http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 60 - ص 85

( 60 )
3 ـ حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه:

إنّ حبّ الاستطلاع من نعم اللّه سبحانه، إذ في ظلّه يقف الاِنسان على مجاهيله ويكتشف معلومات تهمّه في حياته، ولولا ذلك الحبّ لكان الاِنسان اليوم في أوليات حياته في العلم والمعرفة قال سبحانه: "اللّه أخرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والاَبصارَ والاَفئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (النحل ـ 78) ومع اشتراك الكلّ في تلك النعمة المعنوية إلاّ أنّ الطاقات الكامنة لدى الاِنسان تختلف من واحد إلى آخر، فليس لكلّ إنسان قابلية التطلّع إلى كل شيء واستعراض جميع المجاهيل، ولاَجل ذلك ربّما أدّى ذلك العمل إلى الزلّة في الفكر والمعتقد، ولذلك ترى عليّاً _ عليه السلام _ ينهى عن الغور في القدر فيقول: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه» (1) ولكن الاِمام نفسه تكلّم في مواضيع أُخر عن القضاء والقدر ولكن حينما يجد إنساناً مقتدراً على درك المفاهيم الغامضة.

إنّ القرون الثلاثة الاَُول، كانت قرون ظهور المذاهب الكلامية والفقهية وكانت الاَمصار وحواضرها الكبرى ميداناً لمطارحات الفرق المختلفة، وقد ظهرت في تلك القرون أكثر المذاهب والفرق، مع أنّ الحقّ كان في طرف واحد، فلو أنّهم توحّدوا في العقائد؛ لما أدّى بهم الاَمر إلى شقّ العصى وإيجاد الفرقة، وبالتالي ذهاب الوحدة الاِسلامية في مهبّ الريح ضحية البحوث الكلامية والفقهية وغير ذلك.

كان للخوض في الآيات المتشابهات دور كبير في ظهور البدع في الصفات
____________

(1)نهج البلاغة: قسم الحكم: رقم 287.


( 61 )
الخبرية، وفي تفسير اليد والرجل والوجه للّه سبحانه الواردة في الكتاب والسنّة، فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أُمّ الكتاب وما هذا إلاّ لاَجل قصور أفهامهم وقلّة بضاعتهم العلمية، فكان واجبهم السكوت وسوَال الراسخين في العلم، دون الخوض فيها.

إنّ للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا نصيحة لطلاب الفلسفة والحكمة، يحثّهم على أن لا يذيعوا ذلك العلم بين أُناس ليس لهم قابلية التفكّر الواسع ويقول في آخر كتاب الاِشارات:

«أيُّها الاَخ إنّـي قـد مخضـت لك في هـذه الاِشـارات عن زبـدة الحـق، وألقمتك قفي (1) الحكم في لطائف الكلم. فصُنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة والدربة والعادة وكان صغاه (2)مع الغاغة، أو كان من ملحدة هوَلاء الفلاسفة ومن همجهم فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرّع إليه الوسواس، وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرّجا مجزءاً مفرقاً تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله. وعاهِده باللّه وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسّياً بك فإن أذعتَ هذا العلم أو أضعته فاللّه بيني وبينك وكفى باللّه وكيلاً (3).

4ـ التعصّب الممقوت:

وهناك سبب آخر لا يقل تأثيره عمّا سبق من الاَسباب وهو تقليد الآباء والاَجداد وصيانة كيانهم وسننهم فإنّ اتّباع الاَهواء القَبلية والقومية وما شاكل فإنّها
____________

(1)القفي: الشيء الذي يوَثر به للضيف.
(2)صغاه: ميله.
(3)كتاب الاِشارات: 3|419.


( 62 )
من أعظم سدود المعرفة وموانعها، وهي التي منعت الاَُمم عبر التاريخ من الخضوع أمام براهين الاَنبياء ورسله الواضحة كما يقول سبحانه: "وكذلِكَ ما أرسَلْنا مِنْ قَبلِكَ في قَريَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارِهِمْ مُقْتَدُون" .

ومن هذا المنطلق، اقترح تميم بن جراشة على النبيّ ـ عندما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه ـ اقترح عليه:

أن يكتب لهم كتاباً بأن يفي لهم بأُمور يقول: قدمتُ على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط؟ فقال: اكتُبوا ما بدا لكم ثم إيتوني به، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا فأبى عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ أن يكتب لنا، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص فقال له علي: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أولى بأمره، فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال للقارىَ: إقرأ، فلمّا انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده فقال: "يا أيّها الذين آمنوا اتَّقوا اللّه وذروا ما بقي من الرِّبا" الآية، ثمّ محاها، وأُلقيت علينا السكينة فما راجعناه فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها (وقال): "و لا تقربوا الزّنا إنّه كان فاحشة" الآية، ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا (1).

ورواه ابن هشام بصورة أُخرى قال: وقد كان ممّا سألوا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يدع لهم الطاغية، وهي اللاّت، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول اللّهذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهراً واحداً بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمّى، وإنّما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلّموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاِسلام، فأبى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن
____________

(1)ابن الاَثير: أُسد الغابة: 1|216 مادة «تميم» و ج3|406.


