرزي: الكعب: العقدة بين الانبوبين في القصب (5)

وقال النسفي: الكعب: هو العظم المربع الذي عند معقد الشراك. والتكعب: التربع، وسمّيت الكعبة بها لتربعها (6)

إلى غير ذلك من كلمات أئمّة اللغة حيث ترى أنّ أكثرهم فسروه بالمفصل أو بقبّة القدم، وعلى ذلك فليس لنا العدول عمّـا اتفقوا عليه إلى ما اختلفوا فيه.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الفخر الرازي: التفسير الكبير: 11|162.
2. الفيروزآبادي: القاموس المحيط: مادة كعب.
3. الجزري: النهاية: 4|178.
4. أحمد بن فارس بن زكريا: مجمل اللغة: 3|787.
5. المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب: 2|222.
6. النسفي: طلبة الطلبة: 13.


( 69 )

وثالثاً: أنّ تثنية الكعبين لا تدلّ على أنّ المراد هما العظمان في جانبي الساق، وذلك لاَنّه لو كان المراد من الكعب هو المفصل فتكون التثنية باعتبار أَنّ لكل إنسان كعبين، ففي كلّ رِجْل كعب واحد فيكون فيهما كعبان، وعند ذلك لا تكون التثنية دليلاً على أنّ المراد هو العظمان في جانبي الساق.

ثم إنّ القائل لما تخيّل أَنّ المراد من الكعب هو العظم المستدير تحت عظم الساق، اعترض بأنّ العظم المستدير في المفصل شيء خفيّ لا يعرفه إلاّ المتخصّص بعلم التشريح، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان معلومان لكلّ واحد، ومناط التكليف يجب أن يكون أمراً ظاهراً لا أمراً خفياً.

يلاحظ عليه: أنّ المراد من الكعب هو نفس مفصل الساق أو قبة القدم لا العظم المستدير المستتر تحته، وهما ظاهران لكلّ إنسان.

14. اجتهاد ابن عقيل الظاهري :

ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مجلة «الفيصل» العدد 235 صفحة 48، أَنّ عطف الاَرجل بالنصب على الاَيدي جائز لاَُمور:

أوّلها: أنّ الفصل بين المتعاطفات جاء بجملة معترضة وهي المسح بالروَوس، والاعتراض بالجمل جائز.

ثانيها: أنّ هذا الاعتراض لم يأت عبثاً، بل اقتضته ضرورة ترتيب العمل في أعضاء الوضوء ومسح الروَوس قبل غسل الاَرجل.

ثالثها: أنّ الاعتراض بمسح الروَوس اعتراض يناسب أحكام الاَرجل بعض الاَحيان، لاَنّها تغسل تارة وتمسح أُخرى، ويمسح ما عليها ثالثة (1)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . ستوافيك الاَحكام الثلاثة عند نقد هذا الوجه (الثالث).


( 70 )

رابعها: أنّ قراءة النصب تحتمل العطف على الروَوس في المسح من ناحية الموضع لا اللفظ، فلما جاء البيان الشرعي القطعي أَنّ الاَرجل تغسل علم يقيناً أَنّ المراد، العطف على الاَيدي والوجوه في الغسل، فكان هذا بياناً يمنع من اللّبس الذي قد يحدثه الاعتراض بجملة.

يلاحظ على الاَوّل: لو سلم أَنّ الفصل بين المتعاطفات جائز، فإنّما هو إذا لم يُحدث اللّبس، خصوصاً أنّ الاَقرب (الروَوس) يمنع الاَبعد (الاَيدي)، وبالاَخصّ إذا كان هناك فصل بالفعل، حيث قال تعالى بعد بيان حكم الغسل: (وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن)، إذن لا يشكّ القارىَ في أنّها عطف على الاَقرب وهي الروَوس، فلو كان معطوفاً على الاَيدي عادت الآية على وجه يكون الظاهر غير مراد، والمراد غير ظاهر.

