http://www.imamsadeq.org كتاب البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها للأستاذ جعفر السبحاني ص 149 - ص 173

( 149 )
دراسة النهي عن شدّ الرحال:

إنّ لابن تيمية في المقام كلمة فيها مغالطة واضحة، إذ مع أنّه قدّر المستثنى منه لفظ المساجد إلاّ أنّه استدل على منع شد الرحال لزيارة قبور الاَنبياء والصالحين بمدلوله أي بالقياس الاَولوي، فقال في الفتاوى:

«فإذا كان السفر إلى بيوت اللّه غير الثلاثة ليس بمشروع باتفاق الاَئمّة الاَربعة بل قد نهى عنه الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ قبورهم مساجد وأوثاناً وأعياداً ويشرك بها وتدعى من دون اللّه حتى أنّ كثير من معظّميها يفضّل الحج إليها على الحج إلى بيت اللّه» (1).

ولو صح ذلك النقل من ابن تيمية ففي كلامه أوهام شتى وإليك بيانها:

1 ـ قال: «إذا كان السفر إلى بيوت اللّه غير الثلاثة ليس بمشروع».

يلاحظ عليه: من أين وقف على أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم، وقد عرفت أنّ النهي ليس تحريمياً مولوياً وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى، ولاَجل ذلك لو ترتبت على السفر مصلحة لجاز كما عرفت من سفر النبي إلى مسجد قباء مراراً.

2 ـ نسب عدم المشروعية إلى الاَئمّة الاَربعة، إلاّ أنّنا لم نجد نصّاً منهم على التحريم، ووجود الحديث في الصحاح لايدل على أنّهم فسّـروا الحديث بنفس ما فسر به ابن تيمية.

ولا يخفى على الاَئمّة ظهور الحديث في الدلالة على عدم الجدوى، لا كون العمل محرّماً.


____________

(1)ابن تيمية: الفتاوى، كما في كتاب البدعة للدكتور عبد الملك السعدي.


( 150 )

3 ـ إنّ عدم جواز السفر إلى غير المساجد الثلاثة لايكون دليلاً على عدم جوازه إلى "بُيوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ" (1)إذ لا ملازمة بينهما، لاَنّه لايترتب على السفر في غير مورد الثلاثة أية فائدة سوى تحمّل عناء السفر، وقد عرفت أنّ فضيلة أيّ جامع في بلد، نفسها في البلد الآخر، وليس اكتساب الثواب متوقّفاً على السفر، وهذا بخلاف المقام فإنّ درك فضيلةقبر النبي يتوقّف على السفر، ولايدرك بدونه.

4 ـ يقول: «إنّ المسلمين يتخذون قبور الاَنبياء أوثاناً وأعياداً ويشرك بها» "كبرت كلمة تخرج من أفواههم" أفمن يشهد كل يوم بأنّ محمّداً عبده ورسوله ويكرمه ويعظّمه لاَنّه سفير التوحيد ومبلغه، ـ أفهل ـ يمكن أن يتخذ قبره وثناً؟!

5 ـ يقول: «تدعى من دون اللّه» إنّ عبادة الغير حرام لامطلق دعوته، فعامّة المسلمين حتى ابن تيمية يقول في صلاته «السلام عليك أيّها النبي ورحمة اللّه وبركاته». والمراد من قوله سبحانه: "ولاتَدعُوا مَعَ اللّهِ أحَدا"(الجن ـ 18): لاتعبدوا مع اللّه أحداً . قال سبحانه: "أدعُوني أستَجِبُ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدخُلوُنَ جَهَنَّمَ داخِرين" (غافر ـ 60) فسمّى سبحانه دعوته: عبادة فإذاً الدعوة على قسمين: دعوة عبادية إذا كان معتقداً بإلوهية المدعوّ بنحو من الاَنحاء، ودعوة غير عبادية، إذا دعاه على أنّه عبد من عباده الصالحين، يستجاب دعاوَه عند اللّه، والدعوة بهذا النوع توَكد التوحيد.

6 ـ نقل: أنّ بعض المسلمين يفضّل السفر إلى تلك الاَماكن على الحج إلى بيت اللّه، لكنها فرية بلا مرية، وليس على وجه البسيطة مسلم واع يعتقد بهذا ويعمل عليه.

7 ـ لو كان السفر إلى القبور أمراً محرّماً فلماذا شد النبي الرحال لزيارة قبر
____________

(1)سورة النور : 36.


