http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 31- ص 59

( 31 )
الفصل الثالث


تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها

إنّ الاَمر المهم بعد الوقوف على النصوص، هو تحديد مفهوم البدعة التي وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسيين، فما لم تحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في صميمها عند الشرع، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها. والذي حصل لدينا بعد دراسة الاَدلّة أنّ البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع، تتمتّع بقيود ثلاثة نذكرها بالتدريج:

الاَوّل: التدخّل في الدين عقيدة وحكماً، بزيادة أو نقيصة.

الثاني: أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

الثالث: أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدع جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

وإليك دراسة هذه القيود المكوّنة لمفهوم البدعة التي اتّخذها الكتاب والسنّة موضوعاً للحكم:


( 32 )
التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة:

هل انّ الموضوع في المصدرين هو نفس البدعة أو خصوص البدعة في الدين؟ فلو قلنا بأنّ الموضوع نفس البدعة بسيطاً، سواء كان الاِحداث والاِبداع راجعاً إلى صميم الدين أو غيره، فيكون الحكم بحرمة ذلك الموضوع الواسع أمراً غير ممكن ولاَجل ذلك لجأ أصحاب ذلك القول إلى تقسيمها إلى أقسام خمسة حسب انقسام الاَحكام.

وأمّا إذا كان الموضوع هو الاَمر المركّب، أي البدعة في الدين، فذلك له حكم واحد لا يقبل التخصيص ولا تعلم صحّة أيّ النظرتين إلاّ بدراسة الآيات والروايات.

إنّ دراسة ما سبق من النصوص تثبت بوضوح على أنّ الموضوع في الكتاب والسنّة هو البدعة في الدين لا مطلقها، فلو كان الكتاب والسنّة يتكلّمان فيها فإنّما يتكلّمان فيها باسم الدين والشريعة وعن البدعة فيهما، لاَنّ كلّ متكلّم إنّما يتكلّم في إطار اختصاصه ومقامه وحسبَ شأنه، فالكتاب العزيز كتاب إلهي جاء لهداية الناس إلى ما فيه مرضاة اللّه بتشريعه القوانين والسنن، والنبيّ الاَكرم مبعوث لتبيان ذلك الكتاب بأقواله وأفعاله وتقريراته قال تعالى: "وأنْزَلْنا إلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل ـ 44).

وعلى ضوء ذلك فإنّ الكتاب والسنّة يتكلّمان بتلك الخصوصية التي يمتلّكانها، فإذا تكلّما عن البدعة فإنّما يتكلّمان عن البدعة الواردة في حوزتهما وقيد الدين والشريعة وإن لم يذكرا في متون النصوص غالباً؛ لكنّهما مفهومان من القرائن الموجودة فيها فلا عبرة بالاِطلاق بعد القرائن الحافّة على الكلام، هذا ما نستنبطه من مجموع الخطابات الواردة في الاَدلّة قبل دراسة أيّ واحد منها تفصيلاً.


( 33 )

وأمّا دراستها تفصيلاً فإليك البيان:

1ـ تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حيث كانوا يقسمون رزق اللّه إلى ما هو حلال وحرام فجاء الوحي مندِّداً بقوله: "قُلْ ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَـى اللّهِ تَفْتَرُونَ" (يونس ـ 59) وفي آية أُخرى يعدّ عملهم افتراءً على اللّه كما يقول: "ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَـى اللّهِ الكَذِبَ" (النحل ـ 116) ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى اللّه سبحانه، وأنّه سبحانه جعل منه حلالاً وحراماً، فكان عملهم بدعة في الدين.

2ـ قد تعرّفت في التقديم، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل اللّه، بكونه كافراً وفاسقاً، ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به اللّه، بكونه حكم اللّه، قال سبحانه: "فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقْولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَـرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً فَوَيلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكّسِبُونَ" (البقرة ـ 79) فقوله: "هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ" صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الاِلهية فيعرِّفون ما ليس من عند اللّه على أنّه من عند اللّه، وهذا يثبت بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.

3ـ تـرى أنّه سبحانـه يذمّ الرهبان لابتـداعهم ما لم يكتب عليهم قال سبحانه: "وَرَهبانيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضوانِ اللّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها" (الحديد ـ 27) ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل، والقرآن يردّهم بقوله: "ما كتبناها عليهم" .

4ـ إنّه سبحانـه وصـف أهـل الكتـاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباًمن دون اللّه، وقد فسّـره النبيّ الاَكرم بأنّهم كانوا يحرّمون ما أحلّ اللّه فيتبعونهم أتباعهم، أو يحلّلون ما حرّم اللّه عليهم فيقبلونه بلا تردّد، ومن المعلوم أنّ


( 34 )
الاَحبار والرهبان يعرِّفون ما تخيّلوه من الحرام والحلال حكمَ اللّه سبحانه، وليس هذا إلاّ البدعة في الشرع، والتدخّل في أمر الشريعة، وإذا تدبّرت في هذه الآيات وأمثالها تقف على أنّ الآيات تدور على محور واحد هو البدعة في الدين لا مطلقها، ولا يضر عدم ذكر القيد في اللفظ إذ هو مفهوم من القرائن القطعية.

ثمّ إنّ في قوله: "إلاّ ابتغاء رِضوان اللّه" وجهان: فمنهم من يجعله استثناءً منقطعاً، أي ما كتبا عليهم الرهبانية وإنّما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللّه، ومنهم من يجعله استثناءً متّصلاً، بمعنى أنّه سبحانه كتب عليهم أصل الرهبانية لاَجل كسب رضوان اللّه ولكنّهم لم يراعوا حقّها. فتكون البدعة على الاَوّل نفس الرهبانية وعلى الثاني الخروج عن حدودها.