ويلاحظ على الثاني: أنّه يمكن الجمع بين بيان ترتيب العمل في أعضاء الوضوء وعدم إيقاع المخاطب في اللّبس بتكرار الفعل، بأن يقول: وامسحوا بروَوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، فلو كان المراد هو الغسل، فلماذا لم يجمع بين وضوح البيان وبيان الترتيب؟

ويلاحظ على الثالث: أنّ الكاتب حاول تفسير الآية، الواضحة الدلالة والناصعة البيان، بالفتاوى المتضاربة لا لشيء إلاّ لاَجل الموقف المسبق له في كيفيّة الوضوء، وجعل يفسّـرها بالفتاوى المختلفة حول الاَرجل، وهي الغسل تارة، والمسح أُخرى، والمسح على الخفين ثالثة، ومعنى ذلك أنّه تلقّى الآية مجملة، فعاد يطلب توضيحها بفتاوى أئمّة الفقه، وهذا بخس لحقّ الآية، وإليك ملخّص كلامه:

انّ للاَرجل أحكاماً ثلاثة:


( 71 )

أ ـ تغسل تارة ولا يجوز غير الغسل.

ب ـ يجوز الغسل والمسح كما في الوضوء بعد وضوء غسلها فيه ولم ينقض وضوءه الاَوّل بناقض.

ج ـ يمسح ما عليها كالخفين.

فبما لها من الاَحكام الثلاثة المختلفة، صارت الاَرجل موضوعاً متوسطاً بين الوجوه والاَيدي التي لا يعدل عن غسلها إلى غيره وبين الروَوس التي لا يعدل عن مسحها إلى غيره، فعند ذلك ناسب الاعتراض أي وقوع مسح الروَوس بينما يتعين غسله كالوجوه والاَيدي وما له حالات من الغسل والمسح ومسح ما عليها.

ولما كان مبنى التيمم على التخفيف فقد بقيت الاَعضاء الاَبلغ وهي الوجه واليدان يمسح عليها في التيمم، وسقطت الاَعضاء الاَخف وهي الرأس والرجلان.

يلاحظ عليه: أنّه تفسير للآية بالظنون والوجوه الاستحسانية التي كانت مغفولة عنها للمخاطبين عند نزول الآية، فإنّ هذه الاَحكام الثلاثة للاَرجل على فرض صحّتها لم تكن معلومة للمخاطبين بهذه الآية وما كانوا يعلمون من أحكام الاَرجل إلاّ ما جاء في الآية.

وأمّا الحكم الثاني والثالث فانّما وردا في كلام الصحابة بعد رحيل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أمّا المسح في الوضوء بعد وضوء غسلها فيه ولم ينقض وضوءه الاَوّل بناقض فقد نقل عن علي عليه السّلاموغيره كما سيوافيك.

وأمّا المسح على الخفين فحدّث عنه ولا حرج فقد تضاربت فيه الاَقوال:


( 72 )

1ـ جائز على الاِطلاق.

2ـ يجوز في السفر دون الحضر.

3ـ عدم الجواز مطلقاً.

قال ابن رشد، بعد نقله هذه الاَقوال: والاَقاويل الثلاثة مرويّة عن الصدر الاَوّل، وعن مالك، والسبب في اختلافهم ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الاَمر بغسل الاَرجل، للآثار التي ورد فيها الاَمر بالمسح، مع تأخر آية الوضوء، وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الاَوّل، فكان منهم من يرى أنّ آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار ، وهو مذهب ابن عباس.

واحتجّ القائلون بجوازه، بما رواه مسلم، انّه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك انّه روى أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يمسح على الخفّين، فقيل له: إنّما كان ذلك قبل نزول المائدة، فقال: ما أسلمت إلاّ بعد نزول المائدة (1)

وقال المتأخرون القائلون بجوازه: ليس بين الآية والآثار تعارض، لاَنّ الاَمر بالغسل انّما هو متوجه إلى من لا خفّ له، والرخصة انّما هي للابس الخف.

وأمّا من فرّق بين السفر والحضر ، فلاَنّ أكثر الآثار الصحاح الواردة في مسحه عليه السّلامانّما كانت في السفر (2).

على أنّ الدليل على جواز المسح على الخفين بعد نزول سورة المائدة هو حديث جرير، وما روي انّه أسلم بعد نزول المائدة متعارض بحضوره حجة الوداع.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . سيوافيك انّه أسلم قبل نزول سورة المائدة.
2. بداية المجتهد: 1|19.


( 73 )

ففي الصحيحين عنه أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قال له: «استنصت الناس في حجة الوداع»، وجزم الواقدي بأنّه وفد على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في شهر رمضان سنة عشر وانّ بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وانّه وافى مع النبي حجة الوداع من عامه.

ويوَيد ذلك أنّ جريراً روى عن النبي أنّ رسول اللّه قال: إنّ أخاكم النجاشي قد مات، فهذا يدلّ على أنّ إسلام جرير كان قبل سنة عشر لاَنّ النجاشي مات قبل ذلك (1).

