
(1)محمد الغزالي: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل: 102.

(2)إسماعيل حقّي البروسوي: روح البيان: 9|385.
( 98 )
( 99 )
الفصل العاشر
الخطوط العامّة لحصانة الدين
من الابتداع
كان النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ واقفاً على أنّه يدبّ دبيبُ
البدعة في دينه بعد رحيله، وأنّ سماسرة الاَهواء يبثّون بذور البدع في المجتمع
الاِسلامي وتنمو عبر الزمان، ولم يكن شيء عند الرسول أعزّ من الدين الذي
بُعث من أجله وضحّى في نشره النفس والنفيس وتحمّل عبأً عظيماً في طريق
دعوته.
وقد قام بأمر الحصانة بطرق متعددة نذكر منها ما يلي:
الاَُولى: التحذير من البدع والمبتدعين:
إنّ الخط الدفاعي الاَوّل الذي وضعه رسول اللّه لحصانة دينه تمثّل في ذم
البدع والمبتدعين وتحذير المجتمع الاِسلامي منهما في هتافاته الكثيرة
وبياناته البليغة، وقد تعرّفت على قسم منها في التقديم وبعده، وإليك بعضها:
( 100 )
قال رسول اللّه : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2).
وقال: «إيّاكم والبدع فانّ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة تسير إلى النار» (3).
وقال: «أصحاب البدع كلاب النار» (4).
وقال: «أهل البدع شر الخلق والخليقة» (5).
وقال: «يجيىَ قوم يميتون السنّة ويوغلون في الدين، فعلى أُولئك لعنة اللّه
ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين» (6).
وقال: «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاِسلام» (7).
وقال: «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه» (8).
إلى غير ذلك من البيانات البليغة التي تحذر المجتمع الاِسلامي من
البدعة والمبتدعين الذين يظهرون بعد رحيله، وبذلك أعطى بصيرة لمن خلفه
حتى لا يغترّوا بكلام المبتدعين فإنّه سراب لا ماء.
الثانية: الاِشارة بوجود الكذّابة على لسانه:
وقف النبي الاَكرم على أنّ هناك أُناساً في حياته أو بعد رحيله يكذبون أو
سيكذبون على لسانه فيبدلون دينه، وقال في حديث يرشد المسلمين إلى وجود
الكذابين ليأخذوا حذرهم:
«من كذّب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار» (9).
أو «من كذّب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار» (10).
أو «من يقُل عليَّ ما لم أقُل فليتبوّأ مقعده من النار» (11).
____________

(1) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(2) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(3) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(4) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(5) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(6) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(7) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145،
1029 و 1676.

(8) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661
والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.

(9) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661
والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.

(10) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661
والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.
( 101 )
إنّ التاريخ يشهد بأنّ الاَُمّة الاِسلامية ـ في عصر الخلفاء ـ يوم اتسعت
رقعة البلاد الاِسلامية واستوعبت شعوباً كثيرة، شهدت دخول جماعات
عديدة من أحبار اليهود وعلماء النصارى في الاِسلام، مثل كعب الاَحبار،
وتميم الداري ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام، الذين تسلّلوا إلى صفوف
المسلمين، وراحوا يدسّون الاَحاديث الاِسرائيلية، والخرافات والاَساطير
النصرانية في أحاديث المسلمين وكتبهم وأذهانهم.
وقد ظلّت هذه الاَحاديث المختلفة تُخيِّم على أفكار المسلمين ردحاً
طويلاً من الزمن، وتوَثّر في حياتهم العملية، وتوجّهها الوجهة المخالفة لروح
الاِسلام الحنيف في غفلة من المسلمين وغَفوتهم، ولم ينتبه إلى هذا الاَمر
الخطير، إلاّ من عصمه اللّه كعلي _ عليه السلام _ الذي راح يحذّر المسلمين عن
الاَخذ بمثل هذه الاَحاديث المختلفة فقال: «فلو علم الناس أنّه منافق كاذب، لم
يقبلوا منه ولم يصدّقوا قوله، ولكنّهم قالوا: صاحب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ورآه وسمع منه ولقف عنه» (1).
نماذج وأرقام عن الاَحاديث الموضوعة:
وحسبك لمعرفة ما أصاب المسلمين وما تعرّضت له الاَحاديث،
ولمعرفة الذين لعبوا هذا الدور الخبيث في غفلة من الاَُمة ما كُتب في هذا الصدد
مثل كتاب:
ميزان الاعتدال للذهبي.
تهذيب التهذيب للعسقلاني.
لسان الميزان للعسقلاني.
____________

