http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 174 - ص 198

( 174 )

المسألة الخامسة:


إقامة صلاة التراويح جماعةً

اتفقت كلمة الفقهاء على أنّ نوافل شهر رمضان (صلاة التراويح) سُنّة موَكَّدة، وأوّل من سنّها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه (1).

إنّ استجلاء الحق في جواز إقامتها جماعة، أو كونها بدعة يطلب تقديم أُمور:

هل تُسنُّ الجماعة في مطلق النوافل أو لا ؟

المشهور عند أهل السنّة جواز إقامة النوافل بالجماعة وأنّ الاَفضل في بعضها إقامتها منفرداً، وإليك تفصيل مذاهبهم:

قالت المالكية: الجماعة في صلاة التراويح مستحبة أمّا باقي النوافل فإنّ صلاتها جماعة تارة يكون مكروهاً، وتارة يكون جائزاً، فيكون مكروهاً إذا صلِّيت بالمسجد أو صلّيت بجماعة كثيرين، أو كانت بمكان يكثر تردد الناس عليه،
____________

(1)البخاري: الصحيح: باب فضل من قام رمضان، برقم: 2008، مسلم: الصحيح: 2|176 باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح. ط دار الجيل، ودار الآفاق، بيروت.


( 175 )
وتكون جائزة إذا كانت بجماعة قليلة، ووقعت في المنزل ونحوه في الاَمكنة التي لا يتردد عليها الناس.

وقالت الحنفية: تكون الجماعة سنّة كفاية في صلاة التراويح والجنازة، وتكون مكروهة في صلاة النوافل مطلقاً والوتر في غير رمضان، وإنّما تكره الجماعة في ذلك إذا زاد المقتدون عن ثلاث. أمّا الجماعة في وتر رمضان ففيها قولان مُصحّحان، أحدهما: أنّها مستحبة فيه، وثانيهما: أنّها غير مستحبة ولكنّها جائزة وهذا القول أرجح.

وقالت الشافعية: أمّا الجماعة في صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ووتر رمضان فهي مندوبة.

وقالت الحنابلة: أمّا النوافل فمنها ما تُسَنُّ فيه الجماعة وذلك كصلاة الاستسقاء والتراويح والعيدين، ومنها ما تباح فيه الجماعة كصلاة التهجّد و رواتب الصلاة المفروضة (1).

وقال المقدسي في الشرح الكبير : ويجوز التطوّع في جماعة وفرادى، لاَنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فَعلَ الاَمرين كليهما، وكان أكثر تطوعه منفرداً ومع ذلك اتفقوا على أنّ التطوع في البيت أفضل، لقول رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «عليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة».

وقال _ عليه السلام _ : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواهما مسلم، وعن زيد بن ثابت أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا
____________

(1)الفقه على المذاهب الاَربعة، كتاب الصلاة، حكم الاِمامة في صلاة الجمعة والجائـزة والنوافل: ص407. وفي ص 340 هي سنّة عين موَكدة عند ثلاثة من الاَئمّة وخالفت المالكية.


( 176 )
إلاّ المكتوبة» رواه ابن داود، ولاَنّ الصلاة في البيت أقرب إلى الاِخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السر، والسر أفضل من العلانية (1).

قالت الاِمامية: تشرع الجماعة في الصلوات الواجبة، ولا تشرع في المستحبة، إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع فقد الشروط (2) وقالت المذاهب الاَربعة: تشرع مطلقاً في الواجبة والمستحبة (3).

2ـ التراويح لغة واصطلاحاً:

التراويح جمع ترويحة وهي في الاَصل اسم للجلسة مطلقاً، ثم سميت بها الجلسة بعد أربع ركعات في ليالي رمضان، لاستراحة الناس بها، ثمّ سُميت كل أربع ركعات ترويحة، وهي أيضاً اسم لعشرين ركعة في الليالي نفسها.

قال ابن منظور: والترويحة في شهر رمضان سُميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات. وفي الحديث صلاة التراويح، لاَنّهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. والتراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام (4).

عدد ركعاتها عند الفريقين:

اختلف الفقهاء في عدد صلاة نوافل شهر رمضان، أمّا الشيعة فقد ذهبت إلى أنّ نوافل ليالي شهر رمضان، ألف ركعة في تمام الشهر.


____________

(1)المغني والشرح: 1|771، دار الكتاب العربي، وط أُفست: 1403|1983.
(2)إذ عند اجتماع الشروط، تكون واجبة.
(3)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 1|133.
(4)لسان العرب: ج2، مادة «روح».


( 177 )

قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ : ممّا كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصنع في شهر رمضان كان يتنفل في كل ليلة ويزيد على صلاته التي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة، في كل ليلة عشرين ركعة: ثماني ركعات منها بعد المغرب، واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، ويصلّـي في العشر الاَواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة: اثنتي عشرة منها بعد المغرب، وثماني عشرة بعد العشاء الآخرة ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً، وكان يصلّـي في ليلة إحدى وعشرين: مائة ركعة ويصلّـي في ليلة ثلاث وعشرين: مائة ركعة ويجتهد فيهما (1).