( 63 )
شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأمّا الصلاة، فأنّه لا خير في دين لا صلاة فيه، فقالوا: يا محمد ! فسنوَتيكها، وإن كانت دناءة (1).

انظر إلى التعصّب المميت للعقل يسأل رسول اللّه ـ الذي بعث لكسر الاَصنام وتحطيم كل معبود سوى اللّه ـ أن يدع لهم الطاغية وهي اللاّت لا يهدمها ثلاث سنين

وكان هذا الاقتراح نابعاً عن العصبية لطرق الآباء وسلوكهم. وكان المقترح في حضرة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يريد الابتداع في الدين بيده.

هذه هي الاَسباب العامّة وهناك أسباب خاصّة لظهور البدع في المجتمع الاِسلامي لا تخفى على القارىَ الكريم.

5ـ التسليم لغير المعصوم:

إنّ من أسباب نشوء البدع التسليم لغير المعصوم، فلا شك أنّه يخطأ وربّما يكذب فالتسليم لقوله سبب للفرية على اللّه سبحانه والتدخّل في دينه عقيدة وشريعة.

إذا كان النبيّ الاَكرم خاتم النبيين وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتم الشرائع فلا حكم إلاّ ما حكم به، ولا سنّة إلاّ ما سنّه، والخروج عن هذا الاِطار تمهيد لطريق المبتدعين، وعلى ضوء ذلك فلا معنى معقول لتقسيم السنّة إلى سنّة النبىّّ وسنّة الصحابة، وتلقّي الاَخيرة حجّة شرعية وإن لم يسندها إلى المصدرين
____________

(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|537 ـ 543.


( 64 )
الرئيسيين.

إنّ كتب الحديث والفقه تطفح بسنّة الصحابة، وهناك سنن تُنسب إلى الخليفة الاَول وإلى الثاني وإلى الثالث، فما معنى هذه السنن لو لم تستند إلى الكتاب والسنّة ولو أُسندت فلا معنى لاِضافتها إليهم.

والاِفتاء بمضمون تلك السنن بدعة في الشريعة.

وهناك كلام للدكتور عزّت علي عطية، فقد جعل الاقتداء بأئمّة أهل البيت تسليماً لغير المعصوم ثمّ قال: نتسائل عن الصلة بين هذا الاِمام وبين اللّه جلّ جلاله، هل هي وحي، أم إلهام أم حلول؟ إن كانت وحياً فقد نفوه، وإن كانت حلولاً فهو الكفر، بعينه، وإن كانت إلهاماً فما الذي يفرق بينه وبين وساوس الشيطان وخطرات النفوس (1).

إنّ الدكتور عطية لم يدرس عقائد الاِمامية حقّها وإنّما اكتفى بكتاب صغير كتب في بيان العقائد لا في البرهنة عليها، ولو أنّه رجع إلى علمائهم وموَلفاتهم لوقف على الدليل على عصمة الاَئمّة فإنّ أحد الاَدلّة هو حديث الثقلين الذي أطبق المحدّثون على نقله وهو أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما. فإن كانت العترة عدلاً للكتاب وقريناً له فتوصف بوصفه، فالكتاب معصوم عن الخطأ "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" فتكون العترة مثله.

وأمّا مصدر علومهم؛ فغالب علومهم مأخوذ من الكتاب والسنّة إذ أخذ عليّ _ عليه السلام _ عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأخذ الحسن (عليه السّلام) عن أبيه، وهكذا كل إمام أخذ عن أبيه، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة، ولم يأخذ أحد
____________

(1)الدكتور عزت علي عطية: البدعة: 245.


( 65 )
منهم _ عليهم السلام _ عن صحابي ولا تابعي أبداً، بل أخذ الجميع عنهم ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من لدن حكيم خبير.

قال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ : «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ولكن نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كما يكنز هوَلاء ذهبهم وفضتهم».

وهناك مصدر آخر لعلومهم وهو أنّهم محدّثون كما أنّ مريم كانت محدّثة، كما كان عمر بن الخطاب محدّثاً حسب ما رواه البخاري، روى أبو هريرة قال: قال النبي: «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي أحد فعمر» (1).

والدكتور خلط التحدّث بالوحي:

وأمّا أنّهم بماذا يميّزون الاِلهام عن وساوس الشيطان، فليس بأمر عسير فإنّ الوساوس تدخل القلب بتردّد والاِلهام يرد النفس بصورة علم قاطع ولاَجل ذلك تلقّت مريم وأُمّ موسى ما أُلهما به، كلاماً إلهياً، لا وسوسة شيطانية.


* * *

____________
(1)البخاري: الصحيح: 2|194، باب مناقب عمر بن الخطاب.


( 66 )


( 67 )

الفصل السادس


في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة

إذا كانت البدعة بمعنى التدخّل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة من غير فرق بين العبادات والمعاملات والاِيقاعات والسياسات، فليس لها إلاّ قسم واحد لا يُثنّى ولا يتكثّر ولكن ربّما تقسم البدعة إلى تقسيمات نذكر منها ما يلي:

البدعة الحسنة والبدعة السيئة:

لقد جاء هذا التقسيم في كلمات الاِمام الشافعي، وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن الاَثير إلى غير ذلك، والاَصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب، وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة عندما جمع الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان، ووصف الجماعة بقوله «نعمت البدعة هذه» والاَصل في ذلك ما رواه البخاري (2)وغيره.