هذا كلّه حول الآيات، وأمّا السنّة، ففيها قرائن كثيرة تعطي نفس المفهوم الذي أعطته الآيات وإليك تلك القرائن:

1ـ ففي الرواية الاَُولى: يبتـدىَ النبيّ كلامه بقوله: «أصدق الحديث كتاب اللّه وأفضل الهدى هدي محمد» وهذا يدل على أنّ ما اتّخذه النبي موضوعاً للبحث هو ما يرجع إلى كتاب اللّه وهدي نبيه، فإذا قال بعده: «وشرّ الاَُمور محدثاتها» يكون المراد أي ما دخل في الشريعة من أُمور، وإذا قال: «كل بدعة ضلالة أي البدعة فيما يتكلّم عنه، ومن المعلوم أنّه يتكلّم عن دعوته وشريعته، فتحوير كلامه إلى مطلق البدعة وإن لم يمسّ الكتاب والسنّة، تأويل للظاهر بلا دليل.

2ـ ثم إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يحكم على كل بدعة بالضلال، ومن المعلوم أنّه لا يصدق إلاّ على البدعة في الشريعة وأمّا غيرها فهي على أقسام كما قالوا.

3ـ روى مسلم في صحيحـه أنّ رسـول اللّه إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه كأنّه منذرُ جيش ثم يقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدى هدي محمد الخ» ومن المعلوم أنّ الاَرضية الصالحة لثوران غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته، لا مطلق التدخل في شوَون الحياة وإن لم تمسّ


( 35 )
دينه، خصوصاً إذا كان في مصلحة الاِنسان.

4ـ إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصف البدعة بالضلالة وقال: «إنّ صاحبها في النار» ولا تصدق تلك القاعدة إلاّ على صاحب البدعة في الشريعة.

5ـ إنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عندما رأى أنّ رجالاً يُذادُون عن حوضه فأخذ يناديهم بقوله: «ألا هلمّ ألا هلمّ ألا هلمّ» فإذ ينادي المنادي بقوله: «إنّهم قد بدلوا بعدك» فيقول النبي: «فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!» ومن المعلوم أنّه قد بدّلوا دين الرسول وشريعته وإلاّ لما كانوا مستحقين دعاءه بقوله: «فسحقاً...».

6ـ دلّت الروايات السابقة على أنّه إذا ظهرت البدع في الاَُمّة فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة اللّه.

7ـ كما دلّت على أنّ صاحب البدعة لا تقبل توبته.

8 ـ وإنّ من زار ذا بدعة فقد سعى في هدم الاِسلام.

9ـ وأوضح من الكل ما خطب الاِمام علي _ عليه السلام _ حيث قال: «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع يخالف كتاب اللّه».

10ـ وفي رواية أُخرى: ما أُحدثت بدعة إلاّ تركت فيها سنّة، فاتركوا البدع والزموا المهيع إنّ عوازم الاَُمور أفضلها، وإنّ محدثاتها شرارها (3).

11ـ هذا ما تعطيه نصوص الكتاب والسنّة، وتليهما نصوص لفيفٍ من أهل اللغة الذين سبقت نصوصهم نظير:

قول الخليل: والبدعة: ما استحدثت بعد رسول اللّه .

وقول الراغب: البدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة.


____________

(1)قد سبقت مصادرها في الفصل الاَوّل فلاحظ.


( 36 )

وقول الفيروزآبادي: البدعة: الحدث في الدين بعد الاِكمال أو ما استحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال.

وتليه نصوص لفيف من الفقهاء نظير قول ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه.

وقول ابن حجر العسقلاني: البدعة: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع.

وقول ابن حجر الهيتمي: البدعة: ما أُحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص.

وقول الزركشي: البدعة الشرعية: هي التي تكون ضلالة (1).

ومن يدرس هذه النصوص جليلها ودقيقها يقف على أنّ موضوع البحث في مجموع الاَدلّة هو الاَمر الذي يمتّ إلى الشريعة بصلة، وأنّ اللّه سبحانه ونبيّه الصادع بالحق يهيبان بالمجتمع الاِسلامي عن البدعة والكذب على اللّه والتدخّل في الكتاب والسنّة والتلاعب بما أنزل اللّه في مجالي العقيدة والشريعة، وهذا أمر واضح لا سترة عليه، وبذلك يختلف اتّجاهنا في تفسير النصوص عن غيرنا.

فإذا ثبت ذلك تقف على أنّ البدعة ليس لها إلاّ قسم واحد ولها حكم واحد لا يُخصص ولا يُقيّد بل هو بمثابةٍ لا يقبل التخصيص، وهذا نظير قوله سبحانه: "إنَّ الشِّـرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لقمان ـ 23) فإنّ تلك القاعدة لا تقبل التخصيص أي يمتنع تجويز الظلم والشرك في مكان دون مكان، نظير قوله سبحانه: "أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ" (القلم ـ 35).

ثم إنّ ما توصّلنا إليها من نتيجة قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أُخرى نأتي بموجزها:


____________

(1)قد مضت النصوص في مواضعها.


( 37 )

«قال: الباب الثالث في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يُخَصُّ محدثة دون غيرها ـ إلى أن قال:ـ فاعلموا ـ رحمكم اللّه ـ أنّ ما تقدم من الاَدلّة حجّة في عموم الذم من أوجه:

أحدها: أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أنّ منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا. ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنّها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنّه لا يُوجد، فدلّ على أنّ تلك الاَدلّة بأسرها على حقيقةٍ ظاهرها من الكلّية التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الاَفراد.

الثاني: أنّه قد ثبت في الاَُصول أنّ كل قاعدة كلّية أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرّرها وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: "ألاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى * وَأنْ لَيْسَ لِلاِنْسانِ إلاّ ما سَعى" (النجم ـ 38 ـ 39)، فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الاَحاديث المتعدّدة أنّ كلّ بدعة ضلالة، وأنّ كلّ محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أنّ البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث، تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها.

الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها ـ إلى أن قال : ـ فهو بحسب الاستقراء، إجماع ثابت، فدل على أنّ كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.

الرابع: أنّ متعَقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لاَنّه من باب مضادة الشارع


( 38 )
واطِّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح (1) وأن يكون منه ما يمدح منه وما يذمّ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع (2).

إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّباً، ويترتب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة كالعادات والصناعات والاعلام وغيرها، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها، لا بما هي بدعة، فربّما تكون حلالاً وأُخرى حراماً، لكن ليس كل حرام بدعة، كما سيوافيك بيانه.

البدعة إشاعة ودعوة:

إذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس في الدين فيه أو نقصه منه في مجال العقيدة والشريعة؛ فهل يتحقّق مفهومها بقيام الشخص بذلك العمل، وحده في بيته ومنزله، كأن يزيد في صلاته ما ليس فيها أو ينقص منها شيئاً، أو أنّه ليس ببدعة وإن كان عمله باطلاً و بفعله عاصياً؟ بل إنّما البدعة تتوقّف على إشاعة فكرة خاطئة في العقيدة، أو عمل غير مشروع في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع، ولك أن تستظهر ذلك القيد من الآيات والروايات، فإنّ عمل المشركين في التحليل والتحريم لم يكن عملاً شخصياً في الخفاء، بل إنّ المُبتدعَ الاَوّل قد أحدث فكرة وأشاعها، ودعا الناس إليها، كما كان الحال كذلك في الرهبان والاَحبار، ويشهد على ذلك بوضوح ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول
____________

(1)لا يخفى أنّ الاِمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه، لاحظ الصفحة 114 من الاعتصام.
(2)الاِمام الشاطبي: الاعتصام: 1|141 ـ 142.


( 39 )
اللّه : _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من دعا إلى هدى كان له من الاَجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص من ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاِثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً (1).

ويدل عليه قول القائل يوم القيامة : «إنّهم قد بدّلوا بعدك» فإنّ تبديل الدين، ليس عملاً شخصياً بل هو عمل جماعي، إلى غير ذلك من القرائن الموجودة في الروايات.

إلى هنا خرجنا بنتيجتين:

الاَُولى: أنّ مصبّ البدعة في الاَدلّة هو الدين والشرع.

الثانية: أنّ البدعة لا تنفك عن الدعوة إلى الباطل.

وإليك بيان القيد الثالث.

عدم وجود أصل لها في الدين:

العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة هو فقدان الدليل على جواز العمل لا في الكتاب ولا في السنّة وذلك ظاهر، إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل، لما كان أمراً جديداً في الدين أو تدخّلاً في الشرع، ولاَجل ذلك قلنا: إنّ أفضل التعاريف هو قولهم: «إدخال ما ليس من الدين في الدين» أو «إدخال ما لم يُعلم من الدين في الدين» وبعبارة واضحة، البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول ولم يرد فيه نص على الخصوص ولم يكن داخلاً في بعض العمومات، وإن شئت قلت: إحداث شيء في الشريعة لم يرد فيه نصّ، سواء كان أصله مبتدعاً، كصوم عيد الفطر، أو خصوصيته مبتدعة كالاِمساك إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض،
____________

(1)لاحظ الفصل الاَوّل، الحديث التاسع.


( 40 )
معتقداً بأنّه الواجب في الشرع، وفي النصوص السابقة للعلماء تصريح على ذلك.

قال ابن حجر العسقلاني: والمراد بالبدعة، ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة.

قال ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاًوإن كان بدعة لغة(1).

وقال العلاّمة المجلسي: البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولم يرد فيه نص على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً (2)

وعلى ضوء ذلك تنحل هناك عويصة المصاديق التي ربّما تعدّ من البدعة لاَجل عدم ورود نص خاص فيه ولكن تشمله العمومات بصورة كلّية، فهذا لا يكون بدعة.

وذلك لاَنّه لو كان هناك نص خاص لاَخرجه عن البدعة وهذا واضح جداً، أمّا إن لم يكن هناك نصّ خاصّ ولكن العمومات تشمله بعمومها، فهذا ما نوضحه بالمثال التالي: إنّ الدفع عن بيضة الاِسلام و حفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الاَعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: "وأعِدَّوا لَهُمْ مَا اسْتطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ" (الاَنفال ـ 60) فإنّ قوله: "مِنْ قوَّة" مفهوم كلّـي يشمل عامّة كيفية الدفاع ونوع السلاح وشكل الخدمة العسكرية المتبعة كل عصر ومصر، فالجميع برمته هو تطبيق لهذا المبدأ، وتجسيد لهذا الاَصل، فالتسلّح بالغواصات والاَساطيل البحرية والطائرات المقاتلة
____________

(1)مضت النصوص في محلّها.
(2)المجلسي: البحار: 74|202.


( 41 )
إلى غير ذلك من أدواة الدفاع، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الاَصل و من حلاله.

إنّ من يرم التجنيد العسكري بأنّه بدعة فهو غافل عن حقيقة الحال فإنّ الاِسلام يأمر بالاَصل ويترك الصور والاَشكال لمقتضيات العصور .

إلى هنا خرجنا بلزوم قيود ثلاثة في تحقّق البدعة وصدقها:

1ـ أن يكون تدخّلاً في الشريعة وتصرّفاً فيها عقيدة وحكماً.

2ـ أن تكون هناك إشاعة بين الناس.

3ـ أن لا يكون هناك أصل على المشروعية لا خاصّاً ولا عامّاً.

