
(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.
( 74 )
هو مذكور في محلّه.
3ـ الاِيقاعات وهي ما تقوم بجانب واحد كالطلاق بأقسامه والايلاء
والظهار وتدخل فيها المواريث إلحاقاً حكماً.
4ـ السياسات ويدخل فيها القضاء والحدود والديات وما شابهها.
فلو كان هناك شيء خارج عن الاَبواب الاَربعة موضوعاً فهو بوجه ملحق
بواحد منها، فهذه كلّها أُمور شرعية للشارع فيها دور ، إمّا تأسيساً واختراعاً
كالعبادات والحدود والديات، أو إمضاءً واعترافاً لما في يد العقلاء لكن
بتحديدها بشروط مذكورة في الفقه، فالتدخل في هذه الاَبواب الاَربعة بزيادة أو
نقيصة كالنكاح بلا صداق، أو البيع بلا ثمن، والاِجارة بلا أُجرة، والطلاق في أيام
الحيض، أو تجويز الربا وبيع الكلب والخنزير ، أو تحوير الاَحكام الشرعية في
باب السياسات، كلّها بدعة في أُمور شرعية.
فهذا ما يُلزمنا من أن نعبّـر بالشرعية مكان التعبدية، إلاّ أن يراد منها ما
يرادف مطلق الاَحكام والاَُمور الشرعية فإذاً لا مشاحة في الاصطلاح.
وأمّا العادية فهي تدور بين تقاليد أو أعراف بين الناس سواء أكانت لها
جذور في تاريخ الاَقوام أم كانت أمراً محدثاً، وبين ما هو تطوير في الحياة في
عامة مظاهرها ممّا يمتّ بحياتهم الصناعية أو الثقافية أو الزراعية أو غير ذلك،
وكل ذلك أُمور عادية تركها الشارع إلى الناس وجعل الاَصل فيها الاِباحة لكنّه
حددها بأُطر عامة ولم يتدخل في جزئياتها، فكلّما لم تخالف الضوابط العامّة
فالناس فيها أحرار يفعلون ما يشاءون ويعملون ما يريدون بشرط أن لا تخرج
عن تلك الاَُطر الكلية.
فعلى ذلك يقع البحث في صدق البدعة في الاَُمور العادية مقابل الاَُمور
الشرعية التي تعرّفت على معناها الواسع، أو لا يقع. وبما أنّك وقفت على حدود
( 75 )
البدعة وأنّها عبارة عن الزيادة أو النقيصة في الشريعة والتدخل في الاَُمور
الدينية، فلا تصدق في مورد الاَُمور العادية بأيّ نحو كانت، إذ ليست هي أُموراً
تمت بالشرع، فأمرها يدور بين الجائز والحرام لا بين البدعة والسنّة. وليس كل
حرام بدعة وإليك التوضيح:
إنّ لكل قوم آداباً خاصة وسنّةً في اللقاءات السنوية والاَُمور العمرانية
والخياطة والمعاشرة وفي كيفية استغلال الطبيعة، مثلاً ربّما تقتضي مصلحتهم
تخصيص يوم واحد لتكريم زعيمهم، أو يوم واحد للبراءة من عدوّهم، أو
توجب المصالح التطوير في الاَُمور العمرانية وماضاهاها، أو في استغلال
الطبيعة بالاَجهزة الحديثة فقد ترك الشارع هذه الاَُمور إلى الناس ولم يتدخل
فيها، إلاّ بوضع الاَُطر العامّة لها، وهي أن لا يكون العمل مخالفاً للقواعد
والضوابط العامّة، ولولا هذه المرونة لما كان الاِسلام ديناً عالمياً سائداً
ولتوقفت حركته منذ أقدم العصور، ونأتي بمزيد من التوضيح بمثال:
قد حدثت في العصور الاَخيرة عدة تقاليد في ميدان الاَلعاب الرياضية
ككرة القدم والسلّة، والطائرة والمصارعة والملاكمة وغير ذلك، فبما أنّها أُمور
عادية محدثة فلا تعدُّ بدعة في الدين ولو صح إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار
المعنى اللغوي أي الشيء الجديد في ميادين الحياة، لا في الاَُمور الشرعية،
غاية الاَمر يجب أن تحدد شرعيتها بالضوابط الكلية بأن لا يكون هناك اختلاط
بين اللاعبين نساءً ورجالاً وأن لا يكون هناك ضرر واضرار كما هو المحتمل في
الملاكمة.
والحاصل: أنّ الاَصل في الاَُمور العاديّة هو البراءة حتى يدل دليل على
خلافه.
وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء منهم، ابن تيمية، يقول:
إنّ أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين:
( 76 )
1ـ عبادات (1) يتخذونها ديناً ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة
والاَصل أن لا يُشـرَّع منها إلاّ ما شرّع اللّه.
2ـ عادات ينتفعون بها في معايشهم والاَصل فيها أن لا يُحظر فيها إلاّ ما
حظّر اللّه (2).
ثمّ إنّه لو أتى في العادات بما حظّرْ اللّه لا تعدُّ بدعة بل يكون محرّماً، لاَنّ
المفروض أنّه يأتي به ويحدثه باسم التقاليد لا باسم الدين، وربّما يعترف بكونه
على خلاف الدين كإشراك النساء السافرات في الضيافة مع الرجال. حتى وإن
صار الاَمر العادي المحرّم رائجاً بينهم.
نعم، شذّ قول الدكتور عزت علي في المقام حيث يقول: في ما حظّره اللّه
منها إذا كان من الاَُمور المحدثة كان بدعة (3).
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في تحديد البدعة بتضافر الكتاب والسنّة على
كونه التداخل في أمر الشريعة بالزيادة والنقيصة و تنسيبه إلى الشارع، وهذا لا
يصدق على كل محـدث في الاَُمور العادية وإن كان محرّماً، نعم هو بدعة
بالمعنى اللغوي، حتى لو صار عمله الاِجرامي سنّة سيئة يكون عليه وزر كل من
عمله بها، لكن لا بما أنّه أبدع في الدين، وتدخّل في الشريعة وقد مرّ نص في
تفسير قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من سنّ سنّة حسنة ... إلخ ما يفيدك في
المقام.
قال الشيخ شلتوت: التكاليف الشرعية تنقسم إلى عقائد وعبادات
ومحرّمات (4)، ثم قال: أمّا ما لم يتعبدنا (5)اللّه بشيء منه ، وإنّما فوّض لنا الأمر فيه
____________