____________

(1)البخاري: الصحيح: 3|44ـ 45 كتاب الصوم، باب فضل من قام رمضان.


( 68 )

قال عبد الرحمن بن عبد القارىَ: خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّـي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجال فيصلّـي بصلاته الرهط فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هوَلاء على قارىَ واحد لكان أمثل ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله (1).

إنّ إقامة صلاة التراويح جماعة لا تخلو من صورتين:

الاَُولى: إذا كان لها أصل في الكتاب والسنّة، فعندئد يكون عمل الخليفة إحياء لسنّة متروكة سواء أراد إقامتها جماعة أو جمعهم على قارىَ واحد، فلا يصحّ قوله: «نعمت البدعة هذه» إذ ليس عمله تدخّلاً في الشريعة .

الثانية: إذا لم يكن هناك أصل في المصدرين الرئيسين، لا لاِقامتها جماعة أو لجمعهم على قارىَ واحد، وإنّما كره الخليفة تفرّق الناس، ولاَجل ذلك أمرهم بإقامتها جماعة، أو بقارىَ واحد، وعندئذ تكون هذه بدعة قبيحة محرّمة.

توضيح ذلك:

إنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي التدخل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة والتصرف في التشريع الاِسلامي، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً ولا يصحّ تقسيمه إلى حسنة وقبيحة، وهذا شيء واضح ولا يحتاج إلى استدلال.

نعم، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعمّ الدين وغيره تنقسم إلى قسمين، فكل شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم، إذا أُدّي به من دون
____________

(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79.


( 69 )
الاسناد إلى الدين، ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً، كان بدعة حسنة، أي أمراً جديداً مفيداً للمجتمع، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كل عام، أو اجتمع للبراءة من أعدائه أو أقام الاَفراح لمولد بطل من أبطاله، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتّفق عليه الاَُمّة وتتّخذه عادة ومتّبعاً في المناسبات ويكون بدعة لغوية.

نعم، ما كان محرماً بالذات، فلو اتّخذ أمراً مرسوماً ورائجاً مثل دخول النساء سافرات متبرّجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات، فهذا أمر حرام بالذات أوّلاً، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية بمعنى التدخل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرّعه الشارع، وإنّما هو عمل محرم اتّخذ رائجاً لا باسم الدين ولا باسم الشريعة وأقصى ما يعتذر بأنّه مقتضى الحضارة العصرية مع الاعتراف بكونه مخالفاً للشرع، ولو قيل إنّه بدعة قبيحة أو مذمومة، فإنّما هو بحسب معناها اللغوي.

وبذلك يظهر أنّ أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، فقد خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية فأسهبوا في الكلام وأتوا بأمثلة كثيرة زاعمين أنّها من البدع الشرعية مع أنّ أمرها يدور بين أمرين:

إمّا أنّها عمل ديني يوَتى بها باسم الدين والشريعة ولكن يوجد لها أصل فيهما فتخرج بذلك من تحت البدعة، كتدوين الكتاب والسنّة إذا خيف عليهما التلف من الصدور، وبناء المدارس والرُّبَط وغيرهما، وقد مثلوا بالتدوين للبدعة الواجبة وببناء المدارس والرُّبَط بالبدعة المستحبة، مع أنّهما ليسا ببدعة لوجود أصل صالح لهما في الشريعة.

أو أنّها عمل عادي لا يوَتى بها باسم الدين بل يوَتى بها لاَجل تطوير الحياة وطلب الرفاه، فتكون خارجاً عن موضوع البدعة في الشرع كنخل الدقيق، فقد ورد


( 70 )
أنّ أوّل شيء أحدثه الناس بعد رسول اللّه، اتّخاذ المناخل ولين العيش من المباحات.

وإنّما يصح إطلاق البدعة عليها بالمعنى اللغوي بمعنى الشيء الجديد سواء كان عملاً دينياً أو عادياً، وقد وافَقَنا على نفس ذاك التقسيم لفيف من المحققين.

منهم أبو إسحاق الشاطبي في كلام مسهب نذكر منه ما يلي: إنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لاَنّه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، وأيضاً فلو فرض أنّه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمّ لم يتصوّر لاَنّ البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك. وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها إذ لو قال الشارع: «المحدثة الفلانية حسنة» لصارت مشروعة.

ولمّا ثبت ذمّها، ثبت ذمّ صاحبها لاَنّها ليست بمذمومة من حيث تصوّرها فقط، بل من حيث اتّصف بها المتّصف، فهو إذن المذموم على الحقيقة، والذمّ خاصّة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الاِطلاق والعموم (1).

ومنهم العلاّمة المجلسي قال: إحداث أمر لم يرد فيه نص بدعة، سواء كان أصله مبتدعاً أو خصوصياته مبتدعة فما ربما يقال: إنّ البدعة منقسمة بانقسام الاَحكام الخمسة أمر باطل، إذ لا تطلق البدعة إلاّ على ما كان محرّماً كما قال رسول اللّه: «كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار » (2).