ويجمع الكل «القول في الدين بغير علم على الاَغلب، بل مع العلم بالخلاف ولكن يقدّم رأيه عليه، بظنّ الاِصلاح أو غيره من الحوافز».

هذا هو تحديد البدعة بمفهومها الدقيق الذي نتّخذه قاعدة كلّية، ونستكشف به حال الموضوعات التي تضاربت فيها الاَقوال والاَفكار بين موسِّع ومضيِّق وسيوافيك شرحها.


( 42 )


( 43 )
الفصل الرابع


الابتداع في تفسير البدعة

ما لم يكن في القرون الثلاثة:

ارتحل النبيّ الاَكرم إلى الرفيق الاَعلى بعد أن أكمل الشريعة وبيّن جليلها ودقيقها وما تحتاج إليه الاَُمّة إلى يوم القيامة، قال سبحانه: "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً" (المائدة ـ 4) وحفاظاً على دينه وصيانته من التحريف والتبديل، أمر التمسّك بالثقلين ولم يرضَ للاَُمّة غيرهما لئلاّ يكون الدين أُلعوبة بأيدي المغرضين والطامعين، والمقياس في تميّز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين سواء أفسر بالكتاب والعترة كما هو المتضافر، أم بالكتاب والسنّة كما رواه الاِمام مالك في الموطأ بسند مرسل (2)ل، والحديثان متقاربا المضمون، لاَنّ العترة لا تنشد إلاّ السنّة النبويّة، أخذها كابر عن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الاَكرم، فما وافقهما فهو سنّة وما خالفهما فهو بين
____________

(1)مالك بن أنس: الموطأ: 648 برقم 1619.


( 44 )
معصية وبدعة، مع الفرق الواضح بينهما فلو أُذيعت الفكرة أو العمل بين الناس فتصير بدعة، وإن اكتفى بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية.

ومن العجب أنّ أُناساً صاروا بتحديد البدعة وتمييزها عن السنّة، وقد جاءوا في تحديدها ببدعة وفرية جديدة لا دليل لها في الكتاب والسنّة، وهي أنّ المقياس في تمييز البدعة عن السنّة هو القرون الثلاثة الاَُولى بعد رحيل الرسول. فما حدث فيها فهو سنّة وما حدث بعدها فهو بدعة، وإن تعجب فإليك نص القائل:

وممّا نحن عليه، أنّ البدعة ـ وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة ـ مذمومة مطلقة خلافاً لمن قال: حسنة وقبيحة، ولمن قسّمها خمسة أقسام إلاّ إن أمكن الجمع بأن يقال: الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة وتكون تسميتها بدعة مجازاً، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرّمة والمكروهة فلا بأس بهذا الجمع (1).

وهذه النظرية الشاذّة عن الكتاب والسنّة، نظرية خاصة استنتجها القائل ممّا رواه الشيخان في باب فضائل أصحاب النبيّ وإليك نصّهما.

روى البخاري قال: سمعت عمران بن الحصين يقول: قال رسول اللّه: خير أُمّتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذَكرَ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، ثم إنّ بعدكم قوماً، يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يوَتمنون ويَنذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن.

وروى أيضاً عن عبد اللّه ـ رضي اللّه عنه ـ أنّ النبيّ قال: خير الناس قَرني ثم الذين يلُونهم ثم يجيىَ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمنيه شهادته، قال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (2).


____________

(1)الهدية السنية، الرسالةالثانية: 51.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7|6 باب فضائل أصحاب النبي، النووي: شرح صحيح مسلم: 8|84 ـ 85.


( 45 )

إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة، هو أنّ كل ما حدث في القرون الثلاثة الاَُولى فليس ببدعة، وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة، باطل بوجوه:

الاَوّل: إنّ القرن في اللغة هو النسل (1)وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم قال سبحانه: "فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخرين" (الاَنعام ـ 6) وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون، يكون المراد، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين 180 و 210 وأين هو من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!

الثاني: إنّ شرّاح الحديث اختلفوا في تفسير الرواية، وعلى كلّتفسير لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب، فمن قائل إلى أنّ المراد من القرن في قوله: «قرني» هو أصحابه ومن «الذين يلونهم» أبناءهم ومن «الثالث» أبناء أبنائهم.

إلى آخر بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثم كذلك.

إلى ثالث أنّ قرنه الصحابة، والثاني التابعون والثالث تابعوهم (2).

وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون، فمثلاً نأخذ بالقول الاَخير الذي هو أعمّ الاَقوال وأوسعها.

فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال: أنّه توفّي سنة 120 هـ أو دونها أو فوقها بقليل، وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام 170هـ أو 180 هـ و آخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله، من توفي حدود 220هـ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة وهذا
____________

(1)الخليل: العين: ابن منظور: اللسان، مادة «قران».
(2)النووي: شرح صحيح مسلم : 16|85.


( 46 )
كثير جداً، ولاَجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الوقـت (220هـ) ظهـرت البدع فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة روَوسها، وأمتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن، وتغيّرت الاَحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الاَمر في نقص إلى الآن (1).

ولو افترضنا أنّ القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصحّ تفسير الحديث به، لاَنّ المحور في الحديث في تمييز قرن عن قرن آخر هو الاَشخاص حسب أعمارهم، فعلى ذلك يجب أن يكون الملاك في تبادل القرون وتمايزها ملاحظة من كانوا يعيشون فيه حيث قال: «خير أُمّتي قرني» ولم يقل القرن الاَوّل ثم قال «ثم الذين يلونهم» فلم يقل ثم القرن الثاني وقال: «ثم الذين يلونهم» ولم يقل القرن الثالث، فلا محيص عند حساب السنين ملاحظة الاَشخاص الذين كانوا يعيشون في قرنه والقرنين اللّذين يليانه.

الثالث: ماذا يراد من خير القرون وشرّها، وما هو الملاك في الوصف بالخير والشر ؟

فأنّ هناك ملاكات ثلاثة للخير والشر للوصف بهما وكلّ محتمل:

1ـ فأنّ أهل القرن الاَوّل كانوا خير القرون لاَجل أنّه لم يدب فيهم دبيب الخلاف في الاَُصول والعقائد، وكانوا متماسكين في الاَُصول متّحدين في العقائد.

2ـ كونهم خير القرون لاَجل سيادة الطمأنينة عليهم وكان الجميع متظلّل بظلّ الصلح والسلم إخواناً.

3ـ كونهم خير القرون لاَجل تمسّكم بأهداف الدين في مقام العمل وتطبيق الشريعة.

وأيّ واحد أُريد من هذه الملاكات، فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا
____________

(1)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7|4.


( 47 )
يدعمه بل يكذبه، وإليك البيان:

فإن كان الملاك، العقائد الصحيحة والباطلة وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة، بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الاَُولى ثم ظهرت روَوس الشياطين ودبّت فيهم المناهج الكلامية الفاسدة ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يصدّق ذلك بل ويكذّبه، فإنّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والاَربعين من القرن الاَوّل وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الاَرض، ولم يتمّ القرن الاَوّل إلاّ ظهرت المرجئة الذين دعوا المجتمع الاِسلامي إلى الانحلال الاَخلاقي رافعين عقيرتهم بأنّه لا تضرّ مع الاِيمان معصية، فقد ضلّوا وأضلّوا كثيراً حتى دبّ الارجاء بين المحدثين وغيرهم في القرن الثاني وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في تدريب الراوي (1).

كان الارجاء يقود المجتمع الاِسلامي إلى الانحلال الاَخلاقي والفوضى في جانب العمل إلى أن ظهرت المعتزلة في أوائل القرن الثاني عام 105هـ قبل وفاة الحسن البصري بقليل، فتوسّع الشقاق بين المسلمين وقسّمهم إلى فرق كثيرة، وكان النزاع قائماً على قدم وساق منذ أن ظهر الاعتزال عن طريق واصل بن عطاء إلى أواسط القرن الخامس الذي قضي فيه على الاعتزال.

إنّ القرن الثاني كان عصر ازدهار المذاهب الكلامية وكانت الاَمصار ميداناً لتضارب الاَفكار.

فمن متزمّتٍ يقتصر في وصفه سبحانه بالاَلفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ويفسّـرها بمعانيها الحرفية، من دون إمعان وتدبّـر، ويرفع صوته بأنّ للّه يداً ووجهاً ورجلاً وأنّه مستقرّ على عرشه.

إلى مرجئي يكتفي بالاِيمان بالقول، ويقدّمه ويوَخر العمل يسوق المجتمع
____________

(1)السيوطي: تدريب الراوي: 1|328.


( 48 )
إلى الانحلال الخلقي وترك الفرائض.

إلى محكِّم يكفّر كل الطوائف الاِسلامية غير أهل نحلته الذين كانوا يبغضون الخليفتين عثمان وعليّاً وكانوا يكفّرون الصدّيق الاَعظم عليّ (عليه السّلام) .

إلى معتزلي يوَوّل الكتاب والسنّة إلى ما يوافق معتقده وعقليته.

إلى جهميّ ينفي صفات اللّه كلّها، وينفي الاستطاعة والقدرة عن الاِنسان ويحكم بفناء الجنّة والنار . وقد هلك جهم بن صفوان عام 128 هـ.

إلى كرّامي يقول: الاِيمان قول باللّسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو موَمن، وانّه سبحانه جسم لا كالاَجسام. وقد هلك «كرّام» عام 255 هـ.

إلى غير ذلك من المناهج الرجعيّة التي أفسدت المسلمين والمجتمع الاِسلامي بعقائدها الفاسدة، فكيف يمكن ـ من هذا الجانب ـ وصف هذه القرون خيراً ؟!

هذا إذا كان الملاك في الوصف بالخير وحدة، المسلمين في العقيدة.

وإن كان الملاك صفاء المجتمع من حيث السلم والصلح وسيادة الطمأنينة على المسلمين فهذا ما يكذّبه التاريخ، فإنّ القرن الاَوّل كان صحيفة سوداء في التاريخ الاِسلامي، وكان قرناً دموياً لم يرَ التاريخ مثله.

فكيف يكون خير القرون؟! وأيّ يوم فيه كان يوم صفاء وصلح؟!

أيوم قُتل فيه الخليفة عثمان بن عفان في عقر داره بمرآى ومسمع من المهاجرين والاَنصار؟

أيوم فتنة الجمل الذي قتلت فيه عشرات الآلاف من الطرفين بين صحابي وتابعي وقد عقب ذلك ترميل النساء وإيتام الاَطفال وحدوث الاَزمة والشدّة؟

أيوم صفّين الذي خرج فيه أمير الشام بوجه الاِمـام عليّ _ عليه السلام _ الـذي


( 49 )
بايعه المهاجرون والاَنصار ، بيعة لم ير لها نظير في التاريخ، فظهر صِدَام بين طائفتين من المسلمين كانت نتيجته إراقة دماء عشرات الاَُلوف إلى أن انتهت إلى التحكيم؟

أيوم ظهر الخوارج على الساحة الاِسلامية يَغيرون ويقتلون الاَبرياء إلى أن انتهت فتنتهم بقتل مشايخهم في النهروان؟

أيوم أُغير على آل رسول اللّه بكربلاء وقتل فيه أبناء المصطفى وفيهم سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنّة، وسبيت بنات الزهراء ومن معهنّ من نساء أهل البيت حتى لم يبقَ بيت له برسول اللّه صلة إلاّ وقد ضُجَّت فيه النوائح وعمته الآلام والاَحزان؟

أيوم أُبيحت فيه مدينة رسول اللّه في وقعة الحرة الشهيرة فقتل الاَصحاب والتابعون ونهبت الاَموال، وبقرت بطون الحوامل، وهتكت الاَعراض، حتى ولدت الاَبكار لا يعرف من أولادهن؟ (1).

أيوم حاصر جيش بني أُمية مكّة المكرمة والبيت العتيق ورموه بالحجارة لاَجل القضاء على عبد اللّه بن الزبير؟

أيوم تسلّم عبد الملك بن مروان منصّة الخلافة وقد عيّن الحجاج بن يوسف عاملاً على العراق، فسفك دماءً طاهرة وقتل الاَبرياء وزجّ بالسجون رجالاً ونساءً من دون أن تظلّهم مظلّة تقيهم حرّ الشمس وبرد الليل القارص؟

هذا وبعد لم يتمّ القرن الاَوّل وهذه نماذج من حوادث دموية وقعت فيه، فكيف يمكن أن يكون ذلك القرن خير القرون وأفضلها وإن كان صاحب القرن هو الرسول الاَعظم أفضل الخلق؟ إلاّ أنّ سيرته، من سيرة أُمّته التي وقفت على
____________

(1)صائب عبد الحميد: منهج في الانتماء المذهبي: 281.


( 50 )
صورة مجملة من سيرتها الدموية (1).

وإن كان الملاك هو تمسّكهم بالدين في مجال الاَحكام والفروع فهو أيضاً لم يكن متحققاً، وإن شئت فارجع إلى ما حدث بعد رحيل النبي في نفس عام الرحلة، فإنّ كثيراً ممّن رأى النبيّ الاَكرم وأدركه وسمع حديثه أصبح يمتنع عن أداء الزكاة، بل أصبح البعض مرتدّاً عن دين الاِسلام لولا أنّ الخليفة الاَوّل قام بقمعهم وردّ عاديتهم.

لا ندري هل نصدق هذا الحديث أم نوَمن بما حدّث القرآن الكريم، حيث يعرّف قوماً أفضل وأعرف بمواقع الاِسلام ممّن كان في حضرة النبيّ من الصحابة الكرام، يقول سبحانه: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُوَْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُوَْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ" (المائدة ـ 54) قل لي من هوَلاء الذين يعتزّ اللّه بهم سبحانه ويفضّلهم على أصحاب النبيّ؟ فلاحظ التفاسير (2).

لا ندري هل نوَمن بهذا الحديث الذي رواه الشيخان أم نوَمن بما رواه نفسهما في باب آخر، قالا: قال رسول اللّه: يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُهلئون عن الحوض فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى (3).


____________

(1)لاحظ في الوقوف على هذه الحوادث المرّة، تاريخ الطبري، تاريخ اليعقوبي، مروج الذهب للمسعودي وتاريخ الكامل للجزري، والاِمامة والسياسة لابن قتيبة إلى غير ذلك من المعاجم التاريخية المعتبرة.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 3|427 تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: 6|165.
(3)ابن الاثير: جامع الاَُصول: 11|120 برقم 7973.


( 51 )

هل نوَمن بهذا الحديث أم نوَمن بما رواه الموَرخون في حياة الوليد بن عقبة وهو الذي وصفه سبحانه بكونه فاسقاً وقال: "إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا" (الحجرات ـ 6) وقد أطبق المفسّـرون في نزولها على الوليد بن عقبة.

هذا وقد ولّـى الكوفة أيام خلافة الخليفة الثالث فشرب الخمر وقام يصلّـي بالناس صلاة الفجر فصلّـى أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده: اشربي واسقني، ثم قاء في المحراب ثمّ سلّم وقال: هل أزيدكم إلى آخر ما ذكره (1).

وليس الوليد شخصاً وحيداً بين من عاصر النبيَّ الاَكرم، بل كان فيهم أصناف مختلفة لا يمكن الحكم باستقامتهم فضلاً عن الحكم بعدالتهم.

فقد كان فيهم المنافقون المعروفون بالنفاق (2)والمختفون به (3)ومرضى القلوب (4).

ة والسماعون كالريشة في مهب الرياح (5)وخالطوا العمل الصالح بالسيّىَ (6) والمشرفون على الارتداد (7)والمسلون غير الموَمنين (8)والموَلّفة قلوبهم (9) والمولّون أمام الكفار (10)والفاسق (11).

نحن نترك تفسير الحديث إلى آونة أُخرى ولعلّ المحققين يجدون له تفسيراً ينطبق على التاريخ القطعي المشهور والملموس.


____________

(1)ابن الاَثير: الكامل: 2|52، الجزري: أُسد الغابة: 5|91 إلى غيرهما من المصادر الكثيرة.
(2)سورة المنافقون: الآيات 1 ـ 8.
(3)التوبة: 101.
(4)الاَحزاب: 12.
(5)التوبة: 45 ـ 47.
(6)التوبة: 102.
(7)آل عمران: 154.
(8)الحجرات: 14.
(9)التوبة: 60.
(10)الاَنفال: 16.
(11)الحجرات: 6.


( 52 )
الابتداع في تفسير البدعة:

إنّ من البدعة في تفسيرها، هو جعل السلف معياراً للحق والباطل والاِصرار عليه، ترى أنّ كثيراً ممّن ينتمون إلى السلفية يصفون كثيراً من الاَُمور بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الصحابة والتابعين، وهذا ابن تيمية يصف الاحتفال في مولد النبيّ بدعة بحجّة أنّه لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق منّا فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول اللّه وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص (1).

ويقول في حق القيام للمصحف وتقبيله: «لا نعلم فيه شيئاً مأثوراً عن السلف» (2).

وقد ورث هذه الفكرة كثير ممّن يوَمن بمنهجه، وهذا هو عبد اللّه بن سليمان ابن بليهد الذي قام باستفتاء علماء المدينة بتخريب قباب الصحابة وأئمّة أهل البيت في بقيع الغرقد عام 1344هـ وقد نشر مقالاً في جريدة أُمّ القرى في عدد جمادي الآخر سنـة 1345هـ وجاء فيهـا قوله: لم نسمع في خير القرون أنّ هذه البدعة: البناء على القبور ، حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة (3).

وبدورنا نشكر الشيخ ابن بلهيد حيث وسع الاَمر على المسلمين وأدخل عليها قرنين آخرين بعدما قصر موَلف الهدية السنيّة العصمة على أهل القرون الثلاثة الاَُولى، ولكن نهيب بصاحب المقال بأنّ المسلمين وفي مقدمتهم عمر بن
____________

(1)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 276.
(2)ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: 1|176.
(3)السيد الاَمين: كشف الارتياب: 357 ـ 358.


( 53 )
الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ قد فتحوا القدس وفيها مقابر الاَنبياء ومقام إبراهيم ويعقوب وأولادهم وعليها قباب وأبنية ولم يَدُر بخلد أحدٍ، حتى الخليفة بأنّها بدعة كي يهدموها بمعاولهم.

إنّ هناك كلاماً جميلاً للاَُستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فقد ألف كتاباً باسم «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» وقد أدّى فيه حقّ المقال، نقتطف منه ما يلي:

إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً، طارئاً على تاريخ الشريعة الاِسلامية والفكر الاِسلامي، ألا وهو «السلفية» فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معيّنة من المسلمين، تتّخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده مفهوماً معيناً، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة، بحيث تغدوا هذه الفئة بموجب ذلك، جماعة إسلامية جديدة، في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل موَسف في هذا العصر، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولاتها بل تختلف عنهم حتى بمزاجها النفسي ومقاييسها الاَخلاقية كما هو الواقع اليوم فعلاً.

بل إنّما لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها، بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الاَُمة ولا الخلف الملتزم بنهجه.

فإنّ السلف ـ رضوان اللّه عليهم ـ لم يتّخذوا من معنى هذه الكلمة بحدّ ذاتها مظهراً لاَيّ شخصية متميّزة، أو أيّ وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم، يميّزهم عمّن سواهم من المسلمين، ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكيّة والاَخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصيّة فكرية مستقلّة. بل كان بينهم وبين من نسمّيهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل


( 54 )
الفهم والاَخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تمّ الاتفاق عليه، والاحتكام إليه، ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أنّ حاجزاً سيختلق ليرتفع ما بينهما، بصُنع طائفة من المسلمين فيما بعد، وليقسم سلسلة الاَجيال الاِسلامية إلى فريقين، يصبغ كلاّ ً منهما بلون مستقلّ من الاَفكار والتصوّرات والاتّجاهات، بل كانت كَلِمتا السلف والخلف في تصوراتهم لا تعني ـ من وراء الانضباط بالمنهج الذي ألمحنا إليه ـ أكثر من ترتيب زماني كالذي تدل عليه كلمتا: (قبل وبعد) (1).

إنّ ما ذكره هذا المحقق هو الحق القراح الذي لا يرتاب فيه من له إلمام بالكتاب والسنّة وسيرة المسلمين وتاريخهم، وأين هذا وما ذكره الدكتور سيد الجميلي حيث جعل للسلفيّة والسلف حقيقة شرعية وقال: كلمة السلفية والسلف مصطلحان شرعيان (2)وليس هذا الاشتباه منه ببعيد لضآلة علمه بالتاريخ وإن كنت في شك فانظر كيف فسّـر الاَشاعرة بقوله: هم من أتباع أبي موسى الاَشعري المتوفّى سنة 44هـ مع أنّهم من أتباع أبي الحسن الاَشعري المولود عـام 260هـ والمتوفى عام 324هـ وهو من أحفاد أبي موسى الاَشعري، فهذا مبلغ علمه ويريد أن يقضي به بين الفقهاء والمجتهدين والمحدّثين !!

* * *


____________

(1)الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: السلفية: 13 ـ 14.
(2)الدكتور سيد الجميلي: مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره.


( 55 )
الفصل الخامس


البدعة وأسباب نشوئها

البدعة عمل اختياري للمبدع ولها ـ كسائر الاَفعال الاختيارية ـ أسباب وغايات يعد الجميع مناشىَ لها و لا توجد البدعة إلاّ في ظلّ أسباب وغايات، ومن خلال عرض النصوص الدينية وما دخل في التاريخ من بدع، يمكن التوصّل إلى ما نتبنّاه في هذا الفصل.

1ـ المبالغة في التعبّد للّه تعالى:

هذا العنوان ذكره الشاطبي لدى تعريفه للبدعة، حيث قال: «طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد للّه تبارك وتعالى» (2). وهذا وإن لم يكن أمراً كلّياً صادقاً في جميع مواردها لكنّه أحد أسباب نشوء البدع، كما يشهد له التاريخ، ولعلّ من هذا المنطلق استأذن عثمان بن مظعون النبيّ في
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 1|37.


( 56 )
الاِخصاء فقال النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ليس منّا من خصي أو اختصى إنّ اختصاء أُمّتي الصيام »،إلى أن قال : ائذن لي في الترهّب، قال: «إنّ ترهّب أُمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» (1) فإنّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا اللّه سبحانه أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة، فلاَجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ويذيع ذلك بين الناس باسم الشرع، ولهذا أيضاً شواهد في التاريخ نقتطف منها ما يلي:

أ ـ روى جابر بن عبد اللّه: إنّ رسول اللّه كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ليس من البرّ الصيام في السفر» (2).