مع أنّ قسماً من آيات المائدة نزلت في حجة الوداع باتفاق العلماء، أعني: قوله سبحانه: (اليَوْمَ أكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيْكُم نِعمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً فَمَنِ اضطُرَّ فِي مَخْمصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لاِثْمٍ فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم) (المائدة ـ 3).

روى الرازي: قال أصحاب الآثار: إنّه لما نزلت هذه الآية على النبي لم يعمّر بعد نزولها إلاّ أحداً وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً، ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا تبديل (2)

فالعقل السليم يدفعنا إلى القول بأنّ الآية واضحة الدلالة لا نحتاج في فهم مدلولها إلى وجوه استحسانية.

وأمّا الوجه الرابع الذي استند إليه الشيخ عبد الرحمن الظاهري فيرجع لبّه إلى أنّ الآية مجملة محتملة للوجهين حيث يحتمل عطفها على الاَيدي والوجوه فلازمه الغسل كما يحتمل أنّه عطف على الروَوس فلازمه المسح، فعند ذلك جاء البيان الشرعي القطعي فأثبت الاَوّل.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الاصابة: 1|233 ـ 234.
2. الرازي: التفسير الكبير: 3|369.


( 74 )

يلاحظ عليه: بأنّ معنى ذلك كون الآية من المجملات مع أَنّها من أوضح المحكمات، وما حكم الكاتب على إجمالها إلاّ لِصيانة مذهبه الفقهي في حكم الاَرجل ولولا هذا الاَمر لتلقّى الآية واضحة الدلالة، ناصعة البيان.






(يَا اَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللّهَ اِنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ)

(الحجرات ـ 1)



( 75 )


الفصل الرابع:


مسح الاَرجل في الاَحاديث

قد عرفت دلالة الكتاب على المسح، وأَنّ القول بدلالته على الغسل تحريف لظاهره وتفسير للآية بما هو خارج عنها، مع أنّها من محكمات الآيات، وقد نزلت لتعليم الوضوء لعامّة الناس، فيجب أن تكون واضحة الدلالة، مبيّنة المراد، غير محتاجة إلى ضمّ ضميمة، فمن أراد تفسير الآية بالاَُمور الخارجة عنها فكأنّه تلقّاها آية مجملة، أو متشابهة المراد، أو أنّها نزلت لا لبيان التكليف؛ ومن حسن الحظّ أَنّ هناك طائفة من الروايات توَيّد ظاهر الآية، وهي على قسمين:

أ ـ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - بأسانيد.

ب ـ ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الاَرجل، وقد جرت سيرتهم على الاقتداء بالنبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قولاً وفعلاً وتقريراً، فلا تقصر حجيّةً عن الاَحاديث النبوية، ومع ذلك فقد أفرزناها عن الاَحاديث المروية عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - .

أ ـ ما روي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حول مسح الرجلين:

1ـ في مسنـد أحمـد بن حنبل: حدثنا عبد اللّه، حدثني أبي، حدثنـا ابن الاَشجعي، حدثنا أبي، عن سفيان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد قال:


( 76 )
أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثلاثاً و مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً. ثم قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) هكذا توضّأ، يا هوَلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عنده (1)

هذا الحديث صريح في أنّ عثمان بن عفان خليفة زمانه توضّأ ومسح رأسه ورجليه، وذكر أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ كما توضأ هو، أي مسح رأسه ورجليه، وحيث إنّ الناس في عصره كانوا مختلفين في الوضوء، وفي حكم الرجلين، أراد عثمان بفعله وقوله أن يعرّف الناس أنّ مسح الرجلين في الوضوء جائز، أو لازم، لاَنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مسح رجليه في الوضوء وحيث كان خائفاً من تكذيب الناس له في فعله وقوله، استشهد بالصحابة الذين كانوا حاضرين عنده، وكانوا يشاركونه في ما ادّعاه من أنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يفعله في وضوئه، فقالوا بأجمعهم: نعم، فصدّقوه فيما نسبه إلى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من مسح الرجلين أو في جميع أفعال الوضوء ومنها مسح الرجلين.