____________

(1)الشاطبي: الموافقات: 1|142.
(2)المجلسي: البحار: 2|303 ح42.


( 71 )

ومنهم الشهيد في قواعده: محدثات الاَُمور بعد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تنقسم أقساماً لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها (1).

سوَال وإجابة:

وهناك سوَال يطرح نفسه، وهو أنّه إذا كانت البدعة قسماً واحداً وأمراً محرّماً مقابل السنّة، لا تقبل التقسيم إلى غيره فما معنى قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده، كتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم من شيء، ومن سنّ سنّة سيئة فعُمِلَ بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (2).

والجواب: أنّ الشقّ الاَوّل راجع إلى المباحات العامّة المفيدة للمجتمع كإنشاء المدارس والمكتبات وسائر الاَعمال الخيّرة، فلو أنّ رجلاً قام ـ برفض الاَُمّية ـ بإنشاء مدرسة أو مكتبة وصار عمله أُسوة للغير، فقام الآخرون بإنشاء مدارس في سائر الاَمكنة، فهو سنّة حسنة.

وأمّا الشقّ الثاني: فهو راجع إلى الاَُمور المحرّمة بالذات فلو قام أحد بضيافة أشرك فيها النساء السافرات المتبرّجات، ثم صار عمله قدوة للآخرين، فعلى هذا المسنن وزر عمله ووزر من عمل بسنته.

وعلى ضوء ذلك فالحديث لا يمتّ بالبدعة المصطلحة، ولم يكن ببال أحد من الشخصين التدخل في أمر الشارع بالزيادة والنقيصة بل كلّ قام بعمل خاصّ حسب دواعيه وحوافزه النفسية، فالاِنسان العاطفي يندفع إلى القسم الاَوّل الذي
____________

(1)الشهيد: القواعد والفوائد: 2|144 ـ 145 القاعدة 205، ونعلّق على كلامه أنّ القسم إنّما يكون بدعة إذا أتى باسم الدين، وإلاّ يكون محرّماً ومعصية لا بدعة.
(2)مسلم: الصحيح: 8|61 كتاب العلم.


( 72 )
ربّما يكون مباحاً أو مسنوناً، ومن حسن الحظّ، يكون عمله قدوة، والاِنسان الاِجرامي يندفع إلى القسم الثاني، فيعصى اللّه سبحانه لا باسم البدعة بل بارتكاب عمل محرّم ومن سوء الحظ يكون عمله قدوة.

فكلا العملين لا صلة لهما بالبدعة الشرعية أصلاً ، ولو أُطلقت فإنّما تطلق عليهما بالمعنى اللغوي، أي إبداع أمر لم يكن، سواء أكان مباحاً أم حراماً، ومن المعلوم أنّه ليس كل محرّم بدعة وإن كانت كل بدعة محرّمة.



( 73 )

الفصل السابع


تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية

قد تعرّفت على أنّ للبدعة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وعرفت مدى صحّة تقسيمها إلى الحسنة والسيئة، ومنها تقسيمها إلى عادية وشرعية، وهذا العنوان أوضح ممّا ذكره الشاطبي حيث قال: تقسيمها إلى العادية والتعبّدية (2) وذلك لاَنّ الاَُمور التعبّدية قسم من الاَحكام الشرعية التي يعتبر في صحّة امتثالها قصد القربة والاِتيان بها لاَجل التقرب وكسب الرضا وامتثال الاَمر، وهي منحصرة بالطهارات الثلاث: الوضوء والتيمّم والغسل بأقسامه، والصلاة والزكاة والصوم والحج والنذر وما ضاهاها ولكن الاَُمور الشرعية التي للشارع فيها دور، أوسع من التعبديات. ولذلك قسّم الفقهاء الاَحكام الشرعية إلى أربعة:

1ـ العبادات ويدخل فيها ما ذكرناه من الاَصناف.

2ـ العقود وتدخل فيها عامة المعاملات ممّا تحتاج إلى إيجاب وقبول، كالبيع والرهن والوديعة والصلح والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إلى غير ذلك ممّا
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.


( 74 )
هو مذكور في محلّه.

3ـ الاِيقاعات وهي ما تقوم بجانب واحد كالطلاق بأقسامه والايلاء والظهار وتدخل فيها المواريث إلحاقاً حكماً.

4ـ السياسات ويدخل فيها القضاء والحدود والديات وما شابهها.

فلو كان هناك شيء خارج عن الاَبواب الاَربعة موضوعاً فهو بوجه ملحق بواحد منها، فهذه كلّها أُمور شرعية للشارع فيها دور ، إمّا تأسيساً واختراعاً كالعبادات والحدود والديات، أو إمضاءً واعترافاً لما في يد العقلاء لكن بتحديدها بشروط مذكورة في الفقه، فالتدخل في هذه الاَبواب الاَربعة بزيادة أو نقيصة كالنكاح بلا صداق، أو البيع بلا ثمن، والاِجارة بلا أُجرة، والطلاق في أيام الحيض، أو تجويز الربا وبيع الكلب والخنزير ، أو تحوير الاَحكام الشرعية في باب السياسات، كلّها بدعة في أُمور شرعية.

