( 119 )
الفصل الثاني عشر
مسائل عشر على طاولة التطبيق
إنّ الغاية القصوى من تحديد مفهوم البدعة، هو الاهتداء إلى مصاديقها
وتمييزها عن السنّة فهناك أُمور وصفها البعض بالبدعة والآخر بالسنّة وما زال
النزاع على قدم وساق، وسنختار مسائل عشر لبحثها وهي:
1ـ الاحتفال بمولد الرسول.
2ـ شد الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم.
3ـ القبض في الصلاة.
4ـ صلاة الضحى في السنّة.
5ـ إقامة صلاة التراويح جماعة.
6ـ الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات في مجلس واحد.
7ـ النهي عن متعة الحج.
8 ـ الاتمام في السفر.
9ـ الصيام في السفر.
10ـ روَية اللّه تعالى.
( 120 )
فلعلّ من العسير على القارىَ الذي كانت سيرته القبض في الصلاة عند
التلاوة، أو إقامة صلاة التراويح جماعة، أن يترك مذهبه الذي نشأ عليه منذ
نعومة أظفاره، بل ونشأ عليه قومه طيلة قرون عديدة، ولكن لمّا كان الحق أحق
أن يُتّبع، لذا نقترح عليه أن يتخلّـى عمّا كان عليه حسب تقليده ويدرس المسألة
من رأس على ضوء أدلّتها، منحازاً عن كل رأي مسبّق، وعند ذلك يتجلّى له
الحق بأجلى مظاهره ويسهل قبوله وإن كان على خلاف ما نشأ عليه، وهذا ما
نطلبه من القرّاء في دراستهم لهذا الفصل.
وإليك البحث عن الجميع واحداً تلو الآخر:
( 121 )
المسألة الاَُولى:
الاحتفال بمولد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
لقد طال النزاع في الآونة الاَخيرة عن طريق وسائل الاعلام وغيرها في
الاحتفال بمولد النبي الاَكرم، وقد رفع بعضهم شعار البدعة فيه بينما يراه
الاَكثرون أنّه من السنّة. وإليك دراسة الموضوع في ضوء الاَدلّة.
النبي أصل في الكتاب والسنّة :
قد تعرّفت على أنّ العنصر المقوّم للبدعة هو عدم الدليل على جواز
العمل، فلو كان هناك دليل خاص على جواز العمل، أو دليل عام يشمل
المصاديق المحدثة فليس ذلك ببدعة، وقد ذكرنا لك أمثالاً كثيرة، وعلى ضوء
ما ذكر نركز في هذا الفصل على وجود دليل عام على الاحتفال بيوم ميلاده، وإن
لم يكن هناك دليل خاص، وأمّا الدليل فكما يلي:
الحب والبغض خلّتان تتواردان على قلب الاِنسان، تشتدّان وتضعفان،
ولنشوئهما واشتدادهما أو ضعفهما عوامل وأسباب.
ولا شك أنّ حب الاِنسان لذاته من أبرز مصاديق الحب، وهو أمر بديهي لا
يحتاج إلى البيان، وجبلي لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطق حب الاِنسان لما
يرتبط به أيضاً، فهو كما يحب نفسه يحب كذلك كل ما يمت إليه بصلة، سواء كان
اتصاله به جسمانياً كالاَولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والاَفكار والآراء
( 122 )
والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشد من حبّه لاَبيه وأُمه فيذب
عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كل شيء
حتى نفسه التي بين جنبيه.
فإذا كانت للعقيدة هذه المنزلة العظيمة تكون لموَسّسها ومغذّيها
والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها
عود، ولاَجل ذلك كان الاَنبياء والاَولياء بل جميع الدعاة إلى الاَُمور المعنوية
والروحية محترمين لدى جميع الاَجيال من غير فرق بين نبي وآخر ومصلح
وآخر، فالاِنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.
ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم، بل تعشق النفوس الطيبة طبقة الاَنبياء
والرسل منذ أن شرّع اللّه الشرائع وابتعث الرسل، فترى أصحابها يقدّّمونهم على
أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.
النبي في الكتاب :
ولوجود هذه الاَرضية في النفس الاِنسانية والفطرة البشرية، تضافرت
الآيات والاَحاديث على لزوم حب النبي وكل ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ
إرشاداً إلى ما توحي فطرة الاِنسان إليه قال سبحانه: "قُلْ إِنْ كانَ آباوَُكُمْ وأبْناوَُكُمْ
وإخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وعَشِـيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَـرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسادَها ومَساكِنُ تَرضَـوْنَها أَحَبُّ إلَيكُمْ مِنَ اللّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ
فَتَـربَّصُوا حَتَّى يَأْتِـيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ واللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ" (التوبة ـ 24).
وقال سبحانه: "وَمنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ
الغالِبُونَ" (المائدة ـ 56).
ويقول سبحانه: "فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونصروه واتَّبَعُوا النُّوَر الَّذِي
أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئكَ هُمُ المُفْلِحُونَ" (الاَعراف ـ 157).
( 123 )
فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:
1ـ الاِيمان به.
2ـ تعزيره.
3ـ نصرته.
4ـ اتباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.
وليس المراد من تعزيره، نصرته، لاَنّه قد ذكره بقوله: "ونصروه" وإنّما
المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما انّه نبي الرحمة والعظمة، ولا يختص
تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمها وغيرها، تماماً كما أنّ الاِيمان به والتبعيّة
لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.
هذه هي العوامل الباعثة إلى حب النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهذه
هي الآيات المرشدة إلى ذلك.
ولاَجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحث على حبّه
ومودته.
النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في السنّة:
قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
1ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده والناس أجمعين».
2ـ «والذي نفسي بيده لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب الناس إليه من
والده وولده».
3ـ «ثلاث من كنّ فيه ذاق طعم الاِيمان: من كان لا شيء أحب إليه من اللّه
ورسوله، ومن كان لئن يحرق بالنار أحب إليه من أن يرتد عن دينه، ومن كان
يحب للّه ويبغض للّه».
( 124 )
4ـ «واللّه لا يكون أحدكم موَمناً حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده».
5ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه».
6ـ «من أحب اللّه ورسوله صادقاً غير كاذب، ولقى الموَمنين فأحبهم،
وكان أمر الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها، فقد طعِمَ طعم الاِيمان، أو قال: فقد
بلغ ذروة الاِيمان».
إنّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _
من شريعة ودين، هو الذي يذوق طعم الاِيمان، وتذَوّق طعم الاِيمان لا يتحقّق
إلاّ عندما يستنّ الاِنسان بسنّة رسول اللّه ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.
7ـ عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول اللّه ! ما الاِيمان؟ قال: «أن تعبد اللّه
ولا تشرك به شيئاً، ويكون اللّه ورسوله أحب إليك ممّا سواهما، وتكون أن
تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك باللّه شيئاً، وتحب غير ذي نسب لا تحبه
إلاّ للّه، فإذا فعلت ذلك فقد دخل حب الاِيمان في قلبك كما دخل قلب الظمآن
حب الماء في اليوم القائظ».
8 ـ «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الاِيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحب
إليه ممّا سواهما».
9ـ عن أنس أنّ رجلاً سأل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن الساعة،
فقال: متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها»؟ قال: لا شيء إلاّ أنّي أحب اللّه
ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول
النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أنت مع من أحببت».
10ـ أبو ذر قال: يا رسول اللّه! الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل
بعملهم؟ قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت» قال: فإنّي أُحب اللّه ورسوله، قال:
«فإنّك مع من أحببت»، قال: فأعاد (ها) أبو ذر، فأعادها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .
( 125 )
11ـ «من أحيا سنّتي فقد أحبّني ومن أحبّني كان معي في الجنة».
12ـ «والذي نفس محمد بيده ليأتينّ على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لئن
يراني أحب إليه من أهله وماله معهم».
13ـ «إنّ أحدكم سيوشك أن يحب ينظر إليّ نظرة بما له من أهل وعيال».
14ـ «من أشد أُمتي لي حُباً أُناس يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله
وماله».
15ـ «أشد أُمتي لي حباً قوم يكونون بعدي يودّ أحدهم أنّه فقد أهله وماله
وأنّه رآني».
16ـ «إنّ أُناساً من أُمتي يأتون بعدي يودّ أحدهم لو اشترى روَيتي بأهله
وماله».
17ـ «من دعا بهوَلاء الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة حلّت له الشفاعة
منّي يوم القيامة: اللّهمّ أعط محمد الوسيلة، واجعل في المصطفين محبته، وفي
العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكر داره».
18ـ «من قـال في دبر كل صلاة مكتوبـة: اللّهمّ أعط محمـداً الدرجـة
والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبته وفي العالمين درجته، وفي
المقرّبين ذكره، من قال تلك في دبر كل صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة،
ووجبت له الشفاعة».
وقد روي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
أفضل من عتق الرقاب، وحب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أفضل من
عتق الاَنفس أو قال: من ضرب السيف في سبيل اللّه عزّ وجلّ (5).
* * *
____________

