http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 230 - ص 247

( 230 )
المسألة الثامنة:


وجوب القصر في السفر

قد تعرّفت على أنّ غير الحنفية والزيدية والظاهريّة تذهب إلى التخيير بين القصر والاِتمام غير أنّ الحنفية والاِمامية تذهبان إلى كون القصر فرضاً وعزيمة، وإليك دراسة المسألة قولاً ودليلا:

فقهاء الشيعة على كون القصر عزيمة :

قال السيد المرتضى علم الهدى (355 ـ 436هـ) في الاِنتصار:

«وممّا انفردت به الاِمامية القول: بأنّ المسافر يلزمه التقصير ما لم ينو المقام في البلد الذي يدخله عشرة أيام فصاعداً، وإذا نوى ذلك وجب عليه الاِتمام، وأنّ من عداهم من الفقهاء يخالف في ذلك. فأبو حنيفة وأصحابه والثوري يقولون: إنّه إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتم وإن نوى أقل من ذلك قصّر.

وقال الشافعي ومالك وهو قول سعيد بن المسيب والليث: إذا نوى إقامة أربعة أيّام أتم.

وقال الاَوزاعي: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوماً أتمّ. وروى عن ابن حي أنّه


( 231 )
قال: إن مرّ المسافر بمصره الذي فيه أهله وهو منطلق ماضٍ في سفره قصّر فيه الصلاة مالم يقم به عشراً، فإن أقام به عشراً أو بغيره من سفره أتمّ الصلاة» (2).

وقال الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ) في الخلاف:

«التقصير في السفر فرض وعزيمة، والواجب من هذه الصلوات الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الاَعادة.

وقال أبو حنيفة مثل قولنا إلاّ أنّه قال: إن زاد على ركعتين، فان كان تشهد في الثانية صحّت صلاته، ومازاد على الثنتين يكون نافلة إلاّ أنّ يأتم بمقيم فيصلّي أربعاً فيكون الكلّ فريضة أسقط بها الفرض.

والقول بأنّ التقصير عزيمة مذهب علي _ عليه السلام _ وعمر، وفي الفقهاء مالك وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: هو بالخيار بين أنّ يصلّي صلاة السفر ركعتين وبين أن يصلي صلاة الحضر أربعاً، فيسقط بذلك الفرض عنه.

وقال الشافعي: التقصير أفضل.

وقال المزني: والاِتمام أفضل، وبمذهبه قال في الصحابة: عثمان، وعبد اللّه ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وفي الفقهاء: الاَوزاعي، وأبو ثور» (3) .

وقال المحقّق الحلي (602 ـ 676هـ) في شرائع الاِسلام:


____________

(1)المرتضى: الاِنتصار : في ضمن سلسلة الينابيع الفقهية: 3|207.
(2)الطوسي: الخلاف: 1|569 كتاب الصلاة: المسألة 321، ط. جماعة المدرسين، قم.


( 232 )

«وأمّا القصر: فإنّه عزيمة إلاّ أن تكون المسافة أربعاً ولم يرد الرجوع ليومه على قول، أو في أحد المواطن الاَربعة: مكة والمدينة والمسجد الجامع بالكوفة والحائر، فإنّه مخير والاِتمام أفضل، وإذا تعيّن القصر فأتمّ عامداً أعاد على كل حال، وإن كان جاهلاً بالتقصير فلا إعادة ولو كان الوقت باقياً، وإن كان ناسياً أعاد في الوقت ولا يقضى إن خرج الوقت (1).

هذا يرجع إلى قول الشيعة الاِمامية، وقد تعرفت على اتّفاقهم على القصر وسيوافيك نصوص أئمة الشيعة _ عليهم السلام _ في ذلك الموضوع بعد إنهاء الكلام في أقوال سائر الفقهاء من السنّة:

أهل السنّة في كون القصر عزيمة أو رخصة :

قال أبو بكر الرازي الجصاص (ت 370هـ): وقد اختلف الفقهاء في فرض المسافر، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلاّ صلاة المغرب فإنّها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الاثنتين، فسدت صلاته وإن قعد فيهما مقدار التشهد تمت صلاته بمنزلة من صلى الفجر أربعاً بتسليمة، وهو قول الثوري، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا صلّى أربعاً أعاد. وقال الحسن بن صالح: إذا صلّـى أربعاً متعمّداً أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير، فإذا طال في سفره وكثر لم يُعِد. قال: وإذا افتتح الصلاة على أن يصلّـي أربعاً، استقبل الصلاة حتّى يبتدئها بالنية على ركعتين، وإن صلّى ركعتين وتشهد، ثمّ بدا له أن يتمّ فصلّى أربعاً، أعاد. وإن نوى أن يصلّـي أربعاً بعد ما افتتح الصلاة على ركعتين ثم بدا له فسلّم في الركعتين، أجزأته.


____________

(1)الحلي: الشرائع:1|135.


( 233 )

وقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعاً، فإنّه يعيد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.

قال: ولو أن مسافراً افتتح المكتوبة ينوي أربعاً فلمّا صلّى ركعتين بدا له،فسلّم، أنّه لا يجزيه، ولو صلى مسافر بمسافرين فقام في الركعتين فسبحوا به فلم يرجع، فإنّهم يقعدون ويتشهدون ولا يتبعونه. وقال الاَوزاعي: يصلّي المسافر ركعتين، فإن قام إلى الثالثة وصلاّها فإنّه يلغيها ويسجد سجدتي السهو.

وقال الشافعي: ليس للمسافر أن يصلّي ركعتين إلاّ أن ينوي القصر مع الاِحرام، فإذا أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعاً (1).

وقال ابن حزم: صلاة الصبح ركعتان في السفر والحضر أبداً، وفي الخوف كذلك، وصلاة المغرب ثلاث ركعات في الحضر والسفر أبداً، ولا يختلف عدد الركعات إلاّ في الظهر والعصر والعتمة فإنها أربع ركعات في الحضر للصحيح والمريض وركعتان في السفر، وفي الخوف ركعة كل هذا إجماع متيقن إلاّ أنّ كون هذه الصلوات ركعة في الخوف ففيه خلاف (2).

وقد مضى شمس الدين السرخسي على مذهب الاِمام أبي حنيفة وقال: مسافر صلّى في سفره أربعاً أربعاً فإن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد فصلاته تامة والاَُخريان تطوّع له، وإن كان لم يقعد فصلاته فاسدة عندنا. ثمّ استدل بحديث عائشة كما سيوافيك (3).

وذكر ابن قدامة الاَقوال بالتفصيل ننقل منه ما يلي:

قال: المشهور عن أحمد أنّ المسافر إن شاء صلّى ركعتين، وإن شاء أتمّ،
____________

(1)الجصاص: أحكام القرآن: 2|253.
(2)ابن حزم: المحلى: 4|264 ، المسألة 5110.
(3)السرخسي: المبسوط: 1|229.


( 234 )
وروى عنه أنّه توقف وقال: أنا أحبّ العافية في هذه المسألة. وممّن روي عنه الاِتمام في السفر: عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة ـ رضى اللّه عنهم ـ وبه قال الاَوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الاِتمام في السفر، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وأوجب حماد الاِعادة على من أتمّ.

وقال أصحاب الرأي: إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلاّ لم تصحّ، وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر: ركعتان حتم لا يصلح غيرهما. وروي عن ابن عباس أنّه قال: من صلّى في السفر أربعاً فهو كمن صلّى في الحضر ركعتين (1).

وقد ذكر القرطبي الاَقوال مع الاَدلّة، والاَقوال المذكورة في كتابه نفس الاَقوال التي مرّ ذكرها والاَدلّة فسيوافيك بيانها. وأنت تجد الاَقوال مبسوطة في الكتب الفقهية فلا نطيل المقام بتكرارها.

فتخلص أنّ الاَقوال لا تتجاوز الاثنين بين الرخصة والعزيمة وإن اختلف القائلون بالرخصة في أفضلية القصر أو الاِتمام، كما أنّ القائلين بالعزيمة كالاَحناف الحاكمين ببطلان التمام يستثنون ما إذا جلس المصلي بعد إتمام الركعتين مقدار التشهد.

ثم هنا مواضع أُخر للبحث وراء كون القصر رخصة أو عزيمة ولكن الذي يهمنا في هذه الرسالة هو التركيز على أن القصر عزيمة لا رخصة ونترك البحث في سائر المواضع إلى آونة أُخرى.


____________

(1)ابن قدامة: المغني، مع الشرح الكبير:1|107 ـ 108.


( 235 )
القائل بكون القصر عزيمة:

استدل القائل بالعزيمة بوجوه:

الاَوّل: ما ورد عن أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ .

الروايات الواردة عن طرق أهل البيت _ عليهم السلام _ حول وجوب القصر على المسافر فوق حد التواتر، فقد جمع صاحب وسائل الشيعة حوالي (248) حديثاً حول صلاة المسافر أكثرها يدلّ على المطلوب.

وهذه الاَحاديث تركّز على وجه التفصيل تارة وعلى وجه الاِجمال أُخرى بأنّ القصر عزيمة وكان أمراً مسلّماً عند أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ وإنّما حدث القول بالجواز في عهد بعض الخلفاء، وقد أتينا بهذه الروايات، لاَنّ كل واحدة منها تشير إلى نكتة خاصة في صلاة المسافر وإن كان الجميع يركز على أنّ القصر فريضة لا تترك.

ونذكر هنا نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ لمّا سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر الباقر _ عليه السلام _ عن حكم التقصير في السفر وذكرا أنّ الكتاب قال: "فَلَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلوة" ولم يقل: «افعَلُوا» فكيف يدلّ على الوجوب؟

فأجاب الاِمام _ عليه السلام _ :«أوليس قال اللّه : "إنَّ الصَّفَا وَالمَروةَ مِن شَعائِرِ اللّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما" ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض، لاَنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه، كذلك التقصير في


( 236 )
السفر شيء صنعه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وذكره اللّه تعالى ذكره في كتابه» (2)وسيوافيك الحديث برمته عند نقد دليل القائل برخصة التقصير:

2 ـ وقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من صلّى في السفر أربعاً فأنا إلى اللّه منه بريء» يعني متعمّداً (3).

3 ـ وقال الصادق _ عليه السلام _ : «المتمم في السفر كالمقصر في الحضر»(4) .

4ـ وقال الرضا _ عليه السلام _ : «إنَّ الصّلاة إنّما قصرت في السفر، لاَنّ الصلاة المفروضة أوّلاً إنّما هي عشر ركعات، والسبع إنّما زيدت فيها بعدُ فخفَّف اللّه عزّ وجلّ عن العبد تلك الزيادة لموضع سفره وتعبه ونصبه واشتغاله بأمر نفسه وظعنه وإقامته لئلاّ يشتغل عمّا لا بدّ منه من معيشته رحمة من اللّه عزّ وجلّ وتعطّفاً عليه، إلاّ صلاة المغرب فإنّها لا تقصر، لاَنّها صلاة مقصرة في الاَصل. وإنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر، لاَنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والاَثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم، لما وجب في مسيرة ألف سنة، وذلك لاَنَّ كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثلَه لا فرق بينهما، وإنّما ترك تطوع النهار ولم يترك تطوع اللّيل، لاَنّ كلّ صلاة لا يقصر فيها لا يقصر في تطوّعها. وذلك أنّ المغرب لا يقصر فيها فلا تقصير فيما بعدها من التطوّع، وكذلك الغداة لاتقصير فيها فلا تقصير فيما قبلها من التطوّع، وإنّما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتيها، لاَنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتم بها بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع، وإنمّا جاز للمسافر والمريض أن يصلّيا صلاة اللّيل في أوّل اللّيل لاشتغاله
____________

(1)الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1|338.
(2)الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1|341.
(3)نفس المصدر.