(1)نهج البلاغة: الخطبة 210.
( 102 )
ونظائرها من الكتب التي صنّفت في هذا المجال.
ولعلّ فيما قاله البخاري صاحب «الصحيح» المعروف، إشارة إلى طرف
من هذه الحقيقة المُرّة، حيث قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري:
إنّ أبا علي الغساني روى عنه قال: خرّجت الصحيح من 600 ألف
حديث(1).
وروى عنه الاِسماعيلي أنّه قال:
أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير
صحيح(2).
ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تآليفهم
(الصحاح والمسانيد) من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن غيرها، وقد أتى أبو
داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديثاً وقال: انتخبته من خمسمائة ألف
حديث (3).
ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار على ألفي حديث
وسبعمائة وواحد وستين حديثاً، اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث (4).
وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول دون المكررات صنّفه من
ثلاثمائة ألف (5).
وذكر أحمد في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة
____________

(1)من الهدى الساري مقدمة فتح الباري: 4.

(2)المصدر نفسه: 5.

(3)الذهبي: طبقات الحفاظ: 2|154، تاريخ بغداد: 9|57.

(4)إرشاد الساري: 1|208، صفوة الصفوة: 4|143.

(5)الذهبي: طبقات الحفاظ : 2|151، 157، شرح صحيح مسلم للنووي: 1|32.
( 103 )
وخمسين وألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث
(1).
وقد قام الباحث الكبير المجاهد العلاّمة الاَميني في موسوعته (الغدير) ـ
الجزء الخامس ـ باستخراج أسماء الكذّابين والوضّاعين للحديث على حسب
الحروف الهجائية فبلغ عددهم 700.
وما قام به رحمه اللّه، وإن كان عملاً كبيراً يشكر عليه، غير أنّه لو قامت بهذا
الاَمر لجنة من الباحثين لعثروا على أضعاف ما ذكره ذلك الباحث الكبير.
كان تحذير النبي الاَكرم عن الدجالين الكذّابين وشيوع الكذب على
لسانه سبباً لقيام العلماء لوضع علم الرجال وبيان مقاييس يُميّز به الصحيح عن
السقيم.
وقال: وقد تنبّأ الرسول بما سيصيب سنّته الشريفة ويصيب المسلمين
فيما بعد على أيدي الكذّابين ووضّاعي الحديث وأعداء الاِسلام، وفي الوقت
نفسه أخبر عمّن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال: «يحمل هذا الدين في
كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين
كما ينفي الكير خبث الحديد» (2).
روى السيوطي أنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف، أرادوا أن
يلقوا الواو التي في سورة التوبة في قوله تعالى: "يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا إنَّ كثيراً مِنَ
الاَحْبارِ والرُّهبانِ ليَأكُلونَ أموالَ النّاسِ بالباطِل ويَصُدُّونَ عَنْ سبِيلِ اللّهِ والَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّة ولا يُنْفِقُونَها فِـي سَبِيلِ اللّه فَبَشِّـرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ"
(التوبة ـ 34) قال أُبي بن كعب: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي (3).
____________

(1)الذهبي: طبقات الحفاظ: 9|17.

(2)الكشي: الرجال: 5.

(3)السيوطي: الدر المنثور: 3|232.
( 104 )
كان الخليفة: يريد أن يقرأ قوله تعالى: "والذين يكنزون" بدون واو
العطف لتكون هذه الجملة وصفاً للاَحبار واليهود. وهذا مضافاً إلى كونه خلاف
التنزيل وتغييراً في ما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم،
فإنّ حذف الواو كان يعني أنّ آية حرمة الكنز لا ترتبط بالمسلمين بل هي صفة
للاَحبار والرهبان وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الاَموال
الطائلة.
وهذا يكشف عن مدى حفظ الاَُمّة لنص الكتاب بهذه الصورة الدقيقة
الاَمينة، بيد أنّ حفظ الاَُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحد، إذ كان غير شامل
لجوانب أُخرى من الشريعة وأُصولها ومصادرها وينابيعها.
الثالثة: محاولة كتابة الصحيفة:
هذا هو الخط الدفاعي الثالث الذي حاول الرسول وضعه لمكافحة دبيب
البدعة، وهنا نقتبس ما ذكره الاِمام الشاطبي حرفياً، يقول:
لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا، حتى ثبت من
حديث ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ أنّه قال: لمّا حضر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ
فقـال: «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده» فقال عمر: إنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللّه، واختلف أهل
البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كتاباً لن تضلّوا بعده، وفيهم من يقول كما قال عمر، فلما كثر اللغط
والاختلاف عند النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «قوموا عنّي» فكان ابن
عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك
الكتاب اختلافهم ولغطهم (1).
____________