(1)راجع للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها جامع الاَُصول: ج1 نقلاً عن صحيح البخاري
ومسلم والترمذي والنسائي، وكنز العمال: ج2، و 6 و12.
( 126 )
اختلاف الاَُمّة في درجات حبّهم للنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
وليست الاَُمّة الموَمنّة في ذلك شرعاً سواء، بل هم فيه متفاوتون على
اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حب اللّه تعالى.
قال الاِمام القرطبي: كل من آمن بالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إيماناً
صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة غير أنّهم
متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الاَوفى، ومنهم من أخذ منها
بالحظ الاَدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات محجوباً في الفضلات في أكثر
الاَوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ اشتاق إلى
روَيته بحيث يوَثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الاَُمور
الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه (3).
مظاهر الحب في الحياة:
إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس
من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل انّ من
خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله،
بصورة مشهورة وملموسة.
فحب اللّه ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته،
والاِتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول
اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أشدَّ الحب، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا
يرضيه، فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله فقد جمع بين شيئين
متخالفين متضادين.
____________

(1)فتح الباري: لابن حجر: 1|50 ـ 51.
( 127 )
ولنعم ما قال الاِمام جعفر الصادق _ عليه السلام _ في هذا الصدد موجهاً
كلامه إلى مدّعي الحب الاِلهي كذباً:
تعصي الاِله وأنتَ تظهر حبَّه * هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لاَطعته * إنّ المحب لمن يحب مطيع (1)
للحبِّ مظاهر وراء الاتباع:
نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو
يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويزيل حاجته، ويذب عنه، ويدفع عنه كل كارثة
ويهيىَ له ما يريحه ويسره إذا كان حياً.
وإذا كان المحبوب ميتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له
الدموع كما فعل النبي يعقوب _ عليه السلام _ عندما افتقد ولده الحبيب يوسف
_ عليه السلام _ فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ
عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.
بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد، فنجد المحب
يحفظ آثار محبوبه، وكل ما يتصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه
ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته ومثواه، ويحتفل كل عام
بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودة له.
إلى هنا ثبت، أنّ حب النبي وتكريمه أصل من أُصول الاِسلام لا يصح
لاَحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحب الكامن في القلب من دون
أن يرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم، القيام بكل ما يعد مظهراً
____________