فهذا ما يُلزمنا من أن نعبّـر بالشرعية مكان التعبدية، إلاّ أن يراد منها ما يرادف مطلق الاَحكام والاَُمور الشرعية فإذاً لا مشاحة في الاصطلاح.

وأمّا العادية فهي تدور بين تقاليد أو أعراف بين الناس سواء أكانت لها جذور في تاريخ الاَقوام أم كانت أمراً محدثاً، وبين ما هو تطوير في الحياة في عامة مظاهرها ممّا يمتّ بحياتهم الصناعية أو الثقافية أو الزراعية أو غير ذلك، وكل ذلك أُمور عادية تركها الشارع إلى الناس وجعل الاَصل فيها الاِباحة لكنّه حددها بأُطر عامة ولم يتدخل في جزئياتها، فكلّما لم تخالف الضوابط العامّة فالناس فيها أحرار يفعلون ما يشاءون ويعملون ما يريدون بشرط أن لا تخرج عن تلك الاَُطر الكلية.

فعلى ذلك يقع البحث في صدق البدعة في الاَُمور العادية مقابل الاَُمور الشرعية التي تعرّفت على معناها الواسع، أو لا يقع. وبما أنّك وقفت على حدود


( 75 )
البدعة وأنّها عبارة عن الزيادة أو النقيصة في الشريعة والتدخل في الاَُمور الدينية، فلا تصدق في مورد الاَُمور العادية بأيّ نحو كانت، إذ ليست هي أُموراً تمت بالشرع، فأمرها يدور بين الجائز والحرام لا بين البدعة والسنّة. وليس كل حرام بدعة وإليك التوضيح:

إنّ لكل قوم آداباً خاصة وسنّةً في اللقاءات السنوية والاَُمور العمرانية والخياطة والمعاشرة وفي كيفية استغلال الطبيعة، مثلاً ربّما تقتضي مصلحتهم تخصيص يوم واحد لتكريم زعيمهم، أو يوم واحد للبراءة من عدوّهم، أو توجب المصالح التطوير في الاَُمور العمرانية وماضاهاها، أو في استغلال الطبيعة بالاَجهزة الحديثة فقد ترك الشارع هذه الاَُمور إلى الناس ولم يتدخل فيها، إلاّ بوضع الاَُطر العامّة لها، وهي أن لا يكون العمل مخالفاً للقواعد والضوابط العامّة، ولولا هذه المرونة لما كان الاِسلام ديناً عالمياً سائداً ولتوقفت حركته منذ أقدم العصور، ونأتي بمزيد من التوضيح بمثال:

قد حدثت في العصور الاَخيرة عدة تقاليد في ميدان الاَلعاب الرياضية ككرة القدم والسلّة، والطائرة والمصارعة والملاكمة وغير ذلك، فبما أنّها أُمور عادية محدثة فلا تعدُّ بدعة في الدين ولو صح إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي أي الشيء الجديد في ميادين الحياة، لا في الاَُمور الشرعية، غاية الاَمر يجب أن تحدد شرعيتها بالضوابط الكلية بأن لا يكون هناك اختلاط بين اللاعبين نساءً ورجالاً وأن لا يكون هناك ضرر واضرار كما هو المحتمل في الملاكمة.

والحاصل: أنّ الاَصل في الاَُمور العاديّة هو البراءة حتى يدل دليل على خلافه.

وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء منهم، ابن تيمية، يقول:

إنّ أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين:


( 76 )

1ـ عبادات (1) يتخذونها ديناً ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة والاَصل أن لا يُشـرَّع منها إلاّ ما شرّع اللّه.

2ـ عادات ينتفعون بها في معايشهم والاَصل فيها أن لا يُحظر فيها إلاّ ما حظّر اللّه (2).

ثمّ إنّه لو أتى في العادات بما حظّرْ اللّه لا تعدُّ بدعة بل يكون محرّماً، لاَنّ المفروض أنّه يأتي به ويحدثه باسم التقاليد لا باسم الدين، وربّما يعترف بكونه على خلاف الدين كإشراك النساء السافرات في الضيافة مع الرجال. حتى وإن صار الاَمر العادي المحرّم رائجاً بينهم.

نعم، شذّ قول الدكتور عزت علي في المقام حيث يقول: في ما حظّره اللّه منها إذا كان من الاَُمور المحدثة كان بدعة (3).

يلاحظ عليه: بما ذكرناه في تحديد البدعة بتضافر الكتاب والسنّة على كونه التداخل في أمر الشريعة بالزيادة والنقيصة و تنسيبه إلى الشارع، وهذا لا يصدق على كل محـدث في الاَُمور العادية وإن كان محرّماً، نعم هو بدعة بالمعنى اللغوي، حتى لو صار عمله الاِجرامي سنّة سيئة يكون عليه وزر كل من عمله بها، لكن لا بما أنّه أبدع في الدين، وتدخّل في الشريعة وقد مرّ نص في تفسير قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من سنّ سنّة حسنة ... إلخ ما يفيدك في المقام.