( 151 )
أُمّه بالاَبواء وهو منطقة بين مكة والمدينة، أفصار النبي بهذا ـ والعياذ باللّه ـ مشركاً أو أنّ الرواية التي أطبق المحدثون على نقلها مكذوبة، اللّه لاهذا ولا ذاك وأنّما .........

8 ـ إنّ ما ذكره من أسباب المنع تتحقق للمجاور للقبر بدون شد الرحال، فاللازم منع ارتكاب المحرّمات عند قبره لا منع السفر إليه.

9 ـ احتمال أنّ المراد من زيارة القبور هو زيارة جميع القبور بدون تخصيص لزيارة قبر مشخّص، احتمال ساقط وذلك لاَنّ «ال» (الجنسية) إذا دخلت على الجمع أبطلت جمعيته وصار المراد بالمدخول أيّ فرد يتحقق به جنس القبر ويستوي في ذلك المفرد والجمع.

10 ـ كيف يقال ذلك مع أن السيدة عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ كانـت تزور قبر أخيها عبد الرحمن بخصوصه (1)حتى أنّ النبي يخص بعض القبور بالزيارة وقد وضع حجرات على قبر أخيه من الرضاعة عثمان بن مضعون وقال: «لتعرف بها قبر أخي» ولا تترتب على التعرّف فائدة سوى زيارته.



____________

(1)ابن قدامة: المغني: 2|270.


( 152 )

المسألة الثالثة:


القبض بين البدعة والسنّة

إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة.

فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والاَفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سُرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقالت الشافعية: يسن للرجل والمرأة، والاَفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الاَيسر .

وقالت الحنابلة: إنّه سنّة، والاَفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.

وشذّت عنهم المالكية فقالوا: يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء.

والمنقول عن الاِمام الاَوزاعي التخيير بين القبض والسدل (1).


____________

(1)محمّد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 110، ولاحظ رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد : 5.


( 153 )

وأمّا الشيعة الاِمامية، فالمشهور أنّه حرام ومبطل، وشذّ منهم من قائل بأنّه مكروه، كالحلبي في الكافي (1).

ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الاَربعة قد تصوبوا وتصعّدوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن أن يقال: إنّ الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تبيّن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الاَكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذجين من هذه الروايات: أحدهما عن طريق أهل السنّة، والآخر عن طريق الشيعة الاِمامية، وكلاهما يُبيّنان كيفية صلاة النبي وليست فيهما أية إشارة إلى القبض فضلاً عن كيفيته.

ألف ـ حديث أبي حميد الساعدي:

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرناه أبو عبد اللّه الحافظ:

فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعملكم بصلاة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكَبيه، ثم يكبّـر حتّى يقرّ كل عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّـر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع اللّه لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود كل عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: اللّه أكبر، ثم يهوي إلى
____________

(1)النجفي: جواهر الكلام: 11|15 ـ 16.


( 154 )
الاَرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه فيثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: اللّه أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقر كل عظم موضعه معتدلاً، ثم يصنع في الركعة الاَُخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبّـر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّـر عند افتتاح صلاته، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقّه الاَيسر، فقالوا جميعاً: صدَق هكذا كان يصلّي رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1).

و الذي يوضح صحّة الاجتماع به الاَُمور التالية:

1ـ تصديق أكابر الصحابة (2)وهذا العدد لاَبي حميد يدل على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الاَدلّة.

2ـ أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك لاَنّهم لم يسلّموا له أوّل الاَمر أنّه أعملهم بصلاة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي، ومن البعيد جداً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة.

3ـ الاَصل في وضع اليدين هو الاِرسال، لاَنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه.

4ـ هذا الحديث لا يقال عنه إنّه عام وأحاديث القبض خصصته، لاَنّه وصف وعدد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.


____________

(1)البيهقي: السنن: 2|72، 73، 101، 102، أبو داود: السنن: 1|194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730ـ 736، الترمذي: السنن: 2|98 باب صفة الصلاة.
(2)منهم أبو هريرة، وسهل الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحمد بن مسلمة.


( 155 )

5ـ بعض من حضر من الصحابة قد روى أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقل أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طول في صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والاَوزاعي، ومالك (1).

هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي وقد روي عن طريق أهل السنّة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الاِمامية.