وأمّا غيرهم فقد قال الخرقي في مختصره: وقيام شهر رمضان عشرون ركعة، يعني صلاة التراويح (2).

وقال ابن قدامة في شرحه: والمختار عند أبي عبد اللّه (الاِمام أحمد) عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنّه الاَمر القديم، وتعلّق بفعل أهل المدينة (3).

والظاهر أنّه ليس في عددها عند أهل السنّة دليل معتمد عليه يحكي عن قول الرسول أو فعله أو تقريره، والقول بالعشرين يعتمد على فعل عمر، كما أنّ القول بالستة والثلاثين يعتمد على فعل عمر بن عبد العزيز.

وقد فصل القول في ذلك عبد الرحمان الجزيري في «الفقه على المذاهب الاَربعة» و قال:

روى الشيخان أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّـى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّـي بهم ثماني ركعات ويُكْملون باقيها في بيوتهم،
____________

(1)الطوسي: التهذيب: 3|62 رقم 213.
(2)المغني: 2|137 ـ 138.
(3)المغني: 2|137 ـ 138.


( 178 )
فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل» وقال: ومن هذا يتبين أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سنّ لهم التراويح، والجماعة فيها، ولكن لم يصلِّ بهم عشرين ركعة، كما جرى عليه من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن، ولم يخرج إليهم بعد ذلك، خشية أن تُفرضَ عليهم، كما صرح به في بعض الروايات، ويُتَبيّنُ أنّ عددها ليس مقصوراً على الثماني ركعات التي صلاّها بهم، بدليل أنّهم كانوا يكملونها في بيوتهم، وقد بيّن فعل عمر (رض) أنّ عددها عشرون، حيث إنّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك. نعم زيد فيها في عهد عمر بن عبد العزيز ـ رضي اللّه عنه ـ فجعلت ستاً وثلاثين ركعة، ولكن كان القصد من هذه الزيادة مساواة أهل مكة في الفضل، لاَنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كل أربع ركعات مرة، فرأى ـ رضي اللّه عنه ـ أن يصلّـى بدل كل طواف أربع ركعات (1).

هذا وقد بسط شرّاح البخاري وغيرهم القولَ في عدد ركعاتها إلى حدٍّ قلّ نظيره في أبواب العبادات، فمن قائل: إنَّ عدد ركعاتها 13 ركعة، إلى آخر: أنّها 20 ركعة، إلى ثالث: أنّها 24 ركعة، إلى رابع: أنّها 28 ركعة، إلى خامس: أنّها 36 ركعة، إلى سادس: أنّها 38 ركعة، إلى سابع: أنّها 39 ركعة، إلى ثامن: أنّها 41 ركعة، إلى تاسع: أنّها 47 ركعة، وهلمّ جرّا (2).


____________

(1)الفقه على المذاهب الاَربعة: 1|251، كتاب الصلاة، مبحث صلاة التراويح، ولا يخفى أنّه لو كان المقياس في الزيادة، هو عدد الطواف بعد كل أربع ركعات فعندئذٍ يصل عددها إلى أربعين ركعة في كل ليلة لاَنّهم إذا كانوا يطوفون بعد كل أربع ركعات مرّة واحدة، يكون عدده خمس مرات، فإذا كان مقابل كل مرّة منه أربع ركعات، يصل عددها إلى عشرين ركعة (5*9= 20) فتضاف إلى العشرين ركعة الاَصلية فيصير المجموع 40 ركعة. نعم يصح ذلك بناءً على ما نقله ابن قدامة المقدسي من أنَّ الطواف كان بين كل ترويحة ، لاحظ : 1|749.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 4|204، شهاب الدين القسطلاني: إرشاد الساري: 3|426، العيني: عمدة القاري: 11|126، وقد تكلّفوا في الجمع بين هذه الاَقوال المتشتتة، فلاحظ.


( 179 )

والاَغرب من هذا تدخّل عمر بن عبد العزيز في أمر الشريعة، فأدخل فيها ما ليس منها ليتساوى ـ في رأيه ـ أهل المدينة وأهل مكة في الفضل والثواب، فانّ فسح المجال لهذا النوع من التدخّل يجعل الشريعة أُلعوبة بيد الحكام يحكمون فيها بآرائهم.

حكم إقامتها جماعة:

إنّ الشيعة الاِمامية ـ تبعاً للاِمام عليّ وأهل بيته _ عليهم السلام _ ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة ويرون إقامتها جماعة بدعة حقيقية، حدثت بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، بمقياس (1)ما أنزل اللّه به من سلطان .

قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّـى انفراداً والجماعة فيها بدعة.

وقال الشافعي: صلاة المنفرد أحبّ إليَّ منه، وشنع ابن داود على الشافعي في هذه المسألة، فقال: خالف فيها السنّة والاِجماع.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين:

فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابه: صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكل حال، وتأوّلوا قول الشافعي فقالوا: إنّما قال: النافلة ضربان، نافلة سُنَّ لها الجماعة، وهي: العيدان، والخسوف، والاستسقاء. ونافلة لم تُسنّ لها الجماعة، مثل: ركعتي الفجر ،والوتر، وما سنَّ لها الجماعة أوكَد مما لم تُسنّ لها الجماعة، ثم قال: فأمّا قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحبُّ إليّ، يعني ركعات الفجر والوتر، التي تفعل على الانفراد أوكد عن قيام شهر رمضان.


____________

(1)العسقلاني: فتح الباري: 4|204، ذكره لجمع الناس على إمام واحد.


( 180 )

والقول الثاني: منهم من قال بظاهر كلامه، فقال: صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة، بشرطين، أحدهما: أن لا تختلّ الجماعةُ بتأخّرهِ عن المسجد، والثاني: أن يطيل القيام والقراءة فيصلّـي منفرداً، أو يقرأ أكثر ممّا يقرأ إمامه.

وقد نصّ في القديم على أنّه لو صلّـى في بيته في شهر رمضان فهو أحبُّ إليّ، وإن صلاّها في جماعة فهو حسن، واختار أصحابه مذهب أبي العباس وأبي إسحاق.

ثمّ استدلّ الشيخ الطوسي على مذهب الاِمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة، وأيضاً روى زيد بن ثابت (1): انّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة (2).

إذا وقفت على آراء الفقهاء فإليك دراسة الاَدلّة:

أمّا أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ فقد اتفقت كلمتهم على أنّ الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها، وهناك صنفان من الروايات:

أحدهما: يدل على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل.

ثانيهما: ما يدل على عدم تشريعها في صلاة التراويح.

أمّا الصنف الاَوّل فنذكر منه روايتين:

1ـ قال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ : «ولا يُصلّـى التطوعُ في جماعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار » (3).


____________

(1)أبو داود: السنن: 2|69.
(2)الطوسي: الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة: 268.
(3)الصدوق: الخصال: 2|152.


( 181 )

2ـ قال الاِمام عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _ في كتابه إلى المأمون: «ولا يجوز أن يصلّـى تطوع في جماعة لاَنّ ذلك بدعة» (1).

وأمّا الصنف الثاني، فقد تحدّث عنه الاِمام الصادق _ عليه السلام _ وقال: لما قدم أمير الموَمنين _ عليه السلام _ الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة. فنادى في الناس الحسنُ بن علي بما أمره به أمير الموَمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي (عليه السّلام) صاحوا: وا عمراه، وا عمراه، فلمّـا رجع الحسن إلى أمير الموَمنين _ عليه السلام _ قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير الموَمنين! الناس يَصيحُونَ: وا عمراه وا عمراه، فقال أمير الموَمنين: قل لهم: صلّوا (2).

وربّما يتعجب القارىَ من قول الاِمام «قل لهم صلّوا» حيث تركهم يستمرون في الاِتيان بهذا الاَمر المبتدع ولكن إذا رجع إلى سائر كلماته يتجلّـى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه.

قال الشيخ الطوسي: إنّ أمير الموَمنين لمّا أنكر، أنكر الاجتماع، ولم يُنكر نفس الصلاة فلمّا رأى أنّ الاَمر يَفسْد عليه ويفتتن الناس، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم (3).

ويدل عليه:

ما رواه سليم بن قيس قال: خطب أمير الموَمنين، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ صلّـى على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ثمّ قال: ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتّباع الهوى، وطول الاَمل ـ ثم ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال: ـ ولو حملتُ
____________

(1)الصدوق: عيون أخبار الرضا: 266.
(2)الطوسي: التهذيب: 3 الحديث 227.
(3)المصدر نفسه.


( 182 )
الناسَ على تركها ... لتفرّق عنّي جنديّ حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي ... واللّه لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاِسلام غُيِّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً، وقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ... (1).

تسنّم الاِمام منصّة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين، و واجه أحداثاً ظهرت بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأراد إرجاع المجتمع الاِسلامي إلى عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في مجالات مختلفة، ولكن حالت العوائق دون نيّته، فترك بعض الاَُمور بحالها، حتى يشتغل بالاَهم فالاَهم، فلاَجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتى لا يختل نظام البلاد، ولا يثور الجيش ضده.

روى أبو القاسم ابن قولويه (ت 369 هـ) عن الاِمامين: الباقر والصادق _ عليهما السلام _ قالا: كان أمر أمير الموَمنين بالكوفة إذا أتاه الناس فقالوا له: إجعل لنا إمامـاً ـ يوَمّنا في رمضان فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أحسّوا، جعلوا يقولون: ابكوا رمضانَ وا رمضاناه، فأتى الحارث الاَعور في أُناس فقال: يا أمير الموَمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عند ذلك: دعوهم وما يريدون يُصلّ بهم من شاءوا (2).

هذه الروايات تدلّنا إلى موقف أئمّة أهل البيت في إقامة نوافل شهر رمضان بالجماعة.


____________

(1)الكليني: الكافي: 8|58.
(2)محمد بن إدريس: السرائر: 3|638.


( 183 )
صلاة التراويح في حديث الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

تختلف روايات أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ عن بعض ما رواه أصحاب السنن فرواياتهم _ عليهم السلام _ صريحة في أنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان ينهى عن إقامة نوافل رمضان بالجماعة وإنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا خرج بعض الليالي إلى المسجد ليقيمها منفرداً، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه، ولمّا أحسّ إصرارهم على الائتمام ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت، وإليك بعض ما روي:

سأل زرارةُ، ومحمد بن مسلم، والفضيلُ أبا جعفر الباقر وأبا عبد اللّه [الصادق] _ عليهما السلام _ عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة؟ فقالا: «إنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا صلّـى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّـي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّـي كما كان يصلّـي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في اليوم الرابع على منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإنّ تلك معصية ألا فإنّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار» ثم نزل وهو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة (1).

روى عبيد بن زرارة عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ قال: كان رسول اللّه _ عليه السلام _ يزيد في صلاته في شهر رمضان إذا صلّـى العتمة صلّـى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً (2).


____________

(1)الصدوق: الفقيه، كتاب الصوم: 87.
(2)الكليني: الكافي: 4|154.


( 184 )

ولعلّـه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قام بهذا العمـل مرتين، تـارة في آخـر الليل ـ كما في الرواية الاَُولى ـ، وأُخرى في صلاة العتمة ـ كما في الرواية الثانية ـ.

لكن المروي عن طريق أهل السنّة بخلاف ذلك وإليك نصّ الشيخين البخاري ومسلم:

روى الاَوّل، قال: حدّثني يحيى بن بكير : حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرني عروة: انّ عائشـة ـ رضي اللّه عنها ـ أخبرته أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج ليلة من جوف الليل فصلّـى في المسجد، وصلّـى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّـى فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فصلّـى بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد ثم قال: أمّا بعد فانّه لم يخفَ عليّ مكانكم. ولكنّي خشيت أن تُفرضَ عليكم فتعجزوا عنها. فتوفّي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاَمر على ذلك (1).

وروى أيضاً في باب التهجد: انّ رسول اللّه صلّـى ذاتَ ليلة في المسجد فصلّـى بصلاته ناس، ثمّ صلّـى من القابلة فكثر النَّاسُ ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلمّا أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أنّي خشيتُ أن تُفرض عليكم وذلك في رمضان (2).

روى مسلم قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة انّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّـى ذات ليلة فصلّـى بصلاته
____________

(1)أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح. لاحظ البخاري: الصحيح: باب فضل من قام رمضان: 9|58.
(2)البخاري: الصحيح: 2|63 باب التهجّد بالليل. وبين الروايتين اختلاف فيما خرج ص فيها من الليالي فعلى الاَُولى خرج ثلاث ليال وعلى الثانية خرج ليلتين.


( 185 )
ناس، ثمّ صلّـى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة (1)فلم يخرج إليهم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان.

وحدّثني حرملة بن يحيى: أخبرنا عبد اللّه بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خرج من جوف الليل فصلّـى في المسجد فصلّـى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلّوا بصلاته فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول اللّه، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتى خرج لصلاة الفجر، فلمّا قضى الفجر أقبل الناس ثمّ تشهّد فقال: أمّا بعد فإنّه لم يخف عليَّ شأنكم الليلة ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها (2) والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير الموَمنين عليّ _ عليه السلام _ وما رواه الشيخان واضح فعلى الاَوّل، نهى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن إقامتها جماعة، وأسماها بدعة، وعلى الثاني ترك النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الاِقامة جماعة خشية أن تفرض عليهم، مع كونها موافقةً للدين والشريعة، إذاً فأيّ القولين أحقّ أن يتبع؟ يعلم بالبحث التالي:

إنّ في حديث الشيخين مشاكل جديرة بالوقوف عليها من جهات:

إنّ بعض الرّوايات توَيّد موقف أمير الموَمنين _ عليه السلام _ من صلاة التراويح
____________

(1)مسلـم: الصحيح: 6|41. وغيره، والظاهر وحـدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتحـاد الراوي والمرويّ عنه والمضمون.
(2)مسلم: الصحيح: 6|41. والاختلاف بين روايتي مسلم كالاختلاف بين روايتي البخاريّ فلاحظ.


( 186 )
وتوقفنا على أنّ القضيّة لم تنقل على وجه الدقة، وذلك ما رواه زيد بن ثابت حيث قال: «احتجر رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّـى فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مغضباً فقال لهم: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم الصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة» رواه مسلم(1).

وأمّا ما ورد من طرق الخاصّة فأصرح في النهي، بل هو صريح في كون التنفّل جماعة في رمضان بدعة ومعصية.

والذي ينسبق إلى الذهن من ملاحظة مجموع الرّوايات أنّ القضيّة لم تنقل بحذافيرها في كلّ واحدة منها، وإنّ الطائفة الاَُولى التي توهّم استفادة مشروعيّة التراويح منها، لم تذكر إلاّ جانباً واحداً من القضيّة، وأغفل رواتها بقيّة الجوانب إمّا عمداً أو سهواً، وإذا أردنا أن نستنبط حكماً شرعياً فعلينا أن ننظر إلى مجموعها.

والذي يظهر من المجموع أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا التفت إلى اقتداء المسلمين به نهاهم عن ذلك ولم يقرّر عملهم، وأمّا سكوته في اللّيلة الاَُولى أو الثانية، فهو لمصلحة خاصّة، ولعلّها كانت من أجل طرح الرّدع والنهي عن الاِتيان بها جماعة بحضور ملاَ عظيم من الناس حتى تتناقله الجماهير كي لا يقع في بقعة النسيان.

الثانية: ما معنى قوله: «خشيتُ أن تفرض عليكم. فتعجزوا عنها»؟

وهل مفاده: أنّ التشريع تابع لاِقبال الناس وإدبارهم، فلو كانَ هناك اهتمام ظاهر من الناس، فيفرض عليهم، وإذا كان إدبار، فلا يفرض عليهم؟!

مع أنّ الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في المتعلّق، سواء أكان
____________

(1)ابن قدامى المقدسي: الشرح الكبير على المقنع: 1|749.


( 187 )
هناك اهتمام ظاهر أم لا. إنّ تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وإنّما يتبع لملاكات هو أعلم بها سواء أكان هناك إقبال أم إدبار.

قال ابن حجر في شرح جملة «إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم»: إنّ ظاهر هذا الحديث أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ توقّع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها ـ ثم قال: ـ وفي ذلك إشكال (1).

ولكن ابن حجر لم يبيّن مقصوده من الاِشكال ويمكن أن يكون إشارة ـ مضافاً إلى ما ذكرنا من أنّ الاَحكام تابعة للملاكات الواقعيّة لا لرغبة النّاس بها وعنها ـ إلى أنّ كثيراً من الاَعمال المستحبة واظب عليها النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والمسلمون ولم يخش الافتراض عليهم، وبعض الاَحكام الواجبة لم يواظب عليها كثير من المسلمين حتى في زمن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فضلاً عمّـا بعده ولم يتغيّر حكمها من الوجوب إلى عدمه، مثل حكم الجهاد الذي تقاعس عنه بعض المسلمين فواجههم اللّه سبحانه بالتقريع والتبكيت في مثل قوله سبحانه: "وَما لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا في سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلَـى الاَرضِ" (التوبة ـ 38).

أضف إلى ذلك أنّ هذه الخشية تتنافى والاَحاديث الناصّة على أنّ الفرائض خمس لا غير ، قال العسقلاني: «وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الاِسراء من أنّ اللّه تعالى قال: هنّ خمس وهنّ خمسون، لا يبدّل القول لديّ، فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟»(2).

نعم ذكر العسقلاني في فتح الباري وكذلك القسطلاني في إرشاد الساري من هنا وهناك عدّة أجوبة، لكنّها جميعاً توجيهات باردة وتمحّلات واهية لا تغني ولا تسمن من جوع.

وقد حكى عن صاحب شرح التقريب بعد أن ذكر تلك الاَجوبة أنّه قال:
____________

(1)فتح الباري: 3|10.
(2)فتح الباري: 3|10.


( 188 )
«ومع هذا فانّ المسألة مشكلة ولم أر من كشف الغطاء في ذلك» (1) وانّ هذه الاِشكالات الواردة والتي بقيت بلا جواب تجعل الاِنسان يشكّك في صحّة انتساب هذه الجملة إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيحتمل قويّاً أنّها موضوعة.

الثالثة: لو افترضنا أنّ الصحابة أظهرت اهتمامها بصلاة التراويح بإقامتها جماعة أفيكون ذلك ملاكاً للفرض على غيرهم ولم تكن نسبة الحاضرين إلى الغائبين إلاّ شيئاً لا يذكر، فانّ مسجد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلاّ ما يقارب ستة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: «كان مسجد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ 35 متراً في 30 متراً ثمّ زاده الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وجعله 57 متراً في 50 متراً» (2). أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس بها في جميع العصور إلى يوم القيامة؟!

الرابعة: وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبيّ فيهما نوافل رمضان جماعة.

فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّـى التراويح مع الناس ثلاث ليال، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل، أنّه صلاّها ليلتين، ووافقه مسلم في كلا النقلين ويظهر ممّا ذكره غيرهما ـ كما مر في صدر المقال ـ أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أقامها في ليال متفرقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما عليه، فمن أين تطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم؟!

الخامسة: انّ الثابت من فعل النبيّ، أنّه صلاّها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد عن ثماني ركعات، فلو كان النبي أُسوةً فعلينا الاقتداء به فيما
____________

(1)إرشاد الساري: 3|428.
(2)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 2850.


( 189 )
ثبت. لا فيما لم يثبت بل ثبت عدمه.

وقد صرح بما ذكر القسطلاني، ووصف ما زاد عليه بالبدعة وقال:

1ـ أنّ النبيّ لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

2ـ ولا كانت في زمن الصديق.

3ـ ولا أوّل الليل.

4ـ ولا كل ليلة (1).

5ـ ولا هذا العدد (2).

ثم التجأ في إثبات مشروعيتها إلى اجتهاد الخليفة وسيوافيك الكلام فيه.

وقال العيني: إنّ رسول اللّه لم يسنّها لهم ولا كانت في زمن أبي بكر. ثم اعتمد في شرعيته إلى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين (3). وسيوافيك الكلام فيه.

وقال الشاطبي: «وممّن نبّه بذلك من السلف الصالح، أبو أُمامة الباهلي ـ رضي اللّه عنه ـ قال: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم. إنّما كتب عليكم الصيام فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإنّ أُناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها اللّه عليهم ابتغوا بها رضوان اللّه فما رعوها حقّ رعايتها فعاتبعهم اللّه بتركها فقال: "ورهبانيةً ابتدعوها" » (4).


____________

(1)لاحظ أيضاً رواية أبي ذرّ في سنن النسائي: 3|165، وسنن ابن ماجة: 42، فقد أقام النبي ثلاث ليال: ليلة 23 و 25 و 27 من ليال شهر رمضان. مضافاً إلى ما مرّ من الاختلاف في نقل البخاري بين روايتيه ومسلم كذلك.
(2)القسطلاني: إرشاد الساري: 3|426.
(3)العيني: عمدة القاري: 11|126.
(4)الشاطبي: الاعتصام: 2|291.


( 190 )

السادسة: إنّه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين (أهل بيت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ) تُصبح إقامة النوافل جماعة، بدعة على الاِطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، و الزائد عنه يصبح بدعة إضافية، حسب مصطلح الاِمام الشاطبي والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يُقام بها غير مشروعة.

ولم يبق ما يحتجّ به على المشروعية إلاّ جمع الخليفة الناس على إمام واحد، ويحتج بعمله على مشروعية الاِتيان بها جماعة في عصر الرسالة إلاّ أنّ الخليفة أبدع وحدة الاِمام بعد ما كان الناس أوزاعاً، وهو ما نشرحه في البحث التالي:

جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر :

روى البخاري: تُوفّـي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناسُ على ذلك (يعني ترك إقامة التراويح بالجماعة) ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر (1).

وروى أيضاً عن عبد الرحمان بن عبد القاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلّـي الرجلُ لنفسِه، ويصلّـي الرجلُ بصلاته الرهط (2) فقال عمر: إنّي أرى لو جمعتُ هوَلاء على قارىَ واحد لكان أمثل. ثم عزمَ فجمعهم على أُبيّ بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعمَ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله.


____________

(1)البخاري: الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث 2010.
(2)الرهط: بين الثلاثة إلى العشرة.


( 191 )

لكن الظاهر من شراح الصحيح، انّ الاتيان جماعة لم تكن مشروعة وإنّما قام التشريع بعمله وإليك بيانه في ضمن أمرين:

1ـ قوله: «فتوفي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والناس على ذلك، ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر».

فقد فسّـره الشرّاح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جمع الناس على القيام (1).

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت: روى ابن وهب عن أبي هريرة: خرج رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا» فقيل: ناس يصلّـي بهم أُبي بن كعب، فقال: «أصابوا ونِعمَ ما صنعوا»، ذكره ابن عبد البر . ثم أجاب بقوله، قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أنّ عمر ـ رضي اللّه عنه ـ هو الذي جمع الناس على أُبي بن كعب ـ رضي اللّه عنهـ(2).

.

وقال القسطلاني: والاَمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، إلى آخر ما ذكره (3).

2ـ قوله: «نِعمَ البدعة»:

إنّ الظاهر من قوله «نِعمَ البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سمّاها (عمر) بدعة، لاَنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّ لهم الاجتماع لها، ولا
____________

(1)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 4|203.
(2)عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: 6|125، وجاء نفس السوَال والجواب في فتح الباري.
(3)إرشاد الساري: 3|425.


( 192 )
كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ إلى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة لاَنّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وإذا اجتمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة.

وقال العيني: وإنّما دعاها بدعة، لاَنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ـ رضي اللّه عنه ـ ولا رغب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيها (1).

وهناك من نقل أنّ عمر أوّل من سنّ الجماعة، ونذكر منهم من يلي:

1ـ قـال ابن سعد في ترجمـة عمـر : هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة (2).

2ـ وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر: وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه (3).

قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23هـ: وهو أوّل من نهى عن بيع أُمهات الاَولاد ... أوّل من جمع الناس على إمام يصلّـي بهم التراويح (4).

إذا كان المفروض أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّ الجماعة فيها، وإنّما سنَّها عمر، وهل يكفي في كونها مشروعة؟ مع أنّه ليس لاِنسان ـ حتى الرسول ـ حقّ التسنين والتشريع، وإنّما هو _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مبلغ عن اللّه سبحانه.

إنّ الوحي يحمل التشريع إلى النبي الاَكرم وهو _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الموحى إليه وبموته
____________

(1)عمدة القاري: 6|126 ـ وقد سقط لفظة «لا» من قوله و «رغب» كما أنّ كلمة «بقوله» بعد هذه الجملة في النسخة مصحّف «قوله» فلاحظ.
(2)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 3|281.
(3)الاستيعاب: 3|1145 برقم 1878.
(4)روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150.


( 193 )
انقطع الوحي وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للاَُمة إلاّ الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين ومن رأى أنّ لغير اللّه سبحانه حقّ التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.

قال ابن الاَثير في نهايته، قال: ومن هذا النوع قول عمر ـ رضي اللّه عنه ـ: نِعمَ البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمعَ الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر وإنّما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ جمع الناس عليها وندبهم إليها فبهذا سمّاها بدعة وهي في الحقيقة سنّة، لقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (1).

التشريع مختص باللّه سبحانه:

إنّ هوَلاء الاَكابر مع اعترافهم بأنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يسنّ الاجتماع، برّروا إقامتها جماعة بعمل الخليفة، ومعناه أنّ له حقّ التسنين والتشريع، وهذا يضاد إجماع الاَُمّة، إذ لا حـقّ لاِنسان أن يتدخّل في أمر الشريعة بعد إكمالها، لقوله تعالى: "اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً" (المائدة ـ 3) وكلامه يصادم الكتاب والسنّة، فانّ التشريع حقّ اللّه سبحانه لم يفوّضه لاَحد والنبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مبلّغ عنه.

أضف إلى ذلك: لو كان للخليفة استلام الضوء الاَخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك الضوء مع كون بعضهم أقرأ منه كأُبي بن كعب، وأفرض كزيد بن ثابت، وأعلم كعليّ بن أبي طالب _ عليه السلام _ ؟ فلو
____________

(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79.


( 194 )
كان للجميع ذلك الضوء لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين ويكون الدين أُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسّك بالحديثين، فلو صحّ سندهما فإنّهما لا يهدفان إلى أنّ لهما حقّ التشريع، بل يفيد لزوم الاقتداء بهما لاَجل أنّهما يعتمدانِ على سنّة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، لا أنّ لهما حقّ التسنين.

نعم يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يعتقد أنّ للخلفاء حقّ التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا أنّ ما سنّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه (1).

وعلى كل تقدير ، نحن لسنا بموَمنين بأنّه سبحانه فوّض أمر دينه في التشريع والتقنين إلى غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: «والحقّ أنّ قول الصحابي ليس بحجة فإنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الاَُمّة إلاّ نبيّنا محمداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه بغيرهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به اللّه (2).

نعم، نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: إنّ عمر استنبط ذلك من تقرير النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من صلّـى معه في تلك الليالي وإن كان كره ذلك لهم فإنّما كرهه خشية أن يفرض عليهم. فلمّا مات النبيّ حصل الاَمن من ذلك ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولاَنّ الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلّين (3).


____________

(1)أبو زهرة: تاريخ المذاهب الاِسلامية. كما في بحوث مع أهل السنّة: 235.
(2)المصدر نفسه.
(3)العسقلاني: فتح الباري: 4|204.


( 195 )

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره في آخر كلامه يبرّر جمع الناس على إمام واحد، مكان الاَئمّة المتعددة دونما إذا كان موضع النقاش إقامتها بالجماعة واحداً كان الاِمام أو كثيراً.

وثانياً: أنّ معنى كلامه أنّ هناك أحكاماً لم تسنّ ما دام النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حيّاً، لمانع خاص كخشية الفرض و لكن في وسع آحاد الاَُمّة تشريعها بعد موته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصة في وجه الاَُمّة إلى يوم القيامة، وهذه رزية ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين واستئصاله.

نعم حاول الكثير من القائلين بمشروعيّة التراويح التّفصيّ عن نهي النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن إقامة نافلة رمضان جماعة بأنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ علّل نهيه بخشية الافتراض وقد أمن هذا بعده (1) وزالت تلك الخشية (2).

ليت شعري، لماذا زالت تلك الخشية فحصل الاَمن من الافتراض بعد وفاة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟

هل ذلك إلاّ من أجل انقضاء عصر التشريع؟

وإذا سلّم انتهاء عصر التشريع الافتراض، لماذا لم نقل بانتهاء عصر أيّ تشريع آخر كجعل التّجميع مستحبّاً أو مباحاً أيضاً؟

والصحيح هو انتهاء عصر التشريع بكلّ جوانبه وأنحائه لاَنّه منحصر بيد اللّه على لسان نبيّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فأيّ تصرّف في الاَحكام الشرعيّة بنقصها أو زيادتها على لسان غير المعصوم، يعتبر بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.

* * *

____________
(1)ابن قدامى: الشرح الكبير على المقنع: 1|749.
(2)إرشاد الساري: 3|426.


( 196 )

ثمّ إنّ لسيّدنا شرف الدين العاملي هناك كلاماً نافعاً نورده بنصّه قال: كان هوَلاء ـ عفا اللّه عنهم وعنّا ـ رأوه رضي اللّه عنه قد استدرك (بتراويحه) على اللّه ورسوله حكمة كانا عنها غافلين.

بل هم للغفلة ـ عن حكمة اللّه في شرائعه ونظمه ـ أحرى، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها انفراد موَديها ـ جوف الليل في بيته ـ بربه عزّ وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه ويناجيه بمهماته مهمة مهمة حتى يأتي على آخرها ملحّاً عليه، متوسّلاً بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأً من اللّه تعالى إلاّ إليه، ولا منجي منه إلاّ به.

لهذا ترك اللّه السنن حرة من قيد الجماعة ليتزودوا فيها من الانفراد باللّه ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاوَهم له، يستقل منهم من يستقل، ويستكثر من يستكثر، فإنّها خير موضوع، كما جاء في الاَثر عن سيّد البشر.

إمّا ربطها بالجماعة فيحد من هذا النفع، ويقلل من جدواه.

أضف إلى هذا أنّ إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها من البركة والشرف بالصلاة فيها، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على حبّها والنشاط لها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والاَُمهات والاَجداد والجدّات، وتأثيره في شد الاَبناء إليها شدّاً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد سأل عبد اللّه بن مسعود رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : أيّما أفضل، الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ «ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلاَن أُصلّـي في بيتي أحب إليّ من أن أُصلّـي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة» رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للاِمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. وعن زيد بن ثابت أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ


( 197 )
الصلاة المكتوبة» رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم» وعنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «مثل البيت الذي يذكر اللّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه مثل الحي والميت» وأخرجه البخاري ومسلم.

وعن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، وانّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالاسناد إلى أبي سعيد. والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الاِملاء.

لكن الخليفة ـ رضي اللّه عنه ـ رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلّى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يُحصى من فوائدها الاجتماعية التي أشبع القول علماوَنا الاَعلام ممّن عالجوا هذه الاَُمور بوعي المسلم الحكيم، وأنت تعلم أنّ الشرع الاِسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل اختص الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الاَُخر من مصالح البشر "وما كان لموَمن ولا موَمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم" (1).

وحصيلة الكلام: قد روي عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ انّه قال: «فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة» (2).

وأمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بأداء النوافل في البيوت ابتعاداً عن الرياء والسمعة مطلقاً وليس مقيّداً بزمانه، وهذا يدلّ على مرجوحيّة أداء النوافل في المساجد.

فلو كانت الجماعة مشروعة في النوافل لكان الاِتيان بها في المساجد جماعة أفضل من الاِتيان بها في البيوت، إلاّ أنَّ تصريح النبي بأنّ الاِتيان بها في البيوت
____________

(1)النص والاجتهاد: 151 ـ 152.
(2)النسائي: السنن: 3|161.


( 198 )
أفضل كما في الحديث، فهذا ممّا يلوّح ـ على الاَقلّ ـ بعدم مشروعيّة الجماعة فيها.

والعجيب انّ ابن حزم مع اعترافه بأفضليّة كلّ تطوّع في البيوت استثنى ما صلّـي جماعة في المسجد.

قال: «مسألة: وصلاة التطوع في الجماعة أفضل منها منفرداً، وكلّ تطوع فهو في البيوت أفضل منه في المساجد إلاّ ما صلّي منه جماعة في المسجد فهو أفضل» (1).

ولنعم ما ذكر في التعليقة على كلامه السالف حيث قال المعلّق ما نصّه: «قال ابن حزم: ما كان _ عليه السلام _ ليدع الاَفضل، وهذا في هذه الوجهة، ثم قال هنا: الجماعة أفضل للمتطوّع، وقد علم كلّ عالم انّ عامّة تنفّل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان منفرداً، فعلى ما أصّل ابن حزم، كيف يدع الاَفضل!! فعلمنا بهذا أنّ صلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين درجة إذا كانت فريضة لا تطوّعاً وهو نقد وجيه، وهو الحق» (2).

خاتمة المطاف:

إنّ عمل الخليفة، لم يكن إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النص وليس المورد أمراً وحيداً في حياته، بل له نظائر في عهده نذكر منها ما يلي:

1ـ تنفيذ الطلاق ثلاثاً بعد ما كان في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده طلاقاً واحداً.

2ـ تحريم متعة الحج. وقد كانت جائزةً في عصر الرسول.

وإليك الكلام فيهما واحداً بعد الآخر.


____________

(1)ابن حزم (456 هـ): المحلّـى: 3|38.
(2)المصدر نفسه.