(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|171 ـ 172 ولاحظ صحيح البخاري.
( 105 )
الرابعة: التعريف بالثقلين:
إنّ النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نبّه الاَُمّة وبيّن لها المرجع
والملاذ بعد رحيله بقوله: «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن
تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي» (1).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا
بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ولن
يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» (2).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه
حبل ممدود ما بين السماء والاَرض، وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى
يردا عليّ الحوض» (3).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه،
وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (4).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي
تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ وجلّ، وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من
السماء إلى الاَرض وعترتي أهل بيتي، وانّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن
يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تحلفوني فيهما» (5).
وقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في منصرفه من حج الوداع ونزوله غدير خم: «كأنّي دُعيت
____________

(1)كنزل العمال: 1|44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.

(2)المصدر نفسه: أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.

(3) أحمد: المسند: 5|182 ـ 189.

(4)الحاكم: المستدرك: 3|148.

(5)أحمد: المسند: 3|17 ـ 26. أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري.
( 106 )
فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر:
كتاب اللّه، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا
عليَّ الحوض»
(1).
وللكاتب الاِسلامي منشىَ المنار كلام ذكره في تعليقته على كتاب
الاعتصام للشاطبي قال: رواه ابن أبي شيبة والخطيب في المتّفق والمفترق عنه
وهو: «تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي»، و
رواه الترمذي والنسائي عنه بلفظ «يا أيُّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به
لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي» والحديث مرويّ بلفظ «العترة» بدل
«السنّة» عن كثير من الصحابة منهم: زيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبو سعيد
الخدري، وروي عن أبي هريرة بلفظ «السنّة» بدل «العترة» وفي كلا السياقين
بلفظ «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» والجمع بينهما في المعنى أنّ عترته
أهل بيته يحافظون على سنّته، أي لا يخلو الزمان عن قدوة منهم يقيمون سنّته لا
يُثنيهم عنها التقليد ولا الابتداع ولا الفتن (2).
الخامسة: التعريف بسفينة النجاة:
إنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شبّه أهل بيته بسفينة نوح فقال:
«ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها
غرق» (3).
وفي حديث آخر يقول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّما مثل أهل بيتي
فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة
____________

(1)الحاكم: المستدرك: 3|109، أخرجه عن حديث زيد بن أرقم.

(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|156، قسم التعليقة.

(3)رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر: 3|151.
( 107 )
في بني إسرائيل من دخله غفر له»
(1).
وفي حديث ثالث: «النجوم أمان لاَهل الاَرض من الغرق، وأهل بيتي أمان
لاَُمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب
إبليس» (2).
ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لاَنّ
هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج اللّه، وهم ثلّة منتخبة مصطفاة من أهل بيته، وقد
فهمه ابن حجر فقال: يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان: علماوَهم،
لاَنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فُقِدوا جاء أهل الاَرض من الآيات
ما يوعدون.
وقال في مقام آخر: إنّه قيل لرسول اللّه: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: «بقاء
الحمار إذا كسر صلبه» (3).
والمراد من تشبيههم _ عليهم السلام _ بسفينة نوح، من أنّ من لجأ إليهم
في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب اللّه، ومن تخلّف عنهم كان
كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه فما أفاده شيئاً فغرق وهلك.
والوجه في تشبيههم بباب حطة، هو أنّ اللّه تعالى جعل ذلك الباب
مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة،
وقد جعل انقياد هذه الاَُمة لاَهل بيت نبيّها وأتباعهم أيضاً مظهراً من مظاهر
التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.
وقد أوضح ابن حجر حقيقة التشبيه في الحديث الشريف فقال: «ووجه
تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم، وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم وأخذ بهدي
____________

(1)النبهاني: الاَربعون حديثاً: 216 نقله عن الطبراني في الاَوسط.