ب ـ حديث حماد بن عيسى:

روى حماد بن عيسى عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة» قال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّه مستقبلَ القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: اللّه أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو اللّه أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: اللّه أكبر، وهو قائم ثم ركع وملاَ كفيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثاً بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائماً، فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثم كبّـر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الاَرض قبل ركبتيه وقال: سبحان ربي الاَعلى وبحمده، ثلاث مرات، ولم يضع شيئاً من
____________

(1)الدكتور عبد الحميد: رسالة مختصرة في السدل: 11 .


( 156 )
بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والاَنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الاَنف على الاَرض سنّة، وهو الاِرغام، ثم رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال: اللّه أكبر، ثم قعد على جانبه الاَيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: أستغفر اللّه ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس وسجد الثانية، وقال كما قال في الاَُولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنّحاً، ولم يضع ذراعيه على الاَرض، فصلّـى ركعتين على هذا.

ثم قال: «يا حمّاد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك ولا بين يديك» (1).

ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة فلو كان سنّة لما تركه الاِمام في بيانه، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول، لاَنّه أخذه عن أبيه الاِمام الباقر، وهو عن أبيه عن آبائه، عن أمير الموَمنين، عن الرسول الاَعظم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فيكون القبض بدعة، لاَنّه إدخال شيء في الشريعة وهو ليس منه.

ثم إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأخذ بدراستها:

إنّ مجموع ما يمكن الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن مرويات ثلاثة:

1ـ حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.

2ـ حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.

3ـ حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه.


____________

(1)الحر العاملي: الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1. ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2.


( 157 )

وإليك دراسة كل حديث:

ألف: حديث سهل بن سعد:

روى البخاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كان الناس يُوَمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه إلاّ يَنمي ذلك إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1).

قال إسماعيل (2): يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي.

والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالته بعد تسليم سنده. ولا يدل عليه بوجهين:

أوّلاً: لو كان النبي الاَكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله: «كان الناس يوَمرون»؟ أوَما كان الصحيح عندئذ أن يقول: كان النبي يأمر؟ أوليس هذا دليلاً على أنّ الحكم نجم بعد ارتحال النبي الاَكرم حيث إنّ الخلفاء وأُمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيّل أنّه أقرب للخشوع؟ ولاَجله عقد البخاري بعده باباً باسم باب الخشوع. قال ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنّه صفة السائل الذليل، وهو أمنع عن العبث وأقرب إلى الخشوع، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقّبه بباب الخشوع.

وثانياً: أنّ في ذيل السند ما يوَيد أنّه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الاَكرم نفسه حيث قال:

قال إسماعيل: «لا أعلمه إلاّ ينمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل
____________

(1)ابن حجر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2|224، باب وضع اليمنى على اليسرى. ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 2|28، الحديث 3، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
(2)المراد: إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي. لاحظ فتح الباري: 9|325.


( 158 )
بصيغة المجهول.

ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة غير أنَّه يُعزى وينسب إلى النبي، فيكون ما يرويه سهل به سعد مرفوعاً.

قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبي (1).

هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم، فمعناه أنّ سهلاً ينسب ذلك إلى النبي، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الاِرسال والرفع، يكون قوله: «لا أعلمه إلاّ ...» معرباً عن ضعف العزو والنسبة، وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسم.

ب ـ حديث وائل بن حجر:

وروي بصور:

1ـ روى مسلم، عن وائل بن حجر: أنّه رأى النبي رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّـر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّـا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّـر فركع ... (2).

والاحتجاج بالحديث احتجاج بالفعل، ولا يحتج به إلاّ أن يعلم وجهه، وهو بعدُ غير معلوم، لاَنّ ظاهر الحديث أنّ النبي جمع أطراف ثوبهِ فغطّى صدره به،
____________

(1)المصدر نفسه: هامش رقم 1.
(2)مسلم: الصحيح: 1|382 ، الباب 5 من كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سند الحديث «همام» ولو كان المقصود، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه: كان يحيى القطّان لا يعبأ بـ «همام» وقال عمر بن شيبة: حدثنا عفان قال: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة في حفظه. لاحظ هدى الساري: 1|449.