(1)سفينة البحار: مادة «حب».
( 128 )
لحب النبي شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في
الشريعة، نظير:
1ـ تنظيم السنّـة النبوية، وإعراب أحاديثهـا وطبعهـا ونشرها بالصـور
المختلفة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت
وأحاديثهم.
2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطولة حول
حياة النبي وعترته، وإنشاء القصائد بشتى اللغات والاَلسن في حقّهم، كما كان
يفعله المسلمون الاَوائل.
فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح
رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان ممّا يعبّـر به أصحابها عن حبهم
لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .
فهذا هو كعب بن زهير ينشىَ قصيدة مطولة في مدح رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ منطلقاً من إعجابه وحبه له _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيقول
في جملة ما يقول:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يُفد مكبول
نُبِّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني * والعفوّ عند رسول اللّه مأمول
ويقول:
مهلاً هداك الذي أعطاك نـا * فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إنّ الرسول لنور يستضاء به * مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)
وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه، ولم ينكر عليه
____________

(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|513.
( 129 )
رسول اللّه
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ .
وهذا هو حسّان بن ثابت الاَنصاري يرثي النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:
بطيبة رسم للرسول ومَعْهَد * مُنير وقد تعفو الرسول وتحمد
إلى أن قال:
يدل على الرحمان من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهداً * معلم صدقٍ إن يعطيعوه يَسْعدُوا(1)
وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشىَ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:
خلّوا بني الكفار عن سبيله * خلّوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنّي موَمن بقيله * أعرف حق اللّه في قبوله (2)
هذه نماذج ممّا أنشأها الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي الاَكرم
ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.
ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد حول النبي الاَكرم
لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.
فإنّ مدح النبي كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والموَمنين منذ أن لبّى
الرسول دعوة ربّه، ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار
ما ناله الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من المدح بمختلف الاَساليب
والنظم.
____________

(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|666.

(2)المصدر نفسه: 371.
( 130 )
وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة
وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال،
فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.
3ـ تقبيل كل ما يمـت إلى النبي بصلة كباب داره، وضريحه وأستار قبره
انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلّته.
وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الاِنسان الموَمن لا يتمكّن بعد رحلة
النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من تقبيل الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _
(1) فيقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة
البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون
العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل
صاحب الجدار ، يقول:
أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا
4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر
جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات
بالمنهيات والمحرمات.
ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي في أيّ قرن من القرون، فقد انطلق من
هذا المبدأ أي حب النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.
هذا هو موَلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام
يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات،
____________

(1)دخل أبو بكر حجرة النبي ص بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه
فقبله ثم بكى فقال: بأبي أنت يا نبي اللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك
فقد مُتَّها. لاحظ صحيح البخاري: 2|17 كتاب الجنائز.
( 131 )
ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف،
ويظهر عليهم من كراماته كل فضل عظيم
(1).
وقال أبو شامة المقدسي في كتابه: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل
في اليوم الموافق ليوم مولده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الصدقات
والمعروف بإظهار الزينة والسرور، فإنّ في ذلك مع ما فيه من الاِحسان للفقراء
شعاراً لمحبته (2).
أنا لا أُوافق الشيخ المقدسي في تسميته للاحتفال بالبدعة إلاّ أن يريد
البدعة بالمعنى اللغوي، كما أنّ الاحتجاج على حسن الاحتفال بالاَعمال
الجانبية من صدقات ومعروف وإظهار الزينة ...، فإنّ هذه الاَُمور الجانبية لا
تسوغ الاحتفال، ولا تضفي عليه صبغة شرعية ما لم يكن هناك دليل في الكتاب
والسنّة، قد عرفت وجود الدليل.
وقال القسطلاني: ولا زال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه
السّلام) ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون
السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من
بركاته كل فضل عظيم ... فرحم اللّه امرىَ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك
أعياداً، ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعيا داء (3).
إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظن أن يشك أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي
الاَكرم، احتفالاً دينياً فيه رضى اللّه ورسوله، ولا تصح تسميته بدعة، إذ البدعة
هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، وليس المراد من الاَصل؛ الدليل
الخاص، بل يكفي الدليل العام في ذلك.
____________

(1)الديار بكري: تاريخ الخميس: 1|323 .

(2)الحلبي: السيرة: 1|83 ـ 84.

(3)المواهب اللدنية: 1|148.
( 132 )
ويرشدك إلى أنّ هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي؛ وجدانك الحر،
فانّه يقضي ـ بلا مرية ـ على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته، بل
يتلقاها كل من شاهدها عن كثب على أنّ المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه
ويرفعون مقامه اقتداءً بقوله سبحانه: "ورَفَعنا لكَ ذِكْرَكَ" (الانشراح ـ 4).
السنّة النبوية وكرامة يوم مولده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
1ـ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أُنزل
عليّ» (2).
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ عند الكلام في استحباب صيام الاَيام
التي تتجدّد فيها نعم اللّه على عباده ـ ما هذا لفظه: إنّ من أعظم نعم اللّه على هذه
الاَُمّة إظهار محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وبعثته وإرساله إليهم، كما قال
اللّه تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللّهُ علَـى الموَمنينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أنْفُسِهِمْ" فصيام
يوم تجدّدت فيه هذه النعمة من اللّه سبحانه على عباده الموَمنين حسن جميل،
وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر (3).
2ـ روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ قال: لمّا قدم
النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء،
فسُئلوا عن ذلك، فقالوا: هو اليوم الذي أظفر اللّه موسى وبني إسرائيل على
فرعون، ونحن نصوم تعظيماً له، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
«نحن أولى بموسى» وأمر بصومه (4).
وقد استدل ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي على ما نقله الحافظ السيوطي، فقال: فيستفاد فعل الشكر للّه
على ما
____________

(1)مسلم: الصحيح: 2|819.