2ـ عن سنن ابن أبي شيبة، عن حمران، قال: دعا عثمـان بماء فتوضّأ ثم ضحك، ثم قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير الموَمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ كما توضأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه (2)

3ـ في مسند عبد اللّه بن زيد المازني انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ومسح رأسه ورجليه مرتين (3)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . مسند أحمد بن حنبل: 1|109، الحديث 489.
2. كنز العمال: 9|436، الحديث 26863.
3. كنز العمال: 9|451، الحديث 26922.


( 77 )

4ـ عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ، فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة (ثم قال: يعني الاذنين خارجهما وباطنهما من الوجه) ورجليه إلى الكعبين، ولحيته تهطل على صدره، ثم حسا حسوة بعد الوضوء، ثم قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كذا كان وضوء رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - (1)

5ـ مسند تميم بن زيد المازني، عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه (قال في الاِصابة رجاله ثقات) (2)

6ـ حدّثنــا عبد اللّه، حدثني أبي حدثنا وكيع، حدثنا الاَعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب عليه السّلامقال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحقّ بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يمسح ظاهرهما (3).

7 ـ همام، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة قال: حدثنا علي بن يحيى ابن خلاد، عن أبيه، عن عمه وهو رفاعة بن رافع انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّ وجلّ، ثم يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين (4)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . كنز العمال: 9|448، الحديث 26908.
2. كنز العمال: 9|429، الحديث 26822، كذا نقله المتقي الهندي وفي الحديث اجمال ولعلّه نفس الحديث الثالث.
3. مسند أحمد بن حنبل: ج1، الحديث 739 ـ 919.
4. ابن ماجة: السنن: ج1، الحديث 460. النسائي: السنن: 2|226، باب الرخصة في ترك الذكر في السجود.


( 78 )

8 ـ ما روى عن عبد اللّه بن عمرو في الصحيحين، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للاَعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً (1).

والعجب أنّ القائلين بالغسل يستدلّون بهذه الرواية عليه، مع انّها على تعيّـن المسح أولى بالدلالة، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يومذاك كانوا يمسحون، ومن المستحيل جداً أن يخفى عليهم حكم الاَرجل، مع أنّ الوضوء كان مسألة ابتلائية لهم كل يوم، فهل يصح أن يجهلوا حكم مثل هذا؟!

وأمّا إنكار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فهو لم ينكر المسح، بل أقرّهم عليه، وإِنّما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، ولا غرو فإنّ فيهم أَعراباً حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم، ولا سيما في السفر فتوعّدهم بالنار لئلاّ يَدْخُلُوا في الصلاة بتلك الاَعقاب المتنجسة.

وبذلك يعلم أنّ ما أطنب به ابن جرير الطبري لا طائل تحته حيث قال: الدليل على ذلك (الغسل) تضافر الاَخبار عن رسول اللّه انّه قال: «ويل للاَعقاب وبطون الاَقدام من النار» ولو كان مسح (2) بعض القدم مجزياً عن عمومها بذلك لما كان لها الويل بترك ما ترك مسحه منها بالماء بعد أن مسح بعضها لاَنَّ من أدّى فرضاً للّه عليه فيما لزمه غسله منها لم يستحقّ الويل، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل، فوجوب الويل لتارك غسل عقبه في وضوئه أوضح الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء وصحّة ما خالفه (3)

يلاحظ عليه: أنّ تفسير المسح فيها بغسل بعض القدم تصرف فيها بلا دليل والظاهر انّ المراد انّهم كانوا يمسحون عليها بنداوة الاَكف.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . صحيح البخاري: 1|23، كتاب العلم، باب من رفع صوته بالعلم، الحديث الاَوّل.
2. يريد من المسح: غسل بعض القدم، وهو تصرف في الرواية.
3. لاحظ المنار: 6|230 نقلاً عن ابن جرير.


( 79 )

وقد عرفت أنّ إنكار النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عليهم لاَجل قذارة أعقابهم و نجاستها فكانوا يتوضوَن مع وجود تلك القذارة، فنهاهم النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - عن الوضوء وهم على هذه الحال.

مضافاً إلى أنّ بعض الروايات السابقة تفسّـر إسباغ الوضوء بأُمور منها المسح على الرأس والرجلين .

روى رفاعة بن رافع أنّه كان جالساً عند النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فقال: إنّها لا تتمّ صلاة لاَحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين.