( 159 )
ووضع يده اليمنى على اليسرى، وهل فعل ذلك لاَجل كونه أمراً مسنوناً في الصلاة، أو فعله لئلاّ يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويتّقي به نفسه عن البرد؟ والفعل أمر مجهول العنوان، لا يكون حجّة إلاّ إذا علم أنّه فعل به لاَجل كونه مسنوناً.

إنّ النبيّ الاَكرم صلّـى مع المهاجرين والاَنصار أزيد من عشر سنوات، فلو كان ذلك ثابتاً من النبي لكثر النقل وذاع، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر، مع ما في نقله من الاحتمالين.

نعم روي بصورة أُخرى ليس فيه قوله: «ثم التحف بثوبه» وإليك صورته:

2ـ روى البيهقي بسنده عن موسى بن عمير: حدثني علقمة بن وائل، عن أبيه: أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله (1).

وبما أنّه إذا دار الاَمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية هي المتعينة، فيلاحظ عليها بما لوحظ على الاَُولى وأنّ وجه الفعل غير معلوم.

على أنّه لو كان النبي مقيماً على هذا العمل، لاشتهر بين الناس، مع أنّ قوله: «ورأيتُ علقمة يفعله» يعرب عن أنّ الرواي تعرّف على السنّة من طريقه.

3ـ رواه البيهقي أيضاً بسند آخر عن وائل بن حجر (2)ويظهر الاِشكال فيه بنفس ما ذكرناه في السابق.


____________

(1)البيهقي: السنن: 2|28، وفي سند الحديث عبد اللّه بن جعفر، فلو كان هو ابن نجيح قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وكان وكيع إذا أتى على حديثه جز عليه، متفق على ضعفه. لاحظ دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفر: 1|87.
(2)المصدر نفسه: وفي سنده عبد اللّه بن رجاء. قال عمرو بن علي الفلاس: كان كثير الخلط والتصحيف ليس بحجّة. لاحظ هدى الساري: 1|437.


( 160 )
ج ـ حديث عبد اللّه بن مسعود:

روى البيهقي مسنداً عن ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ أنّه كان يصلّـي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فوضع يده اليمنى على اليسرى (1).

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه من البعيد أن لا يعرف مثل عبد اللّه بن مسعود ذلك الصحابي الجليل ما هو المسنون في الصلاة مع أنّه من السابقين في الاِسلام، أنّ في السند هشيم بن بشير وهو مشهور بالتدليس (2).

ولاَجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت كانوا يتحرّزون عنه ويرونه من صنع المجوس أمام الملك.

روى محمد بن مسلم عن الصادق أو الباقر _ عليه السلام _ قال: قلت له: الرجل يضـع يده في الصلاة ـ وحكي ـ اليمنـى على اليسرى؟ فقال: ذلك التكفير، لا يفعل.

وروى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ أنّه قال: وعليك بالاِقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق بإسناده عن علي _ عليه السلام _ أنّه قال: وعليك بالاِقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق بإسناده عن علي _ عليه السلام _ أنّه قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوس ـ (3).


____________

(1)البيهقي: السنن: 2|28، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى، الحديث 5.
(2)هدى الساري: 1|449.
(3)الحر العاملي: الوسائل: 4 الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 1و 2 و7.


( 161 )

وفي الختام نلفت نظر القارى إلى كلمة صدرت من الدكتور علي السالوس، فهو بعد ما نقل آراء فقهاء الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والاِبطال بقوله: «وأُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والاِبطال، أو التحريم فقط، يمثّلون التعصب المذهبي وحب الخلاف، تفريقاً بين المسلمين» (1).

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ القبض أمر حدث بعد النبي الاَكرم، وكان الناس يوَمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً، فقد أحدث في الدين ما ليس منه، أفهل جزاء من اجتهد أن يُرمى بالتعصب المذهبي وحب الخلاف؟!

ولو صح ذلك، فهل يمكن توصيف الاِمام مالك به؟ لاَنّه كان يكره القبض مطلقاً، أو في الفرض أفهل يصح رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحب الخلاف؟!

أجل لماذا لا يكون عدم الاِرسال ممثلاً للتعصب المذهبي وحب الخلاف بين المسلمين، يا ترى؟!



____________

(1)فقه الشيعة الاِمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الاَربعة: 183.


( 162 )

المسألة الرابعة:


صلاة الضحى

صلاة الضّحى من النّوافل الرّواتب المشهورة في كتب الفقه والحديث لاَهل السنّة وإن كانت مجهولة ومتروكة عند الكثير من عامّتهم.