(1)يريد من العبادات: الاَُمور الشرعية من دون أن تختص بما يعتبر في امتثالها قصد القربة.

(2)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 129.

(3)عزت علي: البدعة: 265.

(4)لا يخفـى ما من المسامحـة في هذا الحصر، لاَنّ التكاليف الشرعية أوسع من الثلاثة كالاَحوال
الشخصية.

(5)يريد من التعبّد، ما للشارع فيه دور فيعم جميع أبواب الفقه والاَقسام الاَربعة.
( 77 )
باختيار ما نراه موافقاً لمصلحتنا، ومحققاً لخيرنا بحسب العصور والبيئات،
فانّ التصرف فيه بالتنظيم أو التغير، لا يكون من الابتداع الذي يوَثّر على تدين
الاِنسان وعلاقته بربّه، بل أنّ الابتداع فيه من مقتضيات التطوّر الزمني الذي لا
يسمح بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والاَجداد
(1).
الاِسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية:
إنّ بين المسلمين من يريد حصر الاَُمور السائغة الموجودة في عصر
الرسول الاَكرم حتى يعد نَخْل الدقيق بدعة بحجة أنّه لم يكن في عصره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أيّ منخل (2) وبين من يريد التحلّل من كل قيد ديني في
مجال العمل، فلا يلتزم في حياته بشيء ممّا جاء به الاِسلام.
فالاِسلام لا هذا ولا ذاك، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج عن
الاَُطر العامّة الواردة في الكتاب والسنّة، كما يرفض التحلّل من كل قيد، فآفة
الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الاَوّل ليست بأقل منه.
فانّ حصر الجائز من الاَُمور العادية بما كان رائجاً في عصر النبي أو عصر
الصحابة، كَبْت للاَدمغة وتقييد للحركة الحضارية عن التقدم نحو الكمال.
وإظهار للاِسلام بأنّه غير قابل للتطبيق في جميع الاَعصار المتقدمة فضلاً عن
عصر الذرة.
من الاَسباب التي أوجبت خلود الدين الاِسلامي، وأعطته الصلاحية
للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الاَجيال كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى
المادة والدعوة إلى الروح، وديناًوسطاً بين المادية البحتة والروحية المحضة، فقد آلف
____________