9 ـ أخرج أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الاَشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أصلّـي بكم صلاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فلما اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّـى بهم، فكبّـر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة (1)

10ـ حدثنا عبد اللّه، قال: حدثني أبي، قال: قرأت على عبد الرحمن، عن عبد اللّه بن زيد المازني، قال: حدّثنا عبد اللّه بن يزيد بن عبد الرحمن المقوي، قال: حدثنا سعيد ـ يعني: ابن أيوب ـ قال: حدثني أبو الاَسود عن عباد بن تميم المازني عن أبيه أنّه قال: رأيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه (2).

11ـ قال المتقي: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال: أخبرني


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . مسند أحمد بن حنبل: 5|342، المعجم الكبير للطبراني: 3|280 برقم 3412، والرواية تعرب عن وجود الخوف في اظهار الحقيقة وكأنّ من يغسل رجليه، فإِنّما يغسل تقية ومدارة وخوفاً من السلطة وغيرها.
2. مسند ابن ماجة: 1|الحديث 460. والمراد الماء الموجود في الكفّ .


( 80 )
أوس بن أبي أوس الثقفي أنّه رأى النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضأ ومسح على قدميه (1)

12ـ قال القرطبي: روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلّـى، فلمّـا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى القوم، فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : ارجع فصلِّ فإنّك لم تصل، وجعل الرجل يصلّـي، وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلمّـا جاء فسلّم على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وعلى القوم قال له النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : وعليك ارجع فصلِّ، فإنّك لم تصل.

قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال له الرجل: ما أدري ما عبت من صلاتي؟! فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّه لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبّـر اللّه تعالى ويثني عليه، ثم يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه ويسر، ثم يكبّـر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله، ويسترخي ثم يقول: سمع اللّه لمن حمده، ويستوي قائماً حتى يقيم صلبه، ويأخذ كل عظم مأخذه، ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه، قال همام: وربّما قال جبهته من الاَرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: لا تقم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك (2)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . تفسير الطبري: 6|86، المعجم الكبير: 1|221 برقم 603.
2. المستدرك للحاكم: 1|241، سنن النسائي: 2|226 باب الرخصة في ترك الذكر في السجود، الحديث 1، الدر المنثور: 3|27.


( 81 )

13ـ أخرج الطبراني في الاَوسط عن ابن عباس أنّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر فقال عمر بن الخطاب:سعد أفقه منك. فقال عمر: يا سعد إنّا لا ننكر أنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مسح ـ أي على القدمين ـ ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة، فإِنّها أحكمت كل شيء، وكانت آخر سورة من القرآن إلاّ براءة (1)

14ـ قال جلال السيوطي ذكر عند قضية بعثة النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حديثاً مفصّلاً نقلاً من سنن البيهقي وكتاب أبي نعيم، عن عروة بن الزبير أَنّ جبرئيل (عليه السلام) لمّا نزل على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - في أوّل البعثة فتح بالاعجاز عيناً من ماء، فتوضأ ومحمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - ينظر إليه، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين (قال:) ففعل النبي محمّد - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - كما رأى جبرئيل يفعل (2)

15ـ روى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أنّ أبا جبير قدم على النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مع ابنته التي تزوّجها رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فدعا رسول اللّه بوضوء، فغسل يديه فأنقاهما، ثم مضمض فاه واستنشق بماء، ثم غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم مسح رأسه ورجليه (3)

إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الاَكرم - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على وجه عابر، وهي دالة على أنّ الفريضة في الوضوء هي المسح.


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الدر المنثور: 3|29.
2. الخصائص الكبرى: 1|94 ، السيرة الحلبية: 1|290.
3. أُسد الغابة: 5|156.


( 82 )

ب ـ ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الاَرجل:

16ـ حدثنا عبد اللّه، حدثنا إسحاق، حدثنا سفيان قال: رأيت علياً عليه السّلام توضّأ فمسح ظهورهما (1)

17ـ روى المتقي الهندي عن مسند أحمد ومصنف البزاز ومسند أبي يعلى وحلية الاَولياء لاَبي نعيم والكلّ رووه بأسانيدهم عن حمران، انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل فغسل كفيه ثلاثاً، ومضمض و استنشق، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه (2)

18ـ قال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا موَمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الاَحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل، وهذا اسناد صحيح (3).

19ـ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن قيس الخراساني، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان (4).