(2)رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس: 3|149.

(3) ابن حجر: الصواعق: 91، 142 (الباب الحادي عشر ).
( 108 )
علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر
النعم، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال: ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه
تشبيههم بباب حطة ـ أنّ اللّه جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو
بيت المقدس من التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الاَُمة مودة
أهل البيت سبباً لها»
(1).
دور أئمّة أهل البيت في مكافحة البدع:
إنّ لاَئمّة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع، والردّ على الاَفكار
الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب الذين تظاهروا بالاِسلام وبزيّ
المسلمين نظراء كعب الاَحبار، وتميم الداري، ووهب ابن منبه ومن كان على
شاكلتهم.
إنّ كتـب الحديث ـ من غير فرق بين الصحـاح وغيرها ـ مشحونة بأخبار
التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان
إلى الاَنبياء والرسل، وقد تأثّر بها المحدثون السُذَّج وحسبوا أنّها حقائق راهنة
فنقلوها إلى الاَجيال اللاحقة، وقد حيكت العقائد على نول هذه الاَحاديث،
ولم يتجرّأ أحد من المفكرين الاِسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من
شذّ.
نرى في مقابل هذه البدع أنّ أئمّة أهل البيت يكافحون التجسيم والتشبيه
والجبر وغيرهما، بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم وفي وسع
القارىَ الكريم مراجعة نهج البلاغة للاِمام عليّ _ عليه السلام _ و كتاب التوحيد
للشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ) وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (ت 550
هـ) إلى غير ذلك من الكتب الموَلّفة في ذلك المضمار، وما أحلى المناظرات التي أجراها
____________

(1)لاحظ الصواعق: 153 (الباب الحادي عشر ).
( 109 )
الاِمام عليّ بن موسى الرضا
_ عليه السلام _ في عاصمة الخلافة
الاِسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديين والملحدين وأحبار اليهود وقساوسة
النصارى، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الاَحاديث.
كانت لفكرة الاِرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل، واجهة
بديعة عند السذج من المسلمين ولا سيما الشباب منهم، فقام الاِمام الصادق
_ عليه السلام _ بردّها والتنديد بها، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال: «بادروا
أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة» (1).
هذا هو الاِمام الثامن عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _ يكافح فكرة
روَية اللّه تبارك وتعالى بالعين، ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ
بها بعض المحدّثين، وإليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة.
قال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسم الروَية والكلام بين اثنين، فقسم
لموسى _ عليه السلام _ الكلام ولمحمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ الروَية.
فقال الاِمام عليّ بن موسى الرضا _ عليه السلام _ : فمن المبلّغ عن اللّه عزّ
وجلّ إلى الثقلين الجنّ والاِنس "لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ"
(الاَنعام ـ 103) "ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً" (طه ـ 110) و "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ"
(الشورى ـ 11) أليس محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟
قال أبو قرّة: بلى.
قال الاِمام: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من
عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: "لا تدركه الاَبصار وهو يدرك
الاَبصار" و "ولا يحيطون به علماً" و "ليس كمثله شيء" ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت
____________

(1)الكليني: الكافي: 6|47، الحديث 5، ولاحظ البحار: 68|297.
( 110 )
به علماً وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة
أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر
(1).
هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى.
وإن أردت أن تقف على مدى مكافة الاَئمة الاثني عشر للبدع المحدثة
فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد،
وهما:
1ـ التوحيد لابن خزيمة (ت ـ 311 هـ).
2ـ التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ).
قارن بينها، تجد الاَوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر وما زال
المتسِّمون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام، كأنّ ضالّتهم فيه.
وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحق، ومعرفته بين التشبيه
والتعطيل، وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن
الحافّة بها.
وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الاَكرم قد جعل من الاَئمّة واجهة دفاعية لصد البدع
وأفكار المتبدعين ولا تتبين تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم.
* * *
السادسة: دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:
إذا كانت البدعة من أعظم الكبائر والمنكرات، فعلى السلطة التنفيذية
للحكومات الاِسلامية، دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للقيام
بمواجهة المبتدعين وردعهم عن أعمالهم، فإنّ البدعة أوّل يومها بذرة في الاَذهان،
____________