(1)الشيخ شلتوت: الفتاوى: 163.

(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|73.
( 78 )
بتعاليمه القيمة بينهما، موَالفة تفي بحق كل منهما، بحيث يتيح للاِنسان
أن يأخذ قسطه من كل منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة.
وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجّه إلى الناحية الروحية، حتى كادت
أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية
والتعزّب وترك ملاذ الحياة والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل
الجبال وتحمّل الظلم والرفق مع المعتدين، كما غالت اليهودية في الانكباب
على المادة حتى نسيت كل قيمة روحية وجعلت الحصول على المادة بأيّ
وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القوميّة الغاشمة والطائفية الممقوتة.
وهذه المبادىَ سواء أصحّت عن الكليم والمسيح _ عليهما السلام _ أم لم
تصحّ (ولن تصح إلاّ أن يكون لاِصلاح انغمار الشعب الاِسرائيلي في ملاذ الحياة
يوم ذاك وإنجائهم عن التوغّل في الماديات وسحبهم إلى المعنويات بشدة
وعنف وإن شئت قلت: كانت تعاليمه إصلاحاً موَقتاً لاِسراف اليهود وغلوّهم في
عبادة المال حتى أفسدوا أخلاقهم، وآثروا دنياهم على دينهم) هذه المبادىَ لا
تتماشى مع الحضارات الاِنسانية التقدمية ولا تسعدها في معترك الحياة، ولا
تتلاءم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة.
لكن الاِسلام جاء لينظر إلى واقع الاِنسان، بما هو كائن، لا غنى له عن
المادة، ولا عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، ودعا إلى المادة والالتذاذ بها
بشكل لا يضر الحياة الروحية كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا تصادم
فطرته وطبيعته.
هذه هي حقيقة الاِسلام ومرونته وسبب تماشيه مع الحضارات المختلفة
حتى حضارة اليوم الصناعية، فلو حدّدنا الجائزة من العاديات بما في عصر
النبيّ تكون النتيجة حياد الاِسلام عن الساحة، وبطلانه مع أنّه خاتم الشرائع
وكتابه خاتم الكتب ونبيّه خاتم النبيين.
( 79 )
هلم معي ندرس آراء المتزمتين في الاَُمور العادية ثم نبكي على الاِسلام
وأهله:
1ـ يقـول الشاطبـي: إنّ من السلف من يرشـد كلامه إلى أنّ العاديات
كالعبادات، فكما أنّنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك
العاديات، وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم، حيث كره في سُنّة العقيقة مخالفة من
قبله في أمر العاديين وهو استعمال المناخل، مع العلم بأنّه معقول المعنى نظراً ـ
واللّه أعلم ـ إلى أنّ الاَمر باتباع الاَوّلين على العموم غلب عليه جهة التعبّد،
ويظهر أيضاً من كلام من قال: أوّل ما أحدث الناس بعد رسول اللّه، المناخل (1).
2ـ يحكى عن الربيع بن أبي راشد، أنّه قال: لولا أنّي أخاف من كان قبلي
لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت، إذ السكنى أمر عادي بلا إشكال، ثم يقول:
وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلاً في قسم العباديات فدخول
الابتداع فيه ظاهر ، والاَكثرون على خلاف هذا (2).
3ـ روى الغزالي: أنّ رجلاً قال لاَبي بكر بن عياش: «كيف أصبحت؟» فما
أجابه قال: دعونا من هذه البدعة (3).
4ـ روى عن أبي مصعب صاحب مالك أنّه قال: «قدم علينا ابن مهدي ـ
يعني المدينة ـ فصلّـى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلّم الاِمام رمقه
الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّـى خلف الاِمام ـ فلمّا سلّم قال: من
هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه.
فحبس، فقيل له: إنّه ابن مهدي، فوجّه إليه وقال: أما خفت اللّه واتقيته أن وضعت
ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّـين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.

(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.

(3)أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين: 2|251 كتاب العزلة.
( 80 )
كنّا نعرفه وقد قال النبي
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من
أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين»؟ فبكى
ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا في غيره»
(1).
5ـ حكى ابن وضاح قال: ثوَب الموَذّن بالمدينة في زمان مالك. فأرسل
إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف
الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم
يكن فيه، قد كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بهذا البلد عشر سنين
وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكفّ
الموَذن عن ذلك وأقام زماناً، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل
إليه مالك فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال
له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟
فقال: إنّما نهيتني عن التثويب. فقال له: لا تفعل. فكفّ زماناً. ثم جعل
يضرب الاَبواب، فأرسل إليه مالك.
فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال
له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه (2).
ومراده من التثويب هو ما يقوله الموَذن بين الاَذان والاِقامة «قد قامت
الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم
اللّه».
والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بتلك الكلمات
فيقول: فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|68.

(2)المصدر نفسه: 69.
( 81 )
الرأي، وجَعَله أمراً محدثاً وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن لاَنّ كل محدثة
بدعة، وكل بدعة ضلالة ولم يسامح الموَذن في التنحنح ولا في ضرب الاَبواب،
لاَنّ ذلك جدير بأن يتّخذ سنّة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي
خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه.
6ـ يقول الشاطبي: وقد أحدث في المغرب المسمّى بالمهدي تثويباً عند
طلوع الفجر وهو قولهم «أصبح وللّه الحمد» إشعاراً بأنّ الفجر قد طلع، لاِلزام
الطاعة، وحضور الجماعة، وللغد ولكل ما يوَمرون به فيخصه هوَلاء المتأخّرون
تثويباً بالصلاة كالاَذان، ونقل أيضاً إلى أهل المغرب فصار ذلك كلّه سنّة في
المساجد إلى الآن. فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون (1).
هذه نماذج ممّا ذكره الشاطبي وغيره فتخيّلوها بدعة في الدين، وأين هذه
من البدعة في الدين؟ أفترى هل يقوم أحد بهذه الاَعمال الماضية باسم الدين؟
أو يقوم باسم الاَُمور العادية لتسهيل الاَُمور ولو كان الجاهل يتلقّاها أمراً
دينياً فوباله على جهله لا على الفاعل وقد اتّفقنا مع الشاطبي في تحديد البدعة،
وقد جعلها هو خاصة بالاَُمور الشرعية ـ ومع ذلك نسي هنا ما ذكره في مقام
التحديد ـ نحن نفترض أنّ هذه الاَعمال تتّخذ سنّة حسب مرور الاَيام ولكنّها
تكون سنّة عادية، لا دينية، ولا يمنع عنها إذا كانت مصلحة ولم ينطبق عليها
عنوان محرّم، ولو تخيله الجاهل سنناً دينية فعلى العالم إرشاده، لا إعمال
الضغط على المجتمع حتى يولّـى عن الاِسلام وأهله ويوادعهما.
والسبب الوحيد لهذه الزلاّت والاشتباهات التي تشوّش سمعة الاِسلام،
وتعرّفه ديناً متزمتاً لا يقبل المرونة إنّما هو جعل سيرة السلف وجوداً وعدماً
معياراً للحق والباطل مكان الكتاب والسنّة في ذلك، فأين هذه الغلظة من
المرونة الملموسة في الكتاب والسنّة؟ يقول سبحانه:
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|70.
( 82 )
"وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيمَ هُوَ سَمّاكُمُ
المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" (الحج ـ 78).
"ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ" (المائدة ـ 6).
"يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْـرَ" (البقرة ـ 185).
"رَبَّنا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الذِينَ مِنْ قَبْلِنا" (البقرة ـ
286).
فهذه الآيات تصرّح بأنّ اللّه تعالى رفع عن أُمّة محمّد الاِصر، ولم يفرض
عليهم حكماً حرجاً صعباً كما كان في الاَُمم الماضية.
وقد ورد في حديث عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «ممّا
أعطى اللّه أُمّتي وفضّلهم على سائر الاَُمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ
لنبيّ، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياًقال له: اجتهد في دينك ولا
حرج عليك، وإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: "ما جَعَلَ
عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (1).
وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الاَُمة
المرحومة كان في الاَُمم الماضية خاصّاً بالاَنبياء، وأنّ اللّه أعطى هذه الاَُمّة ما لم
يعط إلاّ الاَنبياء الماضين ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ .
وسئل عليّ _ عليه السلام _ : أيُتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين
(أحبّ إليك) أو يُتوضأ من ركوٍ أبيض مخمر؟ فقال: «لا، بل من فضل وضوء
جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفية السمحة السهلة» (2).
واشتهر عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قوله: «بُعثت بالحنيفية
السمحة السهلة» (3).
____________