20ـ قـال ابن جرير: حدثني يعقوب، قـال: حدثنا ابن عليـة، قـال عبد اللّه العتكي، عن عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل، إِنّما نزل فيهما


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . مسند أحمد بن حنبل، الحديث 1018.
2. كنز العمال: 5|106.
3 و 4. الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82، ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم: 2|27. وعلى ضوء ذلك قال العلاّمة بحر العلوم في منظومته الفقهية:
انّ الوضوء غسلتان عندنــا      ومسحتان والكتـــاب معنــا


( 83 )
المسح (1)

21ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا هارون، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلامقال: امسح على رأسك وقدميك (2)

22ـ قال ابن جرير: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية بن داود، عن الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّه ما كان عليه الغسل جعل عليه المسح، وما كان عليه المسح أهمل (3) يريد ما كان عليه الغسل في الوضوء جعل عليه المسح في التيمم وما كان عليه المسح في الوضوء أهمل في التيمم.

23ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن عامر الشعبي انّه قال: أمر أن يمسح في التيمم ما أُمر أن يغسل في الوضوء، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء الرأس والرجلان .(4)

24ـ قال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، قال: أمر أن يمسح بالصعيد في التيمم ما أُمر أن يغسل بالماء، وأُهمل ما أُمر أن يمسح بالماء (5)

25ـ قال ابن جرير: حدثنا أبو بشير الواسطي إسحاق بن شاهين قال: حدثنا خالد بن عبد اللّه، عن يونس، قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط، قال: فما رأيته غسل رجليه انّما يمسح عليهما حتى خرج منها .(6)

26ـ قال ابن جرير: حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله: (يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمْتُم إلى الصلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكْم وأيْدِيَكُمْ إلى المَراِفِق وامسَحُوا بِروَوسكُم وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْن) افتـرض اللّه غسلـتين ومسحتين (7).


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
2. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
3. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
4. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
5. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
6. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.
7. الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 6|82 ـ 83.


( 84 )

27ـ قال الحافظ ابن كثير: وقد روي عن طائفة من السلف القول بالمسح، فروى ابن جرير، عن حميد قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة إِنّ الحجّاج خطبنا بالاَهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى: (وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم) .

قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.

قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه (1)

28ـ قال ابن جرير: حدّثني أبو السائب، حدثنا : ابن إدريس، عن داود ابن أبي هند، عن الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسل، ويلغى ما كان مسحاً (2)

29ـ حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل قلت: لعامر (الشعبي) إنّ أناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبرئيل بالمسح (3)

30ـ مسند علي، عن النزال بن سبرة انّه رأى علياً بال و دعا بماء فتوضأ، ثم مسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلّـى (4)


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الطبري: جامع البيان: 6|82، القاسمي: محاسن التأويل: 6|111، ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم: 2|27.
2. ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم: 2|27، الطبري: جامع البيان: 6|82.
3. ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم: 2|25.
4. كنز العمال: 9|435، الحديث 26856.


( 85 )

31ـ في الكنز من سنن سعيد بن منصور، عن أبي ظبيان، قال: رأيت علياً وعليه إزار أصفر وخميصة وفي يده عنزة أتى حائط السجن فبال، ثم تنحّى فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه، ثم صلّـى (1)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، فمن تفحّص المسانيد والصحاح ومجامع الآثار يقف على أكثر ممّا وقفنا عليه على وجه عابر.

التجاهل بروايات المسح:

قد تجاهل ابن كثير ومن تبعه روايات المسح وقال:

قد خالفت الروافض في ذلك (غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل وضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه وليس لهم دليل صحيح في نفس الاَمر (2)

وكأنّه لم يقف على تلك الاَحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر، أو وقف عليها ولم يتأمّل فيها.

وقد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلاً: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، ورووا في المسح خبراً ضعيفاً شاذّاً (3)

وكذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:


ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . كنز العمال: 5|126.
2. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 2|518 .
3. البروسوي، تفسير روح البيان: 2|351.


( 86 )

ولا حجّة لهم في دعوى المسح إلاّ بما روي عن علي ـ كرم اللّه تعالى وجهه ـ (انّه مسح وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً) (1)

ولو كان البروسوي والآلوسي معذورين في هذا العزو وأنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلابد أن نقول إنّه مستفيض.

أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلاّ الاَخذ بما يوافق الكتاب، وتأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه وسيوافيك إن شاء اللّه .





(اِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ)

(البقرة ـ 222)



ــــــــــــــــــــــــــــ

1 . الآلوسي، روح المعاني: 6|87.