وفي هذه العجالة نلقي نظرة خاطفة على مايتعلّق بصلاة الضحى من قبيل: حكمها وأقوال الفقهاء حولها، ووقتها، وعدد ركعاتها وأدلّة مشروعيّتها عندهم وبالاَخير نظر فقهاء الشيعة حولها.

ما هو حكمها ؟

صلاة الضّحى على المشهور عندهم سنّة كما عليه الحنابلة والحنفيّة والشافعيّة.

وفي مقابل المشهور هناك أقوال أُخر وهي:

1 ـ إنّها مندوبة (1)ـ كما عليه المالكيّة ـ فيستحب المداومة عليها.

2 ـ لاتستحبّ أصلاً.


____________

(1) يفرق بين المسنون والمندوب، بأنّ الاَوّل هو ما واظب عليه النبي ص والخلفاء الراشدون والثاني هو ما أمر به النبي ص ولم يواظب عليه. (الفقه على المذاهب الخمسة، للشيخ محمّد جواد مغنية: 78).


( 163 )

3 ـ يستحبّ فعلها تارة وتركها أُخرى فلا يستحبّ المداومة عليها.

4 ـ تستحبّ صلاتها والمحافظة عليها في البيوت.

5 ـ لاتشرع إلاّ بسبب مثل الشكر وغيره.

6 ـ إنّها بدعة (1).

متى وقتها ؟

وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح، إلى زوالها والاَفضل أن يبدأها بعد ربع النهار. وعبّر عن وقتها بهذه العبارة أيضاً: وأفضل وقتها إذا علت الشمس واشتدّ حرّها ويمتدّ وقتها إلى زوال الشمس، وأوله حين تبيضّ الشمس (2).

كم عدد ركعاتها ؟

أقلّها ركعتان وأكثرها ثمان، وقيل أثنتا عشرة ركعة، وقال الحنفيّة: أكثرها ستّ عشرة، وذهب بعض الشافعية والطبري إلى أنّه لا حدّ لاَكثرها.

وقالوا بأنّه يكره أنّ يصلّى في نفل النّهار زيادة على أربع ركعات بتسليمة واحدة (3).

ما هي أدلّة مشروعيّتها عندهم ؟

لا دليل لهم على مشروعيّتها إلاّ مجموعة أحاديث وردت في مجاميعهم الحديثيّة.


____________

(1)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.
(2)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.
(3)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.


( 164 )

ولكن بعد التمحيص والتنقيب يتجلّـى عدم نهوضها للحجّية على ذلك.

لاَنّها إمّا مجملة تقصر دلالتها عن الاِثبات، وإمّا مرويّة عن طرق لايصح الاحتجاج بها.

مضافاً إلى معارضتها بأحاديث نافية للمشروعيّة راجحة عليها سنداً ودلالة.

وإليك نماذج من تلك الطّوائف الثّلاث، وعليها يمكن قياس سائر الاَحاديث التي لم نذكرها هنا رعاية للاختصار:

الطائفة الاَُولى :

الاَحاديث المحاطة بالاِجمال، منها:

1 ـ ما روي عن نعيم بن همّاز، قال: سمعت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: قال اللّه عزّ وجلّ: يا ابن آدم لاتعجزني من أربع ركعات في أوّل نهارك أكفك آخره (2).

رواه أبو داود وأحمد والترمذي.

ولفظه: ابن آدم اركع من أوّل النهار أربع ركعات أكفك آخره».

وليس في هذا تصريح بصلاة الضحى ولا ظهور لاحتمال أنّ المقصود من الاَربع هو فريضة الفجر ونافلتها كما اختاره ابن تيميّة وابن قيم (3)واحتمله البعض الآخر مثل الشوكاني والعراقي (4).

2 ـ ماروي عن أبي هريرة قـال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنَّ حتى
____________

(1)التاج الجامع للاَُصول: 1|321.
(2)زاد المعاد: 1|120.
(3)نيل الاَوطار: 3|64.


( 165 )
أموت: صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر» (1).

احتمل في هذا الحديث اختصاص الوصيّة بأبي هريرة وأمثاله الذين لايستيقظون لنافلة الليل أو ينشغلون عنها، بأنّ يصلّوها في الضحى قضاءً ويوَيده قوله: «ونوم على وتر».