قال الشيخ شلتوت: التكاليف الشرعية تنقسم إلى عقائد وعبادات ومحرّمات (4)، ثم قال: أمّا ما لم يتعبدنا (5)اللّه بشيء منه ، وإنّما فوّض لنا الأمر فيه
____________

(1)يريد من العبادات: الاَُمور الشرعية من دون أن تختص بما يعتبر في امتثالها قصد القربة.
(2)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 129.
(3)عزت علي: البدعة: 265.
(4)لا يخفـى ما من المسامحـة في هذا الحصر، لاَنّ التكاليف الشرعية أوسع من الثلاثة كالاَحوال الشخصية.
(5)يريد من التعبّد، ما للشارع فيه دور فيعم جميع أبواب الفقه والاَقسام الاَربعة.


( 77 )
باختيار ما نراه موافقاً لمصلحتنا، ومحققاً لخيرنا بحسب العصور والبيئات، فانّ التصرف فيه بالتنظيم أو التغير، لا يكون من الابتداع الذي يوَثّر على تدين الاِنسان وعلاقته بربّه، بل أنّ الابتداع فيه من مقتضيات التطوّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والاَجداد (1).

الاِسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية:

إنّ بين المسلمين من يريد حصر الاَُمور السائغة الموجودة في عصر الرسول الاَكرم حتى يعد نَخْل الدقيق بدعة بحجة أنّه لم يكن في عصره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أيّ منخل (2) وبين من يريد التحلّل من كل قيد ديني في مجال العمل، فلا يلتزم في حياته بشيء ممّا جاء به الاِسلام.

فالاِسلام لا هذا ولا ذاك، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج عن الاَُطر العامّة الواردة في الكتاب والسنّة، كما يرفض التحلّل من كل قيد، فآفة الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الاَوّل ليست بأقل منه.

فانّ حصر الجائز من الاَُمور العادية بما كان رائجاً في عصر النبي أو عصر الصحابة، كَبْت للاَدمغة وتقييد للحركة الحضارية عن التقدم نحو الكمال. وإظهار للاِسلام بأنّه غير قابل للتطبيق في جميع الاَعصار المتقدمة فضلاً عن عصر الذرة.

من الاَسباب التي أوجبت خلود الدين الاِسلامي، وأعطته الصلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الاَجيال كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة والدعوة إلى الروح، وديناًوسطاً بين المادية البحتة والروحية المحضة، فقد آلف
____________

(1)الشيخ شلتوت: الفتاوى: 163.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|73.


( 78 )
بتعاليمه القيمة بينهما، موَالفة تفي بحق كل منهما، بحيث يتيح للاِنسان أن يأخذ قسطه من كل منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة.

وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجّه إلى الناحية الروحية، حتى كادت أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية والتعزّب وترك ملاذ الحياة والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل الجبال وتحمّل الظلم والرفق مع المعتدين، كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كل قيمة روحية وجعلت الحصول على المادة بأيّ وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القوميّة الغاشمة والطائفية الممقوتة.

وهذه المبادىَ سواء أصحّت عن الكليم والمسيح _ عليهما السلام _ أم لم تصحّ (ولن تصح إلاّ أن يكون لاِصلاح انغمار الشعب الاِسرائيلي في ملاذ الحياة يوم ذاك وإنجائهم عن التوغّل في الماديات وسحبهم إلى المعنويات بشدة وعنف وإن شئت قلت: كانت تعاليمه إصلاحاً موَقتاً لاِسراف اليهود وغلوّهم في عبادة المال حتى أفسدوا أخلاقهم، وآثروا دنياهم على دينهم) هذه المبادىَ لا تتماشى مع الحضارات الاِنسانية التقدمية ولا تسعدها في معترك الحياة، ولا تتلاءم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة.

لكن الاِسلام جاء لينظر إلى واقع الاِنسان، بما هو كائن، لا غنى له عن المادة، ولا عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، ودعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يضر الحياة الروحية كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا تصادم فطرته وطبيعته.

هذه هي حقيقة الاِسلام ومرونته وسبب تماشيه مع الحضارات المختلفة حتى حضارة اليوم الصناعية، فلو حدّدنا الجائزة من العاديات بما في عصر النبيّ تكون النتيجة حياد الاِسلام عن الساحة، وبطلانه مع أنّه خاتم الشرائع وكتابه خاتم الكتب ونبيّه خاتم النبيين.


( 79 )

هلم معي ندرس آراء المتزمتين في الاَُمور العادية ثم نبكي على الاِسلام وأهله:

1ـ يقـول الشاطبـي: إنّ من السلف من يرشـد كلامه إلى أنّ العاديات كالعبادات، فكما أنّنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العاديات، وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم، حيث كره في سُنّة العقيقة مخالفة من قبله في أمر العاديين وهو استعمال المناخل، مع العلم بأنّه معقول المعنى نظراً ـ واللّه أعلم ـ إلى أنّ الاَمر باتباع الاَوّلين على العموم غلب عليه جهة التعبّد، ويظهر أيضاً من كلام من قال: أوّل ما أحدث الناس بعد رسول اللّه، المناخل (1).

2ـ يحكى عن الربيع بن أبي راشد، أنّه قال: لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت، إذ السكنى أمر عادي بلا إشكال، ثم يقول: وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلاً في قسم العباديات فدخول الابتداع فيه ظاهر ، والاَكثرون على خلاف هذا (2).