(2)ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف: 98.

(3)مسلم: الصحيح: 113، وأخرجه البخاري: 7|215.
( 133 )
منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة ويعاد ذلك، نظير ذلك
اليوم من كل سنة. والشكر للّه يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام
والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في
ذلك اليوم
(1).
3ـ وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصه، يقول: وقد ظهر لي تخريجه
على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس انّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أنّ جده عبد المطلب عقّ عنه في
سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أنّ الذي فعله النبي
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ إظهار للشكر على إيجاد اللّه إيّاه رحمة للعالمين
وتشريع لاَُمته كما كان يصلّي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر
بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار
المسرّات (2).
4ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير
الموَمنين! آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً.
فقال: أيّ آية؟ قال: "اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً" (المائدة ـ 3).
فقال عمر: إنّي لاَعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه،
ورسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قائم بعرفة يوم الجمعة (3).
وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم
جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح (4).
____________

(1)السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.

(2)السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.

(3)البخاري: الصحيح: 8|270، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة
أنّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.

(4)البخاري: الصحيح: 8|270، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة
أنّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.
( 134 )
وفي هذا الاَثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب (رض) على اتخاذ اليوم
الذي حدثت فيه نعمة عظيمة، عيداً لاَنّ الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود
اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك النعمة، وفرصة لاِظهار
الفرح والسرور (1).
نرى أنّ المسيح عندما دعا ربه أن ينزل مائدة عليه وعلى حوارييه قال:
"اللّهمَّ ربَّنا أنْزِلْ عَلَينا مائِدَةً ِمَن السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدَاً لاِوَّلِنا وَآخِرِنا وآيَةً مِنْكَ
وارْزُقْنا وأَنْتَ خَيرُ الرّازِقينَ" (المائدة ـ 114).
فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً، والرسول
الاَكرم نعمة عظيمة منّ بها اللّه على المسلمين بميلاده، فلم لا نتّخذه يوم فرح
وسرور؟
الاستدلال بالاِجماع:
ذكروا أنّ أوّل من أقام المولد هو الملك المظفر صاحب اربل، وقد توفي
عام 630 هـ، وربّما يقال: أوّل من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون؛ أوّلهم
المعجز لدين اللّه، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال 361 هـ، وقيل في ذلك
غيره، وعلى أيّ تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض
عليهم أيّ ابن أُنثى، وعلى أيّ حال فقد تحقّق الاِجماع على جوازه وتسويغه
واستحبابه قبل أن يولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الاِجماع حجة؟
مع أنّ اتفاق الاَُمّة بنفسه أحد الاَدلّة، وكانت السيرة على تبجيل مولد النبي إلى أن
جاء ابن تيمية، والعز بن عبد السلام (2) والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه
بالبدعة، مع أنّ الاِجماع انعقد قبل هوَلاء بقرنين أو قرون، أو ليس انعقاد
الاِجماع في عصر من العصور حجة بنفسه؟
____________

(1)عيسى الحميري: بلوغ المأمول: 29.

(2)هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي (577 ـ 660 هـ): فقيه شافعي، له من الكتب
«التفسير الكبير» و «مسائل الطريقة» وغيرها. (أعلام الزركلي: 4|21. دار الملايين ـ بيروت).
( 135 )
أوهام وتشكيكات:
إنّ للقائلين بالمنع تشكيكات وشبه كلّها سراب لا ماء، نذكرها
بنصوصهم:
أ ـ الاحتفال نوع من العبادة:
قال محمد حامد الفقي: والمواليد والذكريات التي ملاَت البلاد باسم
الاَولياء هي نوع العبادة لهم وتعظيمهم (1).
يلاحظ عليه: أنّ العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد
بإلوهية المعظَّم له أو ربوبيته، أو كونه مالك لمصير المعظِّم المحتفل، وأنّ بيده
عاجله وآجله، ومنافعه ومضاره ولا أقل، وبيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.
وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر وقام بالاحتفال بذكرى رجل
ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعد ذلك عبادة له وإن
أُقيمت له عشرات الاحتفالات وأُلقيت فيها القصائد والخطب.
ومن المعلوم أنّ المحتفلين المسلمين يعتقدون أنّ النبي الاَكرم عبد من
عباد اللّه الصالحين، وفي الوقت نفسه هو أفضل الخليقة، ونعمة من اللّه إليهم،
فلاَجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.
ب ـ لم يحتفل السلف بمولد النبي:
قال ابن تيمية: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع
منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق به
منّا، فإنّهم كانوا أشد محبّة لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وتعظيماً له
منّا، وهم على الخير أحرص (2).
____________

(1)محمّد حامد الفقي في تعليقته على فتح المجيد: 154.

(2)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 293 ـ 294.
( 136 )
يلاحظ عليه: بما تعرّفت عليه في الفصل الرابع من أنّ المقياس في السنّة
والبدعة هو الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين أو السيرة العملية المتصلة بعصر
النبي، وأمّا غير ذلك فليس له وزن ولا قيمة ما لم يكن هناك اعتماد على هذه
الاَُصول الاَربعة، ولم يكن السلف أنبياءً ولا رسلاً، وليس الخلف بأقل منهم، بل
الجميع أمام الكتاب والسنّة سواسية، فلو كان هناك دليل من الكتاب والسنّة
على جواز الاحتفال، فترك السلف لا يكون مانعاً، على أنّ ترك السلف لم يكن
مقارناً بتحريم الاحتفال أو كراهيته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر اللّه بما
في هذه الآية: "وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" (الحشر ـ 7)
ولم يقل في حق النبي «وما تركه فانتهوا عنه» فكيف الحال في حق السلف؟!
ج ـ إنّها مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح:
يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في
ميلاد المسيح _ عليه السلام _ ، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له واللّه قد يثيبهم على
هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع (1).
يلاحظ عليه: أنّ ابن تيمية ليس على يقين بأنّ المسلمين يقيمون
الاحتفال مضاهاةً للنصارى، أضف إلى ذلك أنّ الاَساس الذي يجب أن يبنى
عليه عمل المسلم هو: انطباق العمل على الكتاب والسنّة، فلا تكون المضاهاة
مانعة عن اتّباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا أنّ أوّل من احتفل، احتفل مضاهاةً،
إلاّ أنّ المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.
د ـ تخصيص المولد بيوم للاحتفال به بدعة:
إنّ عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الاَيام بالنسبة للاحتفال سواسية،
____________

(1)المصدر السابق.
( 137 )
فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل
بدعة
(1).
هذا هو الدليل الهام للقائلين بالمنع، ولكن الجواب عنه واضح، وذلك
لاَنّ جميع الاَيام بالنسبة إلى الاحتفال وإن كانت سواسية إلاّ أنّ تخصيص يوم
واحد للاحتفال به، فلاَجل خصوصيات في ذلك اليوم، وليست في غيره إلاّ ما
شذّ، وهو أنّ ذلك اليوم تشرّف بولادته فهو من أفضل الاَيام، كما أنّ البقعة التي
ضمّت جسده الشريف هي من أفضل البقاع، ومن ثم خصّ النبي الاَكرم يوم
الاثنين بفضيلة الصوم وبيّن أنّ سبب التخصيص هو أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولد فيه، فصار كل ذلك سبباً لاختيار هذا اليوم دون سائر الاَيام، نعم في
وسعهم الاحتفال في غير هذا اليوم أيضاً، بل كل يوم أرادوا تكريم النبي
والاحتفاء به.
ثم إنّ الذي نلفت نظر القائل بالمنع إليه،. هو أنّه لم يقترن ولن يقترن ادّعاء
ورود الاَمر الشخصي على هذا التخصيص، وانّما الكل يتّفق على جواز
الاحتفال في جميع الاَيام غير أنّ تخصيص ذلك اليوم هو لاَجل خصوصية
كامنة فيه.
نعم، من احتفل في مولد النبي وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا
التخصيص فهو مبتدع، ولا أظن على أديم الاَرض رجلاً يدّعي ذلك.
وبعبارة موجزة، فإنّ كون الاحتفال بدعة رهن أمرين؛ وكلاهما منتفيان:
1ـ عدم الدليل العام على الاحتفال.
2ـ ادّعاء ورود الشرع بذلك اليوم الخاص وحثّه عليه.
فعندئد فلا معنى لادّعاء البدعة.
هـ ـ الاحتفالات تشتمل على أُمور محرّمة:
إنّ هذه الاحتفالات مشتملة على أُمور محرّمة في الغالب كاختلاط النساء
____________

(1)صالح الفوزان: البدعة: 17.
( 138 )
بالرجال، وقراءة المدائح مع الموسيقى والغناء
(1).
يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستدلال ينمّ عن قصور باع المستدل،
وهذا يدل على أنّه قد أعوزه الدليل، فأخذ يتمسّك بالطحلب شأن الغريق
المتمسّك به.
فإنّ البحث، في نفس مشروعية العمل بحد ذاتها. وأمّا الاَُمور الجانبية
العارضة عليه فلا تكون مانعاً من الحكم بالجواز، وما ذكره لا يختص
بالاحتفال، بل كل عمل يجب أن يكون بعيداً عن المحرّمات، فعلى المحتفلين
أن يلتزموا بذلك، ويجعلوا مجالسهم مهبطاً للنور.
وفي الختام نركز على أمر وهو ، أنّ الاستدلال على الجواز أو المنع
بالاَُمور الجانبية خروج عن الاستدلال الفقهي، فانّ الحكم بالجواز والمنع ذاتاً
يتوقّف على كون الشيء بما هو هو جائزاً أو ممنوعاً، وأمّا الاستدلال على
أحدهما بالاَُمور الطارئة فليس استدلالاً صحيحاً.
وهناك نكتة أُخرى، وهي أنّ الاستدلال على الجواز بما جرت عليه سيرة
العقلاء من إقامة الاحتفالات على عظمائهم قياس مع الفارق، لاَنّ الاحتفالات
الرائجة بين العقلاء من الاَُمور العادية، والاَصل فيها هو الحلّية، وأمّا الاحتفال
بمولد النبي فإنّما هو احتفال ديني وعمل شرعي فلا يقاس بتلك الاحتفالات،
بل لابد من طلب دليل شرعي على جوازه، وبذلك تقدر على القضاء بين أدلّة
الطرفين.
نعم، لا يمكن أن ننكر أنّ ما يقيمه العقلاء من احتفال، له تأثير في نفوسنا
وتحفيز لنا للاِقبال على الاحتفال بمولد النبي، وفي هذا الصدد يقول العلاّمة
الاَميني:
____________

(1)ابن الحاج: المدخل: 2|2.
( 139 )
«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات، والجري على مراسم
النهضات الدينية، أو الشعبية العامة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع
من الطوارق المهمة في الطوائف والاَحياء، بعدِّ سنيها، واتخاذ رأس كل سنة
بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتماً وأحزاناً، وإقامة الحفل السارّ، أو
التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة
البشرية، وأسّستها الفكرة الصالحة لدى الاَُمم الغابرة، عند كل أُمّة ونحلة، قبل
الجاهلية وبعدها، وهلمّ جرّاً حتى اليوم.
هذه مراسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاِسلام
وقبله، سجّلها التاريخ في صفحاته.
وكأنَّ هذه السُّنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة، وتسقى
من منابع الحياة، وتتفرع على أُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاِعجاب،
لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملاَ، وعُظماء الاَُمة إحياءً لذكراهم، وتخليداً
لاِسمهم، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية،
لمستقبل الاَجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة،
وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب، ولا تختصّ بجيل دون جيل، ولا بفئة
دون أُخرى.
وإنّما الاَيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسّم بالكرامة والعظمة، وتكتسب
سعداً ونحساً، وتتخذ صبغة ممّا وقع فيها من الحوادث الهامّة، وقوارع الدهر
ونوازله... » (1).
____________

(1)الاَميني: سيرتنا وسنتنا: 38 ـ 39، الطبعة الثانية.
( 140 )
المسألة الثانية:
شدّ الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _
اتّفق المسلمون على جواز زيارة القبور وخاصة زيارة قبور الاَنبياء
والصالحين، إلاّ ما حكي عن ابن سيرين والنخعي والشعبي والنسبة غير ثابتة،
وقد تضافـرت الروايات على هذا الجواز وأنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
زار قبر أُمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربّي في أنّ أزور قبرها فأذن لي
فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت» (1).
وقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فأنّها تزهد في الدنيا وتذكّر
الآخرة» (2).
ونقتصر من الروايات الكثيرة على هذا المقدار (3).
____________

(1)مسلم: الصحيح: 3|65، باب استئذان النبي ربّه في زيارة قبر أُمّه.

(2)الترمذي: الصحيح :3|274، باب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي. وقال بعد نقل
هذا الحديث عن بريدة:حديث بريدة صحيح والعمل على هذا عن أهل العلم ولا يرون بزيارة
القبور بأساً وهو قول ابن مالك والشافعي وإسحاق.

(3)تحسن مراجعة المصادر الآتية: سنن ابن ماجة: 1|114 ط. الهند باب ما جاء في زيارة القبور،
أبو داود: الصحيح :2|195، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور..مسلم: الصحيح :4|73 كتاب
الجنائز، باب زيارة القبور. إلى غيرها من المصادر.
( 141 )
وقد روى في السنن كيفية زيارة النبي الاَكرم لقبور البقيع، فلاحظ
المصدر(1).
وأمّا زيارة قبر النبي الاَكرم فليس هناك أيّ خلاف بين المسلمين في
استحباب زيارته، وهذا محمد بن عبد الوهاب يقول: «تسن زيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلاّ أنّه لا يشد الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه» (2).
نعم، ينسب إلى ابن تيمية التشكيك في مندوبية زيارة النبي الاَكرم، ولكن
كلامه في كتاب الرد على الاخنائي على خلاف ذلك (3).
حتى أنّ المقدسي (4)صرّح بأنّه كان معتقداً بزيارة النبي الاَكرم وقال:
«قال رحمه اللّه (يعني ابن تيمية) في بعض مناسكه، باب زيارة قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : إذا أشرف على مدينة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قبل
الحج أو بعده فليقل ما تقدم فإذا دخل استحبّ له أنّ يغتسل، نصّ عليه الاِمام
أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال: بسم اللّه والصلاة على رسول
اللّه اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثمّ يأتي الروضة بين القبر
والمنبر فيصلّي بها ويدعو بما شاء، ثمّ يأتي قبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _
فيستقبل جدار القبر ولا يمسّه ولا يقبّله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند
القبر على رأسه ليكون قائماً وجاه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويقف
متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منكّس الرأس غاض
الطرف متحضراً بقلبه جلالة موقفه ثم يقول:
السلام عليك يارسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللّه
وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغرّ
____________

(1)النسائي: السنن:4|76 ـ 77 مضافاً إلى المصادر المتقدمة.

(2)الهدية السنية، الرسالة الثانية.

(3)لاحظ ابن تيمية: الرد على الاَخنائي:13.

(4)أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي.
( 142 )
المحجّلين أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّك رسول اللّه، أشهد أنّك قد بلّغت
رسالات ربّك ونصحت لاَُمتك ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة
الحسنة وعبدت اللّه حتى أتاك اليقين، فجزاك اللّه أفضل ما جزى نبياً ورسولاً
عن أُمّتة. اللّهمّ آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً»
(1).
ولذلك لا نطيل الكلام في إثبات استحباب زيارة قبر النبي الاَكرم، ولعلّنا
نخصص بحثنا لبيان حكم مطلق الزيارة وبالاَخص زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء
في المستقبل، إنّما الكلام هنا هو التركيز على حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي
الاَكرم، فقد رآه ابن تيمية ومن لفّ لفّه، أمراً حراماً مستدلاً بحديث أبي هريرة أنّه
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال:
«لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام
والمسجد الاَقصى».
وروي هذا الحديث بصورة أُخرى وهي:
«إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي ومسجد إيليا»
وروي بصورة ثالثة وهي:
«تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد ...» (2).
أقول: رفع القناع عن وجه الحقيقة يتوقف على دراسة أمرين:
الاَوّل: ما يدلّ على استحباب السفر لزيارة قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .
الثاني: دراسة وتحليل الحديث الذي تمسّك به ابن تيمية على تحريم
السفر.
وإليك الكلام حولهما واحداً تلو الآخر:
____________

(1)المقدسي: الصارم المنكي في الرد على السبكي: ص7. ط1 ، القاهرة، المطبعة الخيرية.

(2)مسلم: الصحيح: 4|126، كتاب الحج، باب لاتشد الرحال.أبو داود: السنن: 1|469 كتاب
الحج. النسائي: السنن :2| 37 ـ 38 المطبوع مع شرح السيوطي.
( 143 )
ما يدلّ على استحباب السفر:
يمكن الاستدلال على استحباب السفر بوجوه كثيرة لكننا نقتصر على
وجهين:
الاَوّل: إطباق السلف والخلف على السفر للزيارة:
وهذا لا يمكن لاَحد إنكاره، وقد استمرت السيرة قروناً عديدة، وممن
أوضح تلك السيرة الفقيه السبكي، بقوله:
1ـ إنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه
وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة، كما ذكرناه في الباب
الثالث، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم
يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الاَموال، ويبذلون فيه
المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق
الاَرض ومغاربها على مر السنين. وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل
أن يكون خطأ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى اللّه عزّ وجلّ، ومن
تأخر عنه من المسلمين فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسفه عليه و
ودّه لو تيسر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو
المخطىَ (1).
إنّ جريان السيرة على السفر في القرون الماضية بلغ في الوضوح ما لم
يستطع أحد أن ينكره، حتى أنّ الحنبلي المقدسي الذي أفرد كتاباً في الرد على
السبكي لم يتعرض للسيرة وماتحدّث عنها بكلمة مع أنّه كان بصدد نقد الكتاب، ولاَجل أن
____________

(1)الاِمام تقي الدين السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الاَنام: 100.
( 144 )
تتضح حال السيرة نذكر بعض النصوص من العلماء:
2 ـ قال أبو الحسن الماوردي ( ت | 450هـ): فإذا عاد ولي الحاج، سار به
على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه ليجمع لهم بين حجّ بيت اللّه عزّ وجلّ،
وزيارة قبر رسول اللّه رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته وذلك وإن لم يكن من
فروض الحجّ، فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الحجيج
المستحبة(1).
3 ـ قـال ابن الحـاج محمّد بن محمّد العبـدري القيرواني المالكـي (ت|
737هـ): وأمّا عظيم جنـاب الاَنبياء والرسـل ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم
أجمعين ـ فيأتي إليهم الزائر ويتعيّن عليه قصدهم من الاَماكن البعيدة، فإذا جاء
إليهم فليتصف بالذل والاِنكسار، والمسكنة والفقر، والفاقة والحاجة
والاِضطرار والخضوع ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا
بعين بصره لاَنّهم لا يبلون ولايتغيرون ... إلى آخر ما ذكره (2).
4ـ قال شيخ الاِسلام أبو يحيى زكريا الاَنصاري الشافعي ( ت | 925هـ)
في ما يستحب لمن حجّ: ثم يزور قبر النبي ويسلّم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة
المشرّفة (3).
إلى غير ذلك من النصوص الواردة حول استحباب السفر لزيارة قبر النبي
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ الحاكية عن تطابق الاَُمّة على السفر.
5ـ قال الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي في آخر كتاب الحج: وزيارة
قبره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة، ويبدأ بالحـج لو كان فرضـاً ويخيّر
____________

(1)أبو الحسن الماوردي: الاَحكام السلطانية: 105.

(2)ابن الحاج: المدخل: 1|257 فضل زيارة القبور.

(3)أسنى المطالب في شرح روض الطالب: 1|501.
( 145 )
لو كان نفلاً ما لم يمرّ بـه، فيبدأ بزيارتـه لا محالة ولينـوي
معه زيارة مسجده»
(1).
6ـ وقد نقل أنّه لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب
الاَحبار فأسلم ففرح به، فقال عمر له: هل لك أنّ تسير معي إلى المدينة، وتزور
قبره وتتمتع بزيارته؟ قال: نعم (2).
7ـ وقد تضافر النقل على أن بلالاً بعد ما نزل الشام وأقام بها، شد الرحال
لزيارة قبر النبي الاَكرم، قال جمال الدين المزي: أنّه لم يوَذّن لاَحد بعد النبي إلاّ
مرة واحدة في قدمة قدمها لزيارة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ طلب منه
الصحابة ذلك، فأذن ولم يتم الاذان (3).
الثاني: إنّ مقدّمة المستحب مستحبة :
إذا كان زيارة النبي الاَكرم أمراً مندوباً ولم تخصص الزيارة لمن كان مقيماً
في المدينة ونزيلاً فيها، فلم لا تكون مقدمتها مستحبّة إذ من القواعد إنّ وسيلة
القربة قربه، وقد وردت روايات على مشروعية تلك القاعدة؟
يقول السبكي في هذا الصدد:
قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ألا أدلّكم على ما يمحو اللّه به الخطايا
ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يارسول اللّه، قال: إسباغ الوضوء على المكاره،
وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم
الرباط» رواه مسلم (4)والخطى إلى المساجد إنّما شرّفت لكونها وسيلة إلى
عبادة.
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد،
____________

(1)الحنفي المفتي بدمشق (ت |1088): الدر المختار في شرح تنوير الاَبصار، آخر كتاب الحج.

(2)الزرقاني المالكي المصري: شرح المواهب: 8|299.

(3)جمال الدين المزي: تهذيب الكمال: 4|286، ابن منظور : مختصر تاريخ دمشق: 5|365.

(4)ورواه الاِمام مالك، وأحمد، والترمذي، والنسائي.
( 146 )
لاتخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلاّ رفعت له بها درجة
وحطّ عنه بها خطيئة» رواه البخاري ومسلم
(1).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم
فأبعدهم ممشى» رواه البخاري ومسلم (2).
وقال رجل: مايسرّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد، إنّي أريد أن يكتب لي
ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «قد جمع اللّه لك ذلك كله» رواه مسلم.
وقال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أنّ نبيع بيوتنا فنقرب
من المسجد، فنهانا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: «إنّ لكم بكل
خطوة درجة» رواه مسلم.
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من تطهّر في بيته، ثم مشى إلى بيت من
بيوت اللّه ليقضي فريضة من فرائض اللّه، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة
والاَُخرى ترفع درجة» رواه مسلم.
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ اللّه له
نزلاً كلّما غدا أو راح» رواه البخاري ومسلم والاِمام أحمد (3).
هذا كله ما ذكره السبكي في مقدمة المستحب وقال بالملازمة بين
استحباب ذي المقدّمة ومقدمته.
ولو قلنا بعدم الملازمة بين الاستحبابين ولكن لا محيص عن عدم التضاد
بين الحكمين، إذ كيف يمكن أن تكون الزيارة مستحبة للنائي ويكون السفر
حراماً؟ فلا محيص عن كونه مباحاً لا حراماً.
هذا كله حول دليل القائل بجواز شد الرحال.
____________

(1)ورواه أبو داود والبيهقي، وفيه زيادات، وكذلك الطبراني، والحاكم.

(2)ورواه ابن ماجة.

(3)السبكي: شفاء السقام، باب في كون السفر إليه قربة: 102، ولكلامه صلة فمن أراد فليرجع إليه
فإنّه ممتع.
( 147 )
دراسة دليل القائل بالتحريم:
ليس للقائل بالتحريم إلاّ دليل واحد وهو ما عرفت من رواية أبي هريرة
وقد نقلت بصور مختلفة قد تعرفت عليها، والمناسب لما يرومه المستدل
الصورة التالية:
«لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام
والمسجد الاَقصى» فتحليل الحديث يتوقف على تعيين المستثنى منه وهو لا
يخلو من صورتين:
1 ـ لاتشد إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد ...
2 ـ لاتشد إلى مكان من الاَمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد...
فلو كانت الاَُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث عدم شد الرحال إلى
أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة ولا يعني عدم شد الرحال إلى
أيّ مكان من الاَمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير
متعرض لشد الرحال لزيارة الاَنبياء والاَئمّة الطاهرين والصالحين لاَنّ موضوع
الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال
به على تحريم شد الرحال إلى غير المساجد، باطل.
وأمّا الصورة الثانية: فلا يمكن الاَخذ بها إذ يلزمها كون جميع السفرات
محرّمة سواء كان السفر لاَجل زيارة المسجد أو غيره من الاَمكنة، وهذا لايلتزم
به أحد من الفقهاء.
ثمّ إنّ النهي عن شد الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً
تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لاَنّ المساجد
الاَُخرى لاتختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلها متساوية في
الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر
( 148 )
مع أنّهما متماثلان.
وفي هذا الصدد يقول الغزالي: القسم الثاني وهو أن يسافر لاَجل العبادة
إمّا لحجّ أو جهاد ... ويدخل في جملته: زيارة قبور الاَنبياء _ عليهم السلام _
وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يتبرّك
بمشاهدته في حياته يتبرّك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض،
ولا يمنع من هذا قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة
مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاَقصى، لاَنّ ذلك في
المساجد، فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين
زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في
الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه» (1).
يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شد الرحال إلى
المساجد الاَُخرى لاَجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب لاَنّ في
الثواب سواء، بخلاف الثلاثة لاَنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي
المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الاَقصى بخمسمائة فزيادة الثواب تحبّب
السفر إليها وهي غير موجوده في بقية المساجد (2).
والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً ما رواه
أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول اللّه يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً
فيصلّي فيه ركعتين» (3).
ولعلّ استمرار النبي على هذا العمل كان مقترناً لمصلحة تدفعه إلى السفر
إلى قباء والصلاة فيه مع كون الصلاة فيه أقل ثواباً من الثواب في مسجده.
____________

(1)الغزالي: احياء علوم الدين: 2|247 كتاب آداب السفر، ط دار المعرفة، بيروت.

(2)الدكتور عبد الملك السعدي، البدعة: 60.

(3)مسلم: الصحيـح :4|127. البخـاري: الصحيـح 2|76. النسـائي: السنن2|37 المطبوع مع
شرح السيوطي.