قال ابن قيّم: «وأمّا أحاديث الترغيب فيها والوصيّة بها فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذرّ لا يدلّ على أنّها سنّة راتبة لكلّ أحد، وإنّما أوصى أبا هريرة بذلك، لاَنّه قد روي أنّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث باللّيل على الصّلاة فأمره بالضّحى بدلاً من قيام الليل، ولهذا أمره لا ينام حتى يوتر ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة» (2).

3 ـ روي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة أنّه قال: «دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبّح فقمت وراءه فقرّبني حتّى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يرفأ تأخرتُ فصففنا وراءه» (3).

ولكن عمل الخليفة مجهول العنوان فمن أين يعلم بأنّه كان يصلّي الضحى؟ خاصّة مع شهادة ولده كما سيأتي بأنّه ما كان يصلّيها.

ثمّ إنّ الهاجرة لغة ليس بمعنى الضحى، بل «بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس إلى العصر» (4)على المشهور، فسبحة الهاجرة تنطبق على نافلة الظهر وبناءً على ما حكي عن ابن السكّيت بأنّ: الهاجرة إنّما تكون بالقيظ وقبل الظهر بقليل وبعدها بقليل (5)فالرواية مجملة إذ كما يحتمل فيها صلاة الضحى يحتمل
____________

(1)صحيح البخاري: 2|73.
(2)زاد المعاد: 1|118.
(3)الموطّأ للامام مالك: 131، الحديث 209. «يرفأ» اسم خادم عمر .
(4)لسان العرب مادة هجر.
(5)لسان العرب مادة هجر.


( 166 )
نافلة الظهر ولا مرجّح للاَوّل على الثاني.

4 ـ ما روي عن أبي هريرة قال: «ما رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي الضّحى قطّ إلاّ مرّة» (1).

فصدر الحديث ينفي صلاة الضحى وذيله مجمل لاحتمال أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان قد صلّى صلاة بسبب آخر كالحاجة أو غيرها وخفي على أبي هريرة فتصور أنّه صلّى الضحى، إذ ليس فيه أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أعرب عن نيّة عمله.

5 ـ ما روي عن أنس أنّه قال: «رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في سفر صلّى سبحة الضّحى ثماني ركعات فلّما انصرف قال: «إنّي صلّيت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربّي ثلاثاً فأعطاني اثنين ومنعني واحدة: سألته ألاّ يبتلي أُمّتي بالسنين ففعل، وسألته ألاّ يظهر عليهم عدوّهم ففعل، وسألته ألاّ يلبسهم شيعاً فأبى عليّ» (2).

يرد على الاستدلال به، أوّلاً: مثل ما مضى على سابقه، وثانياً : يتناقض ذيله مع الواقع التاريخي للاَُمّة الاِسلامية، فكم من بلد إسلاميّ ابتلي بالقحط والسّنين، وما أكثر البلدان الاِسلامية التي وقعت تحت سيطرة أعدائها في الزمن الغابر والحاضر.

وهذا ممّا يطمئننا باختلاقه ووضعه.

الطائفة الثانية :

الاَحاديث الموضوعة :

قال ابن قيم الجوزيّة (691 ـ 751) في تقييم أحاديث صلاة الضحى:


____________

(1)مسند الاِمام أحمد بن حنبل: 2|446.
(2)فقه السنّة: 1|185.


( 167 )

«وعامّة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها موضوع لايحلّ الاحتجاج به» (1).

ثمّ ذكر عدّة أحاديث قد صرّح أعلام الرجاليّين بكون نقلتها وضّاعين كذبة، منها:

1 ـ ماروي عن أنس مرفوعاً: «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلاّ عن علّة كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور».

وضعه زكريّا بن دريد الكندي عن حميد.

2 ـ حديث يعلى بن أشدق عن عبد اللّه بن جراد: عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «من صلّـى منكم صلاة الضحى فليصلّها متعبّداً، فانّ الرّجل ليصلّيها السّنة من الدّهر ثمّ ينساها ويدعها فتحنّ إليه كما تحنّ الناقة على ولدها إذا فقدته».

وياعجباً للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله ؟! فإنّه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى وهذه نسخة موضوعة على رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، يعني نسخة يعلى بن الاَشدق.

