http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 199 - ص 229

( 199 )

المسألة السادسة:


الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات
في مجلس واحد

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وعنفاً في الحياة وانتهت إلى تمزيق الا َُسرة وتقطيع صلات الاَرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. فتحسب ثلاث تطليقات حقيقة وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط عائقة عن التسرّع في إيقاعه، ككونها غير حائض، أو في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الاَرض بما رحبت فيطلب المَخلَص عن أثره السيّىَ، ولا يجد عند أئمّة المذاهب الاَربعة و الدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً ولا يزيده السوَال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى.

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الاِسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج وهذا يدفع الدعاة المخلصين إلى دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن أبحاث


( 200 )
الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الاَحكام الشرعية على وجوههم، وعن أبحاث أصحاب الهوى الهدّامين الذين يريدون تجريد الا َُمم عن الاِسلام، وأن ينظروا إلى المسألة ويطلبوا حكمها من الكتاب والسنّة، متجرّدين عن كلّ رأي مسبق فلعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وربّما تفك العقدة ويجد المفتي مَخلصاً من هذا المضيق الذي أوجده تقليد المذاهب.

وإليك نقل الاَقوال:

قال ابن رشد: جمهور فقهاء الاَمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك (1).

قال الشيخ الطوسي: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً وبه قال علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، وروي أنّ ابن عباس وطاوساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الاِمامية.

وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرّقة كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمان بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي ـ عليهما الصلاة والسلام ـ ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرقة،
____________

(1)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|62 ، ط بيروت.


( 201 )
فعل محرّماً وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وعمر ، وابن عمر ، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع (1).

قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الا َُولى فتلزمه واحدة، وإن كانت غير مدخول بها بانت بالا َُولى ولم يلزمها ما بعدها لاَنّه ابتداء كلام.

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: إذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية ايقاع طلقة ثانية، وقعت لها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى بها إفهامها أنّ الا َُولى قد وقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو الصحيح من قولي الشافعي وقال في الآخر: تطلّق واحدة.

وقال الخرقي أيضاً في مختصره: «ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها مثل قوله : أنت طالق، فطالق فطالق، أو أنت طالق ثمّ طالق، ثم طالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق وطالق أو فطالق.

وقال ابن قدامة في شرحه: إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ معاً، فوقعن كلّهنّ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً (2).

وقال عبد الرحمان الجزيري: يملك الرجل الحر ثلاث طلقات، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من
____________

(1)الشيخ الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الطلاق ، المسألة 3. وعلى ما ذكره، نقل عن الاِمام عليّ رأيان متناقضان، عدم الوقوع والوقوع مع الاثم.
(2)ابن قدامة: المغني: 7|416.


( 202 )
العدد في المذاهب الاَربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاوس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ (1).

إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق محتجّين بما، تسمع، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالاَخذ به متعيّن.

دراسة الآيات الواردة في المقام:

قال سبحانه:

"والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ ولا يَحلُّ لَهُنَّ أن يكتُمنَ ما خلَقَ اللّهُ في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُوَمِنَّ باللّهِ واليومِ الآخرِ وبُعولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ إنْ أَرادُوا إصلاحاً ولَهُنَّ مثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروفِ وللرجال عليهنَّ درجةٌ واللّهُ عزيز حكيم" (البقرة|228).

"الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ ولا يحلُّ لكُمْ أنْ تأخذُوا مِمّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإن خِفتُمْ ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فلا جُناحَ عَليهِما فيما افتدَتْ بهِ تِلكَ حُدودُ اللّهِ فَلا تَعتَدُوها وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئكَ هُمُ الظّالِمونَ" (البقرة|229).


____________

(1)عبد الرحمان الجزيري: الفقه على المذاهب الاَربعة: 4|341.


( 203 )

"فَإن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكحَ زوجاً غيرَهُ فإن طلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهما أن يَتَراجَعا إن ظنّا أن يُقيما حُدودَ اللّهِ وَتِلكَ حُدودُ اللّهِ يُبَيِّنُها لِقَومٍ يَعلَمونَ" (البقرة|230).

"وإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوفٍ أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ ولا تُمسِكوهنَّ ضِراراً لِتَعتَدوا وَمَن يَفعل ذلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسهُ ..." (البقرة|231).