( 237 )
وضعفه، وليحرز صلاته، فيستريح المريض في وقت راحته، وليشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره» (1).

5 ـ وروى الشيخ الطوسي باسناده عن أبي جعفر علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الاَوّل _ عليه السلام _ عن الرجل يخرج في سفره وهو في مسيرة يوم، قال: «يجب عليه التقصير في مسيرة يوم، وإن كان يدور في عمله» (2).

6 ـ وعن الكليني بسنده عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: «بينا نحن جلوس وأبي عند والٍ لبني أُمية على المدينة، إذ جاء أبي فجلس فقال: كنتُ عند هذا قُبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث، وقال قائل منهم: في يومٍ وليلة، وقال قائل منهم:رَوُحة، فسألني. فقلت له: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير، قال له النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :في كم ذاك؟ فقال: في بريدٍ، قال: وأي شيء البريد؟ فقال ما بينَ ظلّ عِير إلى فيء وُعيرٍ. قال: ثم عبرنا زماناً ثم رأى بنو أُمية يعملون أعلاماً على الطريق وأنّهم ذكروا ما تكلّم به أبو جعفر _ عليه السلام _ فذرعوا ما بين ظل عيرٍ إلى فيء وُعيرٍ، (3)ثم جزّوه على اثني عشر ميلاً فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كل ميل، فوضعوا الاَعلام، فلمّا ظهر بنو هاشم غيّروا أمر بني أُمية غيره، لاَنّ الحديث هاشمي فوضعوا إلى جنب كل علَم علَماً» (4).


____________

(1)نفس المصدر: 349.
(2)الحر العاملي: وسائل الشيعة: الباب1 من أبواب صلاة المسافر الحديث16.
(3)هما جبلان بالمدينة معروفان والاَوّل في جانب المشرق، والثاني في جانب المغرب.
(4)وسائل الشيعة، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13. قال ابن إدريس في السرائر حول معنى البريد: وأصل البريد أنـّهم ينصبون في الطريق أعلاماً فإذا بلغ بعضها راكب البريد نزل عنه وسلّم ما معه من الكتب إلى غيره فكأنّ ما به من الحرّ والتعب يبرد في ذلك أو ينام فيه الراكب والنوم يسمى برداً، فسمّي ما بين الموضعين بريداً ،وإنّما الاَصل الموضع الذي ينزل فيه الراكب: ثم قيل: للدابة بريد وإنّما كانت البرد للملوك ثم قيل للسائر بريد.
لا حظ موسوعة الينابيع الفقهية: 4|743.


( 238 )

7 ـ روى الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: «حجّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأقام بمنى ثلاثاً يصلّـي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبو بكر، وصنع ذلك عمر، ثم صنع ذلك عثمان ست سنين، ثم أكملها عثمان أربعاً فصلى الظهر أربعاً ـ إلى أن قال : ـ فقال للموَذن: اذهب إلى علي _ عليه السلام _ فقل له فليصل بالناس العصر، فأتى الموَذن علياً _ عليه السلام _ فقال له: إنّ أمير الموَمنين عثمان يأمرك أن تصلي بالناس العصر فقال: إذن لا أُصلي إلاّ ركعتين كما صلّى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فرجع (فذهب) الموَذن فأخبر عثمان بما قال علي _ عليه السلام _ .قال: اذهب إليه وقل له: إنّك لست من هذا في شيء اذهب فصل كما توَمر، فقال _ عليه السلام _ : لا واللّه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً، فلمّا كان في خلافة معاوية واجتمع الناس عليه وقُتِل أمير الموَمنين _ عليه السلام _ حجّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر، ثم سلم فنظر بنو أُمية بعضهم إلى بعض وثقيف ومن كان من شعية عثمان ثم قالوا: قد مضى على صاحبكم وخالف و أشمت به عدوَّه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أتدري ماصنعتَ؟ مازدت على أن قضيتَ على صاحبنا و أشمتَّ به عدوَّه ورغبتَ عن صنيعه وسنَّته، فقال: ويلكم أما تعلمون أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى في هذا المكان ركعتين وأبو بكر وعمر وصلّى صاحبكم ست سنين كذلك، فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وماصنع أبو بكر وعمر وعثمان قبل أن يحدث؟! فقالوا: لا واللّه مانرضى عنك إلاّ بذلك، قال: فاقبلوا فإنّي متبعكم (مشفعكم) وراجع إلى سنّة صاحبكم فصلّى العصر أربعاً، فلم يزل الخلفاء والاَُمراء على ذلك إلى اليوم» (1).

8ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سألته عن التقصير؟ قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاَذان فأتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاَذان فقصِّـر وإذا قدمت من
____________

(1)الوسائل: الباب3 من أبواب صلاة المسافر: الحديث9.


( 239 )
سفرك فمثل ذلك (1).

9 ـ روى الشيخ الصدوق بإسناده عن عمار بن مروان، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد أو في معصية اللّه أو رسول لمن يعصي اللّه أو في طلب عدو أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين» (2).

10ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي سعيد الخراساني قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا _ عليه السلام _ بخراسان فسألاه عن التقصير؟ فقال لاَحدهما: «وجب عليك التقصير لاَنّك قصدتني»، وقال للآخر: «وجب عليك التمام لاَنّك قصدت السلطان» (3).

11 ـ وعن الكليني بسنده عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمال» (4) .

12 ـ وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ : «إذا عزم الرجل أن يقيم عشراً فعليه إتمام الصلاة، وإن كان في شك لا يدري ما يقيم فيقول: اليوم أو غداً، فليقصر ما بينه وبين شهر فإن أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتم الصلاة» (5).

إلى هنا تم ما أردنا نقله عن أئمة أهل البيت _ عليهم السلام _ ومن حسن الحظ ورود روايات تدعم تلك النظرية رويت عن طرق أهل السنة وبضم هذه إلى هاتيك يعلم تضافر الروايات على كون القصر عزيمة وإليك دراسة ما روي في الصحاح والسنن والمسانيد.


____________

(1)الوسائل: الباب6 من أبواب صلاة المسافر: الحديث3.
(2)المصدر نفسه: الباب8 من أبواب صلاة المسافر: الحديث3.
(3)المصدر نفسه: الحديث6.
(4)المصدر نفسه: الباب11 الحديث4.
(5)المصدر نفسه: الباب15 الحديث13.


( 240 )
تظافر الروايات على لزوم القصر من طرق أهل السنّة:

صرّح المحقّقون من أهل السنّة والجماعة بأنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في عامّة أسفاره كان ملتزماً بالاِتيان بالصلوات الرباعية قصراً ولم يثبت أنّه أتم.

قال ابن قدامى: «أمّا السنّة فقد تواترت الاَخبار أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يقصر في أسفاره حاجّاً ومعتمراً وغازياً» (2).

وقال ابن قيم الجوزية: «وكان _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقصر الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت أنّه أتم الرباعية في سفره البتة» (3).

وهذه السيرة المباركة القطعية إنّ دلت على شيء، فإنّما تدل على وجوب قصر الصلاة في السفر، لاَنّه لو كان القصر رخصة لاَتم في بعض أسفاره في ملاء من الناس حتى لا يظنّوا بأنّ القصر عزيمة ومرض.كما هو ديدنه في فعل المستحبات فضلاً عن المباحات، إذ كان ربما يتركها لئلاّ يتصوّر الناس أنّها فريضة.

وإليك نماذج من الروايات الحاكية لسنّة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعمل أصحابه به حول القصر في الصلاة والتي يستفاد منها أنّ القصر عزيمة:

1 ـ ما روي عن يعلى بن أُمية أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب:"فَلَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تَقْصُـرُوا مِنَ الصّلاةِ إن خِفتُم أن يَفتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا"فقد أمن الناس، فقال: عجبتَ ممّا عجبتُ منه فسألتُ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن ذلك فقال: صدَقة تصَدَّقَ اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه الخمسة إلاّ البخاري (4).


____________

(1)ابن قدامى: المغني: 2|87.
(2)ابن قيم: زاد المعاد في هدى خير العباد:1|158.
(3)التاج الجامع للاَصول:1|295. والآية 101 من سورة النساء.


( 241 )

وقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :«فاقبلوا صدقته» أمر والظاهر أنّه يدل على الوجوب فلا يجوز رد صدقة اللّه بإتيان الصّلاة تماماً في السفر، إذ في رد صدقته سبحانه أنانية أمامه.

نعم، القصر في الآية مقيد بالخوف مع أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قصّر في الخوف والاَمن، وهذا يكشف عن أنّ الخوف حكمة التشريع لا علّته. وبعبارة أُخرى ليس مناطاً للتشريع حتى يدور الحكم مداره، وكم له في التشريع من نظير.

ويمكن أن يقال: إنّ التشريع في بدء الاَمر كان مختصاً بصورة الخوف، ولكن توسعت دائرة التشريع في عصر رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بإيحاء من اللّه إلى رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ومن المعلوم أن الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ليس مشرّعاً بل هو مبلغ للتشريع.

2 ـ ما روي عن ابن عمر أنّه قال: صحبت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك (1).

3 ـ عن نافع عن عبد اللّه (بن عمر) قال: صليتُ مع النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر وعثمان صدراً من امارته ثم أتمها (2).

4 ـ ما روى عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاّ ركعتين، ويقول: «يا أهل البلد، صلّوا أربعاً فإنّا (قوم) سفر» (3).

وفي هذا الحديث تصريح بمواظبة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على إتيان الرباعية قصراً طيلة ثماني عشرة ليلة، ولو كان رخصة لاَتى بها بعض الاَحيان تامة، خاصة وأنّ المقام يقتضي تعليم أحكام الصلاة لاَهل مكة الذين أصبحوا يدخلون في دين اللّه أفواجاً عام الفتح، فهم جديدو عهد بالاِسلام.


____________

(1)البخاري: الصحيح: 2|57.
(2)البخاري: الصحيح: 2|54، مسلم الصحيح: 5|202.
(3)أبو داود السجستاني: السنن: 2|10 : الحديث 1229.


( 242 )

وأمّا صلاته قصراً بعد مرور ثماني عشرة ليلة، فالظاهر أنّه كان لاَجل عدم نيّة الاِقامة مدّة تقطع السفر وأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ربما كان يخرج من مكة إلى خارجها فلم يكن متمكناً عن الاِقامة.

5 ـ ما روي عن حارثة بن وهب أنّه قال: صلى بنا النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ آمَنَ ما كانَ بمنى ركعتين (1).

6 ـ وعن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان(رض) بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود (رض) فاسترجع ثم قال: صلّيت مع رسول اللّه بمنى ركعتين وصلّيت مع أبي بكر (رض) بمنى ركعتين، وصلت مع عمر بن الخطاب (رض) بمنى ركعتين، فليت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان (2).

وجاء في المغني بدل الجملة الاَخيرة «ثم تفرّقت بكم الطرق وَوَدَدْت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين» (3).

وهل استرجاع ابن مسعود إلاّ للظاهرة التي طرأت آنذاك أوّل مرة، وهي عدم الاكتراث بسيرة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والتي استمر عليها الشيخان ونفس عثمان في صدر خلافته ؟

7 ـ وعن عائشة أنّها قالت: فرض اللّه الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمّها في الحضر، فأُقرّت صلاة السفر على الفريضة الاَُولى (4).

8 ـ وعن سفيان ،عن الزهري، عن عروة عن عائشة(رض) قالت: الصلاة
____________

(1)البخاري: الصحيح: 2|53 ،مسلم: الصحيح :5|205،ولفظ «آمن» أفعل التفضيل من الاَمن.
(2)البخاري: الصحيح : 2|54، مسلم: الصحيح: 5|204.
(3)ابن قدامى: المغني: 2|89.
(4)مسلم: الصحيح: 5|194.


( 243 )
أوّل ما فرضت ركعتين فأُقرّت صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تُتِمَّ ؟ قال: تأوّلت ما تأوّل عثمان (1).

الظاهر من الروايتين الاَخيرتين أنّ الفريضة في السفر هو الركعتان، وعلى ذلك فالزيادة عليها لاتصدقه الاَدلة.

قال الشوكاني في شرح الحديث: وهو دليل ناهض على الوجوب، لاَنّ صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنّها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر (2).

وأمّا تأويل عثمان وكذلك عائشة فسيأتي الكلام عنهما.

9 ـ عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (3) .

قال الشوكاني: فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللّه عزّ وجلّ أنّه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للّه وأخشى من أن يحكي أنّ اللّه فرض ذلك بلا برهان.

10 ـ عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: كيف أُصلي إذا كنت بمكة إذا لم أُصلّ مع الاِمام؟ فقال: ركعتين سنّة أبي القاسم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (4).

11 ـ وروي عن عمر (رض) أنّه قال: صلاة السفر وصلاة الجمعة ركعتان والفطر والاَضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (5).


____________

(1)البخاري: الصحيح: 2|54، مسلم: الصحيح: 5|194.
(2)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|200.
(3)مسلم : الصحيح: 5|196.
(4)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|201.
(5)مسلم: الصحيح: 5|196.


( 244 )

12ـ عن عاصم قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى فرأى أُناساً قياماً، فقال: ما يصنع هوَلاء؟

قلت: يسبّحون. قال: لو كنت مسبّحاً أتممت صلاتي.

يا ابن أخي صحبت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وقد قال اللّه: "لَقَد كانَ لَكُم في رَسُولِ اللّهِ أُسوَةٌ حَسَنَة" (1).

والظاهر أنّ نظر ابن عمر إلى عمل عثمان في غير منى، وإلاّ فقد أتمّ هو فيها.

13 ـ وعن ابن عباس قال: افترض رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعاً (2).

14 ـ وروي عنه أيضاً أنّه قال: «من صلّـى في السفر أربعاً فهو كمن صلّى في الحضر ركعتين» (3).

15 ـ وروى عن صفوان بن محرز أنّه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتان فمن خالف السنّة كفر (4).

16 ـ وعن ابن عمر قال: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أتانا ونحن ضلاّل فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أنّ اللّه عزّ وجلّ أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر. رواه النسائي (5).

____________

(1)صحيح مسلم بشرح النووي: 5|197.
(2)الطبراني: نصب الراية: 2|189.
(3)ابن قدامى: المغني: 2|107.
(4)ابن قدامى: المغني: 2|107.
(5)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|204.


( 245 )

قوله: «أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر» تصريح بأنّ القصر في السفر أمر من قبل اللّه، وأي شيء أصرح منه يدلّ على أنّه فرض وعزيمة؟

17 ـ وقال عمر بن العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرها(1) .

18 ـ وعن عمر بن الخطاب عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صلاة المسافر ركعتان حتى يوَوب إلى أهله أو يموت» (2).

19 ـ عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطاب(رض) صلى الظهر بمكة ركعتين فلمّا انصرف قال: يا أهل مكّة إنّا قوم سفر فمن كان منكم من أهل البلد فليكمل، فأكمل أهل البلد (3).

20 ـ عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتّى رجعنا إلى المدينة (4) .

21 ـ عن أبي الكنود عبد اللّه الاَزدي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردّوهما (5).

22 ـ عن السائب بن يزيد الكندي قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثمّ زيد في صلاة الحضر وأُقرّت صلاة السفر (6).

23 ـ عن ابن مسعود قال: من صلى في السفر أربعاً أعاد الصلاة (7).


____________

(1)ابن قدامى: المغني: 2| 108: ابن حزم: المحلى: 4|271.
(2)الجصاص: أحكام القرآن: 2|254.
(3)أبو يوسف: الآثار: ص 30، 75 كما في الغدير: 8|113.
(4)الاِمام أحمد: المسند: 3|190، البيهقي: السنن الكبرى: 3|136 ـ 145.
(5)الحافظ الهيثمي: مجمع الزوائد: 2|145: فقال: رجاله موثقون.
(6)المصدر نفسه: ص 155. ومر نظير هذا الحديث عن السيدة عائشة.
(7)المصدر نفسه: ص 155.


( 246 )

24 ـ عن سلمان قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فصلاها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بمكّة حتّى قدم المدينة فصلاها بالمدينة ما شاء اللّه، وزيد في صلاة الحضر ركعتين وتركت الصلاة في السفر على حالها (1).

25 ـ عن جعفر بن عمر قال: انطلق بنا أنس بن مالك إلى الشام إلى عبد الملك ونحن أربعون رجلاً من الاَنصار ليفرض لنا فلمّا رجع وكنّا بفج الناقة صلّى بنا الظهر ركعتين، ثم دخل فسطاطه وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم ركعتين أُخريين، فقال: قبح اللّه الوجوه فواللّه ما أصابت السنّة ولا قبلت الرخصة، فأشهد لسمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «إنّ قوماً يتعمّقون في الدين، يمرقون كما يمرق السهم من الرميّة» (2).

26 ـ عن ثمامة بن شراحيل قد خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلاّ صلاة المغرب ثلاثاً. إلى آخر الحديث (3).

27 ـ عن أبي هريرة قال: أيّها الناس إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض لكم على لسان نبيكم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الصلاة في الحضر أربعاً (4).

هذا ما وقفنا عليه من النصوص عن النبي الاَعظم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقد أخذ بها لفيف من الصحابة وغيرهم، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس، وجابر، وجبير بين مطعم، والحسن، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والكوفيون (5).

* * *

____________
(1)المصدر نفسه: ص 156.
(2)الاِمام أحمد: المسند: 3| 159 ، الحافظ الهيثمي: مجمع الزوائد: 2|155.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 2|154.
(4)المصدر نفسه: 2|400.
(5)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 5|351.


( 247 )

أضف إلى ذلك اتّفاق فقهاء الشيعة من عصر الاِمام أمير الموَمنين (عليه السّلام) إلى يومنا هذا.

أترى مع هذه الاَحاديث مجالاً للقول بأنّ القصر في السفر رخصة لا عزيمة؟! ولو كان الاِتمام في السفر سائغاً لكان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يعرب عنه بقول أو بفعل ولو بإتيانه في العمر مرّة لبيان جوازه كما يفعل في غير هذا المورد.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث بريدة قال: كان النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يتوضأ عند كل صلاة فلمّا كان يوم الفتح صلّى صلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: إنّك صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: «عمداً صنعته» أي لبيان الجواز (1).

ولو كان هناك ترخيص لما خفي على أكابر الصحابة حتّى نقدوا من أتمّها نقداً مرّاً. وبذلك تعلم قيمة تبرير عمل المتمّين بأنّ الاِتمام والقصر مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء (2).

وذلك لاَنّ الاجتهاد تجاه النّص لا مساغ له، ولم يكن في المسألة أيّ خلاف إلى يوم أتم فيه عثمان يوم منى.

ويعرب عن وحدة الكلمة ما روي أنّ معاوية لمّا قدم مكّة صلّى الظهر قصراً فنهض إليه مروان وعمرو بن عثمان فقال له: ما عاب أحدٌ ابنَ عمك ما عبتَه به، فقال لهما: وما ذاك؟فقالا له: ألم تعلم أنّه أتم الصّلاة بمكّة؟ قال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر وعمر.قالا: فإنّ ابن عمك قد أتـمّها وإنّ خلافك إيّاه لهو عيب فخرج معاوية إلى العصر فصلاها أربعاً (3).

إلى هنا تمّ البحث حول أدلّة القول بكون القصر عزيمة. فلنأخذ بالبحث عن أدلّة القول بالرخصة.


____________

(1)مسلم: الصحيح: 1|122، الشوكاني: نيل الاَوطار: 1|258.
(2)محب الدين الطبري: الرياض النضرة: 2|251.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 4|94.