(1)البحراني: البرهان: 3|105.

(2)الحرّ العاملي: الوسائل: ج1 باب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل الحديث 3.

(3)الكليني: الكافي: 1|164.
( 83 )
إنّ الاِسلام دين عالمي لا إقليميّ، ودين خاتم ليس بعده دين. وقد انتشر
الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسباباً وعللاً، منها:
يسر التكاليف وسهولة الشريعة، فلو كان الاِسلام خاضعاً لهذا النوع من التزمّت
وما يتغناه ابن الحاج (1)من سمادير الاَهازيج في كتاب المدخل لقرىَ عليه
السلام في أوّل يومه، فهذا الرجل أخذ يحدث ألواناً من شتى الاَباطيل ويفتريها
ويسمّيها بدعة مع أنّها لا تمتّ لها بصلة، بل تدور بين كونها إمّا أُموراً عادية
خارجة عن موضوع البدعة بتاتاً، وإمّا أُموراً شرعية لها دليلها العام وإن لم يكن
لها دليل خاص، وسيوافيك توضيح القسم الاَخير في الفصل القادم.
يقول ابن الحاج:
1ـ المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماوَنا ـ رحمة اللّه عليهم ـ
إذ أنّ اتّخاذها في المساجد بدعة (2).
2ـ إنّ فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة
وينبغي لاِمام المسجد أن ينهى الناس عمّـا أحدثوه من إرسال البسط
والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها (3).
3ـ إلى أن جاء ابن الحاج يحدّد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول:
أثمان أثوابهم القميص من الخمس إلى العشر وما بينهما من الاَثمان، وكان
جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين، وكان
بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعين درهماً وبعضهم إلى المائة
____________

(1)أبو عبد اللّه العبدريّ المالكي المتوفّى سنة 737 هـ ومع ذلك له كلمة قيمة في زيارة القبور
لاحظ ج1|254.

(2) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.