جئنا بمجموع الآيات الاَربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:

1ـ قوله سبحانه: "وَلَهُنّ مِثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروف" كلمة جامعة لا يوَدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب، وهي تعطي أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والاَعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ باحترام كل من الزوجين الآخر، وقيام كلّ بوظيفته تجاه الآخر ، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل والقيام بالاَعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الاَصل الاَصيل في حياة الزوجين الذي توَيدها الفطرة، وقد قسم النبيّ الا َُمور بين ابنته فاطمة وزوجها علي _ عليه السلام _ فجعل أُمور داخل البيت على ابنته وأُمور خارجه على زوجها ـ صلوات اللّه عليهما ـ .

2ـ «المرّة» بمعنى الدفعـة للدلالـة على الواحـد في الفعل، و «الامساك» خلاف الاطلاق، و «التسريح» مأخوذ من السرح وهو الاطلاق يقال: سرح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الامساك هو ارجاعها إلى عصمة الزوجية. كما أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها لتنقضي عدتها في كل


( 204 )
طلاق أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح. على اختلاف في معنى الجملة. وإن كان الاَقوى هو اثاني وسيوافيك توضيحه ودفع ما أثار الجصاص من الاشكالين حول هذا التفسير بإذن من اللّه سبحانه.

3ـ قيّد الاِمساك بالمعروف، والتسريح بإحسان ، مشعراً بأنّه يكفي في الامساك قصد عدم الاضرار بالرجوع، وأمّا الاضرار فكما إذا طلّقها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلّق كذلك، يريد بها الاضرار والايذاء، وعلى ذلك يجب أن يكون الامساك مقروناً بالمعروف، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل، لا يعد أمراً منكراً غير معروف، إذ ليس اضراراً.

وهذا بخلاف التسريح فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالاحسان إليها فلا يطلب منها ما آتاها من الاَموال. ولاَجل ذلك يقول تعالى: "ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً" أي لا يحلّ في مطلق الطلاق استرداد ما آتيتموهنّ من المهر، إلاّ إذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لا جناح عليها فيما افتدت به نفسها من زوجها.

وقوله سبحانه: "فيما افتدت به" دليل على وجود النفرة من الزوجة فتخاف أن لا تقيم حدود اللّه فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها.

4ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدة، حدّ ولا عدّ، فكان الاَزواج يتلاعبون بزوجاتهم يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا، فجاء الاِسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

روى الترمذي: كان الناس، والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر ، حتى قال رجل


( 205 )
لامرأته: واللّه لا أُطلقك فتبيني منّي، ولا آويك أبداً قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك فكلّما همَّت عدّتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: "الطلاق مرّتان ..." (1).

5ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه: "الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" إلى قولين:

ألف: إنّ الطلاق يكون مرّتين، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، والرجل مخيّر بعد ايقاع الطلقة الا َُولى بين أن يرجع فيما اختار من الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها باحسان، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها.

وهذا القول هو الذي نقله الطبري عن السدي والضحاك فذهبا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان فامساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ باحسان، وقال: هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه إسماعيل بن سميع عن أبي رزين (2).

يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله: "مرّتان" وقوله "فامساك بمعروف" فهو يفيد أنّ القيام بأحد الاَمرين بعد تحقّق المرّتين، لا في أثنائهما. وعليه لابدّ أن يكون كل من الامساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين.

نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الاَمرين بعد كلّ تطليقة، من آية أُخرى أعني قوله سبحانه: "وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو
____________

(1)الترمذي: الصحيح : 3 كتاب الطلاق، الباب 16، الحديث 1192.
(2)الطبري: التفسير : 2|278 وسيوافيك خبر أبي رزين.


( 206 )
سرّحوهنّ بمعروف ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا" (1).

ولاَجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّـر قوله: "فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" بوجه آخر سيوافيك.

ب ـ أنّ الزوج بعد ما طلّق زوجته مرّتين، يجب أن يتفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى، فيقف أن ليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد الاَمرين: إمّا الامساك بمعروف وادامة العيش معها، أو التسريح باحسان بالتطليق الثالث الذي لا رجوع بعده أبداً، إلاّ في ظرف خاص.

فيكون قوله تعالى: "أو تسريح باحسان" اشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به. وهنا سوَالان أثارهما الجصاص في تفسيره:

1ـ كيف يفسّـر قوله: "أو تسريح باحسان" بالتطليق الثالث. مع أنّ المراد من قوله في الآية المتأخّرة "أو سرِّحوهُنَّ بأحسان" هو ترك الرجعة وهكذا المراد من قوله "فإذا بلَغنَ أجَلَهُنَّ فأمسكوهنَّ بِمعَروفٍ أو فارقوهنَّ بمعروف" (الطلاق|2) هو تركها حتى ينتهي أجلها، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله: "أو سرِّحوهنَّ بمعروف" أو قوله: "أو فارقوهنَّ بمعروف" :طلّقوهنّ واحدة أُخرى(2).

يلاحـظ عليه: أنّ السوَال أو الاشكال ناشىَ من خلط المفهوم بالمصداق، فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في السرح والاطلاق، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعد تفكيكاً في معنى لفظ واحد في
____________

(1)البقرة: الآية 231 وأيضاً في سورة الطلاق: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف) (الطلاق|2).
(2)الجصاص: التفسير : 1|389.


( 207 )
موردين، ومصداقه في الآية 229، هو الطلاق، وفي الآية 231، هو ترك الرجعة، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.

2ـ إنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى: "فإنْ طلَّقها فلا تحلُّ لهُ من بَعد حتّى تنكحَ زوجاً غيره" وعندئذ يجب حمل قوله تعالى: "أو تسريحٌ باحسان" المتقدم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين (1)بعد انقضاء العدّة.

وأيضاً لو كان التسريح باحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: "فإن طلّقها" عقيب ذلك هي الرابعة، لاَنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ ً بعد ما تقدم ذكره (2).

والاجابة عنه واضحة، لاَنّه لا مانع من الاجمال أولاً ثمّ التفصيل ثانياً، فقوله تعالى: "فإن طلّقها" بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الاجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الاجمال من تحريمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره. فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود اللّه فأين هذه التفاصيل من قوله: "أو تسريح باحسان" .

وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله: "فإن طلّقها" طلاقاً رابعاً.

وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال: أتى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجل فقال: يا رسول اللّه أرأيت قوله: " الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" فأين الثالثة؟ قال رسول اللّه: "امساك بمعروف أو تسريح باحسان" هي الثالثة (3).


____________

(1)الاَولى أن يقول: بكل طلاق.
(2)الجصاص: التفسير : 1|389.
(3)الطبري: التفسير : 2|278.


( 208 )

نعم الخبر مرسل وليس أبو رزين الاَسدي صحابياً بل تابعي.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ المراد من قوله: "أو تسريح باحسان" هي التطليقة الثالثة (1).

إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ «الفاء» أظهر بل هو المتعيّن بالنظـر إلى روايات أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ .

بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم وقوعه بقيد الثلاث، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر، فنقول:

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً :

إذا تعرّفت على مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الا َُخرى، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة. أو كرّر الصيغة فلا يقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقّاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، وإليك الاستدلال عن طريق الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً:

أوّلاً: الاستدلال عن طريق الكتاب:

1ـ قوله سبحانه: "فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" .

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّـرون بين من
____________

(1)البحراني: البرهان: 1|221، وقد نقل روايات ست في ذيل الآية.


( 209 )
يجعلونها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله : "الطلاق مرّتان... " ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدل على بطلان الطلاق ثلاثاً على كلا التقديرين.

أمّا على التقدير الاَوّل، فواضح لاَنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح باحسان.

قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الاصلاح والاحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها (1)وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الاَمرين ـ الامساك أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الاَولين، لكن قلنا إنّ بعض الآيات، تدل على أنّ مضمونها من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الاَولين والثالث فالمطلق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:

1ـ الامساك بمعررف.

2ـ التسريح باحسان.

فعدم دلالة الآية الا َُولى على خصيصة الطلاقين الاَولين، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين (2) ولعلّهما تصلحان قرينة لالقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة "فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" وإرجاع مضمونها إلى مطلق
____________

(1)ابن كثير: التفسير : 1|53.
(2)الآية 231 من سورة البقرة والآية 2 من سورة الطلاق.


( 210 )
الطلاق ولاَجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم اتباع الطلاق بأحد الاَمرين على كلا التقديرين، وعلى أي حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون اتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.

ويظـهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: "فبلغن أجلهنّ" من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد الاَمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص وهو بلوغ آجالهن، هو لاَجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنظفىَ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح فيها، لاَن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الاَمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي "فامساك بمعروف أو تسريح باحسان" تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الاَزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الاَوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الا َُخر.

2ـ قوله سبحانه: "الطلاق مرّتان" .

إنّ قوله سبحانه: "الطلاق مرّتان" : ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولاَجل ذلك عبّـر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وانّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً


( 211 )
لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الاَذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة واردافها بقوله «مرتين» ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان اقراراً واحداً، ويحتاج إلى اقرارات، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.

قال الجصاص: "الطلاق مرّتان" ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لاَنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لاَدّى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بايقاعه مرتين، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة (1).

هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:

أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الا َُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم.

وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين
____________

(1)الجصاص: أحكام القرآن : 1|378.


( 212 )
امرأته ويطلق سراحها من قيدها، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.

وربّما يقال: إنّ المطلقة ما زالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة. ولكن الاِجابة عنه واضحة وذلك لاَنّ الصيغة الثانية لغوٌ جداً، وذلك لاَنّ الزوجة بعدها أيضاً بحكم الزوجة. وإنّما تخرج عنه إذا صار الطلاق بائناً وهو يتحقق بالطلاق ثلاثاً.

والحاصل: أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو الموضوع للآية التالية أعني قوله سبحانه: "فإن طلَّقها فلا تحلُّ له حتّى تنكح زوجاً غيره" وكيف لا يكون كذلك، وقد قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : لا طلاق إلاّ بعد نكاح، وقال: ولا طلاق قبل نكاح (1).

فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.

قال السماك: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟! (2).

3ـ قوله سبحانه: "فطلّقوهنّ لعدّتهنّ" .

إنّ قوله سبحانه: " الطلاق مرّتان" وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع (3)، ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: "وإذا طلّقتم النِّساءَ فطلِّقوهنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ" (الطلاق|1). على أنّ الواجب في حقّ هوَلاء هو
____________

(1)البيهقي: السنن الكبرى: 7|318 ـ 321، الحاكم: المستدرك: 2|24.
(2)المصدر نفسه: 7|321.
(3)فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.


( 213 )
الاعتداد واحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول أنّ «اللام» في "عدّتهنّ" للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يعتددن، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد واحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الاَوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الاَوّل بلا عدّة واحصاء لو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الاَوّل والثاني كذلك.

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً.

روى صفوان الجمّـال عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: ليس بشيء، ثمّ قال: أما تقرأ كتاب اللّه : " يا أيُّها النبيّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ فَطَلّقوهنّ لعدّتهنَّ ـ إلى قوله سبحانه: ـ لعلَّ اللّه يُحدثُ بعدَ ذلكَ أمراً" ثمّ قال: كلّ ما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يرد إلى كتاب اللّه والسنّة (1).

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: "لعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً" فائدة لاَنّه يكون بائناً ويبلغ الاَمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحل العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد في العدّة.

ثانياً: الاستدلال عن طريق السنّة:

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعد مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب.


____________

(1)عبد اللّه بن جعفر الحميري: قرب الاسناد : 30، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة ج15 الباب 22، الحديث 25.


( 214 )
1ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول اللّه عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضباناً ثم قال: أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ (1). إنّ محمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فصلّـى بنا المغرب في مسجدنا فلمّـا سلّم منها...(2).

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري (3)فهو صحابي ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.

2ـ روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها (4).

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد، روى الاِمام أحمد باسناد صحيح عن ابن عباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إن شئت. قال: فأرجعها فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر(5).


____________

(1)النسائي: السنن: 6|142، السيوطي: الدر المنثور : 1|283.
(2)أحمد بن حنبل: المسند : 5|427.
(3)ابن حجر: فتح الباري: 9|315، ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقال في كتابه الآخر بلوغ المرام 249 : رواته موثّقون، ونقل الشوكاني في نيل الاَوطار : 7|11، عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد، أُنظر «نظام الطلاق في الاِسلام» للقاضي أحمد محمد شاكر: 37.
(4)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|61، ورواه آخرون كابن قيم في اغاثة اللهفان: 156 والسيوطي في الدر المنثور : 1|279 وغيرهم.
(5)أحمد بن حنبل: المسند: 1|265.


( 215 )
الاجتهاد مقابل النص:

التحق النبيّ الاَكرم بالرفيق الاَعلى وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وصراعان فكريان، فعليّ ومن تبعه من أئمّة أهل البيت، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية ورواية، ولا يعملون برأيهم أصلاً، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لاَجلها نزلت الآية أو ورد الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته (1).

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النص ويعملون بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنت في ريب
____________

(1)أحمد أمين: فجر الاِسلام : 238، نشر دار الكتاب.


( 216 )
من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

1ـ روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (1).

2ـ وروى عن ابـن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم (2).

3ـ وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (3).

4ـ روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السوَال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ وصدراً من امارة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم (4).

5ـ أخـرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه (5).


____________

(1) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(2) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(3) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(4)البيهقي: السنن: 7|339، السيوطي: الدر المنثور: 1|279.
(5)العيني: عمدة القارىَ: 9|537، وقال: اسناده صحيح.


( 217 )
6ـ عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك (1).

7ـ عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الاَشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِم كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه. من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث (2).

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط واسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تتشارك المنصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكرٍ أخذاً بروح القانون وهو أنّ علّة التحريم هي الاسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا:

تبريرات لحكم الخليفة:

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد مقابل النص بل يكون صادراً عن دليل شرعي، بيانها:


____________

(1)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.
(2)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.


( 218 )
1ـ نسخ الكتاب بالاجماع الكاشف عن النص:

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع انكار، صار اجماعاً ، والنسخ بالاجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الاجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والاجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا اجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم، قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا (1).

يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الاجماع على قول واحد، وقد عرفت الاَقوال في صدر المسألة. ولاَجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الاجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الاجماع بخلافه، بل لا يزال في الا َُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا» (2).

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّن.

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفى 1298) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين
____________

(1)العيني: عمدة القارىَ: 9|537.
(2)تيسير الوصول: 3|162.


( 219 )
لهم باحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين (1).

2ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه:

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الاَمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه (2).

لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي والاَمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الاَشعري بقوله: «لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة ...» (3)وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والاَنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة
____________

(1)العمري: ايقاظ همم أُولي الاَبصار : 9.
(2)أحمد بن حنبل: المسند : 1|314، برقم 2877، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً، لاحظ نظام الطلاق في الاِسلام لاَحمد محمد شاكر: 79.
(3)المتقي الهندي: كنز العمال : 9|676، برقم 27943.


( 220 )
ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّىَ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ موَاخذتهم بما أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه (1).

يقول ابن قيم: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير الموَمنين عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم ايقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بامضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الاَليق بهم، لاَنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة (2).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح، إذ لو كانت المصالح الموَقتة مبررة لتغيّر الحكم فما معنى «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة، فيصبح الاِسلام ألعوبة بيد الساسة، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمال لتقوية القوة العاملة في المعامل.


____________

(1)السيوطي: الدر المنثور : 1|283.
(2)ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين : 3|36.


( 221 )

وفي الختام نذكر تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعية وخالف مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية.

ويا للاَسف أنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك يقول موَلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: «ليس المراد مجادلة المقلّدين أو ارجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها لاَنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله (1).



____________

(1)السيد محمد رشيد رضا: المنار: 2|386، الطبعة الثالثة 1376.


( 222 )
المسألة السابعة:


النهي عن متعة الحج

إنّ الكاتب المصري أحمد أمين، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه (1) وهو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد من مخالفة للنصوص ولو صح ما ذكره في بعضها، لكنّه غير صحيح في البعض الآخر. ونحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النص، ويأخذ بالرأي مكان الاَخذ بالدليل.

إنّ العاطفة الدينية دفعت الكاتبَ المصري إلى ذاك التفسير، ولكنّه لو كان متأمّلاً فيما سبق من تنفيذ الطلاق الثلاث وما يأتي منه في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع، وحصره في القران والافراد يقف على أنّه كان ممن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم وتنصيص النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وإنّه ما نهى عن متعة الحج وما هدّد فاعلها، إلاّ لاَجل أنّه كان يكره أن يغتسل الحاج تحت الاراك ثم يفيض منه إلى الحجّ ورأسه يقطر ماءً، لاَنّ التحلّل من محظورات الاِحرام بين العمرة والحج، من لوازم ذاك النوع من الحج، وهو ممّا كان لا يروقه.


____________

(1)أحمد أمين: فجر الاِسلام: 238. نشر دار الكتاب.


( 223 )

وإن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك:

اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحج ثلاثة: تمتع، وقران، وافراد.

والمقصود من الاَوّل، هو إحرام الشخص بالحج في أشهره (شوال وذي القعدة وذي الحجة) والاِتيان بأعمالها، والتحلّل من محظورات الاِحرام بالفراغ منها، ثم الاِحرام بالحج من مكّة والاِتيان بأعماله من الوقوف بعرفات والاِفاضة إلى المشعر و ...

ويصح هذا النوع من الحج ممّن كان آفاقياً، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويبتعد بيته من مكة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة. وعند الاِمامية مَن نأى عن مكة 48 ميلاً من كلّ جانب و هو لا يتجاوز عن 16 فرسخاً.

وأمّا القسمان الآخران، فالقران عند أهل السنّة هو الاِحرام بالحج والعمرة معاً ويقول: لبّيك اللّهمّ بحجّ وعمرة، فيأتى بأعمال الحجّ أوّلاً ثمّ العمرة بإحرام واحد. وهو القران الحقيقي.

وهناك قسم يسمّى بالقران الحكمي، وهو أن يدخل إحرام الحجّ في إحرام العمرة ثم يجمع بين أعمالهما. وذلك بأن يحرم بالعمرة أوّلاً. وقبل: أن يطوف لها إمّا أربعة أشواط، أو قبل أن يشرع فيه يحرم بالحجّ، على اختلاف ببين الحنفية والشافعية، وهل يكتفي بطواف وسعي واحد، أو لكلٍّ طوافه وسعيه؟ فيه اختلاف.

وأمّا الافراد، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقات بلده، وبعد الفراغ من أعماله، يُحـرم بالعمـرة، والقران والافـراد، يشترك فيهما جميع النـاس ولا يختـص بغير الآفاقي.

هذا لدى أهل السنّة وأمّا الاِمامية، فالقران والافراد واجب على من لم يكن بين مكّة وبيته 48 ميلاً، وأمّا النائي عن هذا الحد، فواجبه هو حجّ التمتع.


( 224 )

والقران والافراد، ليسا أمرين متغايرين عندهم، بل يتمتع كل منهما بإحرام للحج وإحرام للعمرة، غير أنّ الاِحرام في الاَوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني، وعلى ذلك لا يجوز عندهم الاِتيان بالحج والعمرة بإحرام واحد، ولا إدخال إحرام الحج في إحرام العمرة كما في القران الحكمي (1).

والاَصل في حج التمتع، قوله سبحانه: "فَإذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلَـى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَـرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَـرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَـمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِـرِي الْمَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ" (البقرة ـ 196).

وتفسير الآية: إنّ من "تمتع" بسبب الاِتيان "بالعمرة" بما يحرم على المحرم كالطيب والمخيط والنساء ومتوجّها "إلى الحجّ" فعليه "ما استيسر من الهدي" من البدنة أو البقرة أو الشاة. ثم بيّن كيفية الصيام وقال: "ثلاثة أيام في الحجّ" متواليات و "سبعة إذا رجعتم" إلى أوطانكم "تلك عشرة كاملة وذلك" أي التمتع بالعمرة إلى الحجّ فرض من لم يكن أهله باعتبار موطنه ومسكنه "حاضري المسجد الحرام" أي لم يكن من أهل مكة وقراها "واتَّقوا اللّه" فيما أُمرتم به ونهيتم عنه في أمر الحج "واعملوا أنّ اللّه شديد العقاب" .

والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الاِحرام بعد الاِتيان بأعمال العمرة وقبل التوجّه إلى الحج ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية، أو قول أو فعل، بل أكّد النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تشريعه بعمله.

روى أهل السير والتاريخ: انّ رسول اللّه خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وقالت عائشة: لا يَذكُر ولا يذكُر النّاسُ إلاّ الحجّ حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الهدي، وأشراف من
____________

(1)لاحظ المختصر النافع للمحقّق الحلّـي: 78، والجامع لاَحكام القرآن للقرطبي: 2|391، والمغني لابن قدامة: 3|233، والفقه على المذاهب الاَربعة للجزيري: 2|684 وغيرها.


( 225 )
أشراف الناس، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلاّ من ساق الهدي ـ إلى أن قالت:ـ ودخل رسول اللّه مكّة فحلّ كل من كان لا هدي معه وحلَّت نساوَه بعمرة، ولمّا أمر رسول اللّه نساءه أن يحللن بعمرة قلن: فما يمنعك يا رسول اللّه أن تحلّ معنا؟ فقال: إنّي أهديتُ فلا أحلّ حتى أنحَرَ هديي.

إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان بعث علياً ـ رضي اللّه عنه ـ إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فوجدها قد حلَّت وتهيّأت فقال: مالك يا بنت رسول اللّه؟ قالت: أمرنا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن نَحلّ بعمرة فحللنا، ثم أتى رسول اللّه فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : إنطلِق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ بأصحابك، قال: يا رسول اللّه إنّي أهللتُ، فقال: إرجع فاحلل كما حلّ أصحابُك، قال: يا رسول اللّه إنّي قلت حين أحرمتُ: اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: فهل معك من هدي؟ قال: لا، فأشركه رسول اللّه في هديه و ثبتَ على إحرامه مع رسول اللّه حتى فرغا من الحج ونحر رسول اللّه الهدي عنهما(1).

هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة وإجماع الاَُمّة ومع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحج لا في عصر الرسالة ولا بعده بل يفتي بتحريمها ! وإليك البيان:

1ـ روى ابن داود انّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا ثم يقصِّـروا ويُحلّوا إلاّ من كان معه الهدي فقالوا: أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر، فبلغ ذلك رسول اللّه فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أنّ معي الهدي لاَحللت» (2).

2ـ روى مالك عن محمد بن عبـد اللّه أنّه سمـع سعـد بـن أبي وقاص
____________

(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 4|601 ـ 602.
(2)أبو داود: السنن: 2|156 ، رقم 1789.


( 226 )
والضحاك بن قيس عام حجَّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّعَ بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه عزّ وجلّ. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه وصنعناها معه (1).

3ـ وروى عن عبد اللّه بن عمر: أنّه قال: واللّه لاَن أعتمر قبل الحج وأهدي أحبّ إليَّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجة (2).

4ـ روى الترمذي عن سالم بن عبد اللّه أنّه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد اللّه بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحج فقال عبد اللّه بن عمر : حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟! فقال عبد اللّه بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أأمر أبي نتبع أم أمر رسول اللّه؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّه، فقال: لقد صنعها رسول اللّه (3).

5ـ روى مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه فقال: على يدي دار الحديثُ، تمتّعنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يُحلّ لرسوله ما شاء، بما شاء وإنّ القرآن قد نزل منازلهُ، فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ إلى أن قال في الحديث:ـ فأفصلوا حجّكم من عمرتكم، فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم (4).

ومن العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة ويعلّق على الرواية ويقول: الاِتمام في قوله سبحانه "فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه" يقتضي استمرار الاِحرام
____________

(1)الاِمام مالك: الموطا، كتاب الحج رقم 60، والترمذي: السنن، كتاب الحج رقم 823.
(2)المصدر نفسه: رقم 61.
(3)الترمذي: الصحيح: كتاب الحج، باب ما جاء في التمتّع رقم 824.
(4)مسلم: الصحيح: 4|38 كتاب الحج، باب في المتعة بالحج والعمرة.


( 227 )
إلى فراغ الحج ومنع التحلّل، والمتمتّع متحلّل ويستمتع بما كان محظوراً عليه (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية، أعني قوله "وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه" وبين ذيلها الدالّة على جواز التمتّع بين الاِحرامين بقوله "فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ" وهو كما ترى.

وثانياً: أنّ الاِتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحج والعمرة تماماً، بمعنى: إذا شرعتم في فعلِ كلٍّ فأتمّوه، مثل قوله: "وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ" (البقرة ـ 124). وقوله سبحانه: "ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ" (البقرة ـ 187) لا إلى الاستمرار.

وثالثاً: إذ كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة، فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الاَكرم حيث أمر أصحابه وأهل بيته بالتحلّل وإنّما لم يتحلّل نفسه لاَجل سوق الهدي.

نعم أراد الخليفة من قوله: «فافصلوا حجكم من عمرتكم» وهو الاِتيان بالعمرة في غير أشهر الحجّ، روى الجصاص عن ابن عمر أنّ عمر قال: أن تفرّقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتمّ لحجّ أحدكم (2).

6ـ روى الاِمام أحمد بن أبي نضرة عن جابر قال: متعتان كانتا على عهد النبيِّ فنهانا عنهما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ فانتهينا (3).

7ـ روى ابن حزم في المحلّـى بسنده قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ـ ثم قـال:ـ هذا لفظ أيوب، وفي رواية خالد: أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج (4).


____________

(1)تعليقة الزرقاني، المطبوعة على هامش صحيح مسلم: 4|38.
(2)الجصاص: أحكام القرآن: 1|285.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 1|52، و 3|325.
(4)ابن حزم: المحلى: 7|107، الجامع للاَحكام للقرطبي: 2|392.


( 228 )

8 ـ لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحج مستنداً إلى دليل شرعي وإنّما نهى عنه لما كرهه أن يظلّوا معرسين بهنّ في الاراك، ثم يروحون في الحج تقطر روَوسهم (1).

وهذا هو الذي نوّهنا به في صدر البحث، أنّ الخليفة ومن لفّ لفّه، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت وتواترت.

ثمّ إنّ المتأخّرين قاموا بحفظ كرامة الخليفة، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأوّلوا نهي الخليفة بوجهين:

1ـ قالوا: إنّ ما حرّمه وأوعد عليه، غير هذا وإنّما هو أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكّة فسخ الحجّ إلى العمرة، ثم حُلّ وأقام حلالاً حتى يهلّ بالحجّ يوم التروية (2).

وهذا كما ترى، لا يوافق ما مرّ من النصوص، خصوصاً ما نقلناه من المناظرة بين سعد والضحاك بن قيس من صحيح مسلم، ومن وقف على النصوص الكثيرة، والمناظرة الدائرة بين النبيّ وأصحابه، وبين الصحابة أنفسهم يقف على أنّه نهى عن حجّ التمتّع.

روى البخـاري عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمانَ وعليّاً ـ رضي اللّه عنهما ـ ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليٌّ (النهيَّ) أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة قال: ما كنت لاَدَع سنّة النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لقول أحد (3).

2ـ إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاَجل اختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول اللّه فحسب.


____________

(1)الاِمام أحمد: المسند: 1|50، ابن ماجة: السنن: 2، كتاب الحج، باب التمتّع بالعمرة إلى الحج: 9799، والبيهقي: السنن: 5|20.
(2)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 2|2092.
(3)العيني: عمدة القاري: 5|198.


( 229 )

ويكفينا في الرد عليه قول ابن القيم: «إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ، عمّن نُسبِ إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرِّع المعصوم، ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال: مُتْعَتُنا هذه يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم للاَبد؟ قال: لا بل للاَبد (1).

قال العيني في قوله سبحانه: "فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج": أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الاَعصار وأمّا السنّة فحديث سراقة «المتعة لنا خاصة أو هي للاَبد؟ قال: هي للاَبد» ، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحج نحو هذا. ومعناه: «أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتّع، ولا يرون العمرة في أشهر الحج فبيّن النبيّأنّ اللّه قد شرّع العمرة في أشهر الحج وجوّز المتعة إلى يوم القيامة» (2).



____________

(1)صحيح البخاري: 3|148 كتاب الحج، باب عمرة التنعيم، مسند أحمد: 3|388 و 4|175، سنن البيهقي: 5|19.
(2)العيني: عمدة القاري: 5|198.