3ـ روى الغزالي: أنّ رجلاً قال لاَبي بكر بن عياش: «كيف أصبحت؟» فما أجابه قال: دعونا من هذه البدعة (3).

4ـ روى عن أبي مصعب صاحب مالك أنّه قال: «قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلّـى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلّم الاِمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّـى خلف الاِمام ـ فلمّا سلّم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه. فحبس، فقيل له: إنّه ابن مهدي، فوجّه إليه وقال: أما خفت اللّه واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّـين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.
(3)أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين: 2|251 كتاب العزلة.


( 80 )
كنّا نعرفه وقد قال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين»؟ فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا في غيره» (1).

5ـ حكى ابن وضاح قال: ثوَب الموَذّن بالمدينة في زمان مالك. فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكفّ الموَذن عن ذلك وأقام زماناً، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟

فقال: إنّما نهيتني عن التثويب. فقال له: لا تفعل. فكفّ زماناً. ثم جعل يضرب الاَبواب، فأرسل إليه مالك.

فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه (2).

ومراده من التثويب هو ما يقوله الموَذن بين الاَذان والاِقامة «قد قامت الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم اللّه».

والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بتلك الكلمات فيقول: فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|68.
(2)المصدر نفسه: 69.


( 81 )
الرأي، وجَعَله أمراً محدثاً وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن لاَنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ولم يسامح الموَذن في التنحنح ولا في ضرب الاَبواب، لاَنّ ذلك جدير بأن يتّخذ سنّة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه.

6ـ يقول الشاطبي: وقد أحدث في المغرب المسمّى بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم «أصبح وللّه الحمد» إشعاراً بأنّ الفجر قد طلع، لاِلزام الطاعة، وحضور الجماعة، وللغد ولكل ما يوَمرون به فيخصه هوَلاء المتأخّرون تثويباً بالصلاة كالاَذان، ونقل أيضاً إلى أهل المغرب فصار ذلك كلّه سنّة في المساجد إلى الآن. فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون (1).

هذه نماذج ممّا ذكره الشاطبي وغيره فتخيّلوها بدعة في الدين، وأين هذه من البدعة في الدين؟ أفترى هل يقوم أحد بهذه الاَعمال الماضية باسم الدين؟

أو يقوم باسم الاَُمور العادية لتسهيل الاَُمور ولو كان الجاهل يتلقّاها أمراً دينياً فوباله على جهله لا على الفاعل وقد اتّفقنا مع الشاطبي في تحديد البدعة، وقد جعلها هو خاصة بالاَُمور الشرعية ـ ومع ذلك نسي هنا ما ذكره في مقام التحديد ـ نحن نفترض أنّ هذه الاَعمال تتّخذ سنّة حسب مرور الاَيام ولكنّها تكون سنّة عادية، لا دينية، ولا يمنع عنها إذا كانت مصلحة ولم ينطبق عليها عنوان محرّم، ولو تخيله الجاهل سنناً دينية فعلى العالم إرشاده، لا إعمال الضغط على المجتمع حتى يولّـى عن الاِسلام وأهله ويوادعهما.

والسبب الوحيد لهذه الزلاّت والاشتباهات التي تشوّش سمعة الاِسلام، وتعرّفه ديناً متزمتاً لا يقبل المرونة إنّما هو جعل سيرة السلف وجوداً وعدماً معياراً للحق والباطل مكان الكتاب والسنّة في ذلك، فأين هذه الغلظة من المرونة الملموسة في الكتاب والسنّة؟ يقول سبحانه:


____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|70.


( 82 )

"وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيمَ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" (الحج ـ 78).

"ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ" (المائدة ـ 6).

"يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْـرَ" (البقرة ـ 185).

"رَبَّنا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الذِينَ مِنْ قَبْلِنا" (البقرة ـ 286).

فهذه الآيات تصرّح بأنّ اللّه تعالى رفع عن أُمّة محمّد الاِصر، ولم يفرض عليهم حكماً حرجاً صعباً كما كان في الاَُمم الماضية.

وقد ورد في حديث عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «ممّا أعطى اللّه أُمّتي وفضّلهم على سائر الاَُمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ لنبيّ، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياًقال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: "ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (1).

وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الاَُمة المرحومة كان في الاَُمم الماضية خاصّاً بالاَنبياء، وأنّ اللّه أعطى هذه الاَُمّة ما لم يعط إلاّ الاَنبياء الماضين ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ .

وسئل عليّ _ عليه السلام _ : أيُتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين (أحبّ إليك) أو يُتوضأ من ركوٍ أبيض مخمر؟ فقال: «لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفية السمحة السهلة» (2).

واشتهر عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله: «بُعثت بالحنيفية السمحة السهلة» (3).


____________

(1)البحراني: البرهان: 3|105.
(2)الحرّ العاملي: الوسائل: ج1 باب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل الحديث 3.
(3)الكليني: الكافي: 1|164.


( 83 )

إنّ الاِسلام دين عالمي لا إقليميّ، ودين خاتم ليس بعده دين. وقد انتشر الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسباباً وعللاً، منها: يسر التكاليف وسهولة الشريعة، فلو كان الاِسلام خاضعاً لهذا النوع من التزمّت وما يتغناه ابن الحاج (1)من سمادير الاَهازيج في كتاب المدخل لقرىَ عليه السلام في أوّل يومه، فهذا الرجل أخذ يحدث ألواناً من شتى الاَباطيل ويفتريها ويسمّيها بدعة مع أنّها لا تمتّ لها بصلة، بل تدور بين كونها إمّا أُموراً عادية خارجة عن موضوع البدعة بتاتاً، وإمّا أُموراً شرعية لها دليلها العام وإن لم يكن لها دليل خاص، وسيوافيك توضيح القسم الاَخير في الفصل القادم.

يقول ابن الحاج:

1ـ المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماوَنا ـ رحمة اللّه عليهم ـ إذ أنّ اتّخاذها في المساجد بدعة (2).

2ـ إنّ فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة وينبغي لاِمام المسجد أن ينهى الناس عمّـا أحدثوه من إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها (3).

3ـ إلى أن جاء ابن الحاج يحدّد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول: أثمان أثوابهم القميص من الخمس إلى العشر وما بينهما من الاَثمان، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعين درهماً وبعضهم إلى المائة
____________

(1)أبو عبد اللّه العبدريّ المالكي المتوفّى سنة 737 هـ ومع ذلك له كلمة قيمة في زيارة القبور لاحظ ج1|254.
(2) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.
(3) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.


( 84 )
ويعدّه إسرافاً فيما جاوزها وعلى ذلك فهو من البدع الحادثة بعدهم (1).

4ـ لابد من ترك فرش السجاد على المنبر لاَنّها ليست موضعاً للصلاة (2).

هذه نماذج من أفكار الرجل حول البدعة، أفترى أنّ الاِسلام الذي يعرفه هذا الرجل المتزمّت ممّا يصلح نشره في العالم، ويصلح لدعوة المثقفين والمفكرين إليه، وهل هذا هو الاِسلام الذي يصفه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحنيفية السمحة السهلة؟!

الاَصل في العادات الاِباحة:

كان على هوَلاء الذين يتحدثون باسم الاِسلام أن يدرسوا الكتاب والسنّة ويقفوا على أنّ الاَصل في العادات الاِباحة ما لم يدل دليل على خلافها، فإنّ كل ما ذكره من الاَُمور عادية حتى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراماً له، من هذه الاَُمور التي يتصوّرها ابن الحاج من البدعة (3)والاَصل فيها الاِباحة لا الحظر فانّ الحكم بالحظر بدعة، صدر من القائل.

يقـول سبحانه: "وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَـثَ رَسُـولاً" (الاِسـراء ـ 15) ويقول: "ومَا كانَ ربُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسُولاً" (القصص ـ 59) ومعنى الآيتين أنّه ليس من شأن اللّه أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث رسولاً وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعيّة، ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لاَجل كونهم وسائط للبيان والاِبلاغ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ، فتكون النتيجة أنّه لا يحكم على حرمة شيء قبل بيان حكمه و وصوله إلى يد المكلّف وهذه الاَُمور التي أضفى ابن الحاج عليها اسم البدعة، كلّها أُمور عادية ما ورد النهي عنها، مثلاً:

إذا شككنا أنّ لعبة كرة القدم أو الاستماع إلى الاِذاعة هل هما جائزان أو لا ؟
____________

(1)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.
(2)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.
(3)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.


( 85 )
فالاَصل بعد التتبع وعدم العثور على الدليل المحرّم، هو الحلية.

فبذلك علم أنّ جميع العادات من قول أو فعل محكوم بالاِباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة، سواء أكان حادثاً أم غير حادث، أو سواء أصارت سنّة أم لا ما لم ينطبق عليه عنوان خاص أو أحد العناوين الكلية المحرمة «كالاِسراف» و «الاِعانة على الاِثم» و «تقوية شوكة الكفّار» و «الاضرار بالمسلمين» و «الاضرار بالنفس و النفيس» تعدّ أمراً مباحاً.

وعلى أساس ذلك فإنّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلغراف والتلفزيون والسيّارة والطائرة وما شابهها واستخداماتها المتعارفة، محكومة بالحلّية والاِباحة لعدم وجود نص خاص على تحريمها في الكتاب والسنّة، ولعدم انطباق أحد العناوين العامّة المحرّمة عليها.

وقد كان معظم المشايخ المتزمتين يحرمون كل ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصَّة الحكم، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدّثون في الاِذاعة والتلفزيون ويستخدمون كل معطيات الحضارة الحديثة، ويحلّلون كل أشيائها واستخداماتها.

فإذا كان قول الرجل «كيف أصبحت» وإدخال المراوح إلى المساجد، وفرش البسط في المساجد وعلى المنابر ولبس ما زادت قيمته على ما حدّده، وسكب ماء الورد على القبر من البدع، فعلى الاِسلام السلام.

ثمّ إنّ بعض ما عـدّه ابـن الحـاج مـن الاَُمور الدينية من البدع بتصوّر أنّه لم يكن بين السلف؛ مردود بوجود دليل عليه في الشرع وهذا ما سندرسه في الفصل القادم.

* * *