(3) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.
( 84 )
ويعدّه إسرافاً فيما جاوزها وعلى ذلك فهو من البدع
الحادثة بعدهم
(1).
4ـ لابد من ترك فرش السجاد على المنبر لاَنّها ليست موضعاً للصلاة (2).
هذه نماذج من أفكار الرجل حول البدعة، أفترى أنّ الاِسلام الذي يعرفه
هذا الرجل المتزمّت ممّا يصلح نشره في العالم، ويصلح لدعوة المثقفين
والمفكرين إليه، وهل هذا هو الاِسلام الذي يصفه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالحنيفية السمحة السهلة؟!
الاَصل في العادات الاِباحة:
كان على هوَلاء الذين يتحدثون باسم الاِسلام أن يدرسوا الكتاب والسنّة
ويقفوا على أنّ الاَصل في العادات الاِباحة ما لم يدل دليل على خلافها، فإنّ كل
ما ذكره من الاَُمور عادية حتى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراماً له، من
هذه الاَُمور التي يتصوّرها ابن الحاج من البدعة (3)والاَصل فيها الاِباحة لا
الحظر فانّ الحكم بالحظر بدعة، صدر من القائل.
يقـول سبحانه: "وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَـثَ رَسُـولاً" (الاِسـراء ـ 15)
ويقول: "ومَا كانَ ربُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسُولاً" (القصص ـ
59) ومعنى الآيتين أنّه ليس من شأن اللّه أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن
يبعث رسولاً وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعيّة، ولو أُنيط جواز
العذاب ببعثهم فإنّما هو لاَجل كونهم وسائط للبيان والاِبلاغ، والملاك هو عدم
جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ، فتكون النتيجة أنّه لا يحكم على حرمة شيء قبل
بيان حكمه و وصوله إلى يد المكلّف وهذه الاَُمور التي أضفى ابن الحاج عليها
اسم البدعة، كلّها أُمور عادية ما ورد النهي عنها، مثلاً:
إذا شككنا أنّ لعبة كرة القدم أو الاستماع إلى الاِذاعة هل هما جائزان أو لا ؟
____________

(1)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.

(2)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.

(3)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.
( 85 )
فالاَصل بعد التتبع وعدم العثور على الدليل المحرّم، هو الحلية.
فبذلك علم أنّ جميع العادات من قول أو فعل محكوم بالاِباحة ما لم نجد
نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة، سواء أكان حادثاً أم غير حادث، أو سواء
أصارت سنّة أم لا ما لم ينطبق عليه عنوان خاص أو أحد العناوين الكلية
المحرمة «كالاِسراف» و «الاِعانة على الاِثم» و «تقوية شوكة الكفّار» و «الاضرار
بالمسلمين» و «الاضرار بالنفس و النفيس» تعدّ أمراً مباحاً.
وعلى أساس ذلك فإنّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج
التقدم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلغراف والتلفزيون والسيّارة
والطائرة وما شابهها واستخداماتها المتعارفة، محكومة بالحلّية والاِباحة لعدم
وجود نص خاص على تحريمها في الكتاب والسنّة، ولعدم انطباق أحد
العناوين العامّة المحرّمة عليها.
وقد كان معظم المشايخ المتزمتين يحرمون كل ذلك في بدء حركتهم
ودعوتهم أيام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصَّة الحكم، وحلّ
الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدّثون في الاِذاعة والتلفزيون ويستخدمون
كل معطيات الحضارة الحديثة، ويحلّلون كل أشيائها واستخداماتها.
فإذا كان قول الرجل «كيف أصبحت» وإدخال المراوح إلى المساجد،
وفرش البسط في المساجد وعلى المنابر ولبس ما زادت قيمته على ما حدّده،
وسكب ماء الورد على القبر من البدع، فعلى الاِسلام السلام.
ثمّ إنّ بعض ما عـدّه ابـن الحـاج مـن الاَُمور الدينية من البدع بتصوّر أنّه
لم يكن بين السلف؛ مردود بوجود دليل عليه في الشرع وهذا ما سندرسه في
الفصل القادم.
* * *