ب ـ روى الكليني عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ قال: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثم أفطر الناس معه وثمَّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول اللّه العصاة وإنّما يوَخذ بآخر أمر رسول اللّه (3).

فإنّ الاِنسان المتزمّت يتخيّل أنّه لو سافر صائماً يكن عمله أكثر قبولاً عند اللّه تبارك وتعالى، ولكنّه غافل عن مناطات التشريع وملاكاتها العامّة التي توجب الاِفطار في السفر ليكون الدين رفقاً بالاِنسان يجذب الناس إليه، قال سبحانه: "وما جَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ" (الحج ـ 78).

ج ـ روى مالك في الموطأ: إنّ رسول اللّه رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال:
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 1|325.
(2)أحمد بن حنبل: المسند: 3|319 و 399، لاحظ الفقيه للصدوق: 2|92 الحديث 2.
(3)الكليني: الكافي: 4|127 ح5 باب كراهية الصوم في السفر .


( 57 )
«ما بال هذا؟» قال: نذر ألاّ يتكلّم ولا يستظلّ من الشمس ويصوم، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «مره فليتكلّم وليستظلّ وليجلس وليتمّ صيامه» (1).

د ـ روى البخاري عن قيس بن أبي حازم: دخل رسول اللّه على امرأة فرآها لا تتكلّم فقال: «ما لها؟» فقيل: حجة مصمّتة، فقال لها: «تكلّمي فإنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية» فتكلّمت (2).

هـ ـ إنّ متعة الحج ممّا نصّ عليها الكتاب العزيز فقال: "ومَنْ تمتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَـرَ مِنَ الهَدْي" (البقرة ـ 196) والمقصود من متعة الحج هو حج التمتع، وهو أن ينشىَ المتمتع بها إحرامه في أشهر الحج من الميقات، فيأتي مكّة ويطوف بالبيت ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يقصّـر ويحلّ من إحرامه، فيقيم بعد ذلك مُحلاّ حتى ينشىَ في تلك السنة نفسها إحراماً آخر للحج من مكة ويخرج إلى عرفات، ثم يفيض إلى المشعر الحرام ثم يأتي بأفعال الحج على ما هو مبيّن في محله، هذا هو التمتع بالعمرة إلى الحج وهو فرض بعد عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب، وإنّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتّع (حج التمتع) أو قيل عنه: التمتع بالحجّ، لما فيه من المتعة أي اللذّة بإباحة محظورات الاِحرام في المدّة المتخلّلة بين الاِحرامين.

ولكن كان بين صحابة النبيّ من يستكره ذلك، روى الدارمي قال: سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك: كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: حسنة جميلة، فقال: قد كان عمر ينهى عنها فأنت خير من عمر؟ قال: عمر خير منّي وقد فعل ذلك النبيّ هو خير من عمر (3).


____________

(1)مالك ابن أنس: الموطأ، كتاب الاِيمان والنذور: 317 ح 1022.
(2)البخاري: الصحيح: 5|41 ـ 42 باب أيام الجاهلية.
(3)الدارمي: السنن: 2|36 كتاب المناسك.


( 58 )
وروى الترمذي قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه تعالى. فقال سعد: بئس ما قلت يابن أخي! فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصنعناها معه، هذا حديث صحيح.

وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال: إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل. قال: فإنّ أباك كان ينهى عنها. فقال: ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأمر به، أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟! قم عنّي (1).

ولاَجل ذلك كان هذا الصحابي يحرم بإحرام واحد للعمرة والحج، مع أنّ النبيَّ أمر بإحرامين: إحرام للعمرة ثم يتحلّل ويتمتّع بمحظورات الاِحرام ثم يحرم للحج، وما هذا إلاّ لزعم أنّ ترك التمتع بين العملين أكثر قربة إليه تعالى وقد برّر فتواه بعد الاعتراف، بأنّ عمرة التمتّع سنّة رسول اللّه بقوله: ولكنّني أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك ثم يروحوا بهنّ حجّاجاً (2).

هذه نماذج من كثير ممّا تعرض إليها التاريخ في شتّى المناسبات، والجامع لذلك هو المبالغة في التعبّد للّه ـ حسب زعمه ـ وهي ناشئة عن قلة استيعاب المبتدع على ما يجب أن يعرفه، فإنّ اللّه سبحانه أعرف بمصالح العباد ومفاسدهم
____________

(1)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 2|388.
(2)أحمد بن حنبل: المسند: 1|49.


( 59 )
وبأسباب السعادة والشقاء ولا يشذّ عن علمه شيء، وكم في التاريخ الاِسلامي شواهد واضحة على هذا النوع من السبب (1).

2ـ اتباع الهوى:

إنّ استعراض تاريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل، يثبت بأنّ الاَهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة، والمبتدع وإن لم يكن متنبئاً إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبوَ، وفي الروايات إشارات وتصريحات على ذلك.

خطب الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ الناس فقال: أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً ... (2).

إنّ لحبّ الظهور دوراً كبيراً في الحياة الاِنسانية فلو كانت هذه الغريزة جامحة لاَدّت بالاِنسان إلى ادّعاء مقامات ومناصب تختصّ بالاَنبياء، ولعلّ بعض المذاهب الظاهرة بين المسلمين في القرون الاَُولى كانت ناشئة عن تلك الغريزة.

روى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ علياً مرّ بقتلى الخوارج فقال: بوَساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم، فقيل: ومن غرّهم؟ فقال: الشيطان المضلّ، والنفس الاَمّارة بالسوء، غرّهم بالاَماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار (3).


____________

(1)لاحظ السيرة النبويّة لابن هشام، صلح الحديبية: 2|316ـ 317.
(2)الكليني: الكافي: 1|54 ح1، باب البدع.
(3)ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 19|235.