وقال ابن عدي: روى يعلى بن الاَشدق عن عمّه عبد اللّه بن جراد عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمّه غير معروفين. وبلغني عن أبي مسهر قال: قلت ليعلى بن الاَشدق: ما سمع عمك من حديث رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟فقال: جامع سفيان وموطّأ مالك وشيئاً من الفوائد.

وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد اللّه بن جراد فلمّـا كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شبهاً بمائتي حديث فجعل يحدّث بها وهو لايدري. وهو الذي قال له بعض أصحابنا: أيّ شيء سمعته عن عبد اللّه بن جراد ؟ فقال: هذه النسخة، وجامع أبي سفيان لاتحلّ الرّواية عنه بحال.


____________

(1)زاد المعاد: 1|119.


( 168 )

3 ـ حديث عمر بن صبيح عن مقاتل بن حبان عن عائشة: «كان رسول اللّه يصلّي الضحى اثنتي عشرة ركعة».

وهو حديث طويل ذكره الحاكم في صلاة الضحى وهو حديث موضوع المتّهم به عمر بن صبيح.

قال البخاري: حدثني يحيى بن علي بن جبير قال: سمعت عمر بن صبيح يقول: أنا وضعت خطبة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وقال ابن عدي: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يضع الحديث على الثّقات لايحلّ حديثه إلاّ على جهة التعجّب منه. وقال الدّارقطني: متروك، وقال الاَزدي: كذّاب.

4 ـ حديث عبد العزيز بن إبان عن الثوري عن حجاج بن فرافصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: «من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر».

ذكره الحاكم أيضاً. وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذّاب. وقال يحيى: ليس بشيء كذّاب خبيث يضع الحديث. وقال البخاري والنسائي والدّار قطني: متروك الحديث.

5 ـ حديث النهاس بن فهم عن شداد عن أبي هريرة يرفعه: «من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر».

والنهاس، قال يحيى: ليس بشيء ضعيف. كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرة.

وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لايساوي شيئاً. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لايجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث تركه يحيى القطان (1).


____________

(1)راجع حول الاَحاديث الموضوعة وعمّـا جاء حول رواتها، زاد المعاد: 1|119 ـ 120.


( 169 )
الطائفة الثالثة:

الاَحاديث النافية لمشروعية صلاة الضحى:

فهي معارضة للاَحاديث المثبتة وباعتبار قوّة دلالتها وأسنادها رجّحها جماعة من علماء العامّة على غيرها كما صرّح بذلك ابن قيم.

قال: «وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجّحتها من جهة صحّة اسنادها وعمل الصحابة بموجبها» (2).

منها :

1ـ مـا رواه البخـاري بسنـده عن مورّق قـال: قلت لابـن عمـر: أتصلّي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ قال: لا أخاله» (3).

2 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سبّح سبحة الضّحى وإنّي لاَسبّحها» (4).

وقد استدلّ بعضهم بهذه الرواية لنفي الضحى لصحّة اسنادها. «قال أبو الحسن علي بن بطال: فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى وقال قوم: إنّها بدعة» (5).


____________

(1)زاد المعاد: 1|117.
(2)صحيح البخاري: 2|73.
(3)المصدر نفسه ـ ومسند أحمد بن حنبل: 6|209.
(4)زاد المعاد: 1|117.


( 170 )

وأمّا قول عائشة: بأنّـي أُسبّحها، فهو اجتهاد في مقابل النصّ ولا قيمة له في سوق الاعتبار الشرعي.

3 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه قال: ما حدّثنا أحد أنّه رأى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي الضّحى غير أمّ هانىَ، فإنّها قالت: إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل وصلّـى ثماني ركعات فلم أر صلاةً أخفّ منها غير أنّه يتم الركوع والسجود» (1).

ونفى هذا الحديث حديثَ أحد رأى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّـي الضّحى، وأمّا رواية أُمّ هانىَ فليست ظاهرة في صلاة الضحى، ويحتمل قويّاً أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلّى تلك الركعات شكراً للّه على ما منّ عليه بفتح مكة. ولذلك ذهب جماعة من علماء العامّة «بأنّها لاتشرع إلاّ بسبب (2) الخ».

4 ـ ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناساً يصلّون الضّحى فقال: إنّهم ليصلّون صلاة ما صلاّها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا عامّة أصحابه ـ رضي اللّه عنهم ـ » (3).

5 ـ ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم قال: مرضتُ مرضاً فجاء ابن عمر يعودني. قال: وسألته عن السّبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السفر فما رأيته يسبّح ولو كنتُ مسبّحاً لاَتممتُ وقد قال اللّه: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِـي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" » (4).


____________

(1)البخاري: 2|73.
(2)نيل الاَوطار للشوكاني: 3|53.
(3)مسند الاِمام أحمد بن حنبل: 5|45.
(4)صحيح مسلم: 5|199، كتاب المسافرين.


( 171 )

6 ـ وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذ أُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى. قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة» (1).

7 ـ وروي عن الشعبي قال: «سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضّحى» (2).

ففي هاتين الروايتين صرّح ابن عمر بكون صلاة الضّحى بدعة، وإن رآها فضيلة بناءً على مسلك والده في جواز الابتداع الحسن.

8 ـ روي عن أبن عباس أنّه قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أُمرت بالضّحى ولم توَمروا بها» (3).

بناءً على صحة الحديث، فالظاهر أنّ المراد من الاَمر هنا هو أصل التشريع لا الوجوب لاَنّه لم يثبت وجوب شيء من النوافل على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاصّة ما عدا نافلة اللّيل.

وعليه فلم تشرع نافلة الضحى للمسلمين لاَنّه نفى الاَمر بها عليهم.

* * *
إلى هنا تبيّن أنّه لم يوجد حديث صحيح فيه دلالة واضحة على مشروعية صلاة الضّحى. وأمّا ما ادّعيت صحته فهو إمّا معارض بالراجح عليه سنداً ودلالة، أو فيه إجمال لايمكن أن يستدل به على المقصود.


____________

(1)صحيح البخاري: 3|3، باب العمرة.
(2)زاد المعاد: 1|118.
(3)نيل الاَوطار للشوكاني: 3|61.


( 172 )
موقف الاِمامية من صلاة الضحى :

صلاة الضحى عند فقهاء الاِمامية، بدعة لايجوز فعلها.

وقد اتّفقوا وأجمعوا على هذا الرّأي كما صرّح بذلك السيد الشريف المرتضى في رسائله (1)وشيخ الطائفة في الخلاف (2) والعلاّمة الحلّي في المنتهى (3)، والعلاّمة المجلسي في البحار (4) والمحدّث البحراني في الحدائق الناضرة (5).

ويدلّ على هذا الرّأي قبل الاِجماع، أوّلاً: عدم الدليل الشرعي المعتبر على مشروعية صلاة الضحى، وهذا يكفي للقول بعدمها إذ لايطالب النافي بدليل، بل الدليل على المدّعي.

وثانياً: الاَخبار المستفيضة الواردة عن طرق أهل البيت _ عليهم السلام _ النافية لمشروعية صلاة الضحى والمصرّح في بعضها أنّ العمل بها بدعة ومعصية، منها:

1 ـ ما رواه الشيخ الطوسي عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة وابن مسلم والفضيل، قالوا: سألناهما _ عليهما السلام _ عن الصلاة في رمضان نافلة باللّيل جماعة؟ فقالا: إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم
____________

(1)رسائل الشريف المرتضى: 1|221.
(2)الخلاف، موسوعة الينابيع الفقهية: 28|220.
(3)البحار: 80|158.
(4)المصدر نفسه: 155.
(5)الحدائق الناضرة: 6|77.


( 173 )
إلى بيته وتركهم ففعلوا ذلك ثلاثة ليال، فقام في الرابع على منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: «أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان ولاتصلّوا صلوة الضّحى فإنّ ذلك معصية، ألا وأنّ كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار» ثم نزل وهو يقول: «وقليل في سنّة خير من كثير في بدعة» (1).

2 ـ ما حكي عن دعائم الاِسلام عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ أنّه قال لرجل من الاَنصار سأله عن صلاة الضحى فقال: «إنّ أوّل من ابتدعها قومك الاَنصار سمعوا قول رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة» فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلّون، فبلغ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فنهاهم عنه (2).



____________

(1)التهذيب: 3|69 ـ 70 ومثله في الاستبصار: 1|467، الفقيه: 2|132 والوسائل: 5|192.
(2)المجلسـي: البحار: 80|159، النوري: المستدرك: 3|70. لاحظ: من لا يحظره الفقيه: 9|566 وفي الاَخير زيادة على ما في المتن.