(1)الصدوق: التوحيد، باب ما جاء في الروَية: 111.
( 111 )
ثم يستفحل عودها عبر الزمن حتى تصير شجرة خبيثة ولذلك دعا
الذكر الحكيم إلى القيام بهذا الاَمر وقال: "
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون" (آل عمران ـ
104) وفي آية أُخرى: "
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةً أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْروفِ وَتَنْهَونَ
عَنِ المُنْكَرِ" (آل عمران ـ 110).
والاَُمّة عبارة عن جماعة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر، غير أنّ
الواجب على الجميع غير الواجب على جماعة خاصة، فيجب على كل مسلم
ردع المنكر بقلبه ولسانه، وأمّا القيام بأكثر من ذلك فهو على القويّ المطاع
العالم بالمعروف، وبذلك يجمع بين الآيتين، حيث إنّ الثانية ترى الاَمر
بالمعروف فريضة على الجميع والاَُولى تراه فريضة على أُمّة خاصة، فالمراتب
النازلة فريضة على الكل والمراتب العالية وظيفة للاَقوياء من الاَُمة.
ويكفي في أهمية تلك الفريضة قوله سبحانه: "الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ في
الاَرضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنْكَرِ وللّهِ عاقِبَةُ
الاَُمور" (الحج ـ 41).
وهذا الاِمام أمير الموَمنين يعلّل قيامه ونضاله، بردع البدع ويقول: «اللّهمّ
إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا، منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من
فضول الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك، ونظهر الاِصلاح في بلادك» (1)و
ردّ المعالم من دينه، كناية عن رفض البدع التي كانت قد ظهرت على الساحة
الاِسلامية لاَجل التساهلات.
وقال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ : «إنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر
سبيل الاَنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحلّ
____________

(1)نهج البلاغة، الخطبة: 127.
( 112 )
المكاسب، وتردّ المظالم، وتعمر الاَرض، وينتصف من
الاَعداء ويستقيم الاَمر»
(1).
وقد كان في العصور الماضية نشاط للآمرين بالمعروف في خصوص
متابعة المساجد والموَذنين والوعّاظ والقرّاء حتى لا يخرجوا عن حدود
الشريعة، يقول ابن إخوة: ومن وظائف المحتسِب مراقبة المساجد والموَذنين
والوعاظ والقراء، وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين
الناس بالدين والخير والفضيلة ويكون عالماً بالاَُمور والعلوم الشرعية ـ إلى آخر
ما ذكره ـ (2).
فهذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعها الاِسلام أمام المبتدعين، وهناك
أُمور أُخرى للقضاء على البدعة والحدّ من نشاط المبتدعين، نوَخر بيانها إلى
آونة أُخرى.
____________

(1)الحر العاملي: الوسائل: 11|395.

(2)ابن إخوة القرشي: معالم القربة في أحكام الحسبة: 179.
( 113 )
الفصل الحادي عشر
كيفية التوصل إلى مكافحة البدع
والقضاء عليها ؟
بقي هنا أمر هام وهو، كيف نتوصل إلى مكافحة البدع ونقضي عليها؟ وهو
سوَال مهمّ يبيّن موقفنا في هذا العصر أمام تيارات البدع قديماً وحديثاً، وفي
الحقيقة أنّ ما نذكره في الجواب، هو واجب العلماء المفكّرين الذين يتحرّقون
لمعرفة الحق بين منعرجات الاَهواء النفسية والانتماءات العصبية.
إنّ القضاء على البدع ولو نسبياً يتمّ بالقيام بأُمور هي:
الاَوّل: دراسة العقائد الاِسلامية على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة
والفطرة الاِنسانية والعقل السليم ونفي الاكتفاء برسالة الطحاوية «للاِمام
الطحاوي»، والاِبانة «للاِمام الشيخ الاَشعري» فإنّهما ـ رضوان اللّه عليهما ـ قد
أدّيا رسالتهما في عصرهما بأحسن وجه، ولم يكن في وسعهما إلاّ ما ألّفا ونشرا
وإن تأثّرا بالروايات غير الصحيحة، إذ في ثنايا ذينك الكتابين التلميح إلى
التشبيه والتعطيل وتعريف الاِنسان بلا اختيار وإرادة، كالريشة في مهبّ الريح،
إلى غير ذلك ممّا ترده الفطرة السليمة كجواز تعذيب الطفل يوم القيامة بالنار، ومن الموَسف جداً
( 114 )
الاكتفاء بدراسة العقائد بهذين الكتابين وما شاكلهما في
مقابل التشكيكات البراقة التي تثيرها كل يوم الوسائل الاِعلامية على الاِطلاق
في معسكر الغرب والشرق، وهل يمكن صد هذا التيار بهذه الكتب، كلا ومن
قال نَعم، فإنّما يقوله بلسانه وينكره بقلبه. كل ذلك يسوقنا إلى أن نعطي للعقائد
والمعارف قسماً أوفر في دراساتنا، حتى تتميز البدع عن غيرها، نعم انّ من
يتلقى كل ما ذكره أحمد بن حنبل في كتاب السنّة والاِمامين السابقين في
رسالتهما لا غبار عليه، وإن كان ضد الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الفطري
الصريح فلا يحسّ وظيفة أصلاً، وكلامنا مع المفكّرين الواعين العالمين بما
يجري في البلاد، على الاِسلام والشباب وما تثار من إشكالات حول الاَُصول
حتى التوحيد نفسه.
الثاني: تمحيص السُّنّة ودراستها من جديد دراسة عميقة سنداً ومضموناً
مقارنةً مع الكتاب والسنن القطعية عن الرسول، فانّ أكثر البدع لها جذور في
السنّة المدونة وهوعنها بريء وانّما اختلقها الوضّاعون الكذّابون على لسانه.
غير أنّ مسلمة أهل الكتاب وبما أنّهم لم يروا النبيّ الاَكرم قد نسبوها إلى أنبيائهم
وكتبهم، ونسبها بعض السلف إلى نفس النبي الاَكرم، وها نحن نضع أمامك
حديثين رواهما إلى الشيخان في مورد الاَنبياء حتى نتخذهما مقياساً لما لم
نذكره.
إنّه سبحانه يعرّف فضله على النبي الاَكرم بقوله: "وأنزلَ اللّهُ عليكِ
الكتابَ والحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللّهِ عليكَ عَظِيماً"
(النساء ـ 131) والمراد من فضله سبحانه في ذيل الآية هو علم النبي الذي أفاضه
اللّه عليه ووصفه بكونه عظيماً، مضافاً إلى ما في صدر الآية من إنزال الكتاب
والحكمة عليه.
ومع ذلك نرى أنّ الرسول في الصحيحين يُعرّف بصورة أنّه لا علم له
بأبسط الاَُمور وأوضح السنن الطبيعية في عالم النباتات، حيث رأى أنّ قوماً
يلقّحون النخيل فنهاهم عن ذلك قائلاً بأنّه لا يظن أنّه يغني شيئاً فتركه الناس،
( 115 )
وواجهوا الخسارة وعدم الاِثمار، فأتوا إلى النبي الاَكرم فقال ما قال، وإليك نص
الرواية:
1ـ روى مسلم، عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه
_ صلى الله عليه وآله وسلم _ بقوم على روَوس النخل، فقال: «ما يصنع هوَلاء؟»
فقالوا: يُلقِّحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول
اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّـي إنّما ظننت ظناً فلا
توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب
على اللّه عزّ وجلّ» (2).
وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل
يقولون: يلقّحون النخل فقال: «ما تصنعون»؟ قالوا: كنّا نصنعه ، قال: «لعلّكم لو
لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قـال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا
أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فانّما أنا
بشر»(3).
والعجب أنّ موَلف الصحيح مسلم النيسابوري ذكر الحديث في باب
أسماه بـ «وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ذكره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من
معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلق على الحديث بشيء بسيط ونترك
التفصيل إلى القارىَ.
أوّلاً: نفترض أنّ النبي الاَكرم ليس نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أُنزل إليه
الكتاب والحكمة، ولا من وصف اللّه سبحانه علمه بكونه عظيماً، ولكن كان
عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في
الحضر والبادية، وقد تكررت سفراته إلى الشام، وكل إنسان كان هذا شأنه يقف
على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ ! فيجيبونه بقولهم: إنّهم
____________

(1)مسلم: الصحيح: 15|125 و126 الباب 38، كتاب الفضائل.

(2)مسلم: الصحيح: 15|125 و126 الباب 38، كتاب الفضائل.
( 116 )
«يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفيّاً على النبي ؟!
ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح وهو سنّة من سنن اللّه في عالم
الحياة، وقال سبحانه: "ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبدِيلاً ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً"
(فاطر ـ 43) ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!
ثالثاً: إنّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيىَ الظن بكل ما يقوله النبي الاَكرم،
فان كان المخبر بهذه الدرجة من العلم، فكيف يمكن الاعتماد بما يُخبر عن اللّه
سبحانه؟! كل ذلك يسيء الظن بكل ما يذكره بلسانه ويخرج من شفتيه، والاَسوأ
من ذلك ما نُسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به،
فانّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لاَنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب
في مواضع أُخر.
فلو كانت الرواية ونظائرها مصادر للعقيدة، تكون النتيجة أنّ النبي ربّما
يكون جاهلاً بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟
2ـ لو كان الحديث الاَوّل يحط من منزلة النبي الاَكرم، فالحديث الثاني
يحط من مكانة الكليم موسى _ عليه السلام _ .
أخرج الشيخان في صحيحهما بالاسناد إلى أبي هريرة، قال: لمّا جاء
ملك الموت إلى موسى _ عليه السلام _ فقال له: أجب دعوة ربك، فلطم موسى
عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى اللّه تعالى فقال: إنّك أرسلتني
إلى عبدٍ لك لا يريد الموت، ففقأ عيني، قال فردّ اللّه إليه عينه، وقال: ارجع إلى
عبدي فقل: الحياةَ تريد، فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما
توارت بيدك من شعرة فانّك تعيش بها سنة (1).
____________

(1)مسلم: الصحيح: 7، كتاب الفضائل في باب فضائل موسى؛ البخاري: الصحيح: 4، كتاب بدء
الخلق، باب وفاة موسى: 157.
( 117 )
وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه، وقال: إنّ ملك الموت كان يأتي
الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال : ـ إنّ ملك الموت جاء
إلى الناس خفيّاً بعد وفاة موسى (1).
والحديث غني عن التعليق ولا يوافق الكتاب ولا سنّة الاَنبياء ولا العقل
السليم من جهات هي:
1ـ إنّـه سبحـانـه يقـول: "إذا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا
يَسْتَقْدِمُونَ" (يونس ـ 49) فظاهـر قوله: «أجب ربك» أنّه كان ممّن كتب عليه
الموت وجاء أجله ومع ذلك تأخّر.
2ـ من درس حياة الاَنبياء بشكل عام يقف على أنّهم _ عليهم السلام _ ما
كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعز من
الآخرة، وهل كانت تُخفى عليه نعمها ودرجاتها؟!
3ـ ما ذنب ملك الموت إن هو إلاّ رسول من اللّه مجنّد له، يعمل بإمرته،
فهل كان يستحق لمثل هذا الضرب؟!
4ـ كيف تُرِك القصاص من موسى مع أنّه سبحانه يقول: "وكَتَبْنا عَلَيهِمْ
فِيها أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَينِ والاَنْفَ بِالاَنْفِ والاَُذُنَ بِالاَُذُنِ والسِّنَّ
بِالسِّنِّ والجُروحَ قِصاصٌ" (المائدة ـ 45).
5ـ وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلبه عليه وفقأ عينه
ولم يتمكن من الدفاع، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربّه؟ أنا لا أدري،
وأظن أنّ القارىَ في غنىً عن هذه التعليقات فانّ مضمون الحديث يصرّح بأعلى
صوته انّه مكذوب.
____________

(1)الطبري: التاريخ: 1|305 ، باب وفاة موسى.
( 118 )
فتمحيص السنّة فريضة على المفكرين لكي يقضوا بذلك على البدع التي
ما انفكت تتلاعب بالدين، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن اللّه قلبه بالتقوى ولا
تأخذه في اللّه لومة لائم، وإن رماه المتطرفون بأنواع التهم والاَباطيل، ولا غرو
فانّ المصلحين في جميع الاَجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهال.