
(1)ابن قدامى: الشرح الكبير على المقنع: 1|749.

(2)إرشاد الساري: 3|426.
( 196 )
ثمّ إنّ لسيّدنا شرف الدين العاملي هناك كلاماً نافعاً نورده بنصّه قال: كان
هوَلاء ـ عفا اللّه عنهم وعنّا ـ رأوه رضي اللّه عنه قد استدرك (بتراويحه) على
اللّه ورسوله حكمة كانا عنها غافلين.
بل هم للغفلة ـ عن حكمة اللّه في شرائعه ونظمه ـ أحرى، وحسبنا في
عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها انفراد موَديها ـ جوف الليل
في بيته ـ بربه عزّ وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه ويناجيه بمهماته مهمة مهمة حتى
يأتي على آخرها ملحّاً عليه، متوسّلاً بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً
راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأً من اللّه تعالى إلاّ إليه، ولا
منجي منه إلاّ به.
لهذا ترك اللّه السنن حرة من قيد الجماعة ليتزودوا فيها من الانفراد باللّه
ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاوَهم له، يستقل منهم من يستقل، ويستكثر
من يستكثر، فإنّها خير موضوع، كما جاء في الاَثر عن سيّد البشر.
إمّا ربطها بالجماعة فيحد من هذا النفع، ويقلل من جدواه.
أضف إلى هذا أنّ إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها
من البركة والشرف بالصلاة فيها، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على
حبّها والنشاط لها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والاَُمهات والاَجداد
والجدّات، وتأثيره في شد الاَبناء إليها شدّاً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد
سأل عبد اللّه بن مسعود رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : أيّما أفضل،
الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ «ألا
ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلاَن أُصلّـي في بيتي أحب إليّ من أن أُصلّـي
في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة» رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في
صحيحه كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب
للاِمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. وعن زيد بن ثابت أنّ
النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «صلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ
( 197 )
الصلاة المكتوبة» رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
«أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم» وعنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «مثل
البيت الذي يذكر اللّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه مثل الحي والميت»
وأخرجه البخاري ومسلم.
وعن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
«إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، وانّ اللّه
جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه
بالاسناد إلى أبي سعيد. والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الاِملاء.
لكن الخليفة ـ رضي اللّه عنه ـ رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة
الجماعة ما يتجلّى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يُحصى من فوائدها
الاجتماعية التي أشبع القول علماوَنا الاَعلام ممّن عالجوا هذه الاَُمور بوعي
المسلم الحكيم، وأنت تعلم أنّ الشرع الاِسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل
اختص الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الاَُخر من مصالح
البشر "وما كان لموَمن ولا موَمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة
من أمرهم" (1).
وحصيلة الكلام: قد روي عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ انّه قال:
«فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة
المكتوبة» (2).
وأمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بأداء النوافل في البيوت ابتعاداً عن
الرياء والسمعة مطلقاً وليس مقيّداً بزمانه، وهذا يدلّ على مرجوحيّة أداء النوافل
في المساجد.
فلو كانت الجماعة مشروعة في النوافل لكان الاِتيان بها في المساجد
جماعة أفضل من الاِتيان بها في البيوت، إلاّ أنَّ تصريح النبي بأنّ الاِتيان بها في البيوت
____________

(1)النص والاجتهاد: 151 ـ 152.

(2)النسائي: السنن: 3|161.
( 198 )
أفضل كما في الحديث، فهذا ممّا يلوّح ـ على الاَقلّ ـ بعدم مشروعيّة
الجماعة فيها.
والعجيب انّ ابن حزم مع اعترافه بأفضليّة كلّ تطوّع في البيوت استثنى ما
صلّـي جماعة في المسجد.
قال: «مسألة: وصلاة التطوع في الجماعة أفضل منها منفرداً، وكلّ تطوع
فهو في البيوت أفضل منه في المساجد إلاّ ما صلّي منه جماعة في المسجد فهو
أفضل» (1).
ولنعم ما ذكر في التعليقة على كلامه السالف حيث قال المعلّق ما نصّه:
«قال ابن حزم: ما كان _ عليه السلام _ ليدع الاَفضل، وهذا في هذه الوجهة، ثم
قال هنا: الجماعة أفضل للمتطوّع، وقد علم كلّ عالم انّ عامّة تنفّل رسول اللّه
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان منفرداً، فعلى ما أصّل ابن حزم، كيف يدع
الاَفضل!! فعلمنا بهذا أنّ صلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين درجة إذا كانت
فريضة لا تطوّعاً وهو نقد وجيه، وهو الحق» (2).
خاتمة المطاف:
إنّ عمل الخليفة، لم يكن إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النص وليس
المورد أمراً وحيداً في حياته، بل له نظائر في عهده نذكر منها ما يلي:
1ـ تنفيذ الطلاق ثلاثاً بعد ما كان في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله
وسلم) وبعده طلاقاً واحداً.
2ـ تحريم متعة الحج. وقد كانت جائزةً في عصر الرسول.
وإليك الكلام فيهما واحداً بعد الآخر.
____________

(1)ابن حزم (456 هـ): المحلّـى: 3|38.

(2)